ترجمة وتحرير نون بوست

خرجت تركيا من انتخابات 7 يوليو 2015 ببرلمان معلق، حيث أنهت هذه الانتخابات الحكم غير المنقطع لتركيا والممتد لـ13 سنة من قِبل حزب العدالة والتنمية، وعادت احتمالات تشكيل حكومة ائتلافية لتظهر مرة أخرى على سطح السياسة التركية.

اللاعبون المعادون لحزب العدالة والتنمية كانوا متفائلين في البداية بتشكيل حكومة معارضة لا تضم حزب العدالة والتنمية، وكان منطقهم يعول على تشكيل حكومة تستثني حزب العدالة والتنمية لتصفية الحسابات مع الحزب لأخطائه التي ارتكبها، ومحاسبة المسؤولين عن أفعالهم التي مارسوها، ولكن تلك الأحزاب التي تقاسمت هذا المنطق لم تأخذ بعين الاعتبار الأرضية التي يمكن أن تتشارك بها أحزاب هذا الائتلاف، وعلى أي أساس يمكن تشكيل هذه الحكومة الائتلافية.

ما عدا معارضتهم لولاية حزب العدالة والتنمية المستمرة، لم تقدّم هذه الأحزاب أي حجة مقنعة وذات مصداقية لتشكيل ائتلاف حكومي يضم أطرافًا متباينة بمكوناتها السياسية؛ فالمنطق الذي انطلقت منه هذه الأحزاب يتغاضى بقصور عن الخلافات السياسية الواسعة الكامنة بين أطراف الائتلاف الحكومي المزمع تكوينه، حيث لم يُأخذ بعين الاعتبار المطالب والتطلعات المتضاربة للقواعد الاجتماعية لهذه الأحزاب، وتم افتراض أن معارضة حزب العدالة والتنمية من شأنها التغلب على الخلافات السياسية ما بين القوميين الأتراك والقوميين الأكراد فقط بغية منع حزب العدالة والتنمية من أن يكون شريكًا رئيسًا في أي حكومة، ولكن هذه الافتراضات كانت نخبوية ومعيبة منذ البداية.

باختصار، كان أي سيناريو لأي حكومة ائتلافية تضم أحزاب المعارضة الثلاثة، حزب الشعب الجمهوري العلماني، حزب العمل القومي اليميني المتطرف، وحزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد، يستلزم إدراج حزب العدالة والتنمية كشريك يحوز الحصة الأكبر في هذه الحكومة.

بالنظر إلى التوترات والصراعات التي شابت علاقة تركيا مع حزب العمال الكردستاني قبل وبعد الانتخابات، كان افتراض تشكيل حكومة ائتلافية ما بين حزب العدالة والتنمية وحزب الشعوب الديمقراطي نموذجًا غير وارد بتاتًا، وكانت الخيارات المتبقية تنحصر إما بتشكيل ائتلاف ما بين حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري العلماني، أو بين الأول وحزب الحركة القومية اليميني.

بدءًا من اليوم الأول، قضى زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهجلي، على أي أمل لتشكيل تحالف مع حزب العدالة والتنمية؛ فبالإضافة إلى رفضه لتشكيل ائتلاف حكومي مع حزب العدالة والتنمية، كانت اعتراضات حزب الحركة القومية تحوم حول المطالبة بإنهاء عملية السلام الكردية تمامًا، رفض منح أي حقوق ثقافية أو ديمقراطية خاصة بالأكراد، معارضته للمركز الذي يضطلع به الرئيس رجب طيب أردوغان ضمن النظام السياسي التركي، ومطالبته لأردوغان بإخلاء القصر الجديد الذي يقطنه حاليًا للعودة إلى القصر الرئاسي السابق، وجميع ذلك بدا نموذجًا غير ملائم لتشكيل حكومة ائتلافية ما بين حزب الحركة القومية وحزب العدالة والتنمية.

على الجهة الأخرى، فإن حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري انخرطا في مناقشات مغلقة لتشكيل حكومة ائتلافية، ولكن بدون جدوى؛ ففي الوقت الذي عزا فيه حزب الشعب الجمهوري فشل هذه المحادثات لمعارضة الرئيس أردوغان، ركزت اعتبارات حزب العدالة والتنمية على الاختلافات بالرأي وبالمواقف حول القضايا السياسية الكبرى باعتبارها السبب الرئيسي لفشل المحادثات، وهذه الاعتبارات تؤكد بأن الرؤى التي يتمتع به كلا الحزبين لا يمكن التوفيق بينها بأي شكل من الأشكال.

علاوة على ما تقدم، أوضح حزب العدالة والتنمية بأن المعارضة الكبرى المتأتية من قاعدته الاجتماعية لتشكيل حكومة ائتلافية مع حزب الشعب الجمهوري، شكّلت عاملًا آخر لفشل المحادثات؛ ففي المحصلة، سياسات الحزبين كانت تاريخيًا تقف على طرفي نقيض، كون حزب العدالة والتنمية هو الممثل الرئيسي للقاعدة الاجتماعية الإسلامية المحافظة، في حين أن حزب الشعب الجمهوري يتحدث باسم الشريحة العلمانية الكمالية في المجتمع، وهذا الانقسام على طول خطوط العلمانيين والإسلاميين يعد أحد خطوط الصدع الرئيسية ضمن السياسة التركية وضمن الاستقطاب الاجتماعي والسياسي.

تشكيل حكومة ائتلافية بين ممثلي هذه الأقطاب السياسية المتباينة للغاية كان مهمة شاقة جدًا، ومع ذلك، فإن هذا الاختلاف الواسع بالفلسفة السياسية ما بين الطرفين هو بالضبط ما جعل تشكيل حكومة ائتلافية بينهما أمرًا لا يقدر بثمن؛ فعلى الرغم من تميز السنوات الأخيرة بتقلص الفضاء الاجتماعي ما بين مجموعات الهوية المختلفة (الأكراد - الأتراك، العلويون - السنة، والعلمانيون - الإسلاميون)، بيد أن الاستقطاب السياسي ما بين هذه المجموعات اطرد بشكل ملحوظ.

هذا الاستقطاب السياسي لم ينبع أساسًا من القاعدة الاجتماعية، بل نجم عن التطورات الحاصلة ضمن الطبقة النخبوية من أعلى إلى أسفل، بمعنى أن هذا الاستقطاب كان سياسيًا إلى حد بعيد في طبيعته، وناجمًا عن القرارات والأفعال التي اتخذتها النخب السياسية، وغالبًا ما كانت هذه الخلافات تظهر بشكلها الواسع ما بين المعسكرات السياسية الإسلامية والعلمانية؛ لذا كان سيكون لتشكيل حكومة ائتلافية تتكون من ممثلين إسلاميين وعلمانيين بالغ الأثر في تقليص مستوى الاستقطاب الحاصل ما بين هذين المعسكرين، وبالتالي القضاء على حجر العثرة الأكبر الذي يقف في مسار السياسة التركية المعاصرة.

تشكيل حكومة انتخابية

من هذا المنظور، كان عدم تشكيل حكومة ائتلافية يشكل فرصة ذهبية ضائعة، ولكن مع ذلك، السياسة لها منطقها الخاص الذي يتجاوز الافتراضات المعيارية، والفوز بالانتخابات يمكن أن يكون له أولوية على تحقيق بعض الأهداف السامية والنبيلة، وبالمحصلة، معارضة الدائرة الاجتماعية لتحالف حزب العدالة والتنمية مع حزب الشعب الجمهوري، الرؤى المتباينة للطرفين حول السياسة الداخلية والخارجية، والإغراء الذي يراود مخيلة حزب العدالة والتنمية حول احتمالية استعادة الأغلبية البرلمانية من خلال انتخابات جديدة، كل ذلك أدى لإغلاق الباب دون تشكيل حكومة ائتلافية بين حزب العدالة والتنمية وأحد الأحزاب المعارضة.

في هذه المرحلة، لم يتبقَ أما تركيا سوى خيار واحد فقط، انتخابات جديدة، وهو الأمر الذي تأكد إبان إعلان أردوغان لإجراء هذه الانتخابات مستخدمًا صلاحياته الدستورية، وبعد تشاوره وحصوله على موافقة رئيس البرلمان في 24 أغسطس الجاري، وفي واقعة ليس لها مثيل في التاريخ السياسي التركي، طلب أردوغان إعادة إجراء الانتخابات في 1 نوفمبر، وكلّف رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو لتشكيل حكومة تصريف أعمال خلال خمسة أيام، ابتداءً من 25 أغسطس وحتى إجراء الانتخابات.

بشكل طبيعي، جميع الأحزاب الممثلة في البرلمان لها الحق في أن تكون ممثلة في حكومة تصريف الأعمال، وهذا حق دستوري، ولكن مع ذلك، وحتى الآن، الحزب الوحيد الذي وافق على المشاركة في هذه الحكومة المؤقتة هو حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، حيث رفض حزبا الشعب الجمهوري والحركة القومية المشاركة في مثل هذه الحكومة، والسؤالان اللذان يحق لنا طرحهما في هذه المرحلة، كيف يمكن لانتخابات 1 نوفمبر أن تسفر عن نتائج انتخابية مختلفة؟ وماذا يعني انخراط حزب الشعوب الديمقراطي بالحكومة بالنسبة للسياسة الكردية؟

ما الذي يجب توقعه من هذه الحكومة؟

أولًا، الطبقة السياسية التركية تقامر من خلال ذهابها لانتخابات جديدة، كونه من غير المرجح أن ينجم عن هذه الانتخابات صورة سياسية مختلفة بشكل كبير، ولكن مع ذلك، فإن حزب العدالة والتنمية ينقصه 18 نائبًا فقط لتشكيل حكومة الحزب الواحد؛ وبالتالي فإنه لا يحتاج إلى قفزة كبيرة في التصويت لتحقيق هذا الهدف، وبغية ذلك، من المرجح أن يركز الحزب على ضرورة مواصلة السير على طريق الاستقرار والازدهار الاقتصادي الذي شهدته تركيا في ظل حكومة الحزب الواحد، حزب العدالة والتنمية، على مدى السنوات الـ13 الماضية.

وكنتيجة طبيعية، سيعمل حزب العدالة والتنمية للتأكيد على شبح الحكومة الائتلافية غير المستقرة والمختلة وظيفيًا والتي تسببت في عقد تركيا الضائع في تسعينيات القرن الماضي، وبالمقابل، من المرجح أن تلقي المعارضة باللوم في فشل بناء التحالفات على حزب العدالة والتنمية، وستؤكد بأن هذا الحزب لم يعد مصدرًا للاستقرار، إنما هو مسبب لعدم الاستقرار وللتباطؤ الاقتصادي.

وفق ما تبدو عليه الأمور حاليًا، لا يوجد لدى القاعدة الجماهيرية حجة جديدة ومقنعة لإقناعهم بتبديل أصواتهم، وبالتالي فإن احتمالية إفراز انتخابات 1 نوفمبر لنتائج مماثلة لتلك التي جاءت بها انتخابات 7 يونيو هو احتمال كبير، وإذا حصل هذا فعلًا، فإن حزب العدالة والتنمية سيدخل محادثات لتشكيل حكومة ائتلافية بموقف ضعيف بعد الانتخابات، وحتى لو استطاع الحزب اكتساب ما يكفي من المقاعد لتشكيل حكومة الحزب الواحد، ستكون هذه الحكومة هشة وضعيفة للغاية، كونها بالكاد ستتخطى عتبة الـ276 نائبًا اللازمة لتشكيل حكومة بالأغلبية البسيطة.

بالإضافة إلى ذلك، وعلى الرغم من أن حزب العدالة والتنمية استمر في السلطة بأغلبية مريحة عقب انتخابات عام 2011، بيد أن مهمته بالحكم ثبت بأنها صعبة للغاية تبعًا للتوترات والاستقطابات الاجتماعية والسياسية في البلاد، وهذا التوتر ليس من المرجح أن يتقلص بعد الانتخابات المبكرة القادمة؛ وبالتالي من المرجح أن تنمو المشاكل الناجمة عن مسألة الحكم وإدارة البلاد بشكل أكثر حدة.

ثانيًا، وبغض النظر عما تقدم، فإن إدراج حزب موالٍ للأكراد ضمن الهيكل الحكومي لأول مرة هو تطور مرحب به، بالرغم من أن هذه الحكومة هي حكومة تسيير الأعمال ستستمر لمدة تقل عن شهرين، وبالرغم من أنها حكومة مشكلة نتيجة لظرف خاص.

ولكن مع ذلك، فإن هذا التطور لا يزال مهمًا؛ فالتسوية السياسية للقضية الكردية تعني بأن الأكراد أو الأحزاب السياسية الموالية للأكراد سوف يُنظر لهم على أنهم متنافسون طبيعيون لكي يكونوا جزءًا من أي حكومة مقبلة في البلاد، ولذلك، فإن مشاركة حزب الشعوب الديمقراطي في مثل هذه الحكومة الانتقالية هو أمر مهم لتطبيع السياسة الكردية في تركيا، خاصة وأن تمثيل الأكراد في الوسط السياسي بصفتهم الكردية وبمطالبهم، ستكون إحدى العلامات النهائية لتسوية القضية الكردية في تركيا، وما حصل اليوم قد يكون نذيرًا لتحقق مثل هذا الاحتمال.

الشيء الغريب هو أنه في حين أن الجناح السياسي للحركة الكردية سيكون جزءًا من الحكومة الانتقالية، فإن الجناح المسلح لحزب العمال الكردستاني سيكون في خضم حرب يشنها ضد هذه الحكومة، وهذا وحده سبب كافٍ للدلالة على أن مرحلة النضال المسلح للقضية الكردية بحاجة للوصول إلى نهاية في تركيا، وباعتبارهم أحد القوى السياسية والاجتماعية الأكثر شراسة في البلاد، فإن الأكراد سيكونون قادرين على المضي قدمًا في طرح القضية الكردية من خلال الوسائل السياسية، ومن خلال توحيد القوى مع جماعات أخرى داخل تركيا.

في هذا السياق، وإن كان حزب العمال الكردستاني صادق في خطابه الذي يزعم به سعيه الحثيث للتوصل إلى تسوية سلمية للقضية الكردية داخل تركيا، فينبغي عليه أن يلقي بالًا لكلام زعيم حزب الشعوب الديمقراطي، صلاح الدين ديمرطاش، الذي قال بأن حزب العمال الكردستاني يجب عليه وضع أسلحته دونما تردد أو تلكؤ.

أخيرًا، تركيا تشعر بالتعب والإعياء من الانتخابات، مع ذهابها للتصويت للمرة الرابعة خلال أقل من عامين، وهذه الانتخابات القادمة إما ستعيد عهد حكومة الحزب الواحد التي يقودها حزب العدالة والتنمية، أو ستستوجب فتح الباب أمام التأسيس لثقافة جديدة من التوافق والتراضي، وبالمحصلة، حل مشكلة الحكومة من خلال الانتخابات، قد لا يعني حل مشكلة الحكم وإدارة البلاد.

المصدر: ميدل إيست آي