نقابة الصحفيين التونسيين تدرس إمكانية رفع قضية ضد رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي في" تجاوز سلطة وشبهة تضارب مصالح"، والهيئة العليا المستقلة للانتخابات تنبه إلى خطورة التداخل بين العمل السياسي والعمل الإعلامي.

التصريحات جاءت على خلفية منح رئاسة الجمهورية حق التصوير المباشر والحصري لحفل تكريم الرباعي الراعي للحوار الوطني، الفائز بجائزة نوبل للسلام، من قصر قرطاج لقناة تلفزيونية خاصة، تربط صاحبها علاقات سياسية وحزبية برئيس الجمهورية، والاكتفاء بتمكين بقية القنوات التلفزيونية الخاصة والعمومية من الحصول على الشارة من خلال تردد مدفوع الأجر، وفره الديوان الوطني للإرسال الإذاعي والتلفزيوني (مؤسسة عمومية) بطلب من القناة المذكورة، حسب النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين.

 النقابة اعتبرت أن هذا الفعل يمثل محاباة وتدخلًا سياسيًا في الإعلام، وانحيازًا من الباجي قائد السبسي لقناة دعمته وحزبه "نداء تونس"خلال حملته الانتخابية، وعقابًا للقنوات العمومية على عدم انصياعها لسياسة رئيس الجمهورية، خاصة مع تواتر معطيات عن غضب الرئيس الباجي قائد السبسي على أداء القنوات الوطنية التونسية.

من جهتها شددت الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري في تونس (هيئة عمومية دستورية) على أن عدم السماح لسائر الصحفيين بالقيام بدورهم في التغطية والنقل بكل استقلالية يعد مؤشرًا خطيرًا قد يؤدي إلى ضرب حرية العمل الصحفي واستقلاليته، معتبرة أن هذا القرار، الصادر عن مؤسسة رئاسة الجمهورية، يعد خرقًا لمبادئ الشفافية والمنافسة النزيهة بين مختلف منشآت الاتصال السمعي والبصري.

تدخل ليس الأول ولن يكون الأخير من قِبل مؤسسات رئاسة الجمهورية، وعلى رأسها الرئيس الباجي قائد السبسي ومستشاره رضا بلحاج، في المؤسسات الإعلامية التونسية ومحاولة فرض أجندتهم عليها وتوجيه الرأي العام من خلالها؛ فقد سبق أن أكد نقيب الصحفيين التونسيين ناجي البغوري تلقي نقابة الصحفيين عديد الشكاوي متعلقة بوجود تعليمات منبثقة من رئاسة الجمهورية وفيها محاولة لتوجيه الإعلام، وقال البغوري في هذا الصدد "تلقينا العديد من الشكاوي من قِبل الصحفيين متعلقة بوجود تعليمات هي في الأصل منبثقة عن رئاسة الجمهورية، وفيها محاولة لتوجيه الإعلام والسيطرة عليه خاصة الإعلام العمومي".

هذا ما وصل إلى مسامعنا من انتهاكات الرئاسة فما بالك بالذي بقي وراء الأبواب الموصدة ولم يُكشف عنه من تصرفات للمؤسسة السيادية الأولى في البلاد، التي ينتمي موظفوها والمتحكمون في دواليبها في أغلبهم إلى حركة نداء تونس.

هذا الحزب الذي ما فتئ إبان حكم الترويكا ينتقد ما وصفه بمحاولة الحكومة السيطرة على الإعلام، متهمًا إياهًا ببسط يدها عليه آنذاك، واضعًا نفسه حاميًا لحرية التعبير ومدافعًا عن صاحبها، باثًا لخطاب يوحي لكل من يسمعه وقتها أن الإعلام مع نداء تونس سيعيش ربيعه، والصحفيين والمبدعين سيذوقون أخيرًا حلاوة الحرية.

علاقة نداء تونس بالإعلام لا تتوقف عند محاولة السيطرة عليه فقط بل أيضًا إهانته؛ كلنا يتذكر شطحات رئيس الحزب ورئيس تونس الآن، الباجي قائد السبسي، مع الإعلاميين، فمرة يشتم صحفية ومرة يرمي الأوراق في وجه صحفي وأخرى يدعو فيها على الصحافة بالفناء، هي تصرفات قام بها وعبارات خرجت من فمه بطريقة غير اعتباطية ولا عفوية ففي طياتها معاني ودلالات كبيرة، تصرفات تحمل معاني الاحتقار وعدم المبالاة بالصحافة وأهلها.

ليس الرئيس فقط من يهين الصحفيين بل قياديو حزبه أيضًا، فلنا أن نتذكر ما قام به القيادي في حزب نداء تونس خميس قسيلة من اعتداء لفظي طال أحد صحفي التلفزيون الوطني ليلة الجمعة 26 ديسمبر 2014؛ يومها عبرت النقابة الوطنية للصحفيين عن خشيتها من أن تكون مثل هذه التصرفات مؤشرًا لسلوك سياسي لدى حزب نداء تونس، سيما وأن عددًا هامًا من نواب هذا الحزب كانوا في ارتباط بنظام الاستبداد الذي عمل لعقود على قمع الحريات وفي مقدمتها حرية الصحافة والتعبير، حسب نص بيان صادر عن نقابة الصحافيين.

ليس هذا فقط فتاريخ الحزب، وإن كان قصيرًا لم يتجاوز سنه بضع سنوات، حافلًا بالاعتداءات المجانية على الصحفيين، فلا يخلو اجتماع ولا مظاهرة له حتى نسمع أن هذا الصحفي أُهين معنويًا، وذلك الإعلامي تم الاعتداء عليه بدنيًا، أو تلك الوسيلة الإعلامية قد تم منعها من التصوير لعدم تقديمها فروض الولاء والطاعة للحزب.

إهانات واعتداءات لم تكن حكرًا على الإعلاميين والصحفيين فقط بل طالت أيضًا الفنانين والمذيعين، فقد عبر العديد من الفنانين في أكثر من مناسبة عن خشيتهم من تغول النداء وفرض رؤيته على أعمالهم وتوجيهها وفق ما يريد، الأمر الذي حصل بالفعل مع المذيع والفنان وسيم الحريصي"ميقالو".

هذا غيض من فيض مما يعانيه الصحافيون والصحافة من مؤسسة رئاسة الجمهورية وحزب نداء تونس وقيادييه، فبعد أن كانوا يبشرون بغد أفضل أصبحوا عنوانًا لواقع أسود ومستقبل لا يختلف عن ماض خلنا أنه انتهى واضمحل مع بداية الثورة وسقوط نظام الاستبداد والرأي الواحد.