نون بوست نون بوست

نون بوست

  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
EN
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
حرب الممرات الضيقة: كيف يهدد صراع النفوذ شريان الحياة العالمي؟ 
وجود قيادتين في حزب الشعب الجمهوري خلق مشهدًا معقدًا
بعد القرار القضائي.. من يحكم حزب الشعب الجمهوري في تركيا؟
نون بوست
بعد انتخابات الحسكة وعين العرب.. أين وصل تشكيل البرلمان السوري؟
ميناء اللاذقية يستطيع استقبال الحاويات فقط أما نقلها إلى الداخل فيحتاج إلى شبكة أخرى
طريق البضائع من اللاذقية.. هل تنجح سوريا في وصل بحرها ببرّها؟
نون بوست
شراكات آسيوية وممرات بديلة.. استراتيجية أبوظبي للهروب من المظلة الخليجية
نون بوست
“لجنة التحريض” السرية.. كيف تستهدف إسرائيل المعلمين العرب؟
نون بوست
ما بعد حرب إيران.. الخليج يعيد صياغة معادلة الأمن الإقليمي
شاشة حاسوب تعرض سجلاً لجثة مجهولة الهوية في قاعدة بيانات الأشخاص المفقودين في مستشفى الناو في أم درمان، 18 أبريل 2026 (AP)
قبور بلا أسماء.. كم عدد المفقودين في حرب السودان؟
نون بوست
لا أحد يمثّل السياسة الإسرائيلية اليوم أفضل من بن غفير
نون بوست
“الثمن الكبير الذي دفعه السوريون سيوحدهم”.. حوار مع د. رضوان زيادة
نون بوست
رفض شعبي واحتجاجات مستمرة لمشروع التوربينات في الجولان السوري المحتل
نون بوست
من المسؤول عن جريمة الكراهية في سان دييغو؟
نون بوست نون بوست
EN
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
حرب الممرات الضيقة: كيف يهدد صراع النفوذ شريان الحياة العالمي؟ 
وجود قيادتين في حزب الشعب الجمهوري خلق مشهدًا معقدًا
بعد القرار القضائي.. من يحكم حزب الشعب الجمهوري في تركيا؟
نون بوست
بعد انتخابات الحسكة وعين العرب.. أين وصل تشكيل البرلمان السوري؟
ميناء اللاذقية يستطيع استقبال الحاويات فقط أما نقلها إلى الداخل فيحتاج إلى شبكة أخرى
طريق البضائع من اللاذقية.. هل تنجح سوريا في وصل بحرها ببرّها؟
نون بوست
شراكات آسيوية وممرات بديلة.. استراتيجية أبوظبي للهروب من المظلة الخليجية
نون بوست
“لجنة التحريض” السرية.. كيف تستهدف إسرائيل المعلمين العرب؟
نون بوست
ما بعد حرب إيران.. الخليج يعيد صياغة معادلة الأمن الإقليمي
شاشة حاسوب تعرض سجلاً لجثة مجهولة الهوية في قاعدة بيانات الأشخاص المفقودين في مستشفى الناو في أم درمان، 18 أبريل 2026 (AP)
قبور بلا أسماء.. كم عدد المفقودين في حرب السودان؟
نون بوست
لا أحد يمثّل السياسة الإسرائيلية اليوم أفضل من بن غفير
نون بوست
“الثمن الكبير الذي دفعه السوريون سيوحدهم”.. حوار مع د. رضوان زيادة
نون بوست
رفض شعبي واحتجاجات مستمرة لمشروع التوربينات في الجولان السوري المحتل
نون بوست
من المسؤول عن جريمة الكراهية في سان دييغو؟
  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
تابعنا

هل حقاً “لا رابح في الحروب التجارية”؟

سمية كينز
سمية كينز نشر في ٢٥ مايو ,٢٠٢٦
مشاركة
نون بوست

سفينة شحن ضخمة وناقلة نفط ترسوان في مسقط خلال شهر مارس/آذار الماضي.

ترجمة وتحرير: نون بوست

قيود التصدير.. كيف تكون السلاح الأقوى والأسوأ في معارك التجارة العالمية؟ 

 في خضم الحرب التجارية الباردة المستعرة بين الولايات المتحدة والصين، لا يبدو أن دونالد ترامب يقف على الجانب الرابح. فعندما التقى بالرئيس الصيني شي جين بينغ الأسبوع الماضي في قمة حظيت بزخم إعلامي صاخب، كان خبراء التجارة يتطلعون إلى ما هو أبعد من ذلك. وعلى الرغم من أن الجانبين تبادلا التعهّدات بشأن التنسيق الجمركي وتبادل المنتجات الزراعية، طغت على المشهد العام الشكليات البروتوكولية وغابت عنه النتائج الجوهرية.

وقد كشفت هذه القمة أن الصينيين لم يعودوا يرون حاجة لاسترضاء شركائهم الأمريكيين علناً رغم المطالب الأمريكية المتكررة. فقد ولّت الأيام التي كان يمكن فيها لتهديد جمركي “ترامبي” أن يثمر عن حفل توقيع ضخم للاحتفاء بمشتريات صينية هائلة. فبعد سنوات قضتها بكين في بناء آلة تصنيع عملاقة، باتت تمتلك اليوم أسلحتها الاقتصادية الخاصة. وإذا ما ضُيِّق عليها بقوة، فإنها قادرة على شل حركتك الصناعية عبر قطع إمدادات المكونات الحيوية التي تعتمد عليها بشكل أساسي.

بات صدى هذا التهديد يتردد في جميع أنحاء العالم. فطوكيو وبروكسل لديهما جِراحهما الخاصة التي خلفتها المعارك التجارية مع الصين. وإذا كانت أمريكا تبدو وكأنها ترتعد أمام التهديدات الصينية، فما هو الأمل المتبقي للاعبين الآخرين الأقل نفوذاً؟ في الوقت الحالي، يبدو الوضع مستقراً، بل وهادئاً، مع إحجام كل طرف عن الضغط على الزناد، لكن الخطر الكامن يدفع بـ “محاربي التجارة” بعيداً عن خطوط المواجهة الأمامية إلى العمل الدؤوب وراء الكواليس.

في قلب هذا الصراع تكمن “قيود التصدير”. وهي في جوهرها مفهوم بسيط: ضوابط تفرضها الحكومات على ما يمكن بيعه للمشترين الأجانب ويمكن استخدامها كسلاح دفاعي للاحتفاظ بالمواد الغذائية أو الأدوية داخل البلاد في حالات النقص مثلاً. أو يمكن توظيفها لمنع جيش الخصم من الاستفادة من تقنياتك المتطورة (فمن ذا الذي يرغب في أن يُستهدف بأسلحة ساهم هو نفسه في هندستها؟). وتأخذ هذه القيود أشكالاً متعددة على غرار أنظمة الترخيص، أو الضرائب، أو الحظر، أو الحصار، ويمكن تطبيقها على أي تدفق تجاري يخطر ببالك.

إننا نعيش اليوم العصر الذهبي لهذه القيود. فوفقاً لبيانات مجموعة المراقبة “غلوبال تريد ألرت”، شهدت عشرينيات القرن الحادي والعشرين ارتفاعاً حاداً في استخدام هذه الأدوات، وهو ما ذكّته سلسلة من الأزمات الطارئة. وكان أبرزها جائحة كورونا التي أدّت إلى سباق عالمي محموم لتأمين الكمامات والمعدات الطبية، مما فجّر موجة من القيود الحمائية حتى داخل الاتحاد الأوروبي نفسه. ومؤخراً، فرضت إيران قيوداً على صادرات الطاقة عبر إغلاق مضيق هرمز، مما دفع دولاً أخرى إلى تقييد صادراتها من الوقود والأسمدة لضمان عدم تعرض أسواقها المحلية لأي نقص.

وفقاً لفريق من الأكاديميين، بمن فيهم جيسي شريغر من جامعة كولومبيا، فإن نسبة الشركات العالمية التي تضررت من قيود التصدير بحلول عام 2025 قد تضاعفت لأكثر من ثلاثة أمثال متوسطها خلال العقد الماضي (2010-2019). وكان المحرك الأكبر لهذا التحول هو القيود الأمريكية المفروضة على الشحنات المتجهة إلى الصين وهو أمر لا يثير الدهشة بالنظر إلى التوسع الاستثنائي في العقوبات الأمريكية الرامية لتجريد بكين من البرمجيات والمعدات اللازمة لصناعة الرقائق الإلكترونية المتقدمة.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تمتلك خبرة أطول في تحويل وزنها الاقتصادي إلى سلاح، فإن الصين تلحق بها بخطى متسارعة حيث صاغت قواعد تشترط حصول الشركات الأجنبية على تراخيص مسبقة لشراء منتجات تحتوي ولو على ذرات ضئيلة من الأتربة النادرة الصينية. وفي يناير/كانون الثاني الماضي، وجّهت الصين ضربة لليابان بفرض قيود على مبيعات المنتجات “مزدوجة الاستخدام” (التي تصلح للتطبيقات المدنية والعسكرية معاً)، كرسالة تحذيرية لها من مغبة دعم التحركات السياسية الرامية لاستقلال تايوان. وفي 31 مارس/آذار، أصدر مجلس الدولة الصيني قراراً تنفيذياً يحمل اسم “أحكام أمن سلاسل الصناعة والإمداد”، يهدد بفرض قيود تصديرية عقابية ضد أي حكومة أو منظمة أجنبية تقوّض أمن الإمدادات أو الصناعة الصينية.

يتعين على الجميع توخي الحذر فقيود التصدير هي سلاح فظ وغير دقيق، وغالباً ما تؤدي إلى عواقب غير مقصودة. فعلى سبيل المثال، كانت إيران عبر حصارها لمضيق هرمز تسعى للرد على إسرائيل والولايات المتحدة، ولم تكن تهدف إلى إغلاق المدارس في باكستان أو تهديد خطط العطلات للمسافرين الأوروبيين. وفي سيناريو متطرف، يمكن للولايات المتحدة قطع وصول الأوروبيين إلى منصات التواصل الاجتماعي، والبريد الإلكتروني، وشركات الدفع بالبطاقات الائتمانية الأمريكية. في المقابل، يمكن لـ “جرة قلم” من بيروقراطي صيني أن توقف مصانع السيارات الأجنبية عن العمل بالكامل.

تبدو كل هذه السيناريوهات مخيفة. ومع تحول قيود التصدير إلى ممارسة اعتيادية، يمكن التحذير من أن هذه الأسلحة لن تفضي إلى خير فهي تلحق الضرر على المدى القصير بالمُحاصِر والمُحاصَر معاً، بينما ترتد عواقبها سلباً على أصحابها على المدى الطويل. تكمن ركيزة القوة لأي مورد مهيمن في جعل المشترين تابعين له ومستهلكين لمصدر إمداد واحد (فالأتربة النادرة الصينية تكون زهيدة الثمن عندما تتدفق بحرية). ولكن بمجرد تفعيل قيود التصدير، يضطر هؤلاء المشترون أنفسهم إلى تنويع مصادرهم والابتعاد عن المورّد غير الموثوق.

لا يقتصر الخطر على الضرر الفوري لقيود التصدير، بل إنها تمثل خطوة في صراع ديناميكي مستمر فبمجرد ضرب الهدف، قد يقرر الخصم الغاضب والجريء الرد بالمثل. هذا التهديد يشكل جوهر كل معركة تدور رحاها حول قيود التصدير اليوم، لا سيما المعركة بين الصين والولايات المتحدة: فأي السلاحين سينكسر نصله أولاً؟

إذا كنت قد سمعت المقولة الشهيرة “لا أحد يربح في حرب تجارية”، فمن المرجح أنك سمعتها من شخص يعمل في شركة وقعت في مرمى نيرانها. بالنسبة لهذه الشركات، تعني قيود التصدير خسارة في المبيعات وتراجعاً في هوامش الأرباح. وخير مثال على ذلك هو “جنسن هوانغ”، الرئيس التنفيذي لشركة “إنفيديا” الأمريكية الرائدة في تصميم الرقائق، والتي وجدت نفسها في مرمى نيران متبادلة في السباق الأمريكي الصيني لتطوير الذكاء الاصطناعي حين فرض كلا الجانبين قيوداً على مبيعاتها إلى الصين. وقد تقبّل “هوانغ” هذه القيود التي تكبّل قدرته على خدمة السوق الصينية الضخمة بامتعاض شديد يشبه امتعاض طفل صغير أُجبر على تناول طبق من الهندباء البرية المُرّة. وجاءت الضربة الأحدث خلال قمة الأسبوع الماضي عندما أُضيفت رقاقة ألعاب من إنتاج “إنفيديا” إلى قائمة السلع المحظورة في نقاط التفتيش الجمركية الصينية.

احتج هوانغ بأن قيود التصدير الأمريكية قد ساهمت دون قصد في تقوية منافسيه عبر إجبار الصينيين على تطوير بدائل محلية للمنتجات الأمريكية. وفي مقابلة حديثة، وصف “الجيش الهائل من الباحثين” في الصين، وأشار إلى أن شركة “هواوي” الصينية العملاقة للرقائق “حققت للتو أضخم نمو سنوي فردي في تاريخها”. كما أن القيود المفروضة على أدوات صناعة الرقائق المتقدمة قد حفزت الصينيين بدورهم. ففي ديسمبر/كانون الأول 2025، أفادت وكالة رويترز بأن مشروع “مانهاتن” الصيني قد نجح في بناء نموذج أولي لآلة الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية العميق المخصصة لإنتاج الرقائق الأكثر تطوراً في العالم.

كان إغلاق مضيق هرمز في مطلع مارس/آذار الماضي نموذجاً آخر يصب في السياق ذاته إذ كانت الفكرة تكمن في تقييد إمدادات الطاقة العالمية والضغط على الولايات المتحدة لوقف هجماتها. وعلى الرغم من أن النقص الناجم عن ذلك كان حقيقياً ومؤلماً، إلا أن الأطراف الأخرى تكيفت مع الوضع. فبحلول شهر أبريل/نيسان، عُوّض نحو ثلث الانخفاض في النفط الخام المُصدّر عبر المضيق من خلال زيادة التدفقات عبر موانئ أخرى، وذلك وفقاً لبيانات حلّلتها فيكتوريا غرابينفوغر من شركة “كيبلر” لتحليل السلع الأساسية. كما يتم الآن نقل سلع أخرى برًّا باستخدام الشاحنات خارج منطقة الخليج، بما في ذلك الأسمدة القادمة من دولة الإمارات العربية المتحدة.

في هذا المشهد، بدا خط أنابيب النفط شرق-غرب السعودي (بترولاين)، الذي بُني في ثمانينيات القرن الماضي لتفادي صراع مختلف، خطوة غير مبررة وباهظة التكلفة في أوقات السلم، أما الآن وهو يضخ النفط من ساحل الخليج عبر وسط البلاد وصولاً إلى الموانئ المطلة على البحر الأحمر، فإنه يبدو بمثابة ضربة عبقرية استشرافية. دفع هذا الوضع حكومات خليجية أخرى إلى دراسة إنشاء بنية تحتية جديدة لتجاوز المضيق، أو تسريع تنفيذ مشاريع توسيع خطوط الأنابيب الحالية. وفي نهاية المطاف، جعلت أسعار النفط والغاز المرتفعة من الطاقة المتجددة خياراً أكثر جاذبية وإلحاحاً من أي وقت مضى.

فجّرت الصين سباقاً من نوع خاص عندما فرضت قيوداً واسعة النطاق على صادرات الأتربة النادرة إلى بقية العالم في عام 2025. ولم تكن الشركات التي حوصرت في خضم هذه الاضطرابات تدري ما إذا كان عجزها عن تأمين التراخيص أداة للضغط السياسي أم مجرد قصور إداري. وفي كلتا الحالتين، كان عليها أن تسابق الزمن لإقناع البيروقراطيين الصينيين بأنها تستحق صفة “المشتري المؤهل”. كما دفعت هذه الحادثة إدارة ترامب إلى تحريك عدة وكالات حكومية وأدوات سياساتية لمعالجة المشكلة، بل والتعاون مع الحلفاء.

تقول جراسيلين باسكاران من “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية”، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن: “لقد بدأنا بالفعل الحصول على المواد الخام من مناجم لم يكن بإمكاننا الوصول إليها قبل عام”. وفي 20 أبريل/نيسان، أعلنت شركة التعدين البرازيلية “سيرا فيردي” أنها أَمّنت طلباً مضموناً لمدة 15 عاماً على إنتاجها من الأتربة النادرة، بتمويل من تحالف يضم وكالات حكومية أمريكية مختلفة. وفي ظل سيناريو متفائل، قد يتمكن المصنعون الأمريكيون من إنتاج مغناطيسات مصنوعة من الأتربة النادرة المستخرجة من تلك المناجم بحلول نهاية عام 2027، وذلك وفقاً لكوري كومبس من مؤسسة “تريفيم تشاينا” الاستشارية.

بناءً على ذلك، يبدو التحذير الموجّه لمقيدّي التجارة واضحاً: سلاحكم لا يطلق إلا رصاصة واحدة ولن يؤدي استخدامه إلا إلى تعليم المستهدف كيفية بناء دفاعاته. ويمكن تشييد هذه الدفاعات تدريجياً ووراء الكواليس. ففي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وبعد أن وسّعت الولايات المتحدة نطاق قيود التصدير المفروضة على تكنولوجيا الرقائق لتشمل مجموعة أوسع من الشركات، أخبرني كيفن وولف، المحامي المخضرم المتخصص في قيود التصدير، أن عملاءه يتساءلون عن كيفية الإفلات من هذه القيود تماماً عبر استبعاد أي محتوى أو برمجيات أو تكنولوجيا أو كوادر أمريكية من الجيل القادم من منتجاتهم. وأضاف: “لن ترى بيانات حول هذا الأمر أبداً، فهذه قرارات تتخذها الشركات للانسحاب بهدوء شديد”.

يحفل التاريخ بالأمثلة التي تظهر كيف أن تحويل الاقتصاد إلى سلاح يجبر المستهدفين على حماية أنفسهم. فعلى سبيل المثال، بعد أن قيّد أعضاء منظمة “أوبك” إمدادات النفط في سبعينيات القرن الماضي، ارتفعت كفاءة استهلاك الوقود في السيارات بشكل كبير. وكان النفط يُستخدم بكثافة في توليد الكهرباء، لكن تم استبداله بالكامل تقريباً بمصادر أخرى. كما عمد مستوردو النفط إلى بناء مخزونات استراتيجية للحماية من الصدمات المستقبلية، أو على الأقل لكسب الوقت عند حدوثها.

عندما قيّدت ألمانيا صادراتها الكيماوية خلال الحرب العالمية الأولى، تضاعفت الجهود البريطانية لبناء صناعة كيماوية محليّة بشكل فائق. وبحلول الوقت الذي اندلعت فيه الحرب العالمية الثانية، كانت بريطانيا قد طورت صناعة أصباغ ضخمة ومتنوعة جرى تحويلها لاحقاً نحو تصنيع المتفجرات. ويُحمّل الباحثون في وزارة الزراعة الأمريكية السياسة الأمريكية جزءاً من المسؤولية عن خلق مورد منافس لفول الصويا في البرازيل. فبعد أن فرض الرئيس ريتشارد نيكسون قيوداً على صادرات فول الصويا الأمريكي في يونيو/حزيران 1973، أصيب اليابانيون بذعر شديد دفعهم إلى ضخ الائتمان والدعم الفني والبنية التحتية للمزارعين البرازيليين.

على الرغم من أن هذه الأمثلة تحمل دلالات قوية، إلا أن إثبات الفرضيات المعاكسة يظل أمراً صعباً. فربما كان منتجو الكيماويات البريطانيون ومزارعو الصويا البرازيليون سينجحون وينتعشون في كل الأحوال. مع ذلك، يمتلك الاقتصاديون نزرًا يسيرًا من الأدلة التجريبية الأكثر حسماً، بما في ذلك دراسة تناولت آثار قاعدة “الجيش الصيني الشاملة” التي طبقتها الحكومة الأمريكية في يونيو/حزيران 2007، والتي حظرت الصادرات التي يمكن أن تطور القدرات العسكرية الصينية، مثل المحركات النفاثة التوربينية، وآلات معالجة البيانات، ومعدات الاتصالات. وكان لتلك القيود مخالب حقيقية، حيث انخفضت المبيعات إلى الشركات الصينية المتضررة بمقدار النصف. واستطاع الباحثون مقارنة الشركات المتضررة بتلك التي أفلتت بالكاد من القيود.

مرة أخرى، حثّت قيود التصدير على الابتكار إذ أنفقت الشركات الصينية المستوردة المتضررة نحو 50 بالمئة أكثر على البحث والتطوير، وشهدت زيادة بنسبة نقطة مئوية واحدة في احتمالية تقدمها بطلب للحصول على براءة اختراع تتعلق بالتكنولوجيا المقيدة. قد لا يبدو هذا الرقم ضخماً، ولكن في المتوسط، ارتفع إجمالي براءات الاختراع بنحو 40 بالمئة. والأمر اللافت للنظر هو أن هذه الطفرة الابتكارية جاءت على قاعدة عريضة وتجاوزت المجالات المستهدفة بالقيود. وهكذا، بدا أن السياسة الأمريكية التي صُممت للقضاء على المنافسة قد أحدثت أثراً عكسياً تماماً.

وصف المؤرّخ دانيال هيدريك كيف أن الحكومة البريطانية، قرب نهاية القرن التاسع عشر، كانت تسيطر فعلياً على غالبية كابلات البرق الدولية في العالم، والتي كانت تنقل الرسائل إلكترونياً عبر شبكات من الكابلات الممتدة في قاع البحر. وكانت الحكومة البريطانية تتعامل بنهج استراتيجي مع نمو هذه الشبكات. فبينما كانت الدول الأخرى تطلب عادةً تنازلات مقابل منح حق مدّ الكابلات على شواطئها، لم تفرض بريطانيا أي مطالب من هذا القبيل. وساهم ذلك في تحوّل المملكة المتحدة إلى عقدة مركزية للشبكة العالمية، مما منح حكومتها قوة هائلة لمراقبة وقمع الاتصالات الدولية.

أثار هذا الأمر حفيظة الحكومات الأخرى، لاسيما خلال “حرب البوير” عندما فرض البريطانيون رقابة على أخبار الدول الأخرى بشأن الصراع من أجل السيطرة على جنوب إفريقيا. نتيجة لذلك، بدأت الحكومات الأوروبية الأخرى في مد كابلات خاصة بها، حيث تحالفت ألمانيا وهولندا لبناء شبكة منافسة. وفي حين كان الطرفان يستحوذان في عام 1892 على 2 بالمئة فقط من كابلات البحار التشغيلية، قفزت حصتهما بحلول عام 1908 إلى أكثر من 7 بالمئة. كما دفع الألمان باتجاه تكنولوجيا جديدة للحد من اعتمادهم على الكابلات المادية تماماً، وهي: الراديو اللاسلكي.

ثمة شعور بالتشفي يغمر المرء عندما ينال “المتنمر” جزاءه ليكتشف أن ضحيته السابقة قد كبرت وباتت محصنة ضد الهجمات، ولكن ماذا لو كشفت قيود التصدير عن حجم النفوذ الحقيقي الذي يمتلكه المعتدي؟ ماذا لو كانت العوامل نفسها التي خلقت “نقطة الاختناق” في المقام الأول هي ذاتها التي تجعل من الصعب الانعتاق منها؟ وماذا لو كان المعتدي قد تحرك بالفعل استراتيجياً لترسيخ مكانته، وسيفعل الشيء نفسه للتشبث بها؟

تأّمل في كابلات البرق التي تحولت إلى سلاح، فقد أمضت بريطانيا سنوات في تطوير الخبرات فيما كان يُعد إنجازاً هندسياً مذهلاً. كما حصلت على تراخيص حصرية لمد كابلاتها حول العالم، واكتسبت نفوذاً دولياً كبيراً، مما شكل تحدياً للمنافسين الراغبين في بناء شبكات خاصة بهم. وعندما حاول الألمان، على سبيل المثال، بناء كابل يتطلب إذناً من البرتغاليين والأتراك، جرى حظرهم إذ كان شركاؤهم يخشون ألا يعجب ذلك بريطانيا. وعندما طلب الألمان من البريطانيين منحهم الموافقة، قوبل طلبهم بالرفض.

بدا أن الراديو اللاسلكي يتيح فرصة تكنولوجية مواتية، لكن البريطانيين كانوا على دراية بهذه التكنولوجيا الجديدة أيضاً. وبحلول عام 1914، وبينما كانت شركة “ماركوني” ومقرها بريطانيا تستحوذ على 39 بالمئة من السوق، كانت منافستها الألمانية الرئيسية تستحوذ على 33 بالمئة. وحتى قبل بدء الحرب، فكّ البريطانيون شفرة الاتصالات اللاسلكية الألمانية. وفي نهاية المطاف، استغرق الأمر عقوداً للإطاحة بالهيمنة البريطانية في مجال الاتصالات، وكان الأمريكيون وليس الألمان هم من نجحوا في ذلك.

بالعودة إلى حاضرنا، فإن بناء بنية تحتية جديدة لتجاوز فوضى مضيق هرمز يستغرق سنوات وسيكلف مليارات الدولارات. وكلما ارتفعت أسعار الفائدة لكبح التضخم الناجم عن نقص الطاقة، أصبحت عملية جمع الأموال أكثر كلفة. كما أن تمويل بنية تحتية جديدة تمر عبر سوريا قد يتشابك ويتعقد أكثر بسبب العقوبات الغربية. ومن المحتمل أن تصيغ هذه الأزمة علاقات جديدة بين حكومات لطالما ساد بينها عدم الثقة، بيد أن التاريخ كما يتضح من التدفقات المحدودة للغاية عبر الحدود داخل المنطقة لا يبدو مشجعاً.

فهل ستنقذنا مرحلة التحول الأخضر؟ مرة أخرى، لن تكون تكلفة التمويل المسبق مساعِدة في هذا الصدد. ففي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، دفعتنا صدمة أسعار النفط إلى البحث عن بدائل سهلة، وكانت النتيجة أن ما تبقى لدينا من طلب على النفط، لتشغيل الطيران والشحن البحري وصناعة البتروكيماويات، هو من النوع الذي يصعب التحول عنه. ومع أنه يبدو للعيان أننا قللنا من مخاطر الاعتماد على النفط، إلا أننا في واقع الأمر قد نكون أصبحنا أكثر عرضة لتبعات خسارة ما لا نزال نستخدمه.

عندما يتعلق الأمر بصناعة الرقائق الإلكترونية عالية الجودة، فإن الإنتاج يتطلب مزيجاً من الكوادر والمعدات والتكنولوجيا التي استغرق تطويرها عقوداً من الزمن عبر شبكة كاملة من الشركات. نعم، يركض الصينيون بكل طاقاتهم ليفطموا أنفسهم عن التكنولوجيا والمعدات الغربية، وحققوا تقدماً أسرع من المتوقع لكن بفضل العقبات التكنولوجية الهائلة، لا يزالون يتخلفون كثيراً عن الأمريكيين في قدرتهم على تصنيع المدخلات اللازمة لأبحاث الذكاء الاصطناعي المتطورة. وأشارت تقارير العام الماضي حول “مشروع مانهاتن” الصيني إلى أنه لا يزال على بعد سنوات من إنتاج رقائق صالحة للعمل.

على المنوال نفسه، فإن مهمة تنويع مصادر الإمداد بعيداً عن سلاسل توريد الأتربة النادرة والمغناطيسات الصينية هي مهمة شاقة للغاية إذ يكمن الجزء الأصعب في كيفية فصل الأتربة النادرة الثقيلة غير الشائعة نسبيًا والتي تتواجد بتركيزات منخفضة للغاية، بينما يكمن التحدي الآخر في معالجتها وتحويلها إلى مغناطيسات دائمة على نطاق تجاري مجدٍ. وبعد أن عهد صناع المغناطيس الغربيون بهذه العمليات إلى جهات خارجية منذ عقود، فإن التحدي الذي يواجههم اليوم لا يتعلق بالتمويل بقدر ما يتعلق بالمعدات والمعرفة الفنية المتخصصة. وترى باسكاران من “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” أن تحقيق المرونة الكاملة هو “عملية تتطلب عقداً من الزمن أو أكثر”.

هناك أمثلة لشركات تجد طرقاً غير تقليدية لاستخراج الأتربة النادرة من الخامات، بدءاً من أشكال جديدة من تقنية “الكروماتوغرافيا” (التحليل الاستشرابي) وصولاً إلى تقنيات مبتكرة للترشيح الحمضي. ولكن مهما بدت هذه الطرق واعدة، فلا أحد يعرف حقاً ما إذا كان يمكن تطبيقها على نطاق واسع بشكل موثوق ورخيص ونظيف بما يكفي للبقاء على المدى المتوسط. ويتمثل أحد التحديات في جمود وثبات طلب القطاع الخاص؛ فبينما تحصل الشركات الغربية متعددة الجنسيات على موافقات لطلبياتها من الصين، فإن دعم سلاسل التوريد البديلة سيبدو بمثابة جهد شاق وباهظ التكلفة.

في الوقت الذي تعمل فيه الحكومات الغربية على معالجة معضلة تبعيتها، لم تقف الحكومة الصينية مكتوفة الأيدي بل كانت تضخ الأموال لتأمين المواد الخام في جميع أنحاء العالم، بينما تمنع بحزم تسرب الكفاءات والتكنولوجيا الصينية في مجال الأتربة النادرة إلى الخارج. وفي أبريل/نيسان، أرسل قانون أمن سلاسل الإمداد الجديد في الصين رسالة قوية مفادها أن تعزيز الحوافز للتنويع بعيداً عن الأتربة النادرة الصينية سيكون على مسؤوليتكم الخاصة وإذا حاولت أي حكومة استخدام اللوائح أو الضرائب لإقصاء الموردين الصينيين، فعليها أن تتوقع رداً انتقامياً.

إن نقاط الاختناق لا تنشأ بمحض الصدفة فربما يتمتع اللاعب المهيمن بخبرة تزيد بسنوات عن غيره، أو بتكنولوجيا متفوقة، أو بشبكة أوسع من العملاء. وربما يستفيد من وفورات الحجم الكبيرة أو يعمل في قطاع يميل فيه الفائز (دون أي تلاعب) إلى السيطرة على السوق بأكملها. وأياً كان العامل الذي منح هذا اللاعب موقعه المهيمن، فلا يمكن إزالته بمجرد التمني. قد نأمل أن تثبت هيمنة السوق، بمجرد تحويلها إلى سلاح، أنها عابرة وزائلة بيد أن التجربة تشير إلى أن تآكلها قد يستغرق وقتاً طويلاً. وفي غضون ذلك، ستظل الحروب التجارية مستعرة.

وهنا يمكنك أن تفهم لماذا تجد مقولة “لا أحد يربح في حرب تجارية” هذا الصدى الواسع فهي صحيحة في جوهرها. فقيود التصدير أسلحة ثقيلة وخرقاء، ذات تأثيرات غير متوقعة يمكن أن تخرج عن السيطرة بسهولة. والعيش في عالم يسوده السلام التجاري، نتفق فيه جميعاً على مستوى أمثل من الاعتماد المتبادل، يبدو أمراً رائعاً وسيضمن في النهاية تحقيق المصلحة الفضلى للجميع.

لكن لسوء الحظ، ليس هذا هو العالم الذي نعيش فيه. وبالتالي، في عصر الصراعات الاقتصادية هذا، ستحتاج الحكومات إلى الاستعداد لمعركة “النفس الطويل” حيث سيقوم الآخرون بالتهديد والضرب وإحباط أي جهود لبناء الحماية. إن أخطر أنواع قيود التصدير هي تلك التي تُطبق بشكل متقطع، وعندما تُرفع تفلح في إقناع الضحايا بأن تجنبها مكلف للغاية. إن دافع الطرف الذي يشهر السلاح هو إقناع المستهدف بأن الوضع الراهن مكلف للغاية بحيث لا يمكن تغييره بينما تكمن معركة الضحية في جعل أولوية بناء دفاعاتها أمراً مقدماً، في الوقت الذي يصبح فيه هذا البناء أكثر صعوبة.

من السابق لأوانه معرفة أي من الولايات المتحدة أو الصين سينجح في تحييد الأسلحة الاقتصادية للطرف الآخر ولكن من الممكن القول منذ الآن إن “الرابحين” سيكونون هم من يستوعبون اللعبة بشكل أسرع. سيكونون هم أولئك الذين يبنون التحالفات والمخزونات الاستراتيجية، والذين يحددون مكامن قوتهم لشن هجوم مضاد، والذين يديرون تكاليف التنويع بعيداً عن أساليب المتنمرين. سيكونون هم اللاعبين الذين يلتزمون بجهد مستدام، وليس الطرف الذي يستسلم بمجرد أن تشتد الضغوط على الميزانية. وسيكونون هم من يدركون أنه في هذا العالم المخيف والمضطرب من الصراع الاقتصادي، فإن أقصى ما يمكننا نيله هو ببساطة: كفّ نزيف جراحنا.

المصدر: فاينانشال تايمز

الوسوم: إغلاق مضيق هرمز ، الأزمة بين الصين وأمريكا ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الحرب التجارية بين أمريكا والصين ، الرقائق الإلكترونية
الوسوم: الاقتصاد الصيني ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، السياسة الأمريكية ، النفوذ الصيني ، ترجمات
تحميل هذا المقال بصيغة PDF
شارك هذا المقال
فيسبوك تويتر واتساب واتساب التليجرام البريد الإلكتروني نسخ الرابط
سمية كينز
بواسطة سمية كينز
المقال السابق نون بوست حرب الممرات الضيقة: كيف يهدد صراع النفوذ شريان الحياة العالمي؟ 

نشر هذا التقرير ضمن ملف:

ترجمات

ترجمات

تقارير يترجمها "نون بوست" من الصحافة الدولية.

أحدث ما نشر في هذا الملف:

  • حرب الممرات الضيقة: كيف يهدد صراع النفوذ شريان الحياة العالمي؟ 
  • “لجنة التحريض” السرية.. كيف تستهدف إسرائيل المعلمين العرب؟
  • ما بعد حرب إيران.. الخليج يعيد صياغة معادلة الأمن الإقليمي
part of the design
نشرة نون بوست الأسبوعية

قد يعجبك ايضا

حرب الممرات الضيقة: كيف يهدد صراع النفوذ شريان الحياة العالمي؟ 

حرب الممرات الضيقة: كيف يهدد صراع النفوذ شريان الحياة العالمي؟ 

ريتشارد ميلن ريتشارد ميلن ٢٥ مايو ,٢٠٢٦
شراكات آسيوية وممرات بديلة.. استراتيجية أبوظبي للهروب من المظلة الخليجية

شراكات آسيوية وممرات بديلة.. استراتيجية أبوظبي للهروب من المظلة الخليجية

محمد مصطفى جامع محمد مصطفى جامع ٢٤ مايو ,٢٠٢٦
“لجنة التحريض” السرية.. كيف تستهدف إسرائيل المعلمين العرب؟

“لجنة التحريض” السرية.. كيف تستهدف إسرائيل المعلمين العرب؟

أور كاشتي أور كاشتي ٢٤ مايو ,٢٠٢٦
نون بوست

منصة إعلامية مستقلة، تأسست عام 2013، تنتمي لمدرسة الصحافة المتأنية، تنتج تقارير وتحليلات معمقة ومحتوى متعدد الوسائط لتقديم رؤية أعمق للأخبار، ويقوم عليها فريق شبابي متنوّع المشارب والخلفيات من دول عربية عدة.

  • سياسة
  • مجتمع
  • حقوق وحريات
  • آراء
  • تاريخ
  • رياضة
  • تعليم
  • تكنولوجيا
  • اقتصاد
  • صحافة
  • أدب وفن
  • ريادة أعمال
  • سياحة وسفر
  • سينما ودراما
  • طعام
  • صحة
  • ثقافة
  • أحدث التقارير
  • ملفات
  • مطولات
  • حوارات
  • بودكاست
  • تفاعلي
  • الموسوعة
  • بالصور
  • من نحن
  • كتّابنا
  • اكتب معنا
  • السياسة التحريرية
  • بحث متقدم
بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

تمت الإزالة من المفضلة

تراجع
Go to mobile version