ترجمة وتحرير: نون بوست
إنها معادلة بسيطة: مهما اختلفت آراؤنا حول الصراع في الشرق الأوسط، ينبغي أن نتحّد في إدانة الاغتصاب.
أكد مؤيدو إسرائيل على هذه النقطة بعد الاعتداءات الجنسية على نساء إسرائيليات خلال الهجوم الذي شنته حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023. أدان دونالد ترامب وجو بايدن وبنيامين نتنياهو وعدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، بينهم ماركو روبيو، تلك الجرائم الجنسية، ودعا نتنياهو “جميع قادة العالم المتحضر” إلى “إدانة الاعتداءات”.
لكن في الآن ذاته، حدثني فلسطينيون في مقابلات مؤثرة عن نمط من العنف الجنسي الإسرائيلي واسع النطاق ضد رجال ونساء وحتى أطفال، على يد جنود ومستوطنين ومحققين من جهاز الأمن الداخلي (الشاباك)، وقبل كل هؤلاء حراس السجون.
لا توجد أدلة على أن القادة الإسرائيليين يصدرون أوامر بالاغتصاب. لكنهم أسسوا في السنوات الأخيرة جهازًا أمنيًا أصبح فيه العنف الجنسي، كما وصفه تقرير للأمم المتحدة العام الماضي، أحد “إجراءات العمل المعتادة” و”عنصرًا أساسيًا في إساءة معاملة الفلسطينيين”. وخلص تقرير صدر الشهر الماضي عن مرصد حقوق الإنسان الأورومتوسطي، وهو منظمة مقرها جنيف غالبًا ما تنتقد إسرائيل، إلى أن إسرائيل تمارس “عنفًا جنسيًا ممنهجا” يُطبّق “على نطاق واسع كجزء من سياسة منظّمة تتبعها الدولة”.

كيف تبدو هذه الإجراءات المعتادة؟ يقول سامي الساعي، 46 عامًا، وهو صحفي مستقل، إنه أثناء اقتياده إلى زنزانة بعد اعتقاله عام 2024، طرحه مجموعة من الحراس أرضًا.
ويضيف: “كان الجميع يضربونني، وأحدهم داس على رأسي وعنقي. أنزل أحدهم سروالي، ثم خلعوا ملابسي الداخلية”. بعدها أخرج أحد الحراس عصا مطاطية تُستخدم لضرب السجناء.
قال وهو يزداد توترًا: “كانوا يحاولون إدخالها قسرًا في مستقيمي، وكنت أحاول مقاومتهم لكنني لم أستطع. كان الأمر مؤلمًا للغاية”. أضاف أن الحراس كانوا يضحكون، وواصل قائلًا: “سمعت أحدهم يقول: أعطوني الجزر”، مشيراً إلى أنهم استخدموا جزرة. “كان الأمر مؤلمًا بشكل لا يُحتمل، كنت أدعو الله أن أموت”.
قال الساعي إنه كان معصوب العينين، وسمع أحدهم يقول بالعبرية التي كان يفهمها: “لا تلتقطوا صورًا”، ما أوحى له أن أحدهم أخرج كاميرا. وأضاف أن إحدى الحارسات أمسكت بعضوه التناسلي وخصيتيه وقالت ساخرة: “هذان لي”، ثم ضغطت عليهما حتى صرخ من الألم.
تركه الحراس مكبلًا على الأرض، وشمّ رائحة السجائر. قال: “أدركت أنها استراحة التدخين”. وبعد أن أُلقي في زنزانته، استنتج أن المكان الذي اغتُصب فيه استُخدم من قبل في الأمر ذاته، إذ وجد قيئًا ودماءً وأسنانًا مكسورة.
قال الساعي إنه طُلب منه أن يصبح مخبراً للاستخبارات الإسرائيلية، ويعتقد أن الهدف من اعتقاله وسجنه بموجب نظام الاعتقال الإداري الضغط عليه للموافقة. لكنه يؤكد أنه رفض لأنه يعتز بمهنته كصحفي.
لقد قضيت مسيرتي الصحفية في تغطية الحروب وعمليات الإبادة الجماعية والفظائع، بما فيها الاغتصاب، في أماكن يتجاوز فيها حجم العنف الجنسي ما ارتكبه مقاتلو حماس أو حراس السجون الإسرائيليون أو المستوطنون.
هناك تقديرات بتعرض 100 ألف امرأة للاغتصاب في نزاع تيغراي بإثيوبيا قبل سنوات، كما تقع حاليًا حوادث اغتصاب جماعي في السودان.
ومع ذلك، فإن أموال دافعي الضرائب الأمريكيين تدعم المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، ما يجعل الولايات المتحدة متواطئة في هذا العنف الجنسي.
بدأ اهتمامي بالتحقيق في الاعتداءات الجنسية ضد الأسرى الفلسطينيين بعد أن أخبرني الناشط عيسى عمرو، الذي يُلقب أحياناً بـ”غاندي الفلسطيني”، خلال زيارة سابقة، أنه تعرض لاعتداء جنسي على يد جنود إسرائيليين، وأنه يعتقد أن هذه الحوادث شائعة لكن لا يُبلغ عنها بشكل كافٍ بسبب الخجل.
وفقاً لإحدى الإحصاءات، اعتقلت إسرائيل 20 ألف شخص في الضفة الغربية وحدها منذ هجمات 7 أكتوبر/ تشرين الأول، ولا يزال أكثر من 9 آلاف فلسطيني محتجزين حتى هذا الشهر. لم توجه تهم إلى الكثير منهم، وقد احتُجزوا لأسباب أمنية غير محددة. ومنذ عام 2023، حُرم معظمهم من تلقي زيارات من الصليب الأحمر والمحامين.

وجاء في تقرير المرصد الأورومتوسطي: “تستخدم القوات الإسرائيلية الاغتصاب والتعذيب الجنسي بشكل ممنهج لإذلال المعتقلات الفلسطينيات”. وأورد المرصد شهادة امرأة في الثانية والأربعين قالت إنها كُبّلت عارية إلى طاولة معدنية واغتصبها جنود إسرائيليون على مدى يومين، فيما قام جنود آخرون بتصوير الاعتداءات. وبعد ذلك، عرضوا عليها صور اغتصابها وهددوها بنشرها إن لم تتعاون مع الاستخبارات الإسرائيلية.
من المستحيل معرفة مدى انتشار الاعتداءات الجنسية ضد الفلسطينيين. يستند تقريري إلى مقابلات مع 14 رجلًا وامرأة قالوا إنهم تعرضوا لاعتداءات جنسية من مستوطنين أو عناصر أمن إسرائيليين. كما تحدثت مع أفراد عائلاتهم ومحققين ومسؤولين وأطراف أخرى.
عثرت على هؤلاء الضحايا عبر محامين ومنظمات حقوقية وعاملين في الإغاثة وفلسطينيين عاديين. في كثير من الحالات تمكنت من التحقق جزئيًا من روايات الضحايا عبر شهود أو أشخاص حدثهم الضحايا عن تلك التجارب، مثل أفراد العائلة أو المحامين أو الأخصائيين الاجتماعيين. وفي حالات أخرى لم يكن ذلك ممكنًا، ربما لأن الخجل منع البعض من الحديث عن الاعتداءات حتى للمقربين منهم.
أجرت منظمة “أنقذوا الأطفال” العام الماضي دراسة استقصائية شملت أطفالاً تتراوح أعمارهم بين 12 و17 عامًا كانوا محتجزين لدى إسرائيل. وقد أفاد أكثر من نصفهم بأنهم شهدوا أو تعرضوا لعنف جنسي. وقالت المنظمة إن الرقم الحقيقي ربما يكون أعلى من ذلك لأن وصمة العار جعلت البعض غير راغب في الاعتراف بما حدث له.
أجرت “لجنة حماية الصحفيين”، وهي منظمة أمريكية مرموقة، استطلاعًا شمل 59 صحفيًا فلسطينيًا أفرجت عنهم السلطات الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر/ تشرين الأول. قال 3 بالمئة منهم إنهم تعرضوا للاغتصاب، وقال 29 بالمئة إنهم تعرضوا لأشكال أخرى من العنف الجنسي.
ترفض الحكومة الإسرائيلية الادعاءات بارتكابها انتهاكات جنسية ضد الفلسطينيين، تماماً كما نفت حركة حماس اغتصاب نساء إسرائيليات. رحبت إسرائيل بتقرير للأمم المتحدة يوثق اعتداءات جنسية ارتكبها فلسطينيون ضد نساء إسرائيليات، لكنها رفضت دعوة التقرير إلى التحقيق في الاعتداءات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين. وقد شجب نتنياهو “الاتهامات التي لا أساس لها من الصحة بشأن العنف الجنسي” الموجهة ضد إسرائيل.
رفضت وزارة الأمن القومي الإسرائيلية التعليق على هذا المقال. وقال متحدث باسم مصلحة السجون، رفض الكشف عن اسمه، إن المصلحة “ترفض رفضًا قاطعًا المزاعم” المتعلقة بالاعتداءات الجنسية، مضيفًا أن الشكاوى “تخضع للتحقيق من قبل السلطات المختصة”. ورفض المتحدث الإفصاح عما إذا كان أي من موظفي السجون قد طُرد أو حوكم في أي وقت مضى بتهمة ارتكاب اعتداءات جنسية.
روى الفلسطينيون الذين قابلتهم أشكالًا مختلفة من الانتهاكات عدا عن الاغتصاب. أفاد العديد منهم بأنهم غالباً ما تعرضوا لشد أعضائهم التناسلية أو للضرب على الخصيتين. كما أكدوا استخدام أجهزة الكشف عن المعادن للتفتيش بين أرجل الرجال العراة ثم ضرب أعضائهم التناسلية بها، واضطر بعض الرجال إلى استئصال الخصيتين جراحيًا بعد تعرضهم للضرب، وفق تقرير المرصد الأورومتوسطي.
ووفقًا لفلسطينيين أُطلق سراحهم، فإن أحد أسباب عدم تسليط الضوء على هذه الانتهاكات هو تهديدات السلطات الإسرائيلية للأسرى المفرج عنهم من مغبة الحديث عن هذا الموضوع. والسبب الآخر، كما قال ناجون فلسطينيون، هو أن المجتمع العربي لا يشجع على مناقشة الموضوع خوفًا على معنويات عائلات الأسرى وخشية تقويض السردية الفلسطينية عن المعتقلين الأبطال الذين يتحدّون السجانين.
كما تعيق الأعراف الاجتماعية النقاش في هذا الموضوع، وقد أخبرني اثنان من الضحايا أن أي أسير يعترف بتعرضه للاغتصاب يضر بفرص أخواته وبناته في الزواج.
وافق أحد المزارعين في البداية على السماح لي باستخدام اسمه في هذا المقال. كان قد أُطلق سراحه في أوائل هذا العام بعد أشهر من الاحتجاز بموجب نظام الاعتقال الإداري – دون توجيه أي تهم – وروى أنه في أحد أيام العام الماضي، قام ستة حراس بتقييد حركته وخلعوا ملابسه وأدخلوا عصا معدنية في فتحة شرجه. قال إن المغتصبين كانوا يضحكون ويهتفون.
أكد أنه فقد الوعي بعد عدة ساعات ونُقل إلى عيادة السجن، وأضاف أنه تعرض للاغتصاب مرة أخرى بنفس العصا المعدنية بعد أن استعاد الوعي.
يتذكّر قائلًا: “كنت أنزف. انهرت تمامًا وكنت أبكي”.
قال إنه بعد العودة إلى زنزانته، طلب من أحد الحراس قلمًا وورقة لكتابة شكوى بشأن الاعتداءات، لكن الطلب رُفض. وفي تلك الليلة، دخل مجموعة من الحراس إلى الزنزانة.
تابع قائلا إن أحد الحراس سخر منه: “من الذي يريد تقديم شكوى؟”، فأشار إليه حارس آخر. يتذكر أن “الضرب بدأ على الفور”، ثم اغتصبوه بالعصا للمرة الثالثة في ذلك اليوم.
أضاف أنه سمع أحدهم يقول: “لديك الآن المزيد لتضيفه في شكواك”.
بعد أيام من المقابلة، اتصل المزارع ليقول إنه لم يعد يريد ذكر اسمه. زاره جهاز الشاباك وحذّره من إثارة المشاكل، كما خشي أن تتأثر عائلته سلبا بالاهتمام الإعلامي.
قالت ساري باشي، محامية حقوق الإنسان الإسرائيلية الأمريكية والمديرة التنفيذية للجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل: “الاعتداء الجنسي المتفشي على السجناء الفلسطينيين أمر واقع، لقد أصبح أمراً عاديًا. لا أرى أدلة على أنه يُنفّذ وفقًا لأوامر، لكن هناك أدلة متكررة على أن السلطات تعلم بحدوثه ولا توقفه”.
وقال بن مارماريلي، وهو محامٍ إسرائيلي آخر، إن اغتصاب السجناء الفلسطينيين بأدوات “يحدث على نطاق واسع”، استنادًا إلى تجارب المعتقلين الفلسطينيين الذين مثلهم.

وقالت باشي إن منظمتها قدمت مئات الشكاوى التي توثق الانتهاكات المروعة التي يتعرض لها المعتقلون الفلسطينيون، ولم تؤدِ أي منها إلى توجيه تهم في أي حالة من الحالات. وأوضحت أن الإفلات من العقاب يمنح “ضوءًا أخضر” لمرتكبي الانتهاكات.
وأفادت التقارير أن أحد الأسرى الفلسطينيين من غزة نُقل إلى المستشفى في يوليو/ تموز 2024 مصابًا بتمزق في المستقيم وكسور في الأضلاع وثقب في الرئة. حصل المحققون على فيديو من السجن يُعتقد أنه يُوثق ذلك الاعتداء. احتجزت السلطات تسعة جنود احتياط، لكن اليمين الإسرائيلي انفجر غضبًا، واقتحم حشد من المتظاهرين الغاضبين، بينهم سياسيون، السجن لإظهار دعمهم للحراس، وأُسقطت آخر التهم ضد الجنود في مارس/ آذار، ووافق الجيش الشهر الماضي على عودتهم إلى الخدمة.
أشاد نتنياهو بإسقاط التهم ووصف القرار بأنه نهاية “فرية الدم”. وقال: “يجب على دولة إسرائيل أن تطارد أعداءها، لا مقاتليها الأبطال”.
وقد علقت ساري على القرار قائلة: “أود القول إن إسقاط التهم يُعد بمثابة إذن بالاغتصاب”.
أفادت التقارير بأن ذلك السجين احتاج إلى جراحة لتجميع فضلاته، وقد عاد إلى غزة. ذكر أحد معارفه أنه قضى شهوراً في المستشفى للتعافي من إصاباته الداخلية، مضيفاً أنه رفض إجراء أية مقابلات صحفية.
يمكن للملاحقات القضائية وتسليط الضوء على هذه القضية أن يسهما في الحد من هذا العنف. في عام 1997، قام ضباط شرطة في مدينة نيويورك باغتصاب مهاجر من هايتي، يُدعى أبنر لويما، باستخدام عصا، لدرجة أنه احتاج إلى دخول المستشفى والخضوع لعمليات جراحية.
انتاب سكان نيويورك غضب عارم، وقام العمدة رودي جولياني بزيارة لويما في المستشفى، وتمت محاكمة ضباط الشرطة في قضية تاريخية. بعث ذلك برسالة قوية إلى جميع أفراد الشرطة مفادها أن أولئك الذين يعتدون على المحتجزين قد ينالون عقابهم. هذه هي الرسالة ذاتها التي يجب أن تُوجَّه إلى كافة قوات الأمن الإسرائيلية.
إذا أصرّت إدارة ترامب على استئناف زيارات الصليب الأحمر للسجناء، وقام السفير الأمريكي بزيارة الناجين من الاغتصاب برفقة عدسات الكاميرات، واشترطنا إنهاء الاعتداءات الجنسية مقابل استمرار تصدير الأسلحة، لأمكننا توجيه رسالة أخلاقية وعملية تفيد بأن العنف الجنسي أمرٌ غير مقبول بتاتاً، بغض النظر عن هوية الضحية. كبداية، يمكن للسفير أن يضمن عدم تعرض أولئك الفلسطينيين الذين امتلكوا الجرأة على التحدث في هذا المقال إلى أي ضغوط أو مضايقات.
كيف يحدث هذا النوع من العنف؟ لقد علمتني عقودٌ من تغطية الصراعات أن مزيجاً من تجريد الآخر من إنسانيته والإفلات من العقاب، يمكن أن يدفع البشر للانحدار نحو حالة قصوى من البهيمية. لقد عاينت هذا الانحدار نحو الهمجية في ساحات القتل الممتدة من الكونغو إلى السودان وصولاً إلى ميانمار، وأعتقد أن هذا يفسر تقريباً كيف وصل الجنود الأمريكيون إلى حد الاعتداء جنسياً على السجناء في سجن أبو غريب بالعراق.
الحقيقة العارية هي أننا نحن البشر، قادرون على ارتكاب جرائم فظيعة حينما نُفلت من العقاب، وتحديداً تجاه أولئك الذين تعودنا أن نراهم دون مستوى البشر.

وصف إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي الإسرائيلي، المعتقلين بأنهم “حثالة” و”نازيون”، وتباهى بتشديد ظروف احتجاز الفلسطينيين. عندما تسود مثل هذه التوجهات، يمكن أن يصبح الاعتداء الجنسي أداة إضافية لإلحاق الألم والإذلال بالفلسطينيين.
وقد رفض بن غفير، عبر متحدثة باسمه، التعليق على الاعتداءات الجنسية التي ترتكبها الأجهزة الأمنية.
وثقت منظمة “بتسيلم” الحقوقية الإسرائيلية “نمطاً خطيراً من العنف الجنسي” تجاه الفلسطينيين، حيث أوردت شهادة لأسير من غزة يدعى تامر قرموط، أفاد فيها بأنه تعرض للاغتصاب باستخدام “عصا”. وقالت بتسيلم إن التعذيب “أصبح نهجاً مقبولاً”.
وفي شهادة لمنظمة “كسر الصمت” الإسرائيلية، وصف ضابط إسرائيلي سابق كان يعمل في عيادة أحد السجون ما يعنيه هذا القبول على أرض الواقع، قائلاً: “ترى أشخاصاً عاديين جداً يصلون إلى مرحلة يسيئون فيها معاملة الآخرين من أجل التسلية، وليس من أجل الاستجواب أو ما شابه. من أجل المتعة، أو ليكون لديهم ما يروونه لرفاقهم، أو بدافع الانتقام”.
معظم حالات الاغتصاب وغيرها من أشكال العنف الجنسي استهدفت الرجال، وذلك لأن أكثر من 90 بالمئة من الأسرى الفلسطينيين من الذكور. لكنني تحدثتُ إلى امرأة فلسطينية اعتُقلت في سن 23 عاما بعد هجوم حماس في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وقالت إن الجنود الذين اعتقلوها هددوا باغتصابها واغتصاب والدتها وابنة أختها الصغيرة. وأضافت أن معاناتها في السجن بدأت بتفتيش أجرته حارسات وهي عارية، “لكن جندياً دخل لاحقاً بينما كنتُ عارية تماماً”.
وذكرت أنها تعرضت خلال الأيام القليلة التالية لنزع ملابسها بشكل متكرر والضرب والتفتيش على يد حراس وحارسات على حد سواء. كان النمط ثابتاً: يأتي عدة حراس، رجال ونساء معاً، إلى زنزانتها، ويجردونها من ملابسها قسراً، ثم يكبّلون يديها خلف ظهرها ويحنون جسدها للأمام عند الخصر، مع دفع رأسها أحياناً داخل المرحاض. قالت إنها في هذه الوضعية، كانت تتعرض للضرب والتحرش في جميع أنحاء جسدها.
وأضافت: “كانت أيديهم تلمس كل جزء من جسدي. بصراحة، لا أعرف ما إذا كانوا قد اغتصبوني أم لا”، لأنها كانت تفقد وعيها أحياناً بسبب الضرب.
تعتقد أن الهدف من هذه الاعتداءات كان مزدوجاً: تحطيم معنوياتها، والسماح للرجال الإسرائيليين بالتحرش بامرأة فلسطينية عارية دون خوف من العقاب.
وتابعت قائلة: “كانوا يجردونني من ملابسي ويضربونني عدة مرات في اليوم. وكأنهم كانوا يقدمونني لكل من يعمل هناك. ففي بداية كل نوبة عمل، كانوا يحضرون الشباب لتجريدي من ملابسي”.
وأوضحت أنها قبيل إطلاق سراحها من السجن، استُدعيت إلى غرفة تضم ستة مسؤولين، ووُجه إليها تحذير شديد اللهجة بعدم إجراء أي مقابلات صحفية على الإطلاق.
وقالت: “هددوني بأنني إذا تكلمت، سيقومون باغتصابي وقتلي وقتل والدي”. لم يكن من الغريب أنها رفضت الكشف عن هويتها في هذا المقال.
يبدو أن أسوأ أشكال الانتهاكات الجنسية قد استهدفت الأسرى من قطاع غزة. وقد حدثني صحفي من غزة عن الانتهاكات التي تعرض لها بعد اعتقاله عام 2024.
قال الصحفي: “لم ينجُ أحد من الاعتداءات الجنسية. لا أستطيع القول إن الجميع تعرضوا للاغتصاب، لكن الجميع مروا باعتداءات جنسية مهينة وقذرة”. وأفاد بأنه في إحدى المرات، قام الحراس بربط خصيتيه وعضوه الذكري بشريط بلاستيكي لعدة ساعات مع ضرب أعضائه التناسلية، وظل لعدة أيام يتبول دماً.
وفي واقعة أخرى، قال إنه تم تثبيته وتجريده من ملابسه تماماً وهو معصوب العينين ومكبل اليدين، ثم استُدعي كلب وقفز عليه بتحريض من مدربه.
وأضاف: “كانوا يستخدمون الكاميرات لالتقاط الصور، وكنت أسمع ضحكاتهم وقهقهاتهم”، موضحاً أنه حاول إبعاد الكلب لكنه اعتدى عليه.
وقد أورد أسرى فلسطينيون آخرون ونشطاء حقوقيون تقارير مماثلة عن تدريب كلاب بوليسية على اغتصاب الأسرى. وأضاف الصحفي أنه عند إطلاق سراحه، حذره مسؤول إسرائيلي قائلاً: “إذا أردت البقاء على قيد الحياة عند عودتك، فلا تتحدث إلى وسائل الإعلام”.
فلماذا وافق على هذه المقابلة؟
أجاب: “هناك لحظات يشعر فيها المرء أن التذكر أمر لا يُطاق. لقد شعرتُ أن قلبي قد يتوقف وأنا أحدثك عن هذا الأمر الآن. لكنني أتذكر أن أشخاصاً مازالوا هناك، ولهذا السبب أردت أن أتحدث”.
تشير روايات متعددة إلى أن العنف الجنسي استهدف أيضا الأطفال الفلسطينيين، والذين يُسجنون عادةً بتهمة إلقاء الحجارة. توصلت إلى ثلاثة صبية ممن اعتُقلوا وأجريت معهم مقابلات، ووصفوا جميعاً تعرضهم لانتهاكات جنسية.
أحدهم، وهو صبي خجول كان يبلغ من العمر 15 عاماً عند اعتقاله، رفض الإفصاح عما إذا كان قد شهد حوادث اغتصاب، لكنه قال إن التهديدات كانت روتينية: “كانوا يقولون: افعل هذا وإلا وضعنا هذه العصا في دبرك”.
روى الآخران قصصاً مشابهة عن تعرضهم لعنف جنسي كجزء من الاعتداءات، وأشاروا إلى أن التهديدات بالاغتصاب لم تكن موجهة إليهم فحسب، بل شملت أمهاتهم وإخوتهم أيضاً.
لا يشكّل المستوطنون الإسرائيليون ذراعاً رسمية للدولة مثل نظام السجون، إلا أن الجيش الإسرائيلي يحمي المستوطنين بشكل متزايد وهم يهاجمون القرويين الفلسطينيين ويستخدمون العنف الجنسي لإجبارهم على الفرار.
وحسب تقرير جديد صادر عن ائتلاف حماية الضفة الغربية، وهو تحالف يضم منظمات إغاثة دولية بقيادة المجلس النرويجي للاجئين، فإن “العنف الذي يتسم بطابع جنسي يُستخدم للضغط على المجتمعات المحلية” لإجبارها على ترك أراضيها.
وقد أجرى الائتلاف استطلاعاً شمل مزارعين فلسطينيين، ووجد أن أكثر من 70 بالمئة من العائلات النازحة ذكرت أن التهديدات الموجهة للنساء والأطفال، ولا سيما التهديد بالعنف الجنسي، كانت السبب الرئيسي وراء رحيلهم. وقالت أليغرا باتشيكو، إحدى الناشطات في الائتلاف، إن “العنف الجنسي هو أحد الآليات التي تدفع الناس لترك أراضيهم”.

في قرية بدوية صغيرة ونائية بغور الأردن، التقيتُ بمزارع يبلغ من العمر 29 عاماً يُدعى صهيب أبو الكباش، وقد روى كيف شنت عصابة مكونة من نحو 20 مستوطناً هجوماً عنيفاً على منازل عائلته، حيث اعتدوا بالضرب على الكبار والأطفال على حد سواء، وسرقوا المجوهرات و400 رأس من الأغنام، كما قاموا بتمزيق ملابسه بسكين، ثم ربطوا عضوه الذكري بشريط بلاستيكي وشدّوه بقوة.
قال لي أبو الكباش: “كنتُ أخشى أن يقطعوا عضوي الذكري، وظننتُ أنها نهايتي”.
قد يتساءل البعض عما إذا كان الفلسطينيون قد لفقوا اتهامات الاعتداءات الجنسية لتشويه سمعة إسرائيل. بالنسبة لي، يبدو هذا الاحتمال بعيدا عن المنطق، لأنه لا أحد ممن أجريتُ معهم المقابلات سعى للتواصل معي، ولم يكن أيّ منهم يعلم من هم الأشخاص الآخرون الذين تحدثت إليهم، فضلاً عن أنهم كانوا مترددين جداً في الحديث معي.
هناك أدلة على أن الانتهاكات الجنسية الإسرائيلية باتت متكررة لدرجة أنها بدأت تغيّر المعايير الاجتماعية، وأصبح الضحايا الفلسطينيون أكثر استعداداً للإفصاح عما حدث لهم.
حدثني محمد مطر، وهو مسؤول فلسطيني، أن المستوطنين جردوه من ملابسه وضربوه ووخزوه بعصا في مؤخرته وكانوا يتحدثون عن اغتصابه: “لم أستطع التحدث عن الأمر لمدة ستة أشهر، حتى لعائلتي”. خلال الهجوم، نشر المعتدون صورة له على وسائل التواصل الاجتماعي وهو معصوب العينين ومجرد من ملابسه، إلا من ثيابه الداخلية.
مع مرور الوقت، قرر مطر التحدث متحديا وصمة العار، وهو يعلق الآن نسخة مكبرة من الصورة التي التقطها له المستوطنون على جدار مكتبه.
اتصلتُ برئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت، وقد أخبرني أنه لا يعرف الكثير عن العنف الجنسي ضد الفلسطينيين، لكنه لم يتفاجأ بالروايات التي سمعها.
وقال أولمرت: “هل أصدق حدوث ذلك؟ بكل تأكيد”. وأضاف: “هناك جرائم حرب تُرتكب كل يوم في الأراضي الفلسطينية”.
بذلك نعود إلى النقطة التي أشرتُ إليها في بداية هذا المقال: كان مؤيدو إسرائيل على حق عام 2023 حينما قالوا إنه مهما كانت آراؤنا حول الشرق الأوسط، ينبغي إدانة الاغتصاب ورفضه.
حينها سأل نتنياهو المجتمع الدولي: “أين أنتم بحق الجحيم؟”، مطالباً بالتنديد بالعنف الجنسي الذي ارتكبه ما تسميه الحكومة الإسرائيلية “نظام حماس المغتصب”.
انتهكت حماس حقوق الإنسان بشكل وحشي، ولكن على المسؤولين الإسرائيليين النظر في انتهاكاتهم أيضاً، لا سيما ما وصفه تقرير للأمم المتحدة مكوّن من 49 صفحة العام الماضي بأن إسرائيل تُخضع الفلسطينيين “بشكل ممنهج” لـ “تعذيب جنسي” يُرتكب بـ”تشجيع ضمني على الأقل من كبار القيادات المدنية والعسكرية”.
لنفكر في الأمر من هذا المنظور: الانتهاكات المروعة التي تعرضت لها النساء الإسرائيليات في 7 أكتوبر/ تشرين الأول، تحدث الآن للفلسطينيين يوميا. وهذه الانتهاكات تستمر بسبب الصمت واللامبالاة وفشل المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين على حد سواء في الإجابة على سؤال نتنياهو: أين أنتم بحق الجحيم؟
المصدر: نيويورك تايمز