ترجمة وتحرير نون بوست
خلال الأسابيع الأخيرة، سافر الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان إلى بكين للقاء شي جين بينغ، واستضاف رؤساء بنوك دولية، ووقّع استثمارات عالمية بمليارات الدولارات.
وفي غضون ذلك، استعرض ولي عهد أبوظبي أيضًا جاهزية خدمات الطوارئ الطبية في العاصمة أبوظبي، وخطط شركة النفط الحكومية “أدنوك” في أوقات الحرب.
يشير كل ذلك إلى صعود الشاب البالغ من العمر 44 عامًا في هرم النظام الملكي المطلق في أبوظبي، استعدادا لخلافة والده، رئيس الإمارات الحالي، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان.
بعد ثلاث سنوات من تعيينه ولياً للعهد، أصبح الشيخ خالد قوة صاعدة في عالم المال والأعمال على صعيد عالمي. كما يلعب دورًا دبلوماسيًا في بداية انتقال السلطة من جيل إلى آخر داخل أغنى وأقوى إمارة في دولة الإمارات العربية المتحدة.
يقول الأكاديمي والمحلل السياسي الإماراتي عبد الخالق عبد الله: “يتولى الشيخ خالد العديد من المهام والمسؤوليات الكبيرة هذه الأيام. لقد أثبت نفسه، وأصبح والده يعتمد عليه بشكل أكبر”.


أما بالنسبة لرجال الأعمال الطامحين إلى الاستفادة من ثروة صندوق أبوظبي السيادي التي تزيد عن 1.8 تريليون دولار، فقد أصبح الشيخ خالد لاعبًا رئيسيًا بصفته رئيس مجلس إدارة “لِعماد”، وهو صندوق ناشئ بقيمة 300 مليار دولار، ظهر مؤخرا كأداة استخدمتها الإمارة لدعم محاولة استحواذ “باراماونت” على شركة “وارنر بروس ديسكفري” بعرض قيمته 108 مليار دولار.
وقال أحد المسؤولين التنفيذيين في مجال التمويل: “لقد تزايدت أهميته في عالم التمويل العالمي بشكل كبير خلال الأشهر القليلة الماضية… خصوصًا في مجال الصناديق السيادية”.
أعلن صندوق “لِعماد” مؤخراً عن شراكة مع “غلوبال إنفراستركتشر بارتنرز” التابعة لـ”بلاك روك”، وشركة “تيمسيك” السنغافورية، وشركة “أدنوك” – التي يرأس الشيخ خالد لجنتها التنفيذية – لاستثمار 30 مليار دولار في آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ويتوقع المصرفيون المزيد من الصفقات البارزة في الأشهر المقبلة.
وقال مصرفي بارز التقى بالشيخ خالد: “أعتقد أنه سيواصل إحداث تغييرات جذرية بعد أن أصبح لديه صندوق رسمي تحت إدارته. أنشأ لِعماد ليقوم بما يفعله الجميع في الخليج اليوم، أي استخدام رأس المال لجذب الاستثمارات إلى المنطقة”.
لكن أحد التحديات التي يواجهها هو إقناع المستثمرين ورجال الأعمال الذي توافدوا على أبوظبي بأن الأمور سوف تسير على ما يرام بعد أن انجرت الإمارات إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.
وقال ديفيد روبرتس، الأستاذ المشارك في كلية كينغز لندن: “هو يواجه مثل غيره تحدي الإجابة عن السؤال المحوري حول ما يعنيه عام 2026، وكيفية ضمان أن يكون مجرد حدث عابر وليس مشكلة طويلة الأمد”.
وأضاف أن “الأمور ستبدو مبشرة وأشبه بالوضع السابق”، وستُظهر أبوظبي قدرتها المالية على التغلب على هذه الاضطرابات، لكن “العودة الفورية إلى الوضع السابق لن تحدث”.
كما يكتسب الشيخ خالد، خريج جامعة جورجتاون في واشنطن، مكانة أكثر بروزًا على الساحة العالمية. تجلى ذلك من خلال زيارته الرسمية إلى الصين، أحد أهم الشركاء التجاريين لدولة الإمارات، في أبريل/ نيسان الماضي، عندما تعرضت علاقات أبوظبي مع بكين لاختبار حقيقي بسبب الحرب.
تحملت الإمارات عبء الهجمات الانتقامية الإيرانية، وكانت الدولة الأكثر عدوانية تجاه إيران في منطقة الخليج. ساد شعور بالاستياء في أبوظبي لأن بكين لم تبذل ما يكفي من الجهد لدعمها أو للضغط على طهران، لا سيما من أجل إعادة فتح مضيق هرمز.
وكانت الصين قد استخدمت حق النقض ضد مشروع قرار في مجلس الأمن – مدعوم من الإمارات – يدعو لاتخاذ إجراءات دفاعية بهدف فتح الممر المائي الحيوي الذي يعتمد عليه الخليج في التجارة وصادرات النفط والغاز.
انتهت زيارة الشيخ خالد إلى بكين ببيان روتيني حول تعزيز العلاقات الثنائية وتطوير التعاون، لكن لم يُعلن عن أي نتائج ملموسة.
يرى الخبراء أن صعود الشيخ خالد يتبع نهجًا مشابهًا لصعود والده، محمد بن زايد، إلى سدة الحكم ليصبح أحد أكثر قادة العالم العربي نفوذًا.
أنشأ محمد بن زايد شركة “مبادلة” عام 2002، حين كان والده الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات، يعدّه لتولي الحكم.
بعد أن أصبح ولياً للعهد إثر وفاة والده عام 2004، استغل محمد بن زايد، الذي ينتمي إلى الجيل الأول من قادة الخليج الأكثر جرأة وطموحًا، شركة “مبادلة” – أحد أبرز الصناديق السيادية في أبوظبي – لتنفيذ خططه التنموية في الإمارة.
أصبحت أبوظبي تحت قيادة محمد بن زايد مركزا عالميًا متصاعد النفوذ، سواء من خلال قدراتها المالية أو استخدامها للقوة الناعمة. لكنها واجهت أيضًا انتقادات في بعض الأوساط بسبب سياستها الخارجية، بما في ذلك دعم ميليشيا “قوات الدعم السريع” في السودان، وتدخلاتها في اليمن وليبيا.
ويسعى محمد بن زايد (65 عامًا) حاليا إلى ضمان انتقال سلس للسلطة إلى الجيل التالي، وتجنب الخلافات والمؤامرات التي شابت تاريخيًا عمليات انتقال الحكم داخل الملكيات المطلقة في منطقة الخليج.
عندما عيّن الشيخ خالد وليًا للعهد ورئيسًا للمجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي – الذي يمثل في الواقع مجلس وزراء الإمارة – في عام 2023، أحدث محمد بن زايد تغييرًا جذريًا في هيكل القيادة، ووزّع مسؤوليات جديدة على بعض إخوته الستة.


شمل ذلك تعيين الشيخ طحنون بن زايد، مستشار الأمن الوطني الذي كان يُعتبر في السابق وريثًا محتملًا للحكم، نائبًا لحاكم الإمارة ورئيسًا لجهاز أبوظبي للاستثمار، أكبر صندوق سيادي في البلاد، بأصول تبلغ 1.1 تريليون دولار.
كما تم تعيين شقيقه الشيخ منصور بن زايد، مالك نادي مانشستر سيتي، نائبًا لرئيس الدولة، وقد تولى رئاسة شركة “مبادلة” خلفًا لمحمد بن زايد.
رأى بعض المحللين أن هذه الخطوات تهدف إلى استرضاء إخوته الطموحين تزامنا مع نقل الخلافة إلى الجيل التالي، فيما اعتبرها آخرون نموذجا لتفويض المسؤوليات.
في يناير/ كانون الثاني، ظهر مؤشر إضافي على صعود الشيخ خالد، حين دُمجت أصول صندوق “أبوظبي القابضة” التي تبلغ 263 مليار دولار – والذي كان يرأسه الشيخ طحنون – في صندوق “لِعماد”.
وقال كريستيان كوتس أولريخسن، الباحث في شؤون الشرق الأوسط بمعهد بيكر في الولايات المتحدة: “ربما هناك استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تمكين الشيخ خالد داخليًا، ومنحه محفظة واسعة من المسؤوليات المالية والاقتصادية، وتجنب أي وضع قد يؤدي إلى التنافس على السلطة مع أعمامه”.
لا يزال الشيخ طحنون يتمتع بنفوذ كبير، إذ يتولى إلى جانب منصبه كمستشار للأمن الوطني ورئيس لجهاز أبوظبي للاستثمار، الإشراف على صندوق “أبوظبي القابضة”، وهو تكتل ضخم أصبح يمثل قوة مهيمنة على اقتصاد أبوظبي.
لكن محمد بن زايد كان يعمل على تهيئة الشيخ خالد للحكم منذ وقت طويل. ففي عام 2010، منحه أول ملف دولي مهم، حين كلّفه بإدارة نزاع مع شركة “بلاك بيري”، بعد أن هددت أبوظبي بحظر الجهاز بدعوى مخالفته للأنظمة المحلية.
وكانت الإمارات قد اتهمت شركة “ريسيرش إن موشن” الكندية المصنعة لهواتف “بلاك بيري”، بإرسال البيانات المشفرة إلى الخارج بشكل مباشر، متجاوزةً البنية التحتية المحلية للاتصالات. أثار ذلك الموقف أزمة كبيرة، حيث فكرت دول أخرى في اتباع هذه الخطوة، بينما تعرضت الإمارات لانتقادات من واشنطن. تم حل النزاع في نهاية المطاف عندما أعلنت أبوظبي أن “بلاك بيري” استوفت شروطها.
عُيّن الشيخ خالد في المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي عام 2019، وقد نسج علاقات وثيقة مع خلدون المبارك، الرئيس التنفيذي لـ”مبادلة”، وسلطان الجابر، رئيس شركة “أدنوك”، وهما أبرز شخصيتين في الإمارة من خارج العائلة الحاكمة.
كما يروّج الشيخ خالد للمقربين منه، ومنهم جاسم الزعابي، الرئيس التنفيذي لصندوق “لِعماد” ورئيس دائرة المالية في أبوظبي.
وقال الإعلامي اللبناني الإماراتي نديم قطيش: “الشيخ خالد مسؤول عن الإدارة اليومية للمدينة”، مضيفًا أن ولي العهد لديه أهداف “واضحة جداً” يشرف عليها والده.
وأضاف: “في الوقت نفسه، يعمل على تشكيل فريقه وبناء تحالفاته وجمع جيل جديد من الإماراتيين حوله. هذه هي طبيعة النظام، وهكذا يتطور ويمضي قدما”.
المصدر: فاينانشال تايمز