في خطوة دراماتيكية لم يسبقها تمهيد إعلامي أو تلميح سياسي، أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة أن رئيس لجنة الطوارئ الحكومية، ورئيس اللجنة الحكومية بالإنابة، التي تتولى مسؤولية إدارة مفاصل العمل الحكومي في قطاع غزة بشقيه المدني والأمني، قد قدّم استقالته.
الاستقالة قُدِّمت تعبيرًا عن خطوة تهدف إلى فتح المجال أمام تسلُّم اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة -المشكَّلة وفقًا لخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب- مسؤولية العمل الحكومي وإدارة الشأن العام في القطاع، كجزء من ترتيب انتقالي متفق عليه دوليًا إلى حين إعادة ترتيب النظام السياسي الفلسطيني وتوحيد المؤسسات الحكومية ضمن السلطة الفلسطينية.
وبالرغم من أن التصريحات المقابلة لهذا الإعلان لم تأتِ مرحبةً بالشكل الذي تريده أو تطمح إليه حركة حماس، فإنها، من حيث المبدأ، نجحت في تحقيق الهدف الرئيسي من هذه الخطوة، والمتمثل في إعادة النقاش، علنًا وبجدية، حول ملف نقل مسؤولية العمل الحكومي، ومغادرة الوضع الحالي الذي لا يشكّل سوى مكسب للاحتلال الإسرائيلي ومادةً لنواياه التصعيدية القادمة.
لجنة التكنوقراط والمسار المتعرج
لم يكن الحديث عن لجنة التكنوقراط خيارًا لإدارة المرحلة الانتقالية بدعةً حلّت مع تدشين خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ذات النقاط العشرين، إذ يعود الحديث عن الفكرة وتركيبتها وتشكيلها إلى أكتوبر/تشرين الأول 2024، ضمن جولات من الحوار الفصائلي في العاصمة المصرية القاهرة، شهدت مشاركة مباشرة من المخابرات المصرية في البحث عن صيغة لإدارة قطاع غزة وإنهاء حكم حركة حماس فيه.
جاءت الفكرة بديلًا من مخرجات لقاء بكين للفصائل الفلسطينية، التي تضمنت الذهاب إلى حكومة وحدة وطنية فلسطينية، وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد استبقها بتشكيل حكومة “محمد مصطفى”، ما أدى إلى خلق حائط سياسي حال دون إعادة تشكيل حكومة فلسطينية خلال مدة زمنية محدودة.
وفي إطار محاولة إيجاد مقاربات لاختراق هذا الجدار، أُدخل مقترح تشكيل “لجنة الإسناد المجتمعي” لقطاع غزة، بوصفها تشكيلًا من شخصيات مهنية تكنوقراطية تتولى مسؤولية المرحلة الانتقالية في قطاع غزة، وتكون جزءًا من تركيبة النظام السياسي الفلسطيني الرسمي، ومن مؤسسات السلطة الفلسطينية.
إلا أن هذا الخيار لم ينجح في الوصول إلى توافق فلسطيني داخلي، بسبب الخلافات الفلسطينية حول المرجعية، وطريقة التشكيل، وحجم الصلاحيات الممنوحة لهذه اللجنة، ما أدخل هذا الملف، كغيره من الملفات الفلسطينية المرتبطة بالوحدة الوطنية وترتيبات المشهد الداخلي، إلى حيز التجميد.
وبعد عام كامل من هذا التفاعل الذي لم يُفضِ إلى نتائج، ومع استئناف حرب الإبادة بزخم أكبر وأقسى من السابق، على إثر انقلاب الاحتلال على اتفاق يناير/كانون الثاني 2025 لوقف إطلاق النار، الذي انهار رسميًا في 18 مارس/آذار 2025، عاد النقاش، في إطار تجهيز الخطة الأمريكية التي حملت اسم ترامب، حول البنود التي تتضمنها هذه الخطة بشأن شكل المرحلة الانتقالية وإدارة قطاع غزة، وعاد الحديث عن الصيغة ذاتها، لكن بأطر مختلفة ومرجعيات أخرى.
وبالرغم من كون “لجنة التكنوقراط” الواردة في خطة ترامب تُشكّل تعبيرًا عن خطر “التدويل” للإدارة في قطاع غزة، كون مرجعيتها الرسمية المجلس التنفيذي لمجلس السلام، ومبعوثه “السامي” نيكولاي ميلادينوف، فإن ترتيبات إخراج اللجنة وتشكيلها حرصت على أن تكون هناك موافقة فلسطينية، رسمية من الرئيس الفلسطيني، وفصائلية من القوى المختلفة، عبر اجتماع للوسطاء مع الفصائل الست المنخرطة في مفاوضات القاهرة، بما أمّن تحييدًا جزئيًا لهذا الخطر.
وبالرغم من هذا السياق، بقيت اللجنة، التي أُعلن رسميًا عن تشكيلها في منتصف يناير/كانون الثاني 2026، حبيسة القيود والمحددات التي وضعها مجلس السلام ومرجعيتها الرسمية، ميلادينوف، مما جعلها خارج أي انخراط حقيقي في أي شأن له علاقة بقطاع غزة، باستثناء مجموعة من الاجتماعات واللقاءات مع الوفود الدولية، والمشاركة في حشد التمويل مع مجلس السلام، دون أي دور أو تصريح بشأن ما يجري في القطاع من أوضاع إنسانية كارثية واعتداءات إسرائيلية مستمرة، ومع استمرار المماطلة في إدخالها إلى القطاع، الأمر الذي أفقدها كثيرًا من الزخم والثقة بكونها فاعلًا حقيقيًا يمكن أن يدير المرحلة الانتقالية في أكثر الفترات حساسية من عمر قطاع غزة.
View this post on Instagram
قرار حماس.. المُعلن إداري والجوهر سياسي
رسميًا، تمثّل ما جرى فيما تضمنه إعلان المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، في بيان له، من استقالة رئيس لجنة الطوارئ الحكومية، وحل اللجنة رسميًا، وذلك تمهيدًا لنقل المهام الإدارية وإدارة الحكم في القطاع إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة.
وأوضح البيان ذاته أن رئيس لجنة الطوارئ الحكومية ورئيس المتابعة الحكومية بالإنابة، محمد جواد الفرا، قدّم استقالته الرسمية من منصبه، في خطوة تهدف إلى إثبات الجدية، وتسهيل عملية الانتقال الإداري، وإنفاذ الاتفاقيات الوطنية.
وأكد الإعلام الحكومي إتمام جميع الترتيبات الإدارية والقانونية لعملية التسليم، مشيرًا إلى أن هذه الخطوات عُرضت بشفافية أمام الفصائل والقوى الفلسطينية، واللجنة العليا للعشائر، ومؤسسات المجتمع المدني، وبحضور مراقب ممثل عن الأمم المتحدة.
View this post on Instagram
إلا أن هذه الخطوة جاءت متممة لسلسلة من التحركات، التي أجرتها حركة حماس مع القوى الوطنية والإسلامية في قطاع غزة منذ أشهر، بهدف إنجاز الترتيبات الإدارية والحكومية لنقل ملفات الحكم إلى مسؤولية اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة “لجنة التكنوقراط”. وقد شملت هذه الخطوات تشكيل لجنة وطنية في القطاع من الفصائل الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني، مهمتها معالجة أي إشكاليات قد تعتري عملية الانتقال، كما أُنجزت جميع الملفات الإدارية المرتبطة بالشأن الحكومي، ووُضعت أمام الوسطاء وممثل مجلس السلام خلال مفاوضات القاهرة.
وجاء ذلك في ظل حالة الاستعصاء والجمود التي شهدها هذا الملف في الأشهر اللاحقة، وغياب لجنة التكنوقراط عن ممارسة أي ضغط حقيقي، في وقت باتت فيه ملامح ومحددات تحرك ميلادينوف تعطي إشارات إلى كونه طرفًا معطلًا لدخول اللجنة، انسجامًا مع المحددات الإسرائيلية.
ومضافًا إلى ما سبق، فإن الوضع الحالي الذي يمر به القطاع، حيث تبقى حركة حماس، بالمعنى العلني، هي الحاكم للقطاع، فيما يبقى الجسم الحكومي عرضة للاستهداف والقصف اليومي، بما يمنعه من ممارسة دور حكومي فعلي، ويتحول هذا العنوان إلى مادة لتصعيد العدوان والتحريض على القطاع من حكومة الاحتلال، جعل من تحريك هذا الملف أولوية رئيسية لدى الفصائل الفلسطينية، عبر خطوات فاقعة.
وبالتالي، فإن الإعلان الإداري الصادر عن المكتب الإعلامي الحكومي يحمل مضمونًا سياسيًا واضحًا وصريحًا؛ فغزة لم تدخل مرحلة الفراغ الإداري، لكن مشهدها الحكومي دخل مرحلة الفراغ السياسي، بقرار واضح وصريح من حركة حماس بأنها لم تعد تمثل مرجعية سياسية أو إدارية، ووفقًا لذلك حُلّت اللجنة التي كانت تتولى إدارة قناة الوصل بين قيادة الحركة والجسم الحكومي القائم في قطاع غزة.
أبعاد متعددة واستباق لمخاطر أعمق
الخطوة التي اتخذتها حركة حماس فيما يتعلق بالشأن الحكومي، استبقت جولة تفاوضية جديدة في العاصمة المصرية القاهرة، وبالتالي فإن توقيتها لا يمكن فصله عن جدول الأعمال التفاوضي، الذي تحددت أرضيته بخارطة الطريق التي قدمها نيكولاي ميلادينوف، باعتبارها المسار التنفيذي للانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
خارطة الطريق المذكورة تحتوي على الكثير من العناوين الخطيرة، والصياغات التي تضرب جوهريًا الحاجة الوطنية الفلسطينية للانتقال إلى مراحل متقدمة من الخطة الأمريكية المسنودة بقرار من مجلس الأمن، بهدف وقف الإبادة بشكل كامل وفعلي. إذ يركز ميلادينوف النقاش ويمحوره حول عنوان “نزع السلاح”، باعتباره البوابة لكل المعالجات.
وبناء عليه، فإن حركة حماس قد هدفت إلى إعادة صياغة جدول أعمال اللقاء التفاوضي، بحيث تعيد الاعتبار والأولوية للنقاش حول ملف إدارة قطاع غزة، والبدء بإجراءات تنفيذية لنقل المسؤوليات إلى اللجنة الوطنية لإدارة القطاع، وإيقاف حالة المماطلة المستمرة منذ أشهر في هذا الخصوص. وقد حرصت على أن تكون خطوتها علنية وواضحة جدًا ولا لبس فيها، لتجبر الجميع على العودة إلى هذا العنوان باعتباره أولوية رئيسية.
هذا الترتيب في الأولويات تم التقاطه جيدًا من الأطراف ذات العلاقة، إذ نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مسؤول إسرائيلي قوله إن حل حكومة حماس “تضليل إعلامي”، معتبرًا أن جميع مسؤولي الحركة ما زالوا في مواقعهم، وأن الإعلان لا يحمل أي معنى أو دلالة. وتبعه تصريح وزير الخارجية في حكومة الاحتلال جدعون ساعر، الذي اعتبر أن “مناورة حماس هدفها منع تجريدها من السلاح، من خلال إفساح المجال لحكومة التكنوقراط”، مؤكدًا أن تل أبيب تصر على تنفيذ خطة ترامب “حرفيًا، بتجريد حماس وقطاع غزة من السلاح”.
ويرى ساعر أن “حماس تهدف إلى أن تتولى لجنة التكنوقراط خدمات البلدية، بينما تبقى هي القوة العسكرية”، مضيفًا أن “بقاء سلاح حماس سيجعل الحكومة المدنية تتصرف وفق إملاءاتها لمواصلة الحرب ضد إسرائيل”.
أما مجلس السلام الخاص بغزة، فقال إنه أخذ علمًا بإعلان حل لجنة الطوارئ في القطاع، مؤكدًا أن تقييمه للتطورات يستند إلى الأفعال لا إلى الوعود، على حد تعبيره.
وشدد المجلس على أن المبدأ الجوهري في المرحلة المقبلة يقوم على وجود سلطة واحدة وسلاح واحد تحت سيطرة اللجنة الوطنية لإدارة غزة، مشيرًا إلى أن عملية نقل السلطة يجب أن تتيح للجنة ممارسة مهامها بشكل مستقل.
وقال ممثل المجلس ميلادينوف إن إعلان اليوم في غزة يؤكد أهمية إتمام مفاوضات خريطة الطريق بنجاح، مضيفًا أنه كلما جرى التوصل سريعًا إلى اتفاق بشأن بنود التنفيذ المتبقية، تمكنت لجنة إدارة غزة من الاضطلاع بمسؤولياتها على نحو أسرع.
وأوضح ميلادينوف أن الإسراع في التوصل إلى اتفاق من شأنه تسريع تفكيك الأسلحة، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وانطلاق عملية إعادة الإعمار في القطاع.
وتشير التصريحات إلى أن الهدف الرئيسي من خطوة حركة حماس قد تحقق، ولم يكن بالإمكان تجاوز هذه الخطوة، حتى وإن كان ذلك بصيغة هجومية على غرار الموقف الإسرائيلي، أو بمحاولة للالتفاف عليها على غرار مجلس السلام. إلا أن عودة النقاش تمثل إنجازًا فلسطينيًا ستحاول الفصائل نقله إلى طاولة المفاوضات.
لكن خلف كل ذلك يكمن خطر أكبر وأعمق، عملت حركة حماس والفصائل الفلسطينية على استباقه، ويتمثل بالدرجة الأساسية في المسعى الأمريكي للمضي قدمًا بخطة ترامب، بمعزل عن التفاهم مع القوى الفلسطينية، عبر الذهاب إلى تطبيق البند رقم (17) من خطة ترامب، الذي صيغ للتعامل مع حالات عدم الاتفاق مع حركة حماس أو عدم إيفائها بالتزاماتها في الاتفاق، والتي يراد حصرها الآن بعنوان السلاح.
View this post on Instagram
وينص البند المذكور على أن مجلس السلام سيبدأ بعمليات الإعمار والإغاثة في المناطق “الخالية” من المقاومة الفلسطينية، “التي يسلمها الجيش الإسرائيلي إلى قوة الاستقرار الدولية”، ما سيعني عمليًا تقسيم قطاع غزة إلى ثلاث مناطق: الأولى شرق الخط الأصفر، وتكون تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي، وهي مناطق عبّر بنيامين نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس علنًا عن عدم وجود نية أو توجه للانسحاب منها.
أما المنطقة الثانية، فستكون تحت سيطرة مجلس السلام، وفي ضوء رفض جهاز الشاباك الإسرائيلي أي عملية إعادة إعمار في المناطق الشرقية القريبة من الحدود، فإن المساحة المتاحة لمجلس السلام لمثل هذا الطرح ستتركز في مدينة رفح، ما سيعني العودة إلى سيناريو “المدينة الإنسانية” التي ستتحول إلى سجن كبير يمهد لتهجير أهالي القطاع.
فيما تبقى المنطقة الثالثة، وهي ما يقارب 25% من مساحة القطاع، ويكتظ فيها مئات آلاف النازحين في أوضاع كارثية، وستقدم باعتبارها مناطق سيطرة حركة حماس، التي قدّرت بوضوح أن هذا العنوان كان أحد العناوين المطروحة خلال مناقشات مجلس السلام التي جرت في قبرص مؤخرًا.
وهو ما يجعل من استباق مثل هذا السيناريو ضرورة ملحة للقوى الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة حماس، التي تدرك أن تحركات مجلس السلام الأخيرة، والنوايا الإسرائيلية العدوانية، باتت تلتقي عند نقطة واحدة مرتبطة بالإعلان عن كون الحركة غير ملتزمة باتفاق ترامب، ما يجعلها مطالبة بتقديم مقاربات تحريكية تحول دون ذلك، تمثلت حاليًا في الذهاب إلى خطوة الإعلان الحكومي وتأكيد أنها لا تسيطر على أي جزء من القطاع.
ووهي خطوة ستُتبع غالبًا بتحركات أوسع مع الوسطاء لتلافي انهيار الاتفاق، والوصول إلى مقاربات منطقية وواقعية لتمضية الأشهر الأربعة المتبقية من عمر الائتلاف الحكومي الإسرائيلي الحالي، التي سيعمل خلالها بنيامين نتنياهو بكل طاقته من أجل استئناف حرب الإبادة.