في مسعى لكسب الاعتراف الأمريكي، أبدت أرض الصومال (صوماليلاند) استعدادها لمنح واشنطن امتيازات في استغلال معادنها واستضافة قواعد عسكرية، وهو عرض تقول إنه مطروح كذلك أمام “إسرائيل”.
وقال وزير شؤون الرئاسة في الإقليم المنفصل عن الصومال خضر حسين عبدي: “إننا مستعدون لمنح الولايات المتحدة حقوقًا حصرية في مجال المناجم. كما أننا منفتحون على فكرة اقتراح قواعد عسكرية على الولايات المتحدة”.
وفي الأسابيع الماضية، طرح رئيس أرض الصومال عبد الرحمن عبد الله علنًا إمكانية منح “تل أبيب” امتيازًا باستغلال الثروات المعدنية. وتأتي هذه التحركات ضمن سعي الإقليم لتوسيع دائرة الاعتراف الدولي، بعدما كانت “إسرائيل” أول من اعترف بها “دولة مستقلة” مزعومة أواخر 2025.
وبحسب وزير الطاقة والمناجم أحمد جما بره، تحتوي أرض الصومال على معادن إستراتيجية، لكن كمياتها لا تزال غير معروفة في ظل غياب الدراسات حتى الآن. فما أبرز ثروات هذا الإقليم؟
الثروات المعدنية في أرض الصومال
رواسب المعادن التقليدية
خلال قمة استثمارية دولية مطلع نوفمبر/تشرين الثاني في هرجيسا عاصمة “أرض الصومال”، أصدرت وزارة الطاقة والمعادن في الإقليم عرضاً شاملاً لثروات البلاد جاء فيه:
- الأراضي التي تغطيها الصخور الكريستالية القديمة والأحزمة الخضراء تشبه جيولوجياً مناطق غنية في السعودية والسودان وإريتريا.
- برامج مسح جيولوجي غطت 15% من الأراضي الأكثر وفرة بالثروات حددت وجود معادن نفيسة كالذهب والمعادن البلاتينية.
- حدد المسح وجود معادن معدنية تشمل النحاس والنيكل والرصاص والقصدير والزنك.
- أظهر المسح أيضا وجود معادن صناعية مثل الجبس والفلسبار والكوارتز، إلى جانب أحجار كريمة مثل الزمرد والأميثيست والزبرجد والياقوت.
هذه القائمة تعني أن أرض الصومال لا تقتصر على الموارد المعروفة مثل المواشي، بل تمتلك مخزوناً جيولوجياً متنوعاً يمكن أن يشكل قاعدة لصناعات تعدين واسعة.

المعادن الإستراتيجية
القسم الأكثر إثارة للاهتمام هو ما تسميه الوزارة “المعادن الحرجة للتقنيات النظيفة”، وتشمل الليثيوم والكوبالت والكولتان (خام التنتالوم والنيوبيوم) والمنغنيز وعناصر الأرض النادرة، والتي يدخل بعضها في صناعة البطاريات وأجهزة الإلكترونيات والدفاع.
وقال وزير الطاقة والمعادن أحمد جما بره إن وزارته منحت شركة تايوانية رخصة كبيرة لاستخراج الليثيوم، وهي الآن في مرحلة متقدمة وتناقش إقامة مصنع لتصنيع البطاريات داخل أرض الصومال. وأضاف الوزير أن شركات تايوانية وصينية مهتمة بالليثيوم، وأن هدف حكومته جذب الاستثمارات دون استبعاد أي طرف لأن “ما نحتاجه هو الاعتراف”.
ورغم محدودية الدراسات التي تؤكد وجود هذه المعادن، فإن طموحات أرض الصومال تعززها تقديرات بحثية حديثة تستند إلى هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، تشير إلى أن منطقة القرن الإفريقي تحتضن رواسب غير مستغلة من الليثيوم والقصدير قادرة على تلبية ما بين 3% إلى 5% من الطلب العالمي.

النفط والغاز والطاقة المتجددة
لا تقتصر ثروات أرض الصومال على المعادن الصلبة، فبحسب تصريحات وزير الطاقة، يجري التنقيب عن النفط والغاز في عدة مناطق من قبل شركتي Genel Energy البريطانية وRAK Gas الإماراتية، وقد اكتملت المسوح الزلزالية ويجري الضغط لتسريع بدء الحفر.
علاوة على ذلك، تعمل الوزارة على مشاريع طاقة متجددة نظراً لتوفر الشمس والرياح بشكل وافر، ما يشير إلى رؤية لاقتصاد طاقة متنوع.
أرض الصومال تلعب على وتر الحاجة
حاجة واشنطن للمعادن الحرجة
تزايد اهتمام واشنطن مؤخرا بالمعادن الحرجة بسبب هيمنة الصين على سلاسل التوريد العالمية، فبكين تُنتج وتكرر النسبة الأكبر من المعادن الحيوية حول العالم، إذ تمثل نحو 70% من تعدين عناصر الأرض النادرة عالميًا، وتنفرد بحوالي 90% من عمليات معالجتها.
تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية، أشار إلى أن المعادن النادرة ضرورية للتكنولوجيا المتقدمة وأن السوق الحالية “مركزة للغاية”، ما يجعلها أداة للإكراه السياسي ويهدد مصالح الولايات المتحدة، لهذا السبب تعهدت واشنطن ببناء مصادر جديدة وتأمين سلاسل إمداد آمنة ومتنوعة
التقرير نفسه يذكر أن الولايات المتحدة وقعت 11 اتفاقية ثنائية جديدة لتأمين المعادن وخصصت عشرات المليارات للاستثمار في مشاريع استخراج ومعالجة المعادن. بعبارة أخرى، تبحث الإدارة الأمريكية عن شركاء جدد خارج النفوذ الصيني، وتعتبر مناطق مثل أرض الصومال فرصة للحد من الاعتماد على الصين.
وأكد مقال رأي لمعهد “American Enterprise Institute” أن الثروة الحقيقية لأرض الصومال قد تكون في معادن الأرض النادرة، وأن شركات صينية تحاول الحصول على امتيازات للتعدين هناك، وأشار إلى أن الحكومة الأمريكية تشجع الشركات على عدم التعامل مباشرة مع هرجيسا بسبب عدم الاعتراف الرسمي، ما يجعل الصين تتقدم لملء الفراغ.
ولكن إذا قررت واشنطن تغيير موقفها والاعتراف بها، فإن ثروات أرض الصومال يمكن أن تساعدها في بناء سلسلة توريد بديلة للمعادن الضرورية للتقنيات الدفاعية وصناعة البطاريات.
حاجة “إسرائيل” للموارد الطبيعية
تُعد “إسرائيل” منتِجاً كبيراً للبرومين والبوتاس والفوسفات، لكنها لا تمتلك ودائع كبيرة من المعادن الحرجة مثل الليثيوم أو الكولتان، فوفق تقرير لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) عن قطاع التعدين الإسرائيلي، فإن “تل أبيب” كانت في 2020 أكبر منتج للبُروم بنسبة 48% من الإنتاج العالمي ولكنها لم تُذكر كمنتج للمعادن النادرة.
وتبين بيانات التجارة التابعة للبنك الدولي أن قيمة واردات “إسرائيل” من عناصر الأرض النادرة والسكانديوم والإيتريوم بلغت 31 ألف دولار عام 2024، معظمها من المملكة المتحدة والولايات المتحدة، وهو رقم صغير ولكنه يعكس عدم وجود إنتاج محلي.
إضافة إلى ذلك، تشير دراسات مركز “SFA Oxford” إلى أن المعادن الحرجة في “إسرائيل” تقتصر على المغنيسيوم والبرومين والفوسفور، بينما تسعى إلى تعزيز الابتكار في مجال الكيمياء الخضراء وإعادة تدوير البطاريات لتقليل الاعتماد على الاستيراد.
لكن هذه المبادرات لن توفر مصدراً محلياً لمكونات بطاريات الليثيوم أو أجهزة الاتصالات، ما يدفع صانعي السياسات إلى البحث عن شراكات خارجية.
وصرح رئيس الإقليم الانفصالي عبد الرحمن محمد عبد الله مؤخرا بالقول إن أرض الصومال “بلد غني بالموارد، لدينا لحوم وأسماك ومعادن وهم (الإسرائيليون) يحتاجونها”، وأنه يتوقع التوصل إلى اتفاق تجاري مع “إسرائيل” يشمل هذه الموارد.
رغم افتقارها إلى الليثيوم وغيره، تتمتع “إسرائيل” بقطاع تكنولوجي متقدم وخبرة في تحلية المياه والزراعة الصحراوية. لذلك يرجح مراقبون أن تقدم “تل أبيب” تقنيات مقابل حصول شركاتها على امتيازات التعدين. وتوقع رئيس صوماليالاند الحصول على “التكنولوجيا الإسرائيلية” مقابل الموارد.