• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

حصار ما بعد الإبادة.. كيف يُقتل مصابي غزة انتظارًا للعلاج؟

محمد النعامي٢٢ مارس ٢٠٢٦

مرضى ينتظرون نقلهم إلى مصر لتلقي العلاج، في خان يونس، غزة. عبد الله ف.س. العطار / الأناضول.

بعد حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية على غزة، التي شُنت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ولم يتوقف نزيف الدم الناتج عنها، حتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2025، مخلفةً أكثر من 73 ألف شهيد و184 ألف جريح في القطاع، ينتظر المصابون فرصة ضئيلة للسفر عبر معبر رفح، المنفذ البري الوحيد الذي يربط القطاع بالعالم الخارجي.

بالنسبة لآلاف المرضى ومصابي الحرب، لم يعد السفر خيارًا، بل مسألة حياة أو موت، في ظل انهيار المنظومة الصحية داخل القطاع، التي عمل الاحتلال على تدميرها بشكل ممنهج خلال الحرب، كما واصل فرض القيود على تدفق الإمدادات الطبية وحركة المرضى ووفود الأطباء.

ولمدة 11 شهرًا، كان الاحتلال قد منع أي مصاب أو مريض فلسطيني من مغادرة القطاع للعلاج، حيث أغلق المعابر في وجه الفلسطينيين في 2 مارس/آذار 2025، ليعود لاستئناف الحرب على قطاع غزة بدموية أكبر في 18 مارس/آذار 2025، إثر خرقه لاتفاق وقف إطلاق النار، الذي كان قد بدأ في 19 يناير/كانون الثاني 2025.

ونتيجةً لاتفاق وقف إطلاق النار الذي أُبرم في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أعلن الاحتلال عن فتح معبر رفح لسفر المرضى والعالقين في 2 فبراير/شباط 2026، بسيطرة أمنية كاملة له، وفي وجود بعثة أوروبية لتسيير العمل المدني في المعبر، ولم يستمر العمل فيه لأكثر من شهر، حيث أعادت السلطات الإسرائيلية إغلاق المعبر مرة أخرى مطلع مارس/آذار 2026، بحجة الأوضاع الأمنية، ما قتل آمال آلاف المرضى بالعلاج.

تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن 260 مريضًا ومصابًا فقط تمكنوا من السفر للعلاج في الخارج منذ فتح المعبر في الثاني من فبراير حتى 19 فبراير 2026، واستمر سفر أعداد محدودة جدًا من المرضى، قبل أن يعلن الاحتلال إغلاق المعبر في 1 مارس 2026، بحجة الأوضاع الأمنية والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ثم أعلن إعادة فتح المعابر جزئيًا في 6 مارس 2026، مع استمرار القيود نفسها، لكن هذا الإعلان لم يُترجم على أرض الواقع، حيث استمر إغلاق معبر رفح حتى اللحظة.

وفي نظر الغزيين، استخدم الاحتلال حربه مع الولايات المتحدة على إيران لخنق القطاع أكثر، عبر تقليص دخول المساعدات والبضائع ومنع سفر المصابين، فقد ترك هذا الوضع قرابة 20 ألف مريض ومصاب ينتظرون مصيرًا مجهولًا، ما لم يُعاد فتح المعبر بسرعة.

بطء شديد

التقى “نون بوست” بعدد من مصابي الحرب المدرجة أسماؤهم في سجلات السفر، حيث عبّر كل منهم عن مأساته الخاصة مع الانتظار الطويل، والمعاناة الصحية، والآلام التي تكسو أجسادهم.

أحد هؤلاء، محمد الرجودي (17 عامًا)، كان يبحث عمّا يمكنه أن يطعم به عائلته، متجهًا نحو المراكز الأمريكية لتوزيع المساعدات جنوب القطاع في 18 يوليو 2025، لكنه عاد محمولًا على الأكتاف بعد أن استقرت رصاصة قنّاص في ظهره، لتقلب حياته رأسًا على عقب.

لم تسلبه الإصابة القدرة على الحركة فحسب، بل جمّدت جسده لأكثر من سبعة أشهر، تاركةً إياه أسير سرير لا يغادره، وألمٍ مستمر، وأملٍ هش يتجدد مع كل خبر عن فتح معبر رفح لعلاج المصابين والمرضى، ثم يتراجع مع كل إغلاق متكرر.

منذ ذلك اليوم، يعيش محمد على أمل ضئيل، لا يواسيه سوى ما أخبره به الأطباء، بأن هناك فرصة لاستعادة قدرته على الحركة إذا تمكن من السفر للعلاج في الخارج.

جراح متطوع في شمال #غزة: يمكن لجرح البتر أن يلتئم ولكن ندوب النفس تبقى، رؤية والديك مدفونين أحياء أو رؤية نفسك كناجٍ وحيد بينهم لا يمحى.. الجميع في #غزة لديه قصة مؤلمة. pic.twitter.com/0dU6FpAGLm

— نون بوست (@NoonPost) October 17, 2024

ينتظر محمد، وهو يراقب المعاناة الهائلة التي يواجهها المسافرون؛ بدءًا من ساعات الانتظار الطويلة أمام المعبر، مرورًا بإجراءات التفتيش غير الآدمية، وصولًا إلى عربدة الميليشيات العميلة للاحتلال، فضلًا عن الإغلاق المتكرر لمعبر رفح.

أما الأكثر قسوة، فهو البطء الشديد في السماح بسفر المصابين والمرضى، في ظل سيطرة الاحتلال المباشرة على المعبر، وفرضه إجراءات أمنية مشددة تهدف إلى التضييق على سكان القطاع وتبديد فرص آلاف المصابين والمرضى، الذين باتت حياتهم معلّقة بانتظار السماح لهم بالسفر للعلاج في الخارج، ما يجعل العلاج حلمًا يتآكل يومًا بعد يوم.

وقال الرجودي لـ”نون بوست” إنه لم ينتظر خبرًا كخبر فتح المعبر وبدء سفر مصابي الحرب، لكنه صُدم مما شاهده؛ إذ بدت رحلة السفر بطيئة للغاية، والإجراءات معقدة إلى حد يفوق قدرته على التحمل.

وأضاف: “حياتي مرتبطة بهذه الرحلة. أصعب ما يمكن أن تعيشه أن تكون مُقعدًا، لا تستطيع الحركة أو خدمة نفسك. كنت أتوقع أن يكون فتح المعبر نهاية هذا الكابوس، لكن يبدو أن الطريق لا يزال طويلًا ومتعبًا”.

وأوضح محمد أن عائلته عانت كثيرًا لتأمين تحويلة للعلاج في الخارج، حيث يفترض أن تُستخرج شظايا الرصاصة التي اخترقت جسده وتسببت في إصابته بالشلل، على أن يبدأ بعدها برنامجًا علاجيًا مكثفًا في مستشفيات خارج البلاد، في محاولة لإعادته إلى القدرة على الحركة.

ألم في الانتظار

من جانبه، قال المصاب حسن العليان (26 عامًا) إن معاناته بدأت منذ إصابته جراء قصف مروحي نفذته طائرات الاحتلال على منزله في مخيم النصيرات، ما أدى إلى سقوطه مصابًا، حيث امتلأ جسده بعدد كبير من الشظايا، ما تسبب بجروح عميقة وتهتك في عظامه.

وأضاف أن معاناته لم تتوقف منذ تلك اللحظة حتى الآن، في ظل انتظار دوره لتلقي العلاج، وحاجته الماسة إلى الإسراع في السفر لبدء رحلة العلاج المكثف.

– أعلنت وزارة الصحة في غزة، عن تسجيل 6 آلاف حالة بتر خلال عامين من الإبادة الإسرائيلية على القطاع.

– تقدر نسبة الأطفال من إجمالي عدد حالات البتر بـ25%، ونسبة النساء 12.7%”، مشيرة إلى أن “نقص الإمكانيات الطبية والأدوات المساندة يزيد معاناة الجرحى مبتوري الأطراف.

– دعت الوزارة… pic.twitter.com/nMI4mm9UIF

— نون بوست (@NoonPost) November 12, 2025

وأشار العليان، في حديثه لـ”نون بوست”، إلى أن أعداد المصابين الذين يُسمح لهم بالمغادرة يوميًا عبر المعبر محدودة للغاية، واصفًا ذلك بأنه “كنقطة في بحر” مقارنة بحجم الحالات الإنسانية المحتاجة للعلاج. وأوضح أنه خضع لـ38 عملية جراحية تحت التخدير الكامل، أُجريت جميعها بهدف إنقاذ حياته داخل مشافٍ ميدانية أُقيمت في خيام، واقتصرت على إبقائه على قيد الحياة إلى حين خروجه لتلقي العلاج في الخارج، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.

وأضاف العليان أن نفاد الأدوية المسكنة من مخازن وزارة الصحة جعله يعيش قرابة 90 يومًا من العذاب المستمر، إذ لم تهدأ الآلام في مختلف أنحاء جسده، ما زاد من تعقيد حالته الصحية. ورغم المحاولات المتكررة لتسريع سفره نظرًا لخطورة وضعه، لم يتمكن من مغادرة القطاع لتلقي العلاج حتى هذه اللحظة.

وتابع: “يُغلق المعبر أكثر مما يُفتح، ومن يُسمح لهم بالمغادرة أعداد قليلة للغاية. وحتى الآن، لم يظهر على الصفحة الإلكترونية الخاصة بطلبات العلاج أي توفر لدولة مستضيفة لحالتي، ولا موعد محدد للسفر، رغم أن طلبي قُدم منذ أكثر من 9 أشهر، وحالتي الصحية بالغة الصعوبة”.

وأوضح أن ما يخفف عنه جزئيًا هو بعض الأدوية المسكنة، إلا أنه بات غير قادر على الحركة، في ظل تضرر أعضاء حيوية في جسده، كالبنكرياس والكبد والأمعاء، مؤكدًا أن وضعه الصحي يستدعي الإسراع العاجل في سفره لتلقي العلاج خارج القطاع.

معاناة ذوي الإعاقة 

خلفت الحرب 6,528 مصابًا بإعاقات دائمة نتيجة حالات البتر في الأطراف، يواجهون اليوم معاناة خاصة، إذ يعجزون عن الحركة، في ظل غياب أي مراكز عاملة لتركيب الأطراف الصناعية في قطاع غزة.

وينتظر الآلاف فرصة السفر إلى الخارج لتركيب أطراف صناعية، في محاولة للبدء من جديد بحياة أقرب إلى الطبيعية، وتجاوز جحيم الإصابة، بعيدًا عن الكراسي المتحركة التي لم تتوفر لمعظم المصابين.

مهدي أبو ناصر (28 عامًا)، من بين المنتظرين، وهو شاب فلسطيني فقد عائلته وأكثر من 150 من أقاربه وجيرانه جراء قصف نفذه جيش الاحتلال على منزله في مخيم المغازي في ديسمبر/كانون الأول 2023، فأصيب بجروح بالغة تسببت له بإعاقة دائمة، وما زال ينتظر دوره للسفر وتلقي العلاج في الخارج، في ظل تدهور حالته الصحية واستمرار معاناته.

وقال مهدي في حديثه لـ”نون بوست”: “أُخرجت من تحت الأنقاض بينما كانت الدماء تملأ جسدي، وبقيت قدمي عالقة أسفل الركام. لا أعلم كيف بقيت على قيد الحياة بعد ذلك القصف الضخم. لم يكن الألم الجسدي وحده ما عشته، بل كان الألم النفسي لفقدان عائلتي وأقاربي وجيراني هو الأقسى. كان كابوسًا عشته إلى جانب الإصابات التي لحقت بجسدي، والتي انتهت بإعاقة دائمة بعد فقدان قدمي، وزاد من معاناتي تعطل سفري لتلقي العلاج في الخارج، وهو ما لا يبدو قريبًا في ظل البطء الشديد في آلية السفر والإغلاقات المتكررة للمعبر”.

وأضاف: “تعطلت حياتي بشكل كامل إثر هذه الإصابة قبل أكثر من عامين، وحتى اليوم لم أتمكن من تركيب طرف صناعي أو الحصول على كرسي متحرك، ما جعل حياتي تتوقف تقريبًا، ولم أعد قادرًا على أداء أي عمل. إلى جانب ذلك، خسرت منزلي ومنازل أقاربي، وأعيش اليوم حياة الخيام التي لا تتناسب مع وضعي الصحي، لكنني أُجبرت على التكيف معها في ظل انعدام الخيارات”.

وأكد مهدي أنه يرى نفسه من أكثر الأشخاص حاجة للسفر لتلقي العلاج والحصول على طرف صناعي، إضافة إلى مداواة الجروح ومحاولة التعافي نفسيًا من الندوب العميقة التي خلّفها فقدان عائلته وحياته القديمة وجيرانه، لكنه يجد الطريق مغلقًا بسبب الإغلاق المتكرر للمعبر. وناشد كل من يستطيع التدخل أن يسهم في تسهيل حياة المصابين وتسريع سفرهم للعلاج، لأن ما يعانيه المرضى من ألم نفسي وجسدي لا يُوصف.

يواجه آلاف المرضى المدرجين على قوائم السفر خطرًا حقيقيًا على حياتهم، إذ يرتقي منهم شهداء بشكل مستمر وهم ينتظرون دورهم للعلاج، كما في قصة الشاب الفلسطيني محمد ضبّان في غزة، الذي ارتقى شهيدًا بعد 8 أشهر من مصارعة مرض جلدي كان يمكن علاجه في الخارج، وتمثل حالته نموذجًا لآلاف المرضى الذين فارقوا الحياة نتيجة عدم تمكنهم من تلقي العلاج خلال الحرب وبعدها.

عانى ضبّان الأمرّين، إذ عاش طيلة أشهر انتظاره آلامًا شديدة في مختلف أنحاء جسده، في ظل انقطاع الأدوية المسكنة والعلاج اللازم. ولم تُسعف المناشدات العديدة التي أطلقتها عائلته، حيث فارق الحياة في 16 فبراير 2026، بعد أسبوعين من فتح معبر رفح، ومع ذلك لم يتمكن من السفر.

وهو مصير قد يواجه قرابة 20 ألف مريض ومصاب، ما يشير إلى العدد الكبير من الأرواح التي قد يحصدها الحصار الإسرائيلي يوميًا بين المرضى والمصابين الذين ينتظرون العلاج.

علاماتأزمات غزة ، أزمات قطاع غزة ، أطفال غزة ، أهالى غزة ، إغلاق معبر رفح
مواضيعالاحتلال الإسرائيلي ، الحرب على غزة ، حصار غزة ، غزة ، معبر رفح

قد يعجبك ايضا

مجتمع

وصمة “الدولة”.. إرث ثقيل يلاحق نساء وأطفال عناصر التنظيم

عمار عبد اللطيف٢٢ مارس ٢٠٢٦
مجتمع

كيف قيّدت الحرب شعائر العيد في السودان؟

مروة الأمين٢٠ مارس ٢٠٢٦
مجتمع

لائحة العودة الأوروبية.. هل تغيّر مستقبل المهاجرين العرب؟

أحمد مستاد٢٠ مارس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑