هل يكون قرار طارق عامر القادم هو تخفيض قيمة الجنيه المصري مرة أخرى؟ أم أنه سيكون رفع سعر الفائدة مجددًا؟ أم يتجه لخوض مناورة جديدة لتوفير الدولار لدعم الاحتياطي ومحاربة السوق السوداء؟

هذه الأسئلة الثلاثة تدور في أذهان المصريين، مستثمرين كانوا أو مستهلكين، منتجين أو عاطلين بشكل كبير خلال الفترة الحالية، فلا شك أن قرارات عامر منذ تولية رئاسة البنك المركزي مثيرة للجدل بشكل كبير، وحتى الآن لا يمكن أن نقول إنه نجح في أي من هذه القرارات، فأزمة العملة في مصر تزداد في الاشتعال.

برأيي قرار عامر القادم سيكون مختلفًا كثيرًا عن القرارات السابقة، وذلك لأن قراره الأخير بوقف استخدام بطاقات الخصم المباشر خارج البلاد والتراجع عنه خلال ساعات، أعطى فكرة لدى البعض أن قرارات المركزي لا تخضع للدراسة الدقيقة وهو ما يبعث بالخوف والقلق لدى الجميع.

وما يبعث على القلق أكثر هو الظهور الإعلامي المتكرر لطارق عامر سواء بمناسبة أو بدون مناسبة، وهذا بلا شك يضع السوق تحت ضغط مستمر ويفتح المجال للتكهنات المبالغ فيها، وقد ظهر ذلك جليًا بعد أن أعطى عامر تلميحًا قويًا بأنه سيتحرك لخفض سعر صرف الجنيه قائلًا: "لن أفرح باستقرار سعر الصرف والمصانع متوقفة"، خلال مقابلات له مع ثلاث صحف مصرية في يوم واحد.

من يتولى منصب بهذه الحساسية يجب أن يكون مدركًا لهذه الأمور، حيث إن تصريحات عامر لا يتحمل هو فقط نتائجها بل إن المجتمع يدفع ضريبة الحرف الخطأ ولعل تصريح محافظ المركزي بأن "الحفاظ على سعر غير حقيقي للجنيه كان خطأ ومستعد لآخذ القرارات الصحيحة وتحمل نتائجها" من أغرب التصريحات التي تخرج عن مسؤول بهذا المستوى، فمن قال إن نتائج القرارات سيتحملها شخص واحد مهما كان منصبه، هذه القرارات يمكن أن تنهض أو تعصف بالاقتصاد بالكامل، لذلك من الواجب دراسة القرارات قبل التفكير حتى في التعريض بها في الإعلام.

طارق عامر محافظ البنك المركزي المصري

هل يكون قرار عامر القادم هو تخفيض قيمة الجنيه المصري مرة أخرى؟ 

تعاني مصر من أزمة عملة صعبة متفاقمة يرى البعض أن أهم أسبابها هو تقويم الجنيه بأعلى من قيمته الحقيقية، ونظريًا كل الظروف مواتية وتقول إن قرار عامر القادم هو خفض قيمة الجنيه، وقد يكون هذا القرار في أول عطاء دولاري المقرر الثلاثاء من كل أسبوع.

وفي تصريح عامر لصحيفة المال الاقتصادية المحلية قال: "لن أفرح باستقرار سعر الصرف والمصانع متوقفة، سآخذ القرارات الصحيحة من وجهة نظري وأتحمل نتائجها"، ربما يكون خفض الجنيه هي وجهة نظر عامر وبالطبع لها فوائد عدة منها زيادة الصادرات وجذب الاستثمار وتنشيط البورصة، في المقابل سيكون الضرر زيادة جديدة في الأسعار وهو ما يكتوي به المواطن البسيط، فهل تعتمد وجهة نظر عامر على دعم رجال الأعمال؟ وأيضًا لا تشمل وجهة نظرة على حل لفاتورة واردات الوقود والغذاء المتضخمة بالفعل، كما أنها تهمل المأساة التي قد يعيشها مواطنو بلد يعتمد على الواردات ويعيش فيه الملايين على حد الكفاف.

سوابق عامر في هذا الشق من القرارات مقلقة جدًا في الواقع، فقد كان أول قرار اتخذه بعد أن صار محافظًا للبنك المركزي هو إعادة عقارب الساعة للوراء ورفع قيمة الجنيه مرة أخرى بالنسبة للدولار الأمريكي بمقدار 20 قرشًا، وهو قرارا لم يفهم أحد معناه الاقتصادي حتى الآن في الحقيقة، وربما لم يكن له معنى من الأساس، حيث إن عامر لم يلبس كثيرًا حتى خفض قيمة الجنيه بنسبة 14% في ليلة واحدة.

سياسة عامر مربكة حقًا، فمنذ فترة ليست بالبعيدة قال إن الدولار سينخفض سعره إلى 4 جنيهات، ثم جاء حديثه الآن للتمهيد لتخفيض جديد في قيمة الجنيه، فهل لدى عامر خطة واضحة أم أنها قرارات عشوائية؟، على كلٍ قرار التخفيض قادم لا محالة وذلك مع تزايد المؤشرات التي تكشف أن الحكومة ستلجأ قريبًا لصندوق النقد الدولي.

ويبقى السؤال: هل حقًا خفض الجنيه المصري سينعش الاقتصاد المصري ويرفع الصادرات؟

بالنظر إلى المرات السابقة التي خفضت فيها البلاد قيمة عملتها بنسبة إجمالية تتجاوز الـ 25%، لم نشهد أي ملامح للانتعاش الاقتصادي أو ارتفاع للصادرات، أو عودة السياحة وقدوم الاستثمارات، حيث إن انتعاش الاقتصاد الوطني لا يتوقف على خفض قيمة العملة، فهناك عوامل أخرى كثيرة تدفع اقتصاد البلاد للتدهور رغم خفض قيمة العملة.

وبالتالي لا أتوقع أي تحسن اقتصادي حتى لو تراجعت قيمة الجنيه المصري بنسب قياسية، بل إن الزيادات القياسية ستسجلها الأسعار سريعًا.

هل سيرفع عامر سعر الفائدة مجددًا؟

وفيما يخص السؤال الثاني الذي يتداوله البعض بعد أن قفز معدل التضخم السنوي في أسعار المستهلكين بالبلاد إلى 14.8% على أساس سنوي، في يونيو الماضي، مقابل 12.9% في الشهر السابق عليه مايو، حسبما ذكر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، الأحد، بزيادة شهرية بنسبة 0.8% في الشهر الماضي، مقارنة بالشهر السابق عليه، أصبح رفع الفائدة أمرًا طبيعيًا بحسب مبررات البنك المركزي لآخر رفع للفائدة، فهل يفعله عامر مجددًا؟

وفي منتصف الشهر الماضي، رفع البنك المركزي المصري أسعار الفائدة الرئيسية 1%، عقب ارتفاع معدل التضخم في مايو 2016، لتصل إلى 11.75% للإيداع، و12.75% للإقراض، وهو أعلى مستوى في نحو 10 سنوات، لذلك لا استبعد أن يكون القرار القادم هو رفع الفائدة.

لكن هذا القرار في مصلحة من؟ لا يختلف هذا القرار كثيرًا عن غيره، فالمصلحة تعود على أصحاب الأموال المودعة في البنوك وهم من سيستفيدون من مثل هذا القرار، لكن فيما يخص المواطن البسيط فهو المتضرر على كل حال، فإذا أراد قرضًا لن يستطيع سداد قيمة الفائدة، كما أن البطالة سترتفع بسبب اتجاه الأموال للبنوك دون الاستثمار للاستفادة من أسعار الفائدة المرتفع.

هل يتجه عامر لخوض مناورة جديدة لتوفير الدولار لدعم الاحتياطي والقضاء على السوق السوداء؟

ربما تكون تصريحات طارق عامر مناورة جديدة الغرض منها القضاء على السوق السوداء أو توفير مزيد من السيولة لدعم الاحتياطي النقدي، فمن الممكن أن يلجأ عامر للقرارات المسكنة التي استخدمها منذ توليه المنصب، ولكن كل هذه المناورات غير مجدية ولا تضيف جديدًا، بل إن نتائجها كانت سلبية في كثير من الأحيان، فلن يوقف قطار صعود العملة الصعبة في البلاد، فبحسب مسح أجرته شركة المجموعة المالية هيرمس، أكبر بنوك الاستثمار في الشرق الأوسط، في وقت سابق، توقع 36%، من إجمالي 120 من الرؤساء التنفيذيين، أن يرتفع سعر الدولار مقابل الجنيه المصري، في السوق الرسمية إلى 10 جنيهات بنهاية العام الجاري.

وصوت نحو 36% من المشاركين، على توقعات أن يصل سعر الدولار إلى 10 جنيهات من بين 3 اختيارات، في حين صوت 34% على احتمالات وصوله إلى 9 جنيهات، فيما توقعت نسبة 29% من المصوتين على إمكانية وصوله إلى 11 جنيهًا.

إذًا متى يتوقف سعر الدولار عن الصعود؟ ومتى تكون القرارات ذات جدوى؟ قلت في السابق وأكرر أن الإجابة ببساطة هي أنه طالما هناك فجوة كبيرة بين الصادرات والواردات لا تنتظر تحسنًا للجنيه وتوقفًا لصعود الدولار، وهذا هو المقياس الأكثر دقة من وجهة نظري، وفعليًا قيمة الجنيه أقل كثيرًا مما هي عليه الآن، فحقيقة الجنيه أمام الدولار لا تقل أبدًا عن 12 جنيهًا للدولار في الوضع الطبيعي، فما أدراك بوضع يعاني فيه الاقتصاد المصري من أزمات لم يمر بها من قبل.