في منتصف أبريل/نيسان 2026 دخلت الحرب السودانية عامها الرابع، والتي انطلقت شرارتها بفعل التنافس على السلطة بين قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وزعيم مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”.
وسرعان ما تحول الصراع إلى مواجهة تمتد من نهر النيل حتى أقاصي دارفور، واستدرج قوات قبلية ومليشيات محلية ورعاة إقليميين ليتحول البلد بعد ثلاث سنوات من القتال إلى مسرح انقسام عسكري عميق، أنتج أسوأ أزمة إنسانية في العالم بحسب الأمم المتحدة.
هذا التقرير يرسم خريطة السيطرة الحالية ويشرح كيف خلق هذا التقسيم الجغرافي كارثة إنسانية، ولماذا تبقى التسوية السياسية بعيدة رغم كثرة المبادرات؟
خريطة السيطرة والجبهات النشطة
بحلول ربيع 2026 ترسخ الانقسام العسكري بين شرقٍ يسيطر عليه الجيش وغربٍ تهيمن عليه مليشيات الدعم السريع.
فقد ثبّتت الدعم السريع سيطرتها على إقليم دارفور الواسع وأقامت حكومة موازية غير معترف بها دوليًا، فيما يحتفظ الجيش بالشرق بما فيه مدن النيل والبحر الأحمر، كما أعاد السيطرة على الخرطوم في مارس/آذار 2025.
وعلى الرغم من هذا التقسيم الجزئي، انتقل مركز الحرب من النيل إلى الأقاليم الوسطى والغربية، إذ تقع العيون الآن على كردفان والحدود الإثيوبية.
فبعد سقوط الفاشر أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2025 وتعزيز قبضة الدعم السريع على دارفور، انتقلت المعارك شرقًا نحو كردفان.
ومع نهاية 2025، أعلنت مليشيات الدعم السريع السيطرة على بابنوسة آخر المناطق الحضرية في غرب كردفان، وهو ما نازعها فيه الجيش آنذاك.
فيما تمكن الجيش من فك الحصار الذي استمر عدة أشهر عن مدينتي كادُقلي ودلنج جنوب كردفان في فبراير/شباط 2026. وتحوَّلت مدن مثل الأبيض، عاصمة شمال كردفان، إلى خطوط مواجهة متقدمة.
وقتل أكثر من 100 مدني في النصف الأول من ديسمبر/كانون الأول 2025 بسبب ضربات الطائرات المسيّرة، فيما صنع السكان متاريس ترابية حول المدينة تحسُّبًا لحصار مرتقب، لتصبح كردفان حاجزًا يفصل بين دارفور والجيش السوداني في الشرق. في الأثناء، فتح الدعم السريع جبهة جديدة في ولاية النيل الأزرق على الحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان.
فخلال الربع الأول من 2026 تقدمت مليشياته بمساعدة فصيل الحركة الشعبية/شمال (جناح الحلو) وسيطرت على مدينة الكُرْمُك الإستراتيجية قرب الحدود، مهددة طريق الدمازين ومخططة لفتح ممر نحو النيل الأزرق.
وتأتي محاولات فتح هذه الجبهة نتيجة مباشرة للدعم الإماراتي والإثيوبي بحسب تحقيق لرويترز كشف عن معسكر سري في إقليم بني شنقول الإثيوبي لتدريب آلاف من مقاتلي الدعم السريع بتمويل من الدولة الخليجية، بهدف رفد الجبهة الشرقية بالمقاتلين.
في المقابل، عزز الجيش علاقته بمصر، إذ أفادت تقارير أن القاهرة تسلِّحه بطائرات مسيّرة وتستهدف خطوط إمداد الدعم السريع من تشاد وإثيوبيا.
أما الشرق السوداني وممر البحر الأحمر بما في ذلك بورتسودان وكسلا، إضافةً إلى ولايات مركزية مثل سنار، فبقيت معقلاً للجيش المدعوم من مصر وتركيا والسعودية وقطر.
ويمنح هذا العمق الساحلي الجيش منفذًا بحريًا واحتياطًا اقتصاديًا، فيما تحظى الدعم السريع بعمق صحراوي وجبلي يجعله عصيًا على الحصار.
ويرى تقرير لمجموعة الأزمات الدولية أن خطوط التماس الحالية قد تشكّل أساسًا لتقسيم البلاد إذا تُركت من دون حسم. وبين أن الطرفين يشنان هجمات متبادلة في كردفان والنيل الأزرق وأن الدعم السريع تسعى للوصول إلى النيل، فيما يحاول الجيش استعادة دارفور.
التأثيرات الإنسانية للحرب السودانية
أنتجت الحرب السودانية واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، إذ تشير نداءات الاستجابة لعام 2026 إلى أن 33.7 مليون شخص، أي نحو ثلثي سكان السودان، يحتاجون إلى المساعدة، بينهم 7.4 ملايين نازح داخليًا، فيما لا يعمل من المرافق الصحية سوى 63% كليًا أو جزئيًا.
وتقدّر منظمة الصحة العالمية عدد النازحين داخل السودان بأكثر من 9.3 ملايين، مقابل 4.3 ملايين فرّوا إلى دول الجوار. وفي المقابل، تشير يونيسف إلى 9.1 ملايين نازح داخليًا و17.3 مليون طفل يحتاجون إلى المساعدة العاجلة، ما يضع السودان بين أكبر أزمات النزوح في العالم.
ويظل الجوع الوجه الأشد قسوة في هذه الكارثة، ففي أبريل/نيسان 2026، قالت منظمات إغاثة إن 28.9 مليون شخص، أي 61.7% من السكان، يواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، وإن كثيرًا من الأسر بات يعيش على وجبة واحدة يوميًا، خصوصًا في شمال دارفور وجنوب كردفان.
وأكد تصنيف الأمن الغذائي المتكامل IPC في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 وجود مجاعة في الفاشر وكادُقلي، ثم أعلن في فبراير/شباط 2026 أن عتبات المجاعة في سوء التغذية الحاد جرى تجاوزها في أم برو وكرنوي بشمال دارفور.
وفي تقدير آخر لمنظمة الصحة العالمية، يُتوقع أن يواجه 19.1 مليون شخص مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي في النصف الأول من 2026، بينهم 145,656 شخصًا في وضع “كارثي”.
ولا تعود هذه الأرقام إلى انهيار الاقتصاد والزراعة وحدهما، بل أيضًا إلى استخدام التجويع والحصار وعرقلة الوصول الإنساني من قبل مليشيا الدعم السريع التي تعمل على تدمير الأسواق وتعطيل طرق الإمداد وفرض قيود إدارية وأمنية على القوافل، خصوصًا في دارفور وكردفان.
ومع انهيار النظام الصحي، تتوسع أوبئة الكوليرا والحصبة والملاريا وحمى الضنك، بينما تحتاج 8.1 ملايين امرأة وفتاة إلى خدمات الصحة الإنجابية العاجلة، ويعاني نحو 778 ألف طفل من سوء تغذية حاد وخيم.
وقد فاقمت الهجمات على المرافق الصحية هذه الكارثة، ففي مارس/آذار 2026 أدت ضربة بطائرة مسيّرة على مستشفى التعليم في الديّن بشرق دارفور إلى مقتل 70 شخصًا بينهم نساء وأطفال وكوادر طبية، وعطّلت مستشفى إحالة كان يخدم مئات الآلاف في الولاية.
وتزداد الكلفة البشرية مع تصاعد حرب المسيّرات، إذ قال مكتب حقوق الإنسان بالأمم المتحدة إن أكثر من 500 مدني قُتلوا بضربات مسيّرة بين 1 يناير و15 مارس/آذار 2026، معظمهم في ولايات كردفان. كما قالت يونيسف إن المسيّرات كانت مسؤولة عن نحو 80% من حالات قتل الأطفال وإصابتهم المبلّغ عنها في الربع الأول من العام.
ولا يتوقف النزوح عند حدود السودان، فإلى جانب الملايين الذين فروا إلى مصر وتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا، قالت الأمم المتحدة إن أكثر من 1.3 مليون لاجئ سوداني في تشاد يواجهون تقليصًا حادًا في المساعدات المنقذة للحياة.
وفي الداخل، تزيد القيود البيروقراطية والأمنية التي تفرضها السلطات المتنافسة، إلى جانب الحصار ومنع التصاريح وعرقلة التفاوض على الوصول، من صعوبة وصول المساعدات إلى المناطق الأشد تضررًا، ولا سيما في الفاشر وكردفان.
المسار السياسي ومواقف الأطراف
رغم اتساع الكارثة، تتعثر كل مسارات الحل، ففي 15 أبريل/نيسان 2026 انعقد في برلين مؤتمر دولي نظمته ألمانيا مع فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي، وضم ممثلين عن 55 دولة وعشرات المنظمات السودانية والدولية.
ودعت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر إلى وقف تدفق السلاح على طرفي الحرب والضغط من أجل وقف نار، قائلة إن العالم أخفق في السودان.
ونجح المؤتمر في جمع تعهدات بأكثر من 1.5 مليار يورو للمساعدات الإنسانية، بينها 232 مليون يورو من ألمانيا إلى السودان ودول الجوار المضيفة للنازحين.
لكن طرفي الحرب لم يشاركا، ورفضت الحكومة السودانية المتمركزة في بورتسودان والدعم السريع المؤتمر وعدتاه تدخّلًا في الشؤون الداخلية. وقالت رئيسة مجموعة الأزمات الدولية كومفورت إيرو، إن نهاية الحرب “تبدو أبعد ما تكون”.
ولم يكن هذا الإخفاق الأول، ففي سبتمبر/أيلول 2025 طرحت الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر خريطة طريق لوقف إطلاق نار إنساني لثلاثة أشهر يتبعه وقف دائم ومسار انتقالي، لكن التقدم تعثر لاحقًا، فيما يساهم تضارب حسابات الرعاة الإقليميين في شل المسار.
كما أن الطرفين ما زالا يراهنان على الميدان، إذ يصر الجيش على حلّ الدعم السريع قبل أي تفاوض، بينما تدفع المليشيا وحلفاؤها نحو مشروع “سودان جديد” ذي طابع فيدرالي مع إنهاء الدور السياسي للمؤسسة العسكرية الرسمية وتشكيل سلطة مدنية بديلة.
وفي هذا السياق أعلن الدعم السريع وحلفاؤه في 2025 حكومة موازية مقرها نيالا، ما عمّق واقع التمزق السياسي، ودفع البلاد أكثر نحو الانقسام.