قبل ثلاث سنوات من الآن، خرج آلاف الجزائريين للشوارع رفضًا لترشح عبد العزيز بوتفليقة لولاية رئاسية ثالثة في ظل تواصل مرضه وفشله في إدارة الدولة وتمكن الفساد منها، وسرعان ما تضاعف العدد وارتفع منسوب المطالب، فأصبحنا أمام مطالب سياسية تتجاوز رفض ترشح بوتفليقة، فالجزائري لم يعد يرضى بما هو أقل من قيمته.

مرّت 3 سنوات كاملة على هذا الحدث الاستثنائي في تاريخ الجزائر المعاصرة الذي أرغم بوتفليقة على الرحيل، وجاء عبد المجيد تبون لخلافته واكتظت السجون بالوزراء ورجال الأعمال المتهمين بالفساد، لكن هل يكفي هذا حتى نقول إن أهداف الجزائريين من الحراك تحققت؟

وضع سياسي قاتم

يسترجع الشاب العشريني عبد الجليل شريط الأحداث مع "نون بوست" قائلًا: "الحراك كانطلاقة كان عبارة عن صورة تجسّد حب الشعب لوطنه أكثر من أي شيء وتجسيدًا لمبتغى السلامة العامة لهذه الأمة"، شارك عبد الجليل إلى جانب الكثير من أصحابه في مظاهرات الحراك، وكان هدفه رؤية "دولة قوية بجل أركانها، يسودها القانون والسلم والأمن".

تحققت بعض أهداف الحراك وفق عبد الجليل، فقد شهدت البلاد استقالة بوتفليقة وانتخاب رئيس جديد وانتخاب برلمان جديد أيضًا والبدء في محاسبة الفاسدين والمذنبين في حق البلاد والسماح للأحزاب السياسية بالعمل بأريحية.

في مقابل ذلك يُمكن القول، وفق الناشط البارز في الحراك الجزائري سمير بالعربي إنّ "أهم ما تحقق من مطالب سياسية لهذه الهبة الشعبية التي اصطلح على تسميتها بالحراك، إنهاء حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة ودفعه للاستقالة يوم 2 أبريل/نيسان 2019 وإلغاء موعدين انتخابيين كانت السلطة قد حددتهما لإجراء انتخابات رئاسية".

أضاف بالعربي في تصريح لنون بوست "الحراك الذي فاجأ النظام وأدخله في إرباك كبير نتيجة تموقع المؤسسة العسكرية وكل أحزاب التحالف والجمعيات الموالية خلف الرئيس السابق، جعل قيادة المؤسسة العسكرية تتراجع عن موقفها وتتبنى خطاب ومشروع الشارع مؤقتًا، حتى تتمكن من تنظيم صفوفها وإعادة برمجة خريطة طريق لضمان البقاء في الحكم".

عدم تحقيق الأهداف السياسية المرجوة من الحراك أثر سلبًا على وضع الحريات في البلاد

يضيف بالعربي "في غياب الأغلبية الشعبية والمعارضة وغليان الشارع تمكن النظام من تمرير انتخابات 12 ديسمبر/كانون الأول 2019 والخروج برئيس جديد للجزائر، لكن استمر الحراك وهو ما أزعج السلطة التي اعتبرته في بداية خطاب العهد الجديد حراكًا مباركًا وتمت دسترته واعتبار يوم 22 فبراير/شباط يومًا وطنيًا، لكنها عملت بكل قوة وعنف لإيقافه، أي أن النظام تحول من مباركة الحراك إلى تجريمه والتخويف من العودة إليه".

بدوره يقول حمزة خروبي - أحد وجوه الحراك الجزائري -: "للأسف ونحن نحيي الذكرة الثالثة للثورة، كل المعطيات والممارسات السياسية والإدارية للسلطة تثبت أن لا شيء تغير في الجزائر وأن النظام السياسي يواصل بكل قوة وعنف التمسك بالحكم".

يتابع خروبي في حديثه لنون بوست "لم يتغير من النظام إلا جزء من الواجهة السياسية، في حين أن الممارسات والذهنيات التسلطية باقية وتتمدد بأسلوب أخطر من ذي قبل، ففكر الحزب الواحد والديمقراطية الشكلية يتجسد أكثر فأكثر ونفس الأجهزة وأشباه الأحزاب السياسية الكرتونية مستمرة للأسف في التشريع وصناعة بل وتخريب مستقبل الوطن والأجيال القادمة".

تراجع الحريات

عدم تحقيق الأهداف السياسية المرجوة من الحراك أثر سلبًا على وضع الحريات في البلاد، يقول عبد الله كمال - أحد الوجوه الشابة البارزة في الحراك - في هذا الشأن لنون بوست: "لا شك أننا ما زلنا بعيدين عن تحقيق مطالب الحراك بالتغيير السياسي وإقامة نظام ديمقراطي حر وعادل، والدليل هو حالة الحريات المقيدة والقمع الذي يتعرض له المناضلون السياسيون".

يتابع كمال قائلًا: "في الذكرى الثالثة للحراك لا يزال هذا الحدث الاستثنائي في تاريخ الجزائر يمثل هاجس خوف شديد للسلطة والدليل حملة الاعتقالات التي تنفذها السلطة عشية الاحتفال بهذه الذكرى، ناهيك بالحالة الأمنية المشددة في العاصمة".

ويوجد اليوم في السجون الجزائرية، وفق عبد الله كامل "نحو 400 معتقل بسبب آرائهم أو منشوراتهم أو لمجرد مشاركتهم في مظاهرات الحراك، بينهم نساء وطلبة جامعيون ورئيس حزب معتمد وصحافيون، في المقابل تتعمد السلطة إنكار وجود معتقلي رأي وتفضل سياسة الهروب للأمام".

وفقًا لـ"اللجنة الوطنية لتحرير المعتقلين" التي أنشأها نشطاء ومحامون في أغسطس/آب 2019 لمراقبة الاعتقالات والمحاكمات، يوجد حاليًّا 280 سجينًا على الأقل بسبب تعبيرهم السلمي عن آرائهم، يرتبط معظمهم بالحراك، فيما قدّرت "الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان" أن عدد المحتجزين كان 330 حتى 5 فبراير/شباط 2022.

طالبت منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية عشية الاحتفال بالذكرى الثالثة للحراك الجزائري سلطات البلاد بـ"الإفراج فورًا عن المدافعين عن حقوق الإنسان ونشطاء المجتمع المدني ورموز المعارضة والصحفيين وجميع المسجونين تعسفًا بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم في التعبير والتجمع".

بالتزامن مع الذكرى الثالثة للحراك، بدأ 40 محتجزًا على الأقل في سجن "الحراش" بالجزائر العاصمة إضرابًا عن الطعام في 28 يناير/كانون الثاني، احتجاجًا على ما اعتبروه احتجازًا تعسفيًا، فمعظم المضربين عن الطعام محبوسون احتياطيًا وينتظرون المحاكمة منذ شهور، وفق "هيئة الدفاع عن سجناء الرأي" (مجموعة محامين).

وفقًا للهيئة، نقلت السلطات أكثر من 20 مضربًا عن الطعام من الحراش إلى سجن "سعيد عبيد" في البويرة شرق العاصمة، والبرواقية جنوب غرب العاصمة، ووفق هيئة الدفاع فإن نقل هؤلاء السجناء إلى سجون أخرى يهدف من ناحية إلى معاقبتهم ومن ناحية أخرى إلى قمع هذه الحركة.

إلى جانب ذلك، عمل النظام الجزائري على التضييق على الأحزاب، فتم تعليق عمل البعض منها على غرار "حزب العمال الاشتراكي" الذي تم تعليق نشاطه مؤقتًا وإغلاق مقره في العاصمة بقرار من المحكمة، بزعم عدم عقد مؤتمره السنوي كما هو مطلوب في لائحته الداخلية والقانون الخاص بالأحزاب السياسية، إلا أن الحزب قال: "التجميد يتعلق بجعل الحزب يدفع ثمن مواقفه السياسية وانخراطه في الحراك الشعبي، ونضاله ضد القمع إلى جانب الكفاحات الاجتماعية"، كما يخضع الحزبان المعارضان: "الحركة الديمقراطية الاجتماعية" و"التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية"، لمراقبة السلطات.

في مسعى منها لشراء السلم الاجتماعي أقرت الحكومة الجزائرية صرف منحة للعاطلين عن العمل

نفس الأمر بالنسبة لمنظمات المجتمع المدني، فقد حلّت محكمة جمعية "تجمع - عمل - شبيبة" الموالية للحراك في 13 أكتوبر/تشرين الأول الماضية، عقب شكوى وزارة الداخلية بأن أنشطتها تتعارض مع الأهداف المنصوص عليها في القانون المتعلق بالجمعيات ولوائح الجمعية، كما أوقفت الجمعية الثقافية "إس أو إس باب الواد" في الجزائر العاصمة أنشطتها وأُغلقت مبانيها بعدما فتشت المديرية العامة للأمن الوطني مكتبها في أبريل/نيسان 2021 وصادرت موادها ومحاكمة رئيسها بتهمة المساس بالوحدة الوطنية والمصلحة الوطنية.

مطالب اقتصادية معطلة

لم يحمل الحراك الجزائري في البداية مطالب اقتصادية واضحة، فلم يتحدث عن الفئات الهشة والطبقة العاملة وغيرها، حتى إن البعض كان يرفض أن ترفع المطالب الاقتصادية والاجتماعية في مسيرات الحراك، وهذه من أخطاء الحراك وفق الصحفي الجزائري ميلود صياد.

لكن مع الوقت رفعت بعض الجهات مطالب اقتصادية واجتماعية كالتنمية والتشغيل، خاصة مع تفاقم الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي أثرت على فئات اجتماعية عديدة، فلا يمر يوم واحد دون إقدام متظاهرين على إغلاق طرق فرعية أو رئيسية، للمطالبة بالحصول على سكن أو فرص عمل، ناهيك بمطالب تعتبر بنظرهم من البديهات كتوفير غاز الطهي والحليب.

مع ذلك لم تحرك السلطات ساكنًا، إذ شهدت أسعار السلع الاستهلاكية مثل الزيت والمعكرونة والخضراوات المجففة ارتفاعًا حادًا في الأسعار، كما عادت الطوابير الطويلة أمام المتاجر وشاحنات البيع للحصول على كيس حليب أو زيت طهي بسبب ندرة المواد الأساسية، وهو ما أثقل كاهل المواطن.

في مسعى منها لشراء السلم الاجتماعي أقرت الحكومة الجزائرية صرف منحة للعاطلين عن العمل، وتختلف قيمة المنحة، وقد تم تحديد مبلغ قدره 14 ألف دينار جزائري لسكان المناطق الصحرواية و12 ألف دينار لسكان مناطق الشرق والغرب، أما في وسط البلاد فقد حددت قيمة المنحة بـ10 آلاف دينار، كما سارعت السلطات بإلغاء بعض الضرائب التي تم إقرارها في قانون المالية للسنة الحاليّة.

يرى حمزة خروبي أنه "بوجود أزمة سياسية عميقة وانتفاضة حية في قلوب الكثير من الجزائريين وفي ظل أزمة كوفيد 19 العالمية وغياب سياسة اقتصادية واضحة ورؤى علمية وإستراتيجية، ليس غريبًا أن يزداد الوضع الاقتصادي والاجتماعي تدهورًا وسوءًا".

مسؤولية السلطة والمعارضة أيضًا

تتقاسم العديد من الأطراف مسؤولية عدم تحقق أبرز أهداف الحراك الجزائري، على رأسها السلطة والمعارضة وفق الصحفي الجزائري مولود صياد، يقول صياد في هذا الشأن: "السلطة لم تف بوعودها وفشلت حتى في الإبقاء على من أيد المسار الانتخابي 12/2019".

يضيف الصحفي الجزائري في حديثه لنون بوست: "لم يتغير نظام الحكم تقريبًا، إذ ما زلنا أمام نظام رئاسي يركز كل الحكم على شخص الرئيس، كما كان الوضع عليه زمن الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، ما يعني أن الرسالة لم تصل لهم بعد".

الاقتصاد في تراجع مستمر، ما انعكس على الوضع الاجتماعي في البلاد

ثاني الأطراف التي تتحمل مسؤولية فشل الحراك في تحقيق أهدافه هي المعارضة وفق مولود صياد، فالعديد من الوجوه البارزة في المعارضة "انخرطت في حملة تشويه وتخوين وقذف ضد بعضها البعض، فصرنا نشاهد ناشطين يتم طردهم من المسيرات وغيرها، كما تم تخوين بعض المبادرات وصنّاعها".

وكان على المعارضة وفق صياد أن "تتهيكل تحت غطاء واحد، لكن للأسف عمتها التيارات الإيديولوجية"، ويؤكد محدثنا أن "خطأ الحراك الأول أنه لم يتهيكل ولم يترجم المسيرات التي خرجت إلى حركة سياسية وهذا ما كان يرفضه عدة وجوه سياسية بقولهم إن الحراك ليس حزبًا سياسيًا".

تمسك بالتغيير

صحيح أن الوضع السياسي على حاله ولم يتغير إلا وجه النظام، وواقع الحريات مظلم، إذ ازدادت القبضة الأمنية وسيطر النظام على الفضاء العام، كما أن الاقتصاد في تراجع مستمر، ما انعكس على الوضع الاجتماعي في البلاد إلا أن قسمًا كبيرًا من الجزائريين ما زالوا مصرين على التغيير.

يقول حمزة خروبي: "الشعب الجزائري الثائر أثبت تمسكه بالتغيير الجذري وبالسلمية والوحدة الوطنية، وهو مستمر في نضاله من أجل الحرية والديمقراطية والتعددية لبناء دولة المواطنة والسيادة الشعبية والإرادة الحرة".

يضيف محدثنا "مهما حاولت السلطة تخويف وترهيب الشعب الجزائري، فإن الجزائريين مصرين على التغيير السلمي والجذري لقواعد نظام الحكم لاسترجاع الحريات والحقوق والسيادة الشعبية الحرة والعيش بكرامة في بلادهم بعيدًا عن جنرالات العسكر ولوبيات الفساد".

بدوره يقول عبد الله كمال: "الحراك الشعبي الذي استمر لأشهر عديدة مثّل نافذة أمل بالنسبة للجزائريين وأعاد تعريف ما هو ممكن، وحتى لو توقف مرحليًا فإن أفكاره ومطالبه لا شك ستعاود الظهور مرة أخرى بصور وآليات مختلفة".

في المحصلة نرى أن أغلب أهداف الحراك الجزائري، خاصة فيما يتعلق بمجال السياسة والحريات لم تتحقق بعد رغم مرور 3 سنوات على انطلاق الحراك، بل ازداد الوضع تعقيدًا، مع ذلك فإن آمال الجزائريين في التغيير السلمي والجدي ما زالت قائمةً.