تحاول بريطانيا وفرنسا استغلال القلق الدولي حول توقف الملاحة في مضيق هرمز لإنشاء تحالف بحري متعدد الجنسيات، ينقل الملف من بيانات الدعم الدبلوماسي إلى التخطيط العسكري العملي.
وانطلق التحرك باجتماعات واسعة جمعت عشرات الدول، ثم انتقل تدريجيًا إلى بحث المساهمات والقدرات المطلوبة، من السفن وكاسحات الألغام إلى الاستطلاع والقيادة والسيطرة.
فهل يتحول اجتماع يضم أكثر من أربعين دولة إلى قوة قادرة على تأمين الملاحة، أم يبقى إطارًا سياسيًا يصطدم بغموض المشاركة العسكرية، والرفض الإيراني، وحسابات الولايات المتحدة؟
من يقود التحالف ومن يشارك فيه؟
بدأ التحرك في 2 أبريل/نيسان، عندما دعت بريطانيا أكثر من 40 دولة إلى اجتماع افتراضي لبحث أزمة الملاحة في مضيق هرمز.
في تلك المرحلة، كان النقاش سياسيًا ودبلوماسيًا أكثر منه عسكريًا، إذ ركزت لندن على تنسيق المواقف، والضغط الدبلوماسي والاقتصادي، والتعاون مع المنظمة البحرية الدولية وقطاع الشحن، من دون إعلان قوة بحرية جاهزة أو أسماء دول ستشارك بسفن وقوات.
بعد ذلك، انتقل الملف إلى مستوى أعلى في 17 أبريل/نيسان، خلال قمة باريس التي قادها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر.
هناك اتسع الحشد السياسي، إذ تحدثت البيانات عن 51 دولة، بينما أشار ماكرون إلى لقاء ضم 49 دولة. لكن هذا الرقم ظل يعبر عن تأييد سياسي وبيان مشترك أكثر مما يعبر عن مشاركة عسكرية فعلية.
في تلك القمة، بدأت ملامح القيادة تتضح، بعد أن قدمت بريطانيا وفرنسا نفسيهما باعتبارهما رأس التحرك:
- لندن تتولى الدفع الدبلوماسي واستضافة التخطيط العسكري.
- باريس تمنح المبادرة ثقلًا سياسيًا وعسكريًا.
لكن المهمة التي طرحتها العاصمتان لم تكن عملية فعلية في البحر، بل تصورًا لمهمة دفاعية متعددة الجنسيات يمكن أن تتحرك لاحقًا لحماية السفن التجارية وإزالة الألغام عندما تسمح الظروف.
ثم جاءت الخطوة العسكرية الأوضح يومي 22 و23 أبريل/نيسان، عندما استضافت بريطانيا مؤتمر تخطيط عسكري في لندن شارك فيه مخططون عسكريون من أكثر من 30 دولة.
هنا انتقل النقاش من سؤال “من يؤيد؟” إلى سؤال “من يستطيع أن يشارك؟”. لم تعد المسألة بيانًا سياسيًا فقط، بل بحثًا في القدرات المطلوبة، مثل السفن، وكاسحات الألغام، والاستطلاع، والقيادة والسيطرة.
لاحقًا، قالت وزارة الدفاع البريطانية إن مخططين من 44 دولة عملوا خلال الأسابيع الماضية على تحويل التوافق السياسي إلى خطة متعددة الجنسيات.
في 11 مايو/أيار، أعلنت لندن خطوة جديدة: وزير الدفاع البريطاني جون هيلي ونظيرته الفرنسية كاترين فوتران سيترأسان أول اجتماع لوزراء دفاع التحالف، بمشاركة أكثر من 40 دولة، لبحث المساهمات العسكرية.

حتى هذه المرحلة، لا توجد قائمة رسمية نهائية بالدول التي ستشارك عسكريًا، فيما تشمل الأسماء المتداولة دولًا أوروبية مثل ألمانيا وبلجيكا وهولندا وفرنسا وبريطانيا، وآسيوية مثل اليابان وكوريا الجنوبية، إضافة إلى حضور أو دعوة دول خليجية مثل الإمارات والسعودية وقطر.
المساهمات الأكثر وضوحًا حتى الآن هي البريطانية والفرنسية:
- بريطانيا أعلنت إرسال المدمرة HMS Dragon إلى المنطقة.
- فرنسا حرّكت مجموعة حاملة الطائرات “شارل ديغول” باتجاه البحر الأحمر.
ومع ذلك، قدمت العاصمتان هذه التحركات بوصفها استعدادًا لمهمة محتملة، لا بداية عملية بحرية قائمة في المضيق.
أما بقية المشاركات، فما زالت محكومة بالشروط، فقد تحدثت رويترز عن إبداء أكثر من 12 دولة استعدادًا لتقديم أصول عسكرية، مثل سفن إزالة الألغام أو وحدات المرافقة، لكن دولًا أوروبية أساسية تربط أي مشاركة فعلية بغطاء قانوني وسياسي.
ألمانيا، على سبيل المثال، أبدت استعدادًا لقدرات إزالة ألغام واستطلاع بحري، لكنها ربطت ذلك بوقف القتال، وموافقة البرلمان، وتفويض من مجلس الأمن. وإيطاليا استعدت للمساهمة بعد توفر غطاء قانوني.
ما مهام التحالف البحري؟
تقول لندن وباريس إن المهمة دفاعية، وليست عملية هجومية لفرض المرور بالقوة. ويمكن تلخيص الأهداف كالتالي:
- حماية السفن التجارية
- طمأنة قطاع الشحن
- تأمين الممرات
- تبادل المعلومات والاستطلاع
- إزالة الألغام بعد وقف إطلاق النار
- بناء قيادة مشتركة
تمنح هذه الصياغة التحالف شرعية سياسية لكنها تكشف في الوقت نفسه أن المهمة لم تبدأ عمليًا بعد، وأن تنفيذها مرتبط ببيئة أمنية لم تكتمل.
وفي لندن، تحوّل العنوان العام إلى نقاش عسكري أكثر تفصيلًا، فمؤتمر التخطيط بحث القدرات المطلوبة، وآليات القيادة والسيطرة، وطريقة نشر القوات في المنطقة.
أي أن التحالف لا يحتاج فقط إلى سفن، بل إلى غرفة عمليات، معلومات استخباراتية، قواعد للتنسيق، وإجراءات واضحة للرد إذا تعرضت سفينة تجارية أو قطعة بحرية لتهديد.
ويمنح إرسال HMS Dragon بريطانيا ورقة عملية في هذا السياق، فالمدمرة من طراز Type 45، وتملك قدرات دفاع جوي عبر منظومة Sea Viper، إضافة إلى مروحيات Wildcat يمكن استخدامها ضد تهديدات مثل المسيّرات.
لكن لندن نفسها قدّمت هذا التحرك بوصفه تموضعًا استباقيًا لدعم مهمة محتملة، لا إعلانًا عن بدء عملية بحرية في المضيق.
فرنسا تتحرك بالمنطق نفسه، إذ أن وجود مجموعة “شارل ديغول” في البحر الأحمر لا يعني أن المهمة بدأت، لكنه يقلّص زمن الاستجابة ويمنح باريس قدرة على تقييم البيئة العملياتية ودمج أي أصول تقدمها الدول المشاركة.

ولذلك فإن الحديث عن فتح المضيق بالقوة أو فرض قواعد جديدة على إيران ليس جزءًا معلنًا من التفويض، بل سيناريو تصعيدي تحاول لندن وباريس تجنبه في خطابيهما الرسمي.
وتبقى قواعد الاشتباك هي السؤال الأصعب/ من يقرر الرد إذا اقترب زورق إيراني من سفينة تجارية؟ متى تُستخدم القوة؟ هل تتعامل المهمة مع المسيّرات والصواريخ، أم تكتفي بالمرافقة وإزالة الألغام؟
موقف إيران وأمريكا وفرص النجاح
ترفض إيران المبادرة من زاوية السيادة والأمن الإقليمي، وقد وصف كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية الإيراني أي نشر لسفن حربية أوروبية بأنه تصعيد، محذراً من رد “حاسم وفوري”.
لذلك لا تكمن الصعوبة فقط في جمع السفن، بل في تشغيلها من دون دفع إيران إلى اختبارها. وهذه هي معضلة التحالف: يحتاج إلى الظهور بمظهر القادر على الردع، لكنه لا يريد أن يبدو جزءًا من مواجهة مفتوحة.
إذا بالغ في الحذر، فقد لا يطمئن شركات الشحن. وإذا بالغ في الحضور العسكري، فقد يمنح إيران ذريعة للتصعيد أو التحرش أو الضغط البحري. وبين هذين الحدين تتحرك لندن وباريس، محاولة تقديم المهمة كأداة حماية لا حرب.
أما واشنطن فتقف في موقع ملتبس، فهي ليست جزءًا مباشرًا من التخطيط الأوروبي، لكنها ليست خارج المعادلة تماما.
فلدى الولايات المتحدة مسارها الخاص لتأمين الملاحة، وتملك في الخليج ما لا تملكه أوروبا وحدها: شبكة قواعد، مراقبة، استخبارات، وقدرة ردع متقدمة. لذلك قد تُترك واجهة التحالف للندن وباريس، لكن نجاحه العملي سيبقى مرتبطًا بدرجة ما من التنسيق الأمريكي.
وتشير تقارير إلى أن البنتاغون يعمل على مبادرة منفصلة تسمى “Maritime Freedom Construct” لتأمين الملاحة بعد الحرب، يشارك فيها عناصر دبلوماسية وعسكرية أمريكية، في حين انتقد الرئيس دونالد ترامب حلفاءه الأوروبيين وطالبهم بتحمل مسؤولية فتح المضيق بأنفسهم.
ولذلك فإن فرص النجاح موجودة، لكنها مشروطة، فالحشد السياسي الواسع يمنح المبادرة وزنًا، ووجود أصول بريطانية وفرنسية يثبت أن الأمر لا يقتصر على البيانات.
لكن التحالف سيظل ناقصًا إذا لم تتحول المشاركة إلى مساهمات عسكرية محددة: من يرسل كاسحات ألغام؟ من يوفر الاستطلاع؟ من يتحمل كلفة الانتشار؟ ومن يقبل المخاطرة إذا وقع احتكاك؟

وعلى أرض الواقع، تعترض التحالف عقبات كثيرة أبرزها:
1- التعقيدات القانونية: ألمانيا وإيطاليا تشترطان موافقة برلمانية وتفويضًا أمميًا للمشاركة، وربما تشترط دول أخرى نفس الأمر، ما يضعف التنفيذ.
2- الرفض الإيراني المدعوم بإمكانية تصعيد عسكري عبر احتجاز سفن أو زرع ألغام جديدة، ما يهدد سلامة السفن المشاركة.
3- تردد دول الخليج التي تفضل حلولًا سياسية وتخشى استعداء إيران، وهو ما قد يحرم التحالف من الدعم اللوجستي الإقليمي.
4- اختلاف الأهداف بين أوروبا وأمريكا: وجود مشروعين منفصلين يمكن أن يخلق منافسة أو تضارب في القيادة.
5- غياب قواعد اشتباك واضحة يجعل كل وحدة بحرية معرضة للتردد أو للخطأ عندما تواجه تهديداً مباغتاً.
لهذا يقف التحالف أمام ثلاثة مسارات: أن يتحول، بعد تهدئة وتفاهمات كافية، إلى قوة فعلية لمرافقة السفن وإزالة الألغام، أو أن يبقى انتشارًا محدودًا للطمأنة والضغط، أو أن يتحول إلى نقطة احتكاك جديدة في واحد من أكثر الممرات حساسية في العالم.