يواجه القاطنون في المخيمات العشوائية بمحافظة الرقة ظروفًا إنسانية قاسية تتفاقم يومًا بعد يوم، وذلك بسبب ضعف البنية التحتية وغياب الدعم الإنساني المستدام، ما يحول هذه التجمعات السكنية المؤقتة إلى بيئة طاردة للحياة الكريمة، ويضع آلاف العائلات أمام تحديات معيشية وصحية وبيئية متشابكة.
ورصد “نون بوست” توزع عشرات المخيمات في أرياف محافظة الرقة التي نشأت بفعل موجات النزوح المتلاحقة، لتصبح اليوم موطنًا دائمًا لآلاف النازحين الذين لم يتمكنوا من العودة إلى مناطقهم الأصلية بسبب الدمار أو استمرار التهديدات الأمنية، إذ تحولت إلى واقع طويل الأمد يفرض نفسه بقسوة على تفاصيل حياتهم اليومية.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن محافظة الرقة استقبلت خلال السنوات الماضية موجات نزوح من مناطق متعددة، أبرزها دير الزور وحمص وحماة، معظم النازحين وصلوا إلى الرقة هربًا من سطوة قوات النظام التي كانت قد خرجت من الرقة عام 2013.
داخل هذه المخيمات، تتجلى المعاناة بشكل أوضح خلال فصل الشتاء، إذ يقول محمد شاهين، أحد سكان مخيم العدنانية العشوائي بريف الرقة الشمالي، إن الأمطار تحول المخيم إلى مستنقعات من الوحل، بينما تتسرب المياه إلى داخل الخيام المهترئة، ما يضطر العائلات إلى محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أغطية وممتلكات بسيطة.
ويضيف شاهين لـ”نون بوست” أن الأطفال ينامون على أرض رطبة ويستيقظون وهم يعانون من البرد الشديد، ما ينعكس سلبًا على صحتهم، ويؤكد أن التدفئة تمثل تحديًا أساسيًا بسبب نقص الوقود أو ارتفاع ثمنه، ما يدفع النازحين إلى حرق البلاستيك والنفايات رغم ما تسببه من أضرار صحية خطيرة.
ويشير إلى أن الحصول على مياه نظيفة يشكل عبئًا يوميًا، حيث تضطر العائلات إلى جلب المياه من مسافات بعيدة وغالبًا ما تكون غير صالحة للشرب، ما يؤدي إلى انتشار الأمراض.
وفي الجانب الصحي، يؤكد النازحون الذين التقى بهم “نون بوست” أن الخدمات الطبية شبه غائبة، إذ يقول شاهين إن أي حالة مرضية تستدعي الذهاب إلى المدينة، وهو أمر مكلف ويتطلب وقتًا وجهدًا، ما يجعل الكثيرين يؤجلون العلاج، موضحًا أن غياب المدارس داخل المخيمات وبعد المؤسسات التعليمية يشكلان عائقًا كبيرًا أمام الأطفال، ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات التسرب ويهدد مستقبل جيل كامل.
منظمات دون أثر
تعمل في محافظة الرقة عشرات المنظمات غير الحكومية التي كان معظمها يعمل في المحافظة خلال فترة سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” قسد التي خرجت من المنطقة في الثامن عشر من كانون الثاني يناير 2026، إلا أن تلك المنظمات كثيرًا ما واجهت انتقادات من النازحين وحتى السكان بسبب غياب أثر حقيقي لعملها على أرض الواقع.
ويقول الناشط المدني أحمد حيدر لـ”نون بوست” إن اختيار هذه المنطقة يأتي نتيجة ما يصفه بـ”الأمن النسبي” وتوفر مساحات مفتوحة، ما يجعلها وجهة للنازحين الباحثين عن ملاذ، ولو كان هشًا.
ويضيف حيدر أن هذا الاستقرار يبقى مؤقتًا وغير مستدام، إذ يصطدم النازحون بواقع خدمي ضعيف، ما يؤدي إلى نشوء مخيمات عشوائية تفتقر إلى التخطيط والتنظيم، وأن غالبية برامج المنظمات غير الحكومية لا تتوافق مع احتياجات النازحين داخل تلك المخيمات.
ويؤكد أن استمرار موجات النزوح لاحقًا زاد الضغط على الموارد المحدودة، ما يعمّق الأزمة الإنسانية ويجعل هذه المخيمات تتوسع بشكل غير منظم، كما يشير إلى أن الدمار الواسع في المناطق الأصلية يمنع عودة كثير من العائلات، سواء بسبب انهيار المنازل أو غياب مقومات الحياة، ما يجعل البقاء في المخيمات خيارًا قسريًا.
ويشير إلى أن معظم سكان المخيمات يعتمدون على مصادر دخل غير مستقرة، مثل جمع النفايات أو العمل اليدوي المؤقت، ويضيف أن هذه الأعمال لا توفر دخلًا كافيًا، ما يجعل العائلات تعيش في حالة فقر دائم.
ويبين أن الأطفال يشاركون في هذه الأعمال للمساعدة في تأمين لقمة العيش، ما يحرمهم من التعليم ويزيد من هشاشتهم، كما يوضح أن النساء يتحملن أعباء إضافية داخل الأسرة في ظل غياب الدعم النفسي والاجتماعي.
إلى جانب ذلك، تواجه المخيمات تحديات بيئية متزايدة، إذ يقول حيدر إن حرق النفايات وقطع الأشجار للتدفئة يؤديان إلى تدهور البيئة المحيطة ويهددان الموارد الطبيعية، ويؤكد أن هذه الممارسات ستترك آثارًا طويلة الأمد على مصادر المياه والأراضي الزراعية.
الصحفي حمد المصطفى، الذي غطى أوضاع المخيمات، يقول إن الظروف المعيشية تتدهور بشكل ملحوظ، خاصة بالنسبة للأطفال والنساء وكبار السن، مضيفًا أن الخيام لا توفر حماية من الحر أو البرد، وأن الطرق تتحول إلى وحل مع أول هطول للأمطار.
ويؤكد المصطفى لـ”نون بوست” أن غياب الدعم الإنساني المنتظم يدفع السكان إلى استخدام وسائل بديلة للبقاء، مثل حرق النفايات للتدفئة، ما يزيد من المخاطر الصحية، ويشدد على ضرورة تدخل عاجل لتحسين البنية التحتية وتوفير الخدمات الأساسية.
ويلفت إلى أن الأطفال هم الأكثر تضررًا، إذ يعانون من أمراض متكررة بسبب نقص المياه النظيفة وسوء التدفئة، إضافة إلى الضغوط النفسية الناتجة عن بيئة غير مستقرة، ويضيف أن توقف البرامج التعليمية يزيد من تفاقم المشكلة ويحرم العديد منهم من حقهم في التعليم.
ويرى الصحفي أن انخراط الأطفال في أعمال شاقة مثل جمع الخردة يعرضهم لمخاطر صحية وجسدية، ويؤدي إلى استمرار معاناتهم على المدى الطويل.
ويوضح أن المخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات البنية التحتية، مثل شبكات الصرف الصحي والطرق المعبدة والكهرباء، ويشير إلى أن غياب التنسيق بين الجهات المعنية يؤدي إلى فجوة كبيرة في تقديم الخدمات، مشيرًا إلى أن نقص الرعاية الصحية وانتشار الحشرات والقوارض يزيد من المخاطر البيئية والصحية، ما يجعل الحياة داخل المخيمات أكثر صعوبة.
ويشدد المصطفى على ضرورة تحرك الجهات الرسمية والمنظمات الإنسانية بشكل فوري لتوفير الدعم اللازم وتحسين الظروف المعيشية، ويؤكد أن التدخل يجب أن يشمل توفير التدفئة والمياه النظيفة وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وأن الحلول المؤقتة لم تعد كافية، ويؤكد ضرورة وضع خطط طويلة الأمد تشمل تطوير البنية التحتية وخلق فرص عمل وتعزيز التنسيق بين الجهات المختلفة.
أزمة إنسانية مركبة
تعكس المخيمات العشوائية في ريف الرقة أزمة إنسانية مركبة تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وبينما يحاول السكان التكيف مع هذا الواقع، تبقى حياتهم معلقة على تدخلات محدودة لا تلبي الحد الأدنى من احتياجاتهم.
وفي ظل استمرار الأزمات وتزايد أعداد النازحين، يبقى مستقبل هذه المخيمات مفتوحًا على مزيد من التحديات، ما يجعل الاستجابة العاجلة والمنظمة ضرورة لا تحتمل التأجيل لضمان حياة أكثر استقرارًا وكرامة لآلاف المدنيين.
ويقول عدنان سكاف، مدير مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في الرقة، إن المخيمات العشوائية في المحافظة يتواجد معظمها ضمن أحياء مدينة الرقة أو في محيطها القريب، مشيرًا إلى أن الواقع المعيشي والخدمي والصحي والتعليمي في هذه المخيمات يُعد مشابهًا أو مماثلًا إلى حد كبير للواقع في المخيمات المنظمة، بل ويقترب أيضًا من الواقع المعيشي للأفراد المقيمين داخل المدينة.
ويضيف سكاف لـ”نون بوست” أن المخيمات القريبة أو المتواجدة ضمن مدينة الرقة تستطيع الاستفادة من الخدمات الصحية عبر المشافي الموجودة في المدينة، وكذلك من الخدمات التعليمية عبر المدارس، لافتًا إلى أنها تستفيد أيضًا من الخدمات التي تقدمها الجمعيات والمنظمات غير الحكومية.
ويشير إلى أن هذه الجهات تعمل بين الحين والآخر على توزيع سلال غذائية ومعونات، إضافة إلى تقديم مساعدات نقدية (كاش)، مؤكدًا أن هذه المخيمات تُعامل على قدم المساواة مع المخيمات المنظمة من حيث الاستفادة من الدعم والخدمات.
ويؤكد سكاف أن الحكومة السورية تعتزم تنفيذ إحصاءات جديدة، إلى جانب القيام بجولات وزيارات ميدانية لهذه المخيمات، بهدف الوقوف على احتياجاتها بشكل دقيق، وتحديد أولويات التدخل لتقديم المساعدة اللازمة.
ويوضح أن الحكومة تعمل على تأمين العودة الكريمة للمهجرين المقيمين في هذه المخيمات، سواء إلى موطنهم الأصلي أو إلى مناطق أخرى يرغبون بالاستقرار فيها، مع تقديم الدعم والمساعدة اللازمة لضمان عودة آمنة وكريمة، أو إعادة توطينهم في الأماكن التي نزحوا منها أو التي يختارون الإقامة فيها، بما يضمن لهم حياة كريمة ومستقرة.
ويشدد سكاف على أن توجه الحكومة، مع نهاية عام 2026، يتمثل في عدم بقاء أي مخيمات، سواء كانت عشوائية أو منظمة، مؤكدًا أن العمل يجري على دعم العودة الطوعية والكريمة للسكان إلى منازلهم ومناطقهم الأصلية، أو إلى أماكن بديلة يختارونها، مع تقديم كافة أشكال الدعم الممكنة لتحقيق ذلك.
ويضيف أن الحكومة ستعمل على تأمين الخدمات الأساسية في المناطق التي سيعود إليها السكان، موضحًا أنه في حال كانت القرى أو الأرياف تفتقر إلى الخدمات الصحية، سيتم العمل على توفيرها، وكذلك تأمين الخدمات التعليمية في حال غياب المدارس، إلى جانب دعم البنية التحتية عبر توفير الكهرباء من خلال مشاريع الطاقة الشمسية، وتأمين مياه الشرب للسكان.
ويؤكد سكاف أن خطط الدعم تشمل أيضًا توفير فرص سبل العيش، ومنح قروض صغيرة، إضافة إلى دعم إعادة تأهيل وترميم المنازل، مشيرًا إلى أن جميع هذه الإجراءات ستُنفذ ضمن خطة حكومية شاملة تهدف إلى إنهاء معاناة المخيمات وتحقيق الاستقرار للسكان.
وفي حزيران/ يونيو 2026، قال أحمد الأحمد، المشرف على مكتب شؤون المخيمات في هيئة الشؤون الاجتماعية والعمل في الرقة، والذي كان تابعًا لـ”الإدارة الذاتية” حينها، إن عدد المخيمات العشوائية في المحافظة بلغ 44 مخيمًا، يقطنها 9141 أسرة، بإجمالي يصل إلى نحو 58 ألف نسمة.
وأضاف الأحمد أن الخدمات التي تقدمها “الإدارة الذاتية” كانت تشمل توزيع مادة الخبز بشكل يومي على القاطنين في هذه المخيمات، إلى جانب التنسيق مع مكتب المنظمات في الرقة لتقديم المساعدات الإغاثية وخدمات أخرى للنازحين، وفق ما نقلته حينها وكالة أنباء “هاوار” المقربة من “الإدارة الذاتية”.
وأوضح أن المنظمات غير الحكومية كانت تعمل بالتنسيق مع مكتب المنظمات في المجلس التنفيذي للرقة، على تقديم بطاقات “كاش” بقيمة 120 دولارًا للقاطنين في أربعة عشر مخيمًا في ريف المدينة، إضافةً إلى تنفيذ برامج التعليم المهني ودعم سبل العيش من خلال مشاريع صغيرة في بعض المخيمات، إلى جانب توزيع مياه الشرب وتنظيم نشاطات ترفيهية للأطفال.
وأشار الأحمد إلى أن مكتب شؤون المخيمات أجرى عملية إحصائية للنازحين، حصلوا بموجبها على بطاقات معتمدة تُستخدم في توزيع مادة الخبز ومازوت التدفئة، فضلًا عن الاستفادة من الخدمات التي تقدمها المنظمات غير الحكومية، مع العمل على دمج المخيمات الصغيرة ضمن مخيمات أكبر حجمًا.