في تعز، المدينة اليمنية التي تجرّع سكانها النصيب الأكبر من مرارة حرب تدور رحاها منذ نحو أحد عشر عامًا، لا تبدو الجغرافيا مجرد تضاريس، بل خطوط فصل قسري وندوبًا مفتوحة في جسد المدينة. فمن شرقها إلى غربها تمتد أحياء سكنية مزقتها السياسة والسلاح إلى شطرين؛ أحدهما جنوبي تديره الحكومة المعترف بها دوليًا، والآخر شمالي يخضع لسيطرة جماعة الحوثي.
هذه الأحياء، التي باتت تُعرف في القاموس اليمني باسم “خطوط التماس”، ليست مجرد حدود فاصلة، بل حزام من النار تحيط به التلال والمرتفعات من كل جانب. وعلى قمم تلك الجبال يتمركز قناصة يحولون أي حركة بشرية في الأسفل إلى هدف محتمل، ويراقبون المارة والمدنيين العابرين، لتتحول الأرواح في كثير من الأحيان إلى فرائس معلقة بين خطوة وأخرى.
وفي هذا الفضاء المشبع بالخوف، لا يحتاج الأمر إلى أكثر من شرارة صغيرة حتى تنفجر مواجهات عنيفة بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة دون سابق إنذار. وهكذا يصبح مجرد البقاء على قيد الحياة مغامرة يومية تفتقر إلى أبسط ضمانات الأمان، ورهانًا مفتوحًا على الحظ يواجهه السكان بصدور عارية كل يوم.
من النزوح المرّ إلى العودة الأشد مرارة
مع الرصاصات الأولى التي أعلنت اندلاع الحرب، أُجبر سكان هذه الأحياء على الفرار الجماعي، تاركين خلفهم حصاد أعمارهم وما بنوه على مدى سنوات طويلة. ركضوا تحت القصف العشوائي وضجيج الاشتباكات بحثًا عن ملاذ آمن، على أمل أن يكون الغياب مؤقتًا وأن تكون العودة قريبة. لكن سنوات النزوح طالت، وتحول الملجأ المؤقت إلى تغريبة امتدت لأكثر من عقد.
وخلال هذه السنوات العجاف، لم تكن المنازل المهجورة بمنأى عن الخطر. فقد تعرض كثير منها لعمليات سلب ونهب ممنهجة، استبيحت خلالها الأثاثات والأبواب والنوافذ والأسلاك الكهربائية، على أيدي مسلحين استغلوا غياب أصحابها وانعدام الرقابة.
واليوم، ومع اشتداد الأزمة الاقتصادية وتآكل المدخرات وتراجع القدرة على تحمّل أعباء النزوح، وجد كثير من هؤلاء السكان أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّ، إما الاستمرار في حياة التشرد وما تحمله من فقر وعوز وعدم استقرار، أو العودة إلى بيوت أنهكتها الحرب، ومواجهة خطر لا يزال يتربص بهم خلف كل زاوية وعلى امتداد خطوط التماس.
في هذا السياق، يؤكد عضو مجلس النواب ورئيس لجنة مفاوضات فتح منافذ تعز، عبد الكريم شيبان، لـ”نون بوست”، أن عودة بعض الأسر إلى مناطق التماس لا تعني مطلقًا أن الأوضاع أصبحت آمنة، وإنما جاءت نتيجة للضرورة القاسية وانعدام البدائل السكنية والمعيشية.
وأوضح شيبان أن العودة إلى تلك المناطق ما تزال محدودة ونادرة بسبب استمرار المخاطر الأمنية، مشيرًا إلى أن الحرب استنزفت مدخرات المواطنين وأدت إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتوقف مصادر الدخل والأعمال، ما دفع بعض الأسر إلى العودة إلى منازلها الواقعة في مناطق التماس رغم ما يحيط بها من أخطار، نتيجة عجزها الكامل عن توفير مأوى بديل.
ويضيف أن كثيرًا من العائدين يدركون حجم الخطر الذي يواجهونه، لكنهم مضطرون للمغامرة بحياتهم من أجل تأمين سقف يؤوي أطفالهم، بعدما أنهكتهم سنوات الحرب والفقر وضاقت أمامهم الخيارات إلى حد كبير.
ويؤكد البرلماني عبد الكريم شيبان أن الخدمات في تعز تعاني انهيارًا شبه كامل. ويوضح أن الكهرباء الحكومية غائبة، والمياه شحيحة، والبنية التحتية متدهورة، بينما تنعدم الخدمات بصورة شبه تامة في مناطق التماس، نتيجة صعوبة تنفيذ أعمال الصيانة أو تشغيل المرافق الأساسية في ظل القصف المتكرر ومخاطر الاستهداف المستمرة.
أمام هذا الواقع المرير، اضطر السكان إلى ابتكار وسائل بدائية للتكيف. فانتشرت ألواح الطاقة الشمسية فوق بعض الأسطح لتوفير قدر محدود من الكهرباء، بالكاد يكفي لإضاءة مصباح أو شحن هاتف محمول.
أما المياه، فقد تحولت إلى عبء مالي يومي يثقل كاهل الأسر العائدة. إذ يعتمد السكان بشكل شبه كامل على صهاريج المياه المتنقلة، بينما يرفض كثير من السائقين دخول هذه الأحياء خوفًا من القذائف أو نيران القناصة. ولا يوافق بعضهم على إيصال المياه إلا مقابل أجور مرتفعة تفوق الأسعار المعتادة بكثير، ما يضاعف الأعباء على عائلات تعيش أصلًا في ظروف اقتصادية شديدة القسوة.
ولا تتوقف المعاناة عند حدود غياب الخدمات الأساسية، بل تمتد إلى محاولة إصلاح ما دمرته الحرب. فعندما يسعى أصحاب المنازل الواقعة على خطوط التماس إلى ترميم بيوتهم المتضررة لتصبح صالحة للسكن، يواجهون عقبة أخرى تتمثل في عزوف عمال البناء والمقاولين عن العمل في هذه المناطق الخطرة.
وفي الحالات التي يوافق فيها بعض العمال على الحضور، فإنهم يشترطون أجورًا مرتفعة مقابل المخاطرة بحياتهم، وهو ما يفوق قدرة كثير من الأسر التي استنزفتها سنوات الحرب والنزوح.
ويشير عبد الكريم شيبان إلى حجم الدمار الكبير الذي لحق بالمباني الواقعة على خطوط المواجهة، موضحًا أن عددًا كبيرًا من المنازل تعرض للهدم الكلي أو لأضرار جسيمة نتيجة القصف والعمليات العسكرية المباشرة، في وقت يصعب فيه الوصول إلى كثير من هذه المناطق لإجراء حصر دقيق للخسائر.
ويضيف أن ما يجري حاليًا يقتصر في الغالب على إصلاحات جزئية ومؤقتة، مثل ترميم النوافذ أو معالجة تسربات المياه والأضرار البسيطة، بينما يظل الترميم الشامل خيارًا محفوفًا بالمخاطر، في ظل احتمال تعرض المنازل للقصف مجددًا في أي لحظة.
بين مقصلة الإيجارات ونيران خطوط التماس
إن هذا الإصرار على الترميم، رغم الكلفة الباهظة والمخاطر الأمنية، ليس خيارًا ترفيًّا، بل محاولة اضطرارية للهروب من ضغوط اقتصادية لا تقل قسوة عن الحرب نفسها. ففي الأحياء الأكثر أمانًا داخل المدينة، بلغت إيجارات المساكن مستويات غير مسبوقة، بينما لجأ كثير من ملاك العقارات، في ظل غياب الرقابة الحكومية وتقلبات سعر صرف العملة المحلية، إلى مطالبة المستأجرين بدفع الإيجارات بالعملات الأجنبية، كالريال السعودي أو الدولار الأمريكي.
وقد وضعت هذه الضغوط الاقتصادية آلاف الأسر أمام معادلة قاسية. فبينما تحاصرها الإيجارات المرتفعة في المناطق الآمنة، تبدو المنازل المهجورة الواقعة على خطوط النار، رغم ما يحيط بها من دمار ومخاطر، الخيار الوحيد المتبقي للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار. ولهذا عاد كثيرون إلى بيوتهم القديمة وهم يرددون، بصيغ مختلفة، أن البقاء في منازلهم أهون عليهم من العجز عن تأمين مأوى لأسرهم.
وفي هذا السياق، يؤكد منير حميد سيف، عضو المجلس المحلي بمديرية صالة ومدير عام المديرية السابق، لـ”نون بوست”، أن عودة أعداد من المواطنين إلى منازلهم جاءت نتيجة مباشرة للظروف المعيشية الصعبة وارتفاع تكاليف الإيجارات، مشيرًا إلى أن شريحة واسعة من السكان، بمن فيهم بعض المسؤولين المحليين، يعيشون في مناطق قريبة من خطوط التماس.
ويقول مستحضرًا تجربته الشخصية: “أنا كعضو مجلس محلي ومدير عام سابق أعيش أيضًا في خطوط التماس، وقد أصبحنا معتادين على أصوات الرصاص والقذائف. فرغم حالة الفزع التي تصيب الأطفال والأسر عند اهتزاز المنازل بفعل الانفجارات، فإن الحياة تستمر، ونعود بعد ذلك إلى ممارسة أعمالنا اليومية”.
ويختتم المسؤول المحلي السابق شهادته بالإشارة إلى أن امتلاك منزل، حتى وإن كان في منطقة خطرة وتحت تهديد القناصة والقصف، أصبح بالنسبة إلى كثير من الأسر ميزة كبيرة مقارنة بمعاناة الاستئجار وتكاليفه المرتفعة في الأحياء الأخرى من المدينة.
جغرافيا الرعب الممتدة
لا يختلف المشهد المأساوي في جغرافيا الموت المعلّق بتعز عند الانتقال من شرق المدينة إلى غربها. فالمأساة تكاد تكون واحدة، وإن تبدلت أسماء الأحياء ومواقعها. ففي الأطراف الغربية، يعيش السكان تحت تهديد دائم لا يقل قسوة، حيث يواصل مسلحو جماعة الحوثي المتمركزون في التباب المطلة على منطقة “الدفاع الجوي” وامتداد “شارع الثلاثين” استهداف المدنيين بصورة متكررة.
ويعود النائب عبد الكريم شيبان لتوضيح طبيعة هذا الخطر، قائلًا إن مناطق التماس تُعد من أخطر المناطق في المدينة، إذ يمكن أن تبدأ عمليات القنص أو إطلاق النار في أي لحظة ومن دون مقدمات. ويشير إلى تسجيل حوادث استهدفت مدنيين أثناء قيامهم بأعمال يومية بسيطة، مثل إضاءة منازلهم ليلًا أو الخروج لقضاء احتياجاتهم الأساسية.
ويؤكد أن تقارب مواقع الجيش الوطني ومواقع الحوثيين وتداخلها في بعض المناطق يجعل المدنيين عالقين في مساحة مكشوفة بين الطرفين، وهو ما يرفع من احتمالات تعرضهم للاستهداف المباشر ويجعل الخطر حاضرًا في تفاصيل حياتهم اليومية بصورة شبه مستمرة.
وفي قلب هذه المعاناة، يقف المواطن مهيوب الشرعبي، أحد السكان الذين ما زالوا يعيشون بالقرب من خطوط النار في حي “الدفاع الجوي”، شاهدًا على تفاصيل المأساة اليومية التي تعيشها أسرته. ويقول لـ”نون بوست”: “لم يتبقَّ لنا أي خيار سوى العودة إلى منزلنا هنا في الدفاع الجوي. لقد ضاقت بنا السبل تمامًا، ووجدنا أنفسنا عالقين بين جحيمين لا يرحمان”.
ويتابع واصفًا واقع الحياة في الحي: “الخطر الأمني ما يزال حاضرًا في كل لحظة بسبب الاستهداف المتكرر من قبل مسلحي الحوثي. وفي الوقت نفسه نعيش في عزلة شبه كاملة، إذ تحول الحي إلى ما يشبه منطقة مهجورة، فيما تنعدم الخدمات الأساسية بصورة تامة”.
ولا تتوقف آثار هذا الواقع عند حدود الخسائر المادية أو المخاطر الأمنية، بل تمتد إلى الجانب النفسي للسكان. وفي هذا السياق، يشير عبد الكريم شيبان إلى أن سنوات الحرب والحصار تركت آثارًا نفسية قاسية على المدنيين، وخاصة النساء والأطفال، إذ يضطر كثير من السكان إلى ملازمة منازلهم منذ ساعات المساء خوفًا من القصف أو القنص.
كما يلفت إلى أن الحصار المفروض على تعز لم ينتهِ فعليًا، رغم فتح بعض الطرق بصورة جزئية خلال السنوات الأخيرة. فحركة التنقل ما تزال تواجه قيودًا وصعوبات كبيرة، بينما تشهد الطرق البديلة مخاطر مستمرة وحوادث متكررة، ما يضيف أعباءً جديدة إلى معاناة السكان ويعمّق شعورهم بالعزلة وعدم الاستقرار.
أمام هذه الشكاوى والمخاوف الميدانية، يؤكد نائب رئيس شعبة التوجيه المعنوي بقيادة محور تعز، العقيد عبدالباسط البحر، لـ”نون بوست”، أن الأجهزة الأمنية والعسكرية في المدينة تبذل جهودًا مستمرة لتأمين المدنيين العائدين إلى المناطق القريبة من خطوط التماس، مشيرًا إلى أن هذه المهمة تواجه تحديات معقدة تفرضها طبيعة الحرب واستمرار التهديدات الحوثية.
وأوضح البحر أن اللجنة الأمنية حددت نطاقًا آمنًا يتراوح بين 800 متر وكيلومتر واحد من خطوط المواجهة المباشرة، مؤكدًا أن المناطق الواقعة داخل هذه المسافة تُصنف مناطق شديدة الخطورة بسبب احتمالات تعرضها للقنص أو القصف أو الاشتباكات المفاجئة.
وأضاف أن الجهات المختصة وضعت جملة من الإجراءات والخطط الميدانية الرامية إلى حماية السكان وتقليل المخاطر، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن الضغوط الإنسانية والاقتصادية تدفع كثيرًا من الأسر إلى العودة رغم معرفتها بحجم التهديدات المحيطة بها.
ويتقاطع هذا التقييم العسكري مع ما يطرحه النائب عبد الكريم شيبان، الذي يشدد على أن أي عودة إلى مناطق التماس لا تعني توافر ضمانات حقيقية للسلامة. فالوضع الميداني، بحسب وصفه، ما يزال متقلبًا وقابلًا للتدهور في أي لحظة، فيما تحاول القوات الحكومية ثني السكان عن الإقامة في المناطق المواجهة مباشرة لخطوط الاشتباك حفاظًا على أرواحهم، لكن الضرورات المعيشية كثيرًا ما تتغلب على التحذيرات الأمنية.
غياب الموازنات والتعقيدات الميدانية
وفي سياق توثيق تداعيات الحرب والحصار في محافظة تعز، أوضح مدير عام الجهاز المركزي للإحصاء بالمحافظة، خالد علوان الأصبحي، لـ”نون بوست”، أن الجهاز نفّذ خلال عام 2021 دراسة ميدانية ركزت على تقييم آثار الحصار على المؤسسات والمكاتب الحكومية.
وأشار الأصبحي إلى أن الجزء الآخر من الدراسة، والمتعلق بالمسوحات الاجتماعية وحصر الأضرار التي لحقت بالمنازل والمنشآت الخاصة، تعثر بسبب غياب التمويل والدعم اللازمين، لا سيما في ظل عدم توافر موازنة تشغيلية مستقلة للجهاز. وأضاف أن تنفيذ مثل هذه الدراسات في تعز يتطلب تنسيقًا واسعًا وإجراءات ميدانية خاصة، نظرًا للمخاطر الأمنية المعقدة في مناطق التماس، بما في ذلك مخاطر القنص والألغام وصعوبة الوصول إلى بعض المواقع.
وأكد الأصبحي أن تعز تحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى دراسة شاملة توثق حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية والمنازل والمنشآت المدنية، مشددًا على أن إنجاز مثل هذا العمل يتطلب دعمًا ماليًا وفنيًا، إلى جانب شراكات أوسع بين الجهات المعنية لضمان إنتاج بيانات دقيقة تعكس الواقع كما هو.
وفي انتظار ذلك، يبقى كثير من سكان تعز عالقين بين حرب لم تنتهِ بعد وواقع اقتصادي يضيق عليهم يومًا بعد آخر. يعيشون داخل منازل تحمل آثار الرصاص وشظايا القذائف، ويواجهون يوميًا معادلة قاسية تفرضها الجغرافيا والحرب معًا. فبين جدران متصدعة وخدمات غائبة ومخاطر لا تهدأ، تظل حياة آلاف الأسر معلقة بين نجاة مؤقتة اليوم، وخطر قد يطرق أبوابها في الغد.


