• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

معلمة براغي

آية العوبلي٩ مارس ٢٠١٤

مرّ ما يقارب العام على تَركي للصّف الدراسي، و اعتزالي للوقوف أمام الطلبة كـ “أستاذة آية” .. و لِبُعد التجربة و ضعف ذاكرتي، كنت قد نسيت، أو تناسيت، مؤخراً السبب الذي دفعني لِترك التدريس بعد فصلٍ دراسيّ واحدٍ فقط! كيف و أنا مقتنعةٌ تماماً بالأسباب التي دفعتني لدخول الصف في المرة الأولى؟ كيف كان لتلك المهنةِ أن تشبهني جداً و لا تشبهني أبداً في ذات الوقت؟ و كيف كان لها أن تسعدني جداً و تحبطني جداً في آنٍ معاً؟ و كيف كان لي أن أندفع لخوض التجربة فيها فور تخرجي بالسرعة تلك، و أهرب منها بعد بضع شهورٍ بسرعةٍ أكبر؟

عامٌ مضى و أنا مرابطةٌ على ذكرى تلك التجربة التي تركت في نفسي ذكريات لا أنساها مع رغبتي الشديدة بنسيان الكثير من تفاصيلها.. و بما أنني مبتلاةٌ بضعف ذاكرةٍ شديد، فقد راودتني الشكوك مؤخراً حول الأسباب التي دفعتني لترك التدريس.. و كان أن حصلت على فرصة العودةِ للطابور الصباحي، و فسحة التاسعة، و منقوشة الزعتر، و مريول ملطّخ بالحليب لمدة أسبوع، لأنشط ذاكرتي كأستاذة بديلة عن أخرى مسافرة لسبب ما، في الأسبوع الماضي..  

كان يكفيني يومٌ واحد لأستعيد ذاكرتي و أشعر بذلك الإحساس الذي يصارع في ذاته آلاف الأحاسيس.. فإذا بحبي و كرهي المتناقضين تجاه تلك المهنة، نابعٌ من احتوائها على كل المتناقضات .. نابعٌ من شبهها الشديد بالإنسان الذي يسكننا مصارعاً كل يومٍ تناقضاته في محاولة إيجاد صلحٍ بينه و بينه..

مهنة التدريس كانت عدسة تكبير لدواخلي و دواخل الإنسان، و تحدٍّ لأحاول، (فاشلة)، إثبات أني قادرةٌ على التصالح مع نفسي و مع الإنسان المتمثّل في من حولي .. لقد حوت هذه المهنة كل تناقضاتي و أظهرتها، أشارت بتجلٍّ واضحٍ لم أقوَ على احتماله إلى ضعفي و قوتي، فرحي و حزني، صدقي و كذبي، شجاعتي و جُبني ..
لقد ارتطم الواقع الساكن جدران المدرسة، بصورةِ التدريس و الإنسان و صورتي كأستاذ ساكنٍ جدران عقلي و قلبي.. و قد كان ارتطاماً عنيفاً جداً..!ً

الصّفّ الذي تخيّلت أنني سأتمكن من أن أصنع منه خلية نحل لا تتوقف عن التفكير و السؤال، ارتطم بالزمن متسابقاً معه في محاولةٍ لإتمام عدد من الصفحات (لازم نخلصها، لأنو الاختبار الأسبوع الجاي!)، و صورة الإنسان التي عاهدت نفسي أن أراها في كل طفلٍ يجلس أمامي، ارتطمت بازدحام الصف بالكلام و الصراخ و عَدّي أنا للعشرة كلما دخلت الصف .. و صورتي أنا التي تخيلتها لنفسي كأستاذة ستتمكن من أن تسمع بكل جوارحها لأولئك الطلاب و تتفهمهم، ارتطمت بعدم تقبّلي لتناقضاتهم و طلباتهم اللا نهائية!.. كنت آلةً تجيد صناعة عدد لا نهائي من إشارات “الصح” الحمراء، و تتكلم بلا توقّف متفوِّقة بذلك على جرس الحصة..!

ارتطمت بنفسي التي لا تشبه ما أريد من نفسي.. و بواقعٍ صفيٍّ لا يشبه ما يسكن خيالي .. فكشفت لي تلك المهنة بوضوح أني أضعف من أن أحتمل تناقضاتي و تناقضات العالم من حولي في آنٍ معاً .. أضعف من أن أواجه اللا شبه بيني و بين ما يسكن رأسي .. و أضعف من أن أقف أمامهم و لا أعطيهم .. و أضعف جداً، على الأقل الآن، من أن أغيّر ذلك النظام الطاحن للإنسان بكل الوسائل..!

المدرسة يا رفاقي صارت مصنعاً، يقيّم عُمّاله بالأرقام التي تعلو يمين أوراق اختباراتهم.. و يقيّم الآلة بكمّ الصفحات التي أتمّت و عدد الكتب التي تمّ تصليحها .. و عدد العمّال الذي التزموا الصمت حين علا صوت الآلة صارخاً في همس ضحكاتهم..! 

المدرسة يا رفاقي تصنع منّا (براغي) في آلات الدولة.. لنا شكلٌ معيّن و حجمٌ معيّن و عملٌ معيّن .. علينا كلنا أن نشبه كلنا، لتتحرّك عجلة الدولة المُعَظّمة بلا ضجيجٍ قد يزعج الكبار ..! 

المدرسة يا رفاقي تشبه الإنسان جداً.. و حتى يرتقي “فِيّ” و فينا، و يتصالح مع تناقضاته و يحبها و يتقبلها، لن يتمكّن من صناعة إنسانٍ يشبه نفسه فقط .. و يلعنُ البراغي لأنها تخنق حبل أفكاره و خياله.. عندما يكبر إنساننا فينا فيحتوي الأساتذة، و الطلاب، و القائمين على الأنظمة التعليمية، لا العكس.. قد تصير المدرسة عالماً يحتضننا كما نحن و يعيننا أن نشبهنا بصدقٍ

تذكرت اليوم لم تركت التدريس سابقاً و تركته اليوم، أعترف أني هربت من التدريس و مني لأنّ إنساني لم يتّسع بالقدر الكافي بعد..
ربّما، يوماً ما..

مواضيعالتعليم

قد يعجبك ايضا

سياسة

هل يسعى ترامب لاستفزاز “هجوم إرهابي” داخل أمريكا لتعزيز سلطته؟

روبرت تيت١٧ مارس ٢٠٢٦
سياسة

لماذا يصعب على خصوم إيران تأمين مضيق هرمز؟

نون إنسايت١٧ مارس ٢٠٢٦
سياسة

استهداف السفارة الأمريكية في بغداد.. هل يدخل العراق الحرب رسميًا؟

عماد عنان١٧ مارس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑