تقف اللغة سدًّا منيعًا في وجه النسيان؛ فمن يملك اللغة يملك كتابة التاريخ وصناعة ذاكرة العالم. وقد أبدع الفلسطيني، طوال تاريخه النضالي، في تطويع اللغة وتخليق المصطلحات الأكثر قدرة على حمل همومه وبثّ لواعجه، ثم أورثها لأطفاله جيلًا بعد جيل. وحمّلها ما شاء من معانٍ وأهداف حتى غدت مصطلحات مثل النكبة والنكسة وحق العودة تتجاوز حروفها المعدودة لتختزل عقودًا طويلة من المعاناة والنضال وإعادة ترسيم التاريخ الحديث. وقد أدركت الحركة الصهيونية الخطر الكامن في المصطلح ورمزيته؛ فدأبت على محاولة طمسه والتقليل من شأنه، وإحاطته بسواتر من التشكيك والتهكم، وصولًا إلى الاتهام والملاحقة القانونية والعرفية.
فكيف حاولت الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة محو مصطلح النكبة؟ وما أبرز الأدوات التي استخدمتها في سبيل ذلك؟ وما الأثر الذي خلّفته محاولات الطمس؟ وأي بدائل طُرحت في مواجهة المصطلح؟ ثم ما الحلّ الأنجع للحفاظ على ذكرى النكبة والعودة إليها بوصفها التأطير الأدق للصراع؟ يحاول هذا المقال الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها.
تصوير النكبة كتشويه للحقائق التاريخية
دأبت السردية الصهيونية في الولايات المتحدة على التغافل عن التوصيف الدقيق لتهجير 750 ألف فلسطيني والاستيلاء على ممتلكاتهم بوصفه تطهيرًا عرقيًا، ينطوي على تهجير قسري ويمثّل الجذر الحقيقي الممتد والمتكرر لمأساة الفلسطيني، والذي يعيد إنتاج نفسه عبر سياسات وأدوات جديدة منذ أكثر من 78 عامًا.
وقد قادت الحركة الصهيونية مسارًا مناوئًا لمرويات النكبة، إلى حدّ اعتبار هذه السردية عائقًا رئيسًا أمام عملية السلام في الشرق الأوسط، وهوسًا بمظلومية تاريخية مضخّمة. ففي مقال لسول ستيرن، الأكاديمي والصحفي الأمريكي، في مجلة “المدينة الأمريكية” تحت عنوان: “الهوس بالنكبة: السردية الوطنية الفلسطينية بوصفها العائق الأساسي أمام السلام في الشرق الأوسط”، يشير الكاتب إلى أن “شبح الأسطورة”، ويعني بذلك النكبة، يجري استغلاله من قبل اليسار العالمي لتصوير الفلسطينيين بوصفهم آخر ضحايا العنصرية والاستعمار الغربيين.
ويرى ستيرن أن سردية النكبة تتكئ على تشويه جذري للحقائق التاريخية؛ إذ يعيد الكاتب، وفق ادعائه، الرواية التاريخية إلى نصابها حين يضعها ضمن حركة التاريخ الحديث الأوسع، وما تولّد عن الحرب العالمية الثانية من حركات نزوح طوعية جاءت استجابة للظروف الميدانية التي رافقت ولادة عالم جديد يفرض فيه المنتصرون شروطهم في مختلف أنحاء العالم، لا في إسرائيل وحدها.
كما يشير إلى دور العرب الذين أشعلوا، وفقًا له، فتيل الحرب مع المجتمعات اليهودية، وكانوا يميلون إلى النازية المجرمة آنذاك، وما رافق عملياتهم العسكرية من “فرار جبان” للفلسطينيين من مواقعهم، رغم تفوقهم عددًا وعدّةً، في مقابل “صمود أسطوري” لليهود. ويقول ستيرن إن كفة التاريخ مالت لمن “يستحق” لأول مرة منذ ألفي عام، متوافقة تمامًا مع الإيمان الأوروبي والأمريكي بالدولة الوليدة بوصفها ديمقراطية حرة مزدهرة على النمط الغربي. كما يوجّه أصابع الاتهام، استنادًا إلى الخلفية التاريخية المفصّلة في المقال، إلى اليسار المعاصر الذي يستخدم إسرائيل، بحسب رأيه، ككبش فداء لأجنداته واتهاماته الجوفاء للغرب بالعنصرية والإجرام.
في المقابل، يشير إيلان بابيه إلى مصطلح “إنكار النكبة” بوصفه محددًا رئيسًا للسردية الصهيونية المعاصرة؛ إذ عمل هذا الإنكار الممنهج، الذي تحوّل إلى ركيزة أساسية في المخيال الإسرائيلي وفقًا لبابيه، على توجيه الاتهام إلى القوات العربية التي طالبت الفلسطينيين بالإخلاء المؤقت، وبالتالي رفع المسؤولية عن القوات الصهيونية وتبرئتها من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها عام 1948.
وليس بابيه وحده من يشير إلى مصطلح “إنكار النكبة”، بل إن المصطلح تحوّل إلى مثال صارخ على حالات الإنكار التاريخي التي عادة ما تركز على إنكار الهولوكوست ومذابح الأرمن وغيرها من الأحداث التاريخية الكبرى، مع استبعاد النكبة من هذه الأمثلة، خصوصًا في الغرب.
ويُعدّ ستيف نيفا، محرر مجلة “تقرير الشرق الأوسط”، من أوائل من استخدموا المصطلح اصطلاحياً عام 1998؛ إذ لا يقتصر مفهوم “إنكار النكبة” على إنكار الفظائع التي رافقتها، بل يمتد ليشمل إنكار الهوية الفلسطينية، والوجود الفلسطيني، والحق الفلسطيني في تقرير المصير، وهي جميعها، وفق هذا الطرح، ركائز أساسية في السردية الصهيونية المعاصرة.
كما يشير نور مصالحة، الأكاديمي والمؤرخ الفلسطيني، إلى تبنّي المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية لمصطلح “إنكار النكبة” بصورة ممنهجة، تستبعد الفلسطيني من السردية الوطنية الإسرائيلية المُشكِّلة للذاكرة الجمعية في الداخل، والتي تُصدّر في الوقت نفسه المشروعية والرواية الإسرائيلية إلى الخارج.
حيث لم تكتفِ المؤسسة الإسرائيلية بتجاهل النكبة والانطلاق من سردية “الحق الشرعي” في الدفاع عن الوجود والأمن، بل دأبت أيضًا على تفكيك السردية الفلسطينية المرتبطة بها في الخارج. ففي دراسة لشامويل تريجانو، المفكر والأكاديمي اليهودي البارز، بعنوان: “تفكيك الأسس الثلاثة لوهم النكبة: الوهم الفلسطيني الأبرز”، يسعى الكاتب إلى تفنيد مجمل الرواية الفلسطينية؛ بدءًا من التشكيك في الوجود الفلسطيني ذاته وأحقيته بالأرض، مرورًا بإلقاء مسؤولية الفظائع التي رافقت عام 1948 على ما يصفه بـ”عصابات العرب” و”العقلية الفلسطينية العنصرية الكارهة لليهود”، وصولًا إلى تصوير المظلومية الفلسطينية بوصفها أداة ابتزاز سياسي معاصر تتبناها، بحسب طرحه، جهات معادية للغرب توظف التلاعب بالتاريخ وتشويه الذاكرة لخدمة أجنداتها السياسية.
تغييب الفاعل والتعامل مع المأساة كحدث مبني للمجهول
في مقاله “إذنٌ بالسرد”، يشير إدوارد سعيد إلى تأسيس الحركة الصهيونية في الغرب لما يُعرف بـ”جهاز تواصلي تأديبي” يقوم على محورين: التغاضي عن كل الحقائق والتوصيفات التي من شأنها أن تُظهر إسرائيل بمظهر سلبي، ومعاقبة كل من يقول الحقيقة بهذا الخصوص. وقد عانى الفلسطيني، بحسب سعيد، من “القوة الطاغية للإجماع الأيديولوجي” التي برزت بشكل ساطع في الولايات المتحدة تلو أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وما رافقها من تعزيز لأهداف إسرائيل الاستراتيجية وتبسيط للمفاهيم المتعلقة بالمقاومة والنضال بوصفهما إرهابًا، في مقابل المحور الغربي الذي يضم إسرائيل بوصفه محورًا متنورًا وحضاريًا.
وتنضوي كبريات وكالات الإعلام الأمريكية تحت جناح هذا الجهاز؛ إذ عمدت تلك الوكالات إلى الإنكار والتجاهل الممنهج لحدث النكبة المفصلي في التاريخ الفلسطيني، حيث تخلو التغطية الإعلامية للجرائم الإسرائيلية ليس فقط من التوصيف الدقيق، بل أيضًا من التأطير التاريخي الذي يضع الأمور في نصابها ويسند الأفعال إلى فاعليها. وقد أسهم هذا التوجه في ترسيخ الهياكل التنظيمية للاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي وإضفاء المشروعية على ممارساته، أو على أقل تقدير، تسويق المبررات المقبولة لأكثر السياسات انتهاكًا للقواعد القانونية والمبادئ الإنسانية.
ويشير جريج شوباك، في دراسة نشرها في العدد الثامن من مجلة الدراسات الفلسطينية عام 2022 تحت عنوان “محو النكبة: تعزيز الفصل العنصري”، إلى أن كبريات الصحف الأمريكية، مثل وول ستريت جورنال، ويو إس إيه توداي، ونيويورك تايمز، وواشنطن بوست، نشرت بين عامي 2000 و2021 نحو 80,583 مقالًا تضمّنت اشتقاقات تتعلق بإسرائيل وفلسطين، في حين لم يحتوِ سوى 478 مقالًا منها، أي ما نسبته 0.6%، على كلمة “نكبة”.
وغالبًا ما جرى تقديم المصطلح بصورة مشوّهة تدعم الرواية الإسرائيلية أكثر مما تدينها. ويبيّن شوباك أن التوجه الإعلامي الأمريكي يعكس حالة من الإنكار الجماعي للفظائع التي رافقت النكبة، ويشكّل فعلًا من أفعال الهيمنة العرقية التي لا تهيّئ الجمهور الأمريكي لفهم الواقع الراهن في فلسطين فحسب، بل تسهم أيضًا في تجييشه وحشد تأييده لصالح إسرائيل.
ويشير شوباك إلى أن وكالات الإعلام الأمريكية انتهجت عدة مناهج متكررة في تغطيتها لحدث النكبة؛ فالنهج الأول يتبنى سياسة الفصل بين حدثي قيام دولة إسرائيل ووقوع النكبة، إذ يُشار إلى الحدثين بوصفهما متزامنين جاءا بمحض الصدفة، من دون ربطهما بعلاقة سببية مباشرة. بينما يقوم النهج الثاني على ما يُعرف بـ”اللغة الجوفاء” (Cava Lingua)، إذ قد يذكر الكاتب مصطلح النكبة في حالة من الغموض واللامبالاة، من دون تقديم تفسير كافٍ لرمزيتها وفحواها وما رافقها من إرهاب عنصري مارسته القوات الإسرائيلية بين عامي 1947 و1948. أما النهج الثالث، فيلجأ إلى تغييب الفاعل عند الحديث عن هول وضخامة حدث النكبة، فتظهر الأفعال مبنية للمجهول ومرسلة على عمومها، من دون الإشارة إلى الفاعل الحقيقي وراء تلك الجرائم.
ويبيّن شوباك أن تلك الوكالات لجأت أيضًا إلى التركيز على المروية الإسرائيلية بشأن قيام الدولة، واستخدام لغة تلطيفية تقلل من أعداد الضحايا الفلسطينيين وتشكك في حجم الكارثة الواقعة عليهم، فضلًا عن التشكيك في الأسباب الحقيقية وراءها، عبر اتهام الفلسطينيين أو العرب بالتسبب بها.
التركيز على السردية المقابلة والاحتفاء بولادة الدولة العبرية
تطرح الحركة الصهيونية سردية بديلة للنكبة، تركّز فيها على ميلاد الدولة العبرية عبر الاحتفاء بما تطلق عليه “حرب التحرير”، حيث يُصوَّر العرب بوصفهم “برابرة محتلين” جرى التصدي لهم والانتصار عليهم عام 1948، لا باعتبارهم أهل البلاد الذين هُجّروا قسرًا من بيوتهم. وقد استخدمت الحركة في ذلك السردية الدينية التي تنظر إلى أرض فلسطين بوصفها وعدًا إلهيًا يمتد عمره لثلاثة آلاف عام، عاد بعد “حرب التحرير” إلى سكانه الأصليين، في انتصار للوعد الإلهي والحتمية التاريخية.
لا تكمن خطورة هذه السردية في اتكائها على النص الديني لتبرير أحد أكبر انتهاكات قواعد القانون الدولي والإنساني المعاصر فحسب؛ إذ لم تكتفِ الحركة الصهيونية بذلك، بل لجأت، إضافة إليه، إلى التأطير الدبلوماسي المعاصر عبر أدوات قانونية وسياسية، مثل قرار التقسيم الأممي 181، وادعاء رفض العرب لهذا القرار الدولي الملزم، فضلًا عن الاتكاء على وعد بلفور والوضع القانوني لفلسطين تحت الانتداب. وقد صوّرت السردية الصهيونية الرائجة حتى وقتنا الحالي “حرب التحرير” بوصفها صدًّا يهوديًا شجاعًا لـ”اعتداء عربي آثم”، في إطار “حرب أهلية” بين سكان البلاد من اليهود والعرب، دفعتها، بحسب هذه السردية، أطماع العرب ورغبتهم في إبادة ما تبقى من يهود العالم الفارّين من الاضطهاد الأوروبي.
غير أنّ الخطر الحقيقي لهذه السردية يكمن في تستّرها وراء المظلومية التاريخية التي لحقت بيهود أوروبا في المحرقة النازية؛ بحيث تبرز الدولة العبرية الوليدة، وفقًا لمنظّري الصهيونية، كملاذ آمن وتمثيل منطقي لتجليات العدالة التاريخية والإنسانية، ردًا على إحدى أشنع الفظائع التاريخية في القرن العشرين. وما فتئت الآلة الصهيونية تنفخ في قربة المحرقة وتضخّمها، وتحيطها بإطار من القداسة التاريخية والقانونية والسياسية، حتى باتت شمّاعة لا يمكن مساءلتها أو محاكمتها أو التشكيك في مشروعيتها.
ورغم أن إحياء ذكرى النكبة لا يُعدّ، بحدّ ذاته، ممنوعًا في الولايات المتحدة، إذ يندرج ضمن التعبير السياسي المحمي دستوريًا بموجب التعديل الدستوري الأول؛ فإن التعامل مع النكبة بوصفها إطارًا مستمرًا من الانتهاكات التي تتجمع تاريخيًا وتنتهي إلى نقطة واحدة هي تأسيس دولة إسرائيل، بما يدين هذه النقطة وينزع عنها مشروعيتها، ما فتئ يواجه تحديات قانونية وسياسية جمّة في الولايات المتحدة.
إذ لم تتوقف السردية الصهيونية وأدواتها عند حدّ المقارعة الأدبية والنظرية التي تتحدى المروية الفلسطينية بالمروية الإسرائيلية، بل تعدّتها، بما تملكه الحركة الصهيونية من موارد ونفوذ، إلى الملاحقة القانونية لكل من تسوّل له نفسه تبنّي السردية الفلسطينية والدفاع عنها، تحت دعوى إنكار “حق اليهود في تقرير المصير الجماعي”، وهو ما يُنظر إليه بوصفه البعد “القانوني التأسيسي” لدولة إسرائيل.
ويشكّل بُعد “حق تقرير المصير الجماعي” المزعوم أحد أبرز محاور معاداة السامية، وفق التعريف الموسّع لرابطة إحياء الهولوكوست، والذي أصبح تبنّيه تعبيرًا أصيلًا عن دعم إسرائيل في الولايات المتحدة وإنصافًا لليهود من المظلومية النازية التاريخية. وفي الوقت ذاته، تحوّل هذا المفهوم إلى مقصلة للحق الفلسطيني في الولايات المتحدة؛ إذ بات تهمة جاهزة قادرة على تنغيص حياة الناشط هناك، وإنهاء مسيرته التعليمية والمهنية، وقلب حياته رأسًا على عقب.
وقد تنبّه الناشطون الفلسطينيون والمؤيدون لحق تقرير المصير الفلسطيني إلى هذه المفارقة الدقيقة، التي من شأنها أن تحصر نضالهم في فعاليات احتفالية تاريخية وتراثية لا تتجاوزها إلى الواقع السياسي والثقافي الأمريكي. فقد تقدّمت النائبة الأمريكية من أصول فلسطينية رشيدة طليب بمشاريع قوانين من شأنها حفظ ذكرى النكبة بوصفها إطارًا مستمرًا وجامعًا للانتهاكات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1948 وحتى اليوم.
وقد تضمنت مشاريع القوانين مطالبات بالتعليم ورفع الوعي بشأن أحداث النكبة وما رافقها من فظائع موثّقة، إضافة إلى توفير إطار مشروع لحماية ما يتولد عنها من أدوات حراك سياسي وثقافي وقانوني، مثل تمويل الأونروا، وحماية الحراك الحقوقي والطلابي المطالب بإنهاء تلك الانتهاكات والمحاسبة عليها.
بناء سردية بديلة وتسويقها دوليًا
اضطلعت كبريات المنظمات الحقوقية الأمريكية والدولية بإنشاء هيكل تأطيري جديد لممارسات إسرائيل، يستبدل إطار النكبة ويحصرها في جريمة تاريخية حدثت وانتهت، ليحلّ محلها إطار “الفصل العنصري” الذي لا يشير إلى أصل العلة، بل يتعامل معها بوصفها أمرًا واقعًا يتوجب معالجة بعض آثاره. وقد وقفت كل من منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش وبتسيلم في مقدمة المنظمات التي طرحت هذا الإطار البديل وسوّقت له دوليًا.
غير أن السردية البديلة القائمة على دعوى “الفصل العنصري” افتقدت إلى المظلة الجامعة للفلسطينيين التي يوفرها مصطلح النكبة، والذي يتعامل مع مصفوفة قانونية بالغة التعقيد تشمل الفلسطينيين جميعًا؛ سواء اللاجئين في الشتات، أو المهجّرين داخل الخط الأخضر، أو الفلسطينيين الخاضعين للاحتلال العسكري والاستيطان المتوحش في الضفة الغربية، أو فلسطينيي غزة الخاضعين للحصار والإبادة الجماعية. وقد أسهم تغييب مصطلح النكبة في تشتيت الهمّ الفلسطيني والتعامل معه بوصفه مجتمعات متشرذمة، يحكم كلًّا منها واقع جيوسياسي ومحددات مختلفة، بما يستدعي سياسات واستراتيجيات متباينة ومستقلة.
ورغم الاحتفاء العالمي بتقارير هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية وبتسيلم حول ممارسة إسرائيل لنظام الفصل العنصري، وتساوق قوى عربية وبعض القوى الفلسطينية مع هذه المروية بوصفها مقبولة، إلى حدٍّ ما، غربياً وقادرة، ولو جزئياً، على إيجاد حل دولي للصلف والعنت الإسرائيليين؛ فإن كثيرين رأوا في هذا الإطار محاولة غير كافية، بل وربما مضللة وملهية عن الإطار الفعلي للحق الفلسطيني المتمثل بالنكبة. وأن سياسات أكثر عدالة تقوم على المساواة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وإن كانت مقبولة لدى القائلين بإطار الفصل العنصري، ليست إلا معالجةً لأحد أعراض المرض، وليست علاجًا جذريًا لنظام استعمار استيطاني إحلالي متوحش.
وفي مقاله المنشور في مجلة جامعة كولومبيا القانونية، في عددها الرابع ومجلدها الـ124، يشير طالب الدكتوراه في جامعة هارفارد ربيع إغبارية، تحت عنوان “نحو النكبة كمصطلح قانوني”، إلى افتقار القانون الدولي الحالي إلى مصطلح تأطيري قادر على تشخيص الحالة الفلسطينية بدقة وشمول. إذ عجزت مصطلحات مثل الاحتلال والفصل العنصري، بل وحتى الإبادة الجماعية، عن توفير مظلة قانونية جامعة للحق الفلسطيني، واقتصرت معالجتها على جوانب معينة تقوم على التجريد والقياس غير المنصف.
ويعتبر إغبارية أن لا مصطلح تأطيري آخر غير النكبة قادر على استيعاب التطور المعقد والمتكرر للبنية القمعية الإسرائيلية التي امتدت منذ ذلك الحدث التاريخي المفصلي وتولّدت عنه. وأن أي مصطلح تأطيري آخر من شأنه أن يبخس الفلسطيني حقّه، بل ويجرّم المروية الفلسطينية الشاملة التي تعكس التجربة الكلية للاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي في فلسطين التاريخية. ويرى أنه، رغم الفائدة الجزئية التي تحملها مصطلحات مثل الفصل العنصري والاحتلال والإبادة الجماعية، فإن مصطلح النكبة وحده قادر على استيعابها مجتمعة، والبناء عليها، وتجاوزها باتجاه الأبعاد الممتدة للممارسات الإسرائيلية المتباينة تجاه الفلسطيني أينما كان.