منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تحولت العلاقات العسكرية الأوروبية مع “إسرائيل” إلى اختبار سياسي وأخلاقي كشف انقسام القارة أكثر مما أظهر وحدتها.
فبعض الحكومات علّق اتفاقات أو جمّد تراخيص أو قيّد تسهيلات لوجستية، فيما اكتف أخرى بالمراجعة أو الاعتراض السياسي، بينما واصلت دول ثالثة شراء أنظمة إسرائيلية متقدمة أو توسيع شراكاتها الدفاعية.
ومع اتساع الحرب إلى لبنان، لم يعد السؤال الأوروبي يدور حول الموقف من “إسرائيل” على نحو مجرد، بل حول حدود التعاون العسكري معها، بينما تواصل قصف غزة في ظل هدنة هشة، وتستمر في استهداف لبنان رغم اتفاق التهدئة مع إيران.
وفي هذا السياق، لا تبدو أوروبا أمام موقف واحد، بل أمام خريطة متدرجة من القطيعة الجزئية، والتجميد المؤقت، والمراجعة الحذرة، والاستمرار في الشراكة.
خريطة التصدّع الدفاعي الأوروبي مع “إسرائيل”
أولًا: دول علّقت أو جمّدت اتفاقات أو تراخيص
ألمانيا – المورد الأكبر والقرار المؤقت: كانت برلين ثاني أكبر مصدر للسلاح إلى “إسرائيل” إذ وفّرت نحو 30% من وارداتها من السلاح في 2019-2023، وخاصة المعدات البحرية، ولا سيما فرقاطات “ساعر 6”.
بعد ضغط داخلي ونقاش قانوني، أعلن وزير الاقتصاد روبرت هابيك في أغسطس/آب 2025 تعليق الموافقة على تصدير الأسلحة التي يمكن استخدامها في غزة، وهو أول رفض من ألمانيا لإمداد “إسرائيل” بسلاح قابل للاستخدام في القطاع.
شمل القرار السلاح الذي يمكن استخدامه في العمليات الهجومية، واستمر توريد قطع الغيار للعقود طويلة الأجل، مع تأكيد الحكومة أن كل حالة تُقيَّم على حدة.
بعد أكثر من ثلاثة أشهر، ومع دخول وقف إطلاق نار، أعلنت برلين أنها ستستأنف هذه الصادرات اعتبارًا من 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 على أساس مراجعة فردية، وأن التعليق كان مرتبطًا بالعمليات في غزة.
المملكة المتحدة – تعليق جزئي ضمن هامش ضئيل: تورد بريطانيا أقل من 1% من واردات “إسرائيل” من السلاح، ومعظمها قطع غيار ومكونات للمقاتلات والطائرات المسيّرة والمعدات الجوية.
في سبتمبر/أيلول 2024 قررت حكومة حزب العمال تعليق 30 من أصل 350 رخصة تصدير إلى “إسرائيل” بعد مراجعة قانونية خلصت إلى وجود خطر استعمالها في انتهاكات جسيمة للقانون الدولي.
وأوضح وزير الخارجية ديفيد لامي أن ذلك ليس حظرًا شاملًا، وأن الأجزاء الخاصة بطائرات F-35 المعاد تصديرها ضمن برنامج دولي مستثناة حتى لا يتأثر التحالف مع واشنطن.
لاحقًا أيد القضاء البريطاني قرار الحكومة السماح بتصدير مكوّنات F-35 رغم تجميد رخص أخرى لأن وقفها سيضر بسلاسل التوريد الدولية. وبالتالي، يمثل الموقف البريطاني تجميدًا جزئيًا محدود الأثر بسبب ضآلة حجم الصادرات.
هولندا – مراجعة قضائية وتجميد أجزاء F-35: بعد ضغوط حقوقية، أمرت محكمة الاستئناف الهولندية في 12 فبراير/شباط 2024 الحكومة بوقف تصدير أجزاء مقاتلات F-35 إلى “إسرائيل” بسبب مخاوف من استخدامها في انتهاكات للقانون الدولي خلال حرب غزة.
وفي 3 أكتوبر/تشرين الأول 2025 أمرت المحكمة العليا الحكومة بمراجعة سياساتها بشأن تصدير السلاح إلى “إسرائيل”، مع إبقاء حظر تصدير أجزاء F-35 قائمًا إلى حين انتهاء المراجعة.
وفي 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 رفضت محكمة استئناف دعوى أوسع كانت تطالب بفرض حظر شامل على الصادرات العسكرية إلى “إسرائيل”. هكذا فرض القضاء الهولندي مراجعة رسمية وأبقى ملف أجزاء F-35 تحت قيود، من دون أن يتحول ذلك إلى حظر شامل لكل أشكال التعاون.
إيطاليا – تعليق مذكرة تعاون وليس الصفقات: رغم استمرار بعض صادرات السلاح المرتبطة بعقود قديمة، علّقت روما في 14 أبريل/نيسان 2026 التجديد التلقائي لمذكرة تفاهم دفاعية موقعة عام 2003.
المذكرة تنظّم المشتريات والتدريب واستيراد وتصدير معدات الدفاع، وقالت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني إن القرار جاء بسبب هجمات “إسرائيل” على لبنان وواقعة إطلاق نار قرب جنود إيطاليين.
لكن المسؤولين الإسرائيليين قللوا من أهمية المذكرة، قائلين إنها تفتقر إلى محتوى عملي ولن تؤثر في أمن “إسرائيل”. يُذكر أن إيطاليا واصلت بعد العدوان على غزة تنفيذ بعض العقود الموقعة مسبقًا بعد التأكد من عدم استخدامها ضد المدنيين. بالتالي، التعليق رمزي أكثر منه تغييرًا جوهريًا.
إسبانيا – حظر لوجستي وإلغاء مشتريات: مدريد هي العاصمة الأوروبية الوحيدة التي اتخذت خطوة لوجستية عامة وكاملة، فقد حظرت في 8 سبتمبر/أيلول 2025 مرور السفن والطائرات التي تحمل أسلحة أو وقودًا عسكريًا إلى “إسرائيل” عبر الموانئ والمجال الجوي الإسباني.
كما ألغت عقدًا لشراء 15 مليون رصاصة من شركة إسرائيلية بقيمة 6.6 مليون يورو، مؤكدة توسيع التزامها منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 من وقف بيع السلاح لـ”إسرائيل” إلى وقف المشتريات أيضًا، في قرار أحدث توترًا مع واشنطن التي عبرت عن قلقها لأنه يقيّد عبور إمداداتها عبر إسبانيا.
ثانيًا: دول راجعت أو لوّحت بالمراجعة
فرنسا – وقف رمزي ومراجعة موسعة: رغم حجم التعاون المحدود، إذ بلغت صادراتها العسكرية إلى “إسرائيل” نحو 30 مليون يورو في 2023، دعت باريس لوقف صادرات الأسلحة التي يمكن استخدامها في غزة ولبنان، ومنعت مشاركة شركات إسرائيلية في معرض الأسلحة “يوروساتوري 2024”.
وأكد الرئيس إيمانويل ماكرون أن الهدف ليس “نزع سلاح إسرائيل” وإنما وقف استخدام أسلحة فرنسية في الصراعات، مشيرًا إلى أن فرنسا ليست مورّدًا رئيسيًا.
وفي 31 مارس/آذار 2026 رفضت فرنسا السماح للطائرات الإسرائيلية بعبور أجوائها لنقل أسلحة أمريكية إلى “إسرائيل” لاستخدامها في الحرب ضد إيران، وهي خطوة لوجستية مرتبطة بهذا النزاع تحديدًا.
لكن باريس لم تعلن حظرًا شاملًا، وظلت خطواتها أقرب إلى المنع الانتقائي والمراجعة السياسية منها إلى فك ارتباط دفاعي كامل.
إيطاليا وبريطانيا – مراجعات داخلية: بجانب قرارات التعليق الجزئي، أكدت حكومتا إيطاليا وبريطانيا أن تراخيص التصدير ستخضع للتدقيق في ضوء التطورات الميدانية.
وشددت لندن على أن كل رخصة ستخضع لتقييم خطر استخدامها في انتهاكات، بينما أكدت روما أن العقود الموقعة سابقًا فقط هي التي استمرت بعد فحوص تتعلق بعدم استخدامها ضد المدنيين.
ثالثًا: دول رفضت تسهيلات لوجستية
إسبانيا حظرت مرور السفن والطائرات التي تحمل أسلحة أو وقودًا عسكريًا إلى “إسرائيل” عبر موانئها ومجالها الجوي، ما أثار استياء الولايات المتحدة.
أما فرنسا فرفضت في 31 مارس/آذار 2026 السماح لطائرات إسرائيلية بعبور أجوائها لنقل أسلحة أمريكية إلى “إسرائيل” لاستخدامها في الحرب ضد إيران.
إيطاليا رفضت بدورها في أواخر مارس/آذار 2026 السماح لبعض الطائرات العسكرية الأمريكية باستخدام قاعدة سيغونيلا في صقلية قبل توجهها إلى الشرق الأوسط، في خطوة تعكس تحفظًا لوجستيًا، لكنها لا ترقى إلى حظر عام مثل الإجراء الإسباني.
رابعًا: دول اكتفت بالتحفظ السياسي أو الضغط المدني
بلجيكا شهدت دعوات من نقابات النقل فى أكتوبر/تشرين الأول 2023 لرفض التعامل مع شحنات السلاح الموجهة إلى “إسرائيل” بسبب اعتراضات أخلاقية، لكن الحكومة لم تصدر قرارًا ملزمًا.
الدنمارك تواجه دعاوى قضائية من منظمات حقوقية تطالب بوقف صادرات السلاح، لكن الدولة لم تُعلن تغييرات.
النرويج لم تتخذ إجراءات على مستوى الصادرات، لكنها قالت إن صندوق الثروة السيادي باع حصصه في شركات دفاع إسرائيلية بعد “مراجعة أخلاقية”.

خامسًا: دول استمرت في التعاون أو وسعته
اليونان وقبرص – شراكة إستراتيجية متنامية: في ذروة الحرب، شرعت أثينا في محادثات لشراء 36 نظامًا صاروخيًا من نوع PULS وأنظمة دفاع جوي “درع أخيل” بقيمة 650 مليون يورو، وأكد مسؤولون أن الشركات اليونانية ستنتج ربع المشروع.
ووافق البرلمان اليوناني على الصفقة في ديسمبر/كانون الأول 2025، وأشار مسؤولون إلى علاقات اقتصادية وعسكرية قوية مع “إسرائيل” تتضمن مركز تدريب جوي مشترك، كما استمرت المفاوضات على برنامج دفاع جوي أوسع قُدرت كلفته بنحو 3 مليارات يورو.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2025 وقعت اليونان وقبرص و”إسرائيل” خطة عمل لزيادة التدريبات البحرية والجوية المشتركة عام 2026، وأكد مسؤولون أن شراء الأنظمة الإسرائيلية سيستمر.
وكانت قبرص قد تسلمت في ديسمبر/كانون الأول 2024 منظومة Barak MX الإسرائيلية لتحل محل أنظمة روسية أقدم.
فنلندا – اعتماد على دفاعات إسرائيلية: بعد انضمامها إلى الناتو، أعلن الرئيس الفنلندي ألكسندر ستاب في سبتمبر/أيلول 2024 أن شراء منظومة الدفاع الجوي “مقلاع داود” من “إسرائيل” أمر “حيوي” لحماية البلاد من تهديدات روسية، وأنه لا يؤثر في موقف هلسنكي من الاعتراف بدولة فلسطينية، ما يدل على استمرار التعاون رغم الانتقادات.
رومانيا وصربيا – بوخارست تمضي في عقد طائرات مسيّرة مع Elbit، فيما أعلنت بلغراد في 14 أبريل/نيسان 2026 خطة للتصنيع المشترك لطائرات قتالية مسيّرة مع “إسرائيل”.
وتظهر الخريطة السابقة أن العدوان الإسرائيلي على غزة رسم خطوط تصدّع واضحة فى خريطة التعاون الدفاعي الأوروبي مع “إسرائيل” لكنها لم تفضِ إلى قطيعة شاملة بفعل المصالح الاقتصادية والسياسية والعسكرية لهذه الأطراف مع “تل أبيب”.