لا حديث يعلو اليوم في الشارع المصري عن حديث الدولار وأزمة العملات الأجنبية ومأزق الحكومة المتفاقم بشأن تراجع الاحتياطي النقدي وما لذلك من تبعات بشأن قدرة القاهرة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية من أقساط وفوائد دين، فضلًا عن قدرتها على توفير السيولة الدولارية لتحريك المياه الراكدة في مستنقع الاستيراد المتجمد.

تلك الأزمة التي لم تترك مجالًا من مجالات الحياة العامة والمعيشية، للمواطن والدولة على حد سواء، إلا وطرقته بشدة، أسعار السلع والخدمات، ومعدلات التضخم، والبورصة والاستثمارات الأجنبية والمحلية، والبنوك والمصارف المالية، وعجلة الاستيراد والتصدير، وصورة مصر الخارجية أمام المؤسسات النقدية العالمية، وأخيرًا حياة المواطن اليومية التي وصلت إلى مستويات متدنية.

مع بداية العام الجديد، تتجه الأنظار صوب الحكومة لاستطلاع مدى قدرتها على التعاطي مع تلك الأزمة التي وصلت إلى معدلات قياسية، فبعيدًا عن التصريحات الرسمية الوردية - التي ما عادت تجني ثمارها بسبب تعارضها شكلًا ومضمونًا مع الواقع - بتحسن الأوضاع خلال السنة الحاليّة، فإن القلق هو السمة السائدة التي تفرض نفسها على الشارع في انتظار إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل تفاقم الأزمة.

حالة فوضى

المتابع للشارع الاقتصادي المصري فيما يتعلق بمنظومة العملات الأجنبية يجد أن هناك حالة فوضى عارمة تسيطر على الصورة، مبعثها الرئيسي الفشل في السيطرة على منافذ ومخارج تلك العملات، وترك الأمر مستباحًا لكل صائد لديه أدوات الصيد الماهرة من سيولة نقدية وقدرات شرائية.

من أبرز مظاهر تلك الحالة تعدد أسواق الدولار وبقية العملات الأجنبية الأخرى، فالأمر لم يكن مقتصرًا على هذا السعر المدون على شاشات أسعار العملات في البنوك والمصارف وشركات الصرافة الرسمية والمرخصة، فهناك شاشات السوق السوداء التي تتأرجح في أسعارها بين الساعة والأخرى.

يخيم الاستقرار النسبي على شاشات أسعار العملات في البنوك والمصارف التي تلعب حول سعر 24.6 - 24.7 جنيه للدولار الواحد، أما في السوق السوداء فالأمر يختلف، إذ يتباين سعر الورقة الخضراء ما بين 29 إلى 33 جنيهًا، وهو الفارق الكبير الذي يجعل من هذا السوق الموازي قبلة أساسية لمالكي الدولارات ممن يبحثون عن الاستفادة من هذا الفارق مقارنة ببيعه إلى البنوك الرسمية.

وتنتشر على منصات التواصل الاجتماعي عشرات الصفحات التي تروج لبيع العملات الأجنبية بأسعار تفوق السوق الرسمي بأكثر من 5 جنيهات أي ما نسبته 18% تقريبًا من قيمتها الرسمية، اللافت أن تلك الصفحات التي ينشر أعضاؤها رغبتهم في بيع وشراء مبالغ كبيرة، تنتشر على مرأى ومسمع من الحكومة وأجهزة الرقابة.

بعيدًا عن السوقين المتعارضين للدولار فهناك سوق ثالث لكنه سوق اعتباري في المقام الأول، يتعلق بتقييم السلع المسعرة بالجنيه المصري بناء على قيمتها الدولارية الحقيقية، كالذهب والمعادن النفيسة، حيث يعتمد تجاره وكبار مستورديه على سعر ثالث أعلى نسبيًا عن السعر الرسمي وسعره في السواق الموازي، وهو السبب الحقيقي وراء الفجوة الواضحة في سعر الذهب داخل مصر وخارجها.

أجواء سلبية

ساهمت حالة الفوضى تلك في نشر أجواء تشاؤمية سلبية بشأن الوضع بصفة عامة، تعزز ذلك مع تأخر وصول الشريحة الأولى من قرض صندوق النقد الدولي البالغة 370 مليون دولار التي تمت الموافقة عليها أكتوبر/تشرين الأول الماضي ضمن قرض بلغ 3 مليارات دولار على 4 سنوات.

تفاقم الوضع بصورة أكبر مع صعود أزمات أخرى مثل الاعتمادات المستندية والسندات، وتراجع تحويلات المصريين العاملين بالخارج، ومأزق المستوردين وتعليق استيراد المواد الداخلة في الصناعة، وارتفاع كلفة الإنتاج، وهو ما صعد مخاوف المواطن والمستثمر معًا، خاصة مع ندرة توافر الدولار الذي بات الحصول عليه من البنوك الرسمية أملًا قد لا يتحقق لكثير من الباحثين عنه، ما دفعهم للتوجه للسوق السوداء، وهنا عمق الأزمة الحقيقي.

استقر في يقين المصريين أن الدولة مهما وفرت من عملات أجنبية سواء عبر منافذها المحلية (السياحة وقناة السويس) أم الخارجية (القروض والمنح والمعونات وحصيلة بيع السندات الدولارية والأصول المملوكة للدولة)، فإن الأمر لن يتغير كثيرًا بسبب الدين الهائل الذي يلتهم كل ما يدخل البلاد من عملات.

تشير التقارير الرسمية إلى أن القاهرة مطالبة خلال العام الحاليّ 2023 بسداد فوائد ديون وأقساط تبلغ 17.6 مليار دولار (9.3 مليار دولار في النصف الأول و8.3 مليار في النصف الثاني)

وصل حجم الدين الخارجي للبلاد نحو 157.8 مليار دولار، وفق تقرير البنك المركزي المصري لشهر سبتمبر/أيلول 2022، ما يعني زيادته بنحو 5 أضعاف مقارنة بالفترة قبل 10 أعوام حيث بلغ في نهاية عام 2012 نحو 34.4 مليار دولار، وعليه ارتفعت قيمة مخصصات فوائد هذا الدين بالموازنة العامة للدولة خلال العام المالي 2022/2023 إلى نحو 690.2 مليار جنيه مقابل 579.6 مليار جنيه خلال العام  المنصرم (الدولار يساوي 24.7 جنيهًا)، بزيادة تصل نسبتها إلى 19%، بما يمثل نحو 33.3% من إجمالي مصروفات مشروع الموازنة، بحسب بيانات وزارة المالية المصرية.

تشير التقارير الرسمية إلى أن القاهرة مطالبة خلال العام الحاليّ 2023 بسداد فوائد ديون وأقساط تبلغ 17.6 مليار دولار (9.3 مليار دولار في النصف الأول و8.3 مليار في النصف الثاني)، مقابل 24.2 مليار دولار (10.9 مليار في النصف الأول و13.3 مليار في النصف الثاني) في 2024، أما في عام 2025 فمطالبة بسداد 15.1 مليار دولار (9.3 مليار في النصف الأول و5.8 مليار دولار في النصف الثاني) نظير 16.8 مليار دولار في 2026 (6.6 مليار دولار في النصف الأول و10.2 مليار في النصف الثاني).

مديرة صندوق النقد
تأخر حصول مصر على القسط الأول من قرض صندوق النقد فرض أجواءً سلبية والصورة لمديرة الصندوق ووزير المالية المصري

الضغط على الجنيه

ذهب الخبراء إلى أن الضغط على العملة المحلية (الجنيه) والدفع به نحو تراجع قيمته، أحد الأسباب الرئيسية وراء أزمة العملات الأجنبية، فقوة الجنيه وزيادة قيمته السوقية الفعلية تعني باختصار تراجع قوة الدولار وزملائه داخل السلة النقدية الأجنبية، والعكس صحيح.

هناك العديد من الأسباب التي أدت إلى زيادة وتيرة الضغط على العملة المحلية المصرية منها انخفاض الاحتياطي النقدي الأجنبي من 45.5 مليار دولار في مارس/آذار 2020، إلى 33.4 مليار دولار في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، هذا بجانب بعض السياسات النقدية التي ثبت خطؤها مثل التدخل لتثبيت سعر الجنيه واعتماد سياسة التعويم المدار بدلًا من العرض والطلب، يضاف إلى ذلك، زيادة الفجوة بين الصادرات والواردات بأكثر من 40 مليار دولار، واتساع حجم الفجوة التمويلية هذا العام إلى نحو 32 مليار دولار.

مما زاد صعوبة الوضع خروج أكثر من 20 مليار دولار (أموال ساخنة) من أدوات الدين الحكومية بعد أسابيع قليلة من الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت في فبراير/شباط 2022.

كما أدى ارتفاع كلفة استيراد السلع الضرورية اللازمة لضمان خطوط الإنتاج الصناعي، والحيوية التي يحتاجها المواطن، إلى مزيد من الضغوط، ما تسبب في زيادة الطلب على الدولار مقارنة بالجنيه، الأمر الذي زاد من الفجوة القيمية في سعري كل من العملتين لصالح العملة الأمريكية التي أفقدت الجنيه المصري أكثر من 60% من قيمته خلال عام واحد فقط.

يشير البعض إلى وجود علاقة قوية بين الديون الخارجية وتراجع سعر العملة المحلية، وهي العلاقة التي استبعدها الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب، الذي أشار إلى أن تراجع سعر الجنيه يشير إلى أن هناك ندرةً وشحًا في العملات الأجنبية لدى البنك المركزي، ما يعني أن مصر ستواجه مشاكل قوية في تدبير التزاماتها من أقساط وفوائد الدين، بحسب تصريحاته لـ"الجزيرة نت".

ما المخرج؟

وفق الأرقام المعلنة فإن مصر مطالبة خلال العام الحاليّ 2023 بسداد 17.6 مليار دولار (9.3 مليار دولار في النصف الأول و8.3 مليار في النصف الثاني) فوائد وأقساط دين خارجي، أي ما يعني أكثر من خمسة أضعاف قرض صندوق النقد المقرر أن تحصل عليه مصر في غضون 4 سنوات، وهو رقم لا شك أنه سيلتهم جزءًا كبيرًا من الموازنة المخصصة في الأساس لتنمية المواطنين وتلبية احتياجاتهم الأساسية على الأقل.

رغم أن مصر لم تتعد الحدود الآمنة لسداد القروض، وفق ما ذهب المستشار السابق لصندوق النقد الدولي، فخري الفقي، الذي كشف أن نحو 90% من الديون عبارة عن ديون متوسطة وطويلة الأجل، ما يعني أن فترة السداد تصل حتى 40 عامًا، فإن الحكومة المصرية على موعد مع تحد جديد ربما يفاقم الوضع إن لم تتخذ حزمة من الإجراءات العاجلة للتعامل مع تلك الوضعية بتطوراتها الحاليّة.

يستعرض الخبير الاقتصادي إبراهيم نوار في تصريحات صحفية له حزمة من الإجراءات العاجلة التي يجب على الحكومة اتخاذها لعلاج الأزمة والخروج من تلك الشرنقة، منها تخفيض سعر الجنيه مرة واحدة بما يتناسب مع قيمته السوقية، بجانب رفع سعر الفائدة الأساسي إلى 18-19% على الأقل، وتخفيض الإنفاق الحكومي فورًا بنسبة 20% على الأقل لمنع تفاقم الدين العام، مع تخفيض ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5% على الأقل، وزيادة الضرائب على شركات الطاقة العاملة في السوق المحلي.

وأكد نوار ضرورة البدء فورًا في "إعادة أصول الصندوق السيادي للشعب، وبيع الشركات المملوكة للدولة وأجهزتها المختلفة بأسعار تفضيلية للمصريين، وتخفيض كل ميزانيات دواوين الحكومة، بما فيها الوزارات والمحافظات بنسبة 50%، وإلغاء كل القرارات الإدارية التي أدت إلى الاختناقات السلعية الحاليّة في الأسواق".

خبراء يرون أن العلاج السحري لتلك المعضلة يتمثل في إجراء إصلاح سياسي جذري شامل يبدأ ببعض الخطوات السريعة مثل الإفراج عن رجل الأعمال صفوان ثابت ونجله ووقف سفه الاقتراض الخارجي وزيادة الإنتاج المحلي

كما طالب بالدخول في مفاوضات مع الدائنين لإعادة جدولة الدين، المحلي والخارجي، الذي يستهلك خدمته أكثر من 20% من إجمالي الناتج المحلي، مع التأكيد على أهمية إعادة النظر في المشروعات الكبرى التي تنفذها الدولة حاليًّا وتستنزف نصيب الأسد من الدخل القومي، خاصة أن عوائدها بعيدة المدى وليست في الأجل المنظور، ما يتطلب إعادة تقييمها مرة أخرى وفق قائمة أولويات اقتصادية وطنية تراعي الأهم فالمهم فالأقل أهمية.

على الجانب الآخر يرى الخبير الاقتصادي مصطفى عبد السلام أن الأزمة الحاليّة أكبر من قدرات الحكومة المصرية وإمكانياتها المحدودة، وأنها أعمق من أن يتم حلها بالإجراءات القاسية المقترحة التي ذهب إليها الكثير من الخبراء مثل تعويم جديد للعملة أو زيادة سعر الفائدة أو إطالة أمد سد الودائع والديون الخليجية، ولا حتى الحصول على قروض جديدة وبيع أصول الدولة والتخارج المرحلي وجذب الاستثمارات الخارجية.

يتمثل العلاج السحري لتلك المعضلة بحسب الخبير المصري في إجراء إصلاح سياسي جذري شامل يبدأ ببعض الخطوات السريعة مثل الافراج عن رجل الأعمال صفوان ثابت ونجله، ووقف سفه الاقتراض الخارجي، وزيادة الإنتاج المحلي خاصة من الحبوب والأدوية والمشتقات البترولية للحد من الواردات التي تلتهم أكثر من 80 مليار دولار سنويًا من موارد الدولة الدولارية، وينتهي بارتفاع منسوب الطمأنينة لدى المواطن في الداخل والخارج بأن مدخراتهم في آمان وأنها بمأمن عن التآكل بفعل التضخم والدولرة.

وفق الأرقام والتقديرات الرسمية، المحلية والعالمية، فالقادم - إن لم يكن أصعب مما مضى - فلن يكون الأفضل على كل حال، والأزمة ليست مقصورة على مصر وحدها، فهي أزمة عالمية من الدرجة الأولى، غير أن استثنائية الحالة المصرية ربما تفاقم الوضع وتبلغه مبلغًا حرجًا، إن لم تنجح الحكومة في التعامل مع التحديات الراهنة وإجراء جراحة عاجلة للاقتصاد قبل أن يخرج النزيف عن حاجز الاحتواء.