تصف الباحثة المتخصصة في الشؤون الإسرائيلية، هُنيدة غانم، المجتمع الإسرائيلي بأنه قوميّ صهيونيّ استعماريّ بالضرورة، ولا يمكن أن يكون غير ذلك. وتعتمد الباحثة في تصنيفها على البنية الجوهرية للدين اليهودي، القائمة على ثالوث لا يوجد في أي ديانة أخرى، هو: الشعب والإله والأرض، حيث تحضر الأرض كركن أساسي في الانتماء إلى الدين، وكطرف في عقدٍ لاهوتي.
ووفقًا لأقوالها، فإن اللغة الدينية تجعل “الأرض وعدًا إلهيًا” لتُسبغ على الفعل الاستيطاني الاستعماري الاحتلالي غطاءً شرعيًا، يجعله جزءًا من فعل حركة قومية، وتطبيقًا مُسيّسًا للدين اليهودي، يتلاشى فيه الشكل الأساسي للدين، لتغدو الصهيونية اليهودية هي الأساس لدى الجمهور، وفي الحكومة، وفي صفوف الجيش على حدّ سواء.
هناك، حيث يتعاظم حضور الدين خلال العقد الأخير، متجاوزًا حيّز الشعائر الدينية إلى التداخل مع بنية الوعي القتالي والعقيدة الميدانية، مختتمًا مسارًا تاريخيًا طويلًا من النزاع بين العلمانية والتدين، سبق إعلان “إسرائيل” دولةً على أرض فلسطين، وتطوّر خلال حروبها واتفاقيات التطبيع معها، حتى تموضع في تيارات صهيونية متدينة تتمدد اليوم داخل الوحدات القتالية المختلفة، ومؤسسات إعداد الضباط.
من هنا تأتي هذه المادة لتتبع انتقال التدين وفكر الحاخامية العسكرية من مجرد “خدمة دينية” إلى موجّه ومرشد لعقيدة الحرب ووعيها وخطابها وأهدافها، وصولًا إلى كهنوتٍ للحرب ومرجعيةٍ قتالية ودينية لها، لتغدو ذخيرة الحرب معمّدة بهذا الفكر قبل تصويبها على الفلسطينيين ومحيطهم العربي، مانحةً مسار الحرب مباركتها، ومسبغةً عليه “شرعية أخلاقية” و”طهارة سلاح” تتجاوز الانتهاكات الأخلاقية والإنسانية والقانونية، وتجعل من المحو والتطهير “حربًا مقدسة”.
الدين والأرض والجيش.. الجذور الأولى للصهيونية الدينية
بن غوريون والمتدينون.. الصفقة التي غيّرت جيش الاحتلال
في 24 فبراير/شباط 1921، اجتمعت مجموعة من الحاخامات في القدس تحت مظلة حكومة الانتداب البريطاني، لانتخاب المجلس الحاخامي لفلسطين، وإعلان كلٍّ من إبراهام إسحق كوك حاخامًا للأشكناز، ويعقوب مئير حاخامًا للسفارديم. ووفقًا لهذا الاجتماع، انتقلت سلطة الحاخامية من إسطنبول إلى فلسطين، لتغدو المرجعية الدينية الوحيدة للشرعية اليهودية.
وخلال السنوات الأولى من الحاخامية الكبرى، نشط كلٌّ من كوك ومئير في خدمة المشروع الصهيوني، رغم عدم رضاهما الكامل عنه نتيجة “تغييبه لقدسية الله واسمه العظيم”، فبينما توجّه كوك نحو أوروبا الغربية والولايات المتحدة لجمع التمويل للمدارس الدينية اليهودية في فلسطين، أسّس مركز “هاراف”، أول مدرسة دينية يهودية، ونواة الصهيونية الدينية، ومنظمة “غوش إيمونيم” الاستيطانية، وما تفرّع عنها من جماعات ومنظمات استيطانية أخرى.

في المقابل، نشط مئير في توجيه يهود أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى والدول العربية، مثل تونس والجزائر والمغرب، وتشجيعهم على الهجرة إلى فلسطين، كما أسّس أحياءً يهودية في قلب القدس، ومؤسسات لإحياء اللغة العبرية، وحافظ على علاقاته بالسلاطين العرب.
ورغم وفاة كوك ومئير قبيل اكتمال المشروع الصهيوني بقيام دولة “إسرائيل”، إلا أن نهجهما في معاداة هذا المشروع استمر عبر جماعتيهما وخلفائهما، إذ بقيت علاقة الحاخامية بالتنظيمات العسكرية الصهيونية، مثل “الهاجاناه” و”البلماخ”، باردة، نتيجة اعتماد هذه التنظيمات بصورة أساسية على البعد القومي العلماني، رغم وجود تقاطعات حول الهدف النهائي لكلٍّ منها؛ فما تُطلق عليه الحاخامية “الخلاص القومي”، تُعرّفه الصهيونية بأنه “مشروع قومي”.
التحول الأساسي جرى على يد دافيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لـ”إسرائيل”، الذي وجد نفسه مدفوعًا لإعادة هيكلة المجتمع وتوحيده، وخلق شرعية يهودية داخلية يكون الجيش عمودها الفقري، إلى جانب دمج المتدينين فيه. بدأت شرارة ذلك بعد وقتٍ قصير من الحرب، حين نشبت أزمة حكومية على خلفية رفض اثنين من المجندين المتدينين، كانا يعملان طباخين في الجيش، طهي الطعام يوم السبت، قبيل خروج وحدتهما لخوض إحدى المعارك. وعلى إثر ذلك، قُدّم المجندان إلى محاكمة عسكرية، وصدر قرار بحبسهما، ما دفع وزير الأديان حينها، الحاخام ميمون، إلى تقديم استقالته من الحكومة الإسرائيلية المؤقتة.
وعلى إثر ذلك، أُقيمت لجنة وزارية لشؤون الجندي المتدين، وقدّم الوزراء المتدينون وأعضاء الحاخامية الرئيسية توصية دعت إلى جمع الجنود المتدينين الذين خدموا في أذرع جيش الاحتلال الإسرائيلي المختلفة ضمن وحدات متدينة منفصلة، تفاديًا لوضعهم أمام اختبارات ومواقف صعبة، استنادًا إلى أن جيش الاحتلال الإسرائيلي كان في غالبيته علمانيًا.
شلومو غورين وصعود “الحاخام المحارب”
لكن الاقتراح واجه معارضة شديدة من جانب الحاخام شلومو غورين، الذي لم يرغب في خلق “غيتو” للجنود المتدينين داخل الجيش، واعتقد أن مثل هذا الوضع سيؤدي إلى التنازل عن سنّ قوانين دينية. وقد أيده بن غوريون، الذي كانت بوصلته تتجه نحو توحيد الجيش والجمهور، ما مهّد الطريق للتشريعات الدينية، ليصدر لاحقًا أمرًا بتوحيد جميع المليشيات الصهيونية المسلحة تحت راية “جيش الدفاع الإسرائيلي”.
ثم عمد إلى تسوية سياسية واستراتيجية عُرفت باسم “اتفاق الوضع الراهن”، هدفت إلى دمج اليهود المتدينين، الذين كانت غالبيتهم من الدول العربية وأوروبا الشرقية، في الدولة والجيش، ومنحتهم صلاحيات تتعلق بالقضاء والأحوال الشخصية وتنظيم الشعائر والجنائز ومنح أختام الطعام الحلال، كما جعلت من احترام السبت فقهًا معتمدًا في المؤسسة الرسمية، وأعفت طلبة المدارس الدينية من التجنيد، مقدّمةً لهذه المدارس معونات ودعمًا حكوميًا مرتفعًا.

وهكذا وُلدت “الحاخامية العسكرية” كأحد الأسلحة الرسمية الإسرائيلية، بمهمة ظاهرية تتمثل في توفير الخدمات الدينية للجنود اليهود، وضمان الطعام الحلال، وإقامة الصلوات، والإشراف على دفن القتلى وفق الشعائر اليهودية، وتنظيم الاحتفالات الدينية في الثكنات. أما مهمتها الأخرى، فتمثلت في ربط الخدمة العسكرية بالواجب القومي، وتجاوز ميراث “كوك ومئير” وموقفهما من المشروع الصهيوني، وفكرة انتظار المسيح المخلّص قبل قيام الدولة.
وما إن أصبحت الحاخامية العسكرية وحدة ثابتة داخل الجيش، حتى أُزيلت عقبة أساسية أمام توحيد المنظمات والمليشيات العسكرية الصهيونية في جيش واحد، تنشط فيه العلمانية إلى جانب الدينية لتعزيز التوسع والاستيطان. لكنها، في الواقع، لم تكن المرة الأولى التي يختبر فيها الجنود اليهود وجود حاخامية عسكرية أو خدمات دينية مؤسساتية.
إذ بدأ ذلك منذ الفيلق اليهودي في الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى، وهو أول وحدة عسكرية يهودية تُنظَّم بعد أكثر من 1800 عام على سقوط مملكة يهوذا، ثم اللواء اليهودي في الحرب العالمية الثانية، اللذين حظيا بحاخامية عسكرية لتوفير الخدمات الدينية والدعم للجنود اليهود الذين خدموا في الوحدات العسكرية.
وهكذا، واستنادًا إلى الوصف التوراتي للكهنة الذين يُقوّون الشعب في زمن الحرب، عُهد بالحاخامية العسكرية الأولى في جيش الاحتلال الإسرائيلي النظامي إلى شلومو غورين، اليهودي البولندي الذي هاجر إلى فلسطين في وقت مبكر، ورُسِّم في الحاخامية التلمودية في سن السابعة عشرة من عمره، إثر نشره كتابه “القرابين الطقسية في الهيكل السابق”، قبل أن يغيّر اسمه من “غورونتشيك” إلى “شلومو غورين”.
اللافت أن شلومو غورين كان حينها جنديًا مقاتلًا في “الهاجاناه”، قبل أن يجتاز تدريبات القوات المظلية خلال حرب 1948، ما جعله نموذجًا للخليط المطلوب من الشغف العسكري والهوية الدينية، وهو الفكر الذي سعى إلى ترسيخه في بنية جيش الاحتلال الإسرائيلي طوال فترة خدمته.
ووفقًا لدراسة معنونة بـ”الحاخام العسكري في جيش الدفاع الإسرائيلي: بين “كاهن مُختار للحرب” و”مُقدّم خدمات دينية””، للباحث أهارون (روني) كامبينسكي، فإن غورين لم يكتفِ بالمهام التقليدية للحاخام العسكري، بل سعى إلى منح دوره بُعدًا روحيًا ونفسيًا أعمق، عبر إصدار “أحكام هلاخية (دينية)”، وممارسة تأثير روحي من خلال شخصيته الأخلاقية، وولائه لكل جندي، وحكمته، وقدرته على تعزيز معنويات من يذهبون إلى المعركة، ومواساة الجرحى.
كما وضع أسس ممارسة الحاخامية العسكرية، بدءًا من التزام ضباطها بارتداء الزي العسكري، وأداء الخدمة العسكرية، والإلمام بمتطلبات وحداتهم وأساسيات العمل فيها، إلى جانب إصدار الأحكام الشرعية، وحل المسائل التي تنشأ نتيجة التعارض بين العلمانية والدينية، وتعزيز الروح المعنوية للمجندين.
كيف تمدد نفوذ الحاخامات داخل الجيش؟
القدس والهيكل.. اللحظة التي تديّن فيها الجيش أكثر
رغم الحروب المختلفة التي خاضتها “إسرائيل” في تلك الفترة، حافظت الحاخامية العسكرية على أدوار خدمية وأيديولوجية عامة، مثل تأمين طعام “الكوشر” لجميع الجنود، وضمان ممارسة الجنود المتدينين لشعائرهم، وتوزيع الكتب الدينية، وإلقاء المحاضرات على الجنود، قبل أن تأتي اللحظة الفارقة في تاريخ الصهيونية الدينية عامة، والحاخامية العسكرية خاصة، مع احتلال الضفة الغربية والقدس عام 1967.
تكمن أهمية هذه اللحظة في العمق التاريخي لهذه المناطق داخل الفكر الصهيوني، وارتباطها بمملكتي يهودا والسامرة، وبناء الهيكل في الحرم القدسي وتهويده. أما التعبير الأبرز عنها، فتمثل في ظهور شلومو غورين بزيه العسكري، بعد ترقيته إلى رتبة جنرال، حاملًا لفائف التوراة وبوقه التلمودي في صحن قبة الصخرة المشرفة، مؤديًا أول صلاة يهودية في المكان.

وعلى غرار صورة موشيه ديان لحظة اقتحامه الحرم المقدسي، شكّلت صورة غورين، باعتباره “الحاخام المحارب”، رمزية دينية وطنية في الوعي الجماعي الإسرائيلي، خاصة بعد أن بثّ خطابًا مسجلًا عبر الإذاعة العسكرية دعا فيه إلى إقامة الهيكل الثالث على قمة جبل الزيتون في القدس، وقال: “بالتأكيد كان يجب علينا تفجير قبة الصخرة ومسجد الأقصى، إنها مأساة أننا لم نفعل ذلك”. ثم أدى أول جلسة صلاة يهودية عند حائط البراق منذ عام 1948، محاطًا بالجنود الإسرائيليين.
كما قاد مجموعات يهودية للصلاة في الحرم القدسي متحديًا الحراس المسلمين، ثم أصدر فتوى مخالفة لموقف “الأغودات”، تنص على إلزامية صلاة اليهود داخل الحرم القدسي، وتحديدًا في منطقة الصخرة المشرفة، التي وصفها بأنها “قدس الأقداس”، قائلًا: “اليهود لم يُسمح لهم فقط، بل يُؤمرون بالصعود والصلاة على الجبل، فهو أقدس موقع في اليهودية”.
تقاعد غورين عام 1971 من منصب الحاخام العسكري الرئيسي للجيش الإسرائيلي، ليُعيَّن حاخامًا رئيسيًا لتل أبيب–يافا، ثم يصبح لاحقًا الحاخام الأكبر الأشكنازي لـ”إسرائيل” بين عامي 1973 و1983، قبل وفاته عام 1994. وهكذا انتهت الحقبة الأولى من الحاخامية العسكرية بصورة غورين محاطًا بالجنود، ينفخ في بوقه أمام حائط البراق، أو حاملًا لفائف التوراة في صحن قبة الصخرة المشرفة، وهي صورة أضحت، حتى اليوم، جزءًا من مهمة الحاخامية العسكرية وعلاقتها بالمجتمع الإسرائيلي.
لا يقتصر ذلك على صورة شلومو غورين فقط، بل يمتد إلى مواقفه التي ظلت مؤثرة في المسار الديني والعسكري الإسرائيلي، بدءًا من تهويده للحرم المقدسي، وضمّ حائط البراق إلى السيطرة الدينية اليهودية، وهدم حارة المغاربة المتاخمة له، وإطلاق سلسلة حفريات تحت المسجد الأقصى عام 1983، ورفضه أي علاقات بين الفاتيكان و”إسرائيل”، ومعارضته تفكيك المستوطنات باعتبارها جزءًا من “أرض إسرائيل التوراتية”، ودعوته إلى قتل ياسر عرفات، وانتهاءً بسلسلة صلواته “دعاء من أجل سلامة جنود جيش الدفاع قبل ذهابهم إلى المعركة”، التي احتلت مقدمة كتاب الصلاة الرسمي للحاخامية العسكرية حتى اليوم.

بعد عام 1971، افتُتحت أولى دورات الحاخامات العسكريين نتيجة قلة عددهم، إذ توزّع الحاخامات الآخرون في عهد غورين على هيئة الأركان العامة، والقيادات الإقليمية، وفيالق الجيش الكبرى، بينما انتشر المسؤولون عن الشؤون الدينية في الوحدات الأدنى.
وبعد تقاعد غورين من منصبه حاخامًا عسكريًا أكبر، تولى المنصب مردخاي بيرون بين عامي 1971 و1977، ثم جاد نافون حتى عام 2000. وفي تلك الحقبة، كان الحاخام يترك منصبه نتيجة الوفاة أو التقاعد فقط، وكانت سلطته تبدأ من الدعم الروحي، لتتمدد إلى الدعم النفسي والتواصل مع جميع الجنود، وتجديد تقاليد الشتات اليهودي، ما جعله أشبه بـ”إشارة مرور في منتصف طريق الجندي”.
وفي عام 2000، أنهى الحاخام العام جاد نافون فترة ولاية امتدت 23 عامًا، قبل أن يتولى يسرائيل فايس منصبه، لينطلق من خلاله في تغيير شكل جيش الاحتلال الإسرائيلي، تزامنًا مع خطاب جديد في العلاقة بين الدين والعلمانية. وفي الواقع، كانت هذه هي اللحظة التي أغفلها دافيد بن غوريون في اتفاقه مع المتدينين، إذ ظن أن علمانية المجتمع، وديمقراطية المهاجرين اليهود من الدول الغربية، ستبتلع الجانب الديني، قبل أن يقتنصها الحاخام الخامس أفيخاي رونتسكي، الذي منح الحروب الإسرائيلية شرعيتها التلمودية.
“معركة ضد العماليق”.. التوراة كخطاب حرب
أفيخاي رونتسكي والانعطافة الكبرى
في مطلع عام 2006، عُيّن أفيخاي رونتسكي حاخامًا عسكريًا أكبر، في لحظة بالغة الحساسية ضمن الصراع بين الصهيونية الدينية والعلمانية السياسية. إذ جاء تعيينه بعد عام واحد من إخلاء مستوطنات قطاع غزة ضمن خطة “فك الارتباط”، وهو ما أثار الحركات الاستيطانية الدينية، ودفعها إلى التصعيد ورفض الانخراط في الأنشطة الحكومية والعسكرية المرتبطة بالإخلاء ونقل المستوطنين.
وجاء رونتسكي في تلك اللحظة التي سبقت حرب لبنان عام 2006، والحروب الإسرائيلية على قطاع غزة، وتراجع عملية السلام مع الفلسطينيين، ما منح خطابه رنينًا خاصًا في آذان قادة الصهيونية الدينية، خاصة أنه مؤسس ورئيس منظمة “يشيفات إيتمار” الاستيطانية في مستوطنة إيتمار بالضفة الغربية، ويحمل رؤية تعتبر جيش الاحتلال الإسرائيلي أداة ذات وظيفة دينية وتوراتية، لا مجرد مؤسسة أمنية. كما أن خلفيته العائلية العلمانية، وصلاته بمركزي “هاراف” و”معهد مائير” الدينيين، منحته قدرة أكبر على المراوحة بين التيارين.
بدأ ذلك خلال حرب لبنان، حين اجتمع رونتسكي مع الحاخام في الجيش الأمريكي يعقوب تسفي غولدشتاين، بهدف تعزيز دور الحاخام في كلا الجيشين، عبر انغماس أكبر للصلوات والدعوات داخل الحروب، وصولًا إلى المشاركة في الفعل القتالي المباشر، ومباركة آثاره وانتهاكاته بوصفها نصرًا “تلموديًا” مستحقًا.
وترافق ذلك مع إصداره معايير جديدة لمهمة الحاخام العسكري، من بينها الخبرة القتالية والانخراط المباشر في الأنشطة العسكرية، مثل الدوريات والتدريبات، إلى جانب إعادة هيكلة قيادة الحاخامية العسكرية وتحويلها إلى بنية تنظيمية يكون على رأس كل فيلق فيها “رئيس مقر”. كما جعل التفوق العسكري أساسًا للترقية، لا المرجعية الدينية وحدها، وحدد مدة الخدمة بثلاث سنوات، والسقف العمري للحاخام العسكري بـ45 عامًا، ليظل قادرًا على التأثير في الجنود الشباب.
ووصل الأمر إلى حدّ إجباره إذاعة الجيش على التوقف عن البث يوم السبت، وفرض أوامر امتثال معيارية على مختلف الوحدات باعتبار السبت يومًا مقدسًا، وصولًا إلى الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة (2008-2009)، إذ تنقل الصحافة الإسرائيلية وجود الحاخام أفيخاي رونتسكي على حدود القطاع، موزعًا الكتيبات على الجنود، ومحذرًا إياهم من “إظهار الرحمة للأعداء القساة”، واصفًا ما يقومون به بأنه “معركة ضد العماليق”، ومواجهة دينية بين “شعب إسرائيل” و”الأغيار”.
أثار هذا الخطاب الديني جدلًا داخل صفوف الجيش، الذي طالما اعتُبر مؤسسة علمانية، إذ اتهمه بعض الضباط والنخب العلمانية بالسعي إلى “تديين الجيش خلسة”، وتحويله من جيش قومي إلى جيش ذي نزعة ميسيانية دينية. فيما التقطت الصحافة هذا المشهد باعتباره تتويجًا لمسار متواصل من التحول التدريجي للجيش، من مؤسسة عسكرية علمانية إلى كيان “ثيوقراطي” يرتكز على النصوص التوراتية والمرجعية الدينية في تشكيل سلوك الجنود على الأرض، ووعيهم بأدوارهم القتالية.
وامتد أثر رونتسكي إلى الباحثين الإسرائيليين، الذين رأوا في ممارساته تعميقًا للاستقطاب بين المتدينين والعلمانيين، واستيلاءً على وظائف كانت تؤديها تقليديًا شعبة التعليم في الجيش، لا الحاخامية العسكرية، خاصة أن وحدته استطاعت توزيع أكثر من 10 آلاف ملف MP3 لمحاضرات دينية، كما تواجدت قوة مشتركة من الحاخامات في الميدان، موزعةً كتيبًا بعنوان “الوعي اليهودي يؤكد على الرصاص المصبوب”.
وبالنسبة إلى يغال ليفي، فإن “الاعتماد المتزايد على الجنود المتدينين في الوحدات القتالية كان مفيدًا، خاصة في قطاع غزة، إذ إنهم يتعاملون مع الفقدان بصورة أفضل، استنادًا إلى خطاب العائلات الدينية في الجنازات، ويقبلون خسارتهم، ولا يشككون في تبرير العملية العسكرية التي أدت إلى وفاة أحبائهم”. وبالنسبة له، فإن التبريرات اللاهوتية للحرب أكثر فاعلية من التبريرات المنطقية، لكن هذه الفائدة قد لا تمتد إلى مناطق أخرى، مثل مستوطنات الخليل.
وتعاظم هذا التأثير بأشكال أخرى، إذ بدأ الصدام بين شعبة التعليم في الجيش والحاخامية العسكرية، نتيجة تدخل الحاخامات وتقديمهم محاضرات غير مصرّح بها، ثم أقدمت منظمات حقوقية على رفع دعاوى تطالب بإقالة أفيخاي رونتسكي، لكنه استمر في منصبه بدعم من اليمين الديني حتى نهاية عام 2010، حين أعلن إيهود باراك أن خدمته لن تُمدَّد بعد ذلك.
ورغم استقالة رونتسكي، إلا أن استراتيجيته نجحت في تعزيز الحاخامية العسكرية خلال مدة وجيزة، لأنه لم يتعامل معها باعتبارها مؤسسة دينية فقط، بل حوّلها إلى مؤسسة تعبئة أيديولوجية وروحية، تمتد من الإشراف على الطعام والجنائز إلى بناء الروح القتالية، وتقديم القتال باعتباره رسالة قومية دينية.
المستوطنات تدخل الثكنات.. صعود المتدينين داخل الجيش
كما ارتبط ذلك بطبيعة الخلفية الدينية والحزبية والاجتماعية التي جاء منها، واستفاد من تحوّلاتها، إثر الصعود الكبير لتيار الصهيونية الدينية داخل الوحدات القتالية، وازدياد انخراط خريجي المدارس الدينية في الجيش، مقابل تراجع هيمنة النخب العلمانية الأشكنازية التقليدية، ما حوّل بؤرة التأثير داخل الجيش إلى المدارس الدينية القومية والمستوطنات ومنظماتها في الضفة الغربية.
واقترن ذلك بخطابه الذي نقل الحاخامية من الحياد الديني إلى الانغماس القومي الاستيطاني، جاعلًا من كل مواجهة مع الفلسطينيين معركة وجودية ذات بُعد توراتي. وكان هذا الحشد مفيدًا للعلمانيين، خاصة أن المتدينين احتشدوا في وحدات المشاة والمظليين، كما كان مفيدًا للمتدينين الذين وجدوا رابطًا مباشرًا بين الحرب والاستيطان.
وهكذا، عندما غادر رونتسكي منصبه، كانت البنية الحاخامية العسكرية التي أسسها قد أصبحت متجذرة، عبر ازدياد عدد الضباط المتدينين، وتوسع المدارس الدينية العسكرية، وتعاظم حضور الحاخامات في قلب المعارك ووعي الجنود. أما التغييرات، فقد شملت ارتفاعًا ملحوظًا في أعداد الجنود المتدينين، والقادة الدينيين داخل الوحدات الميدانية، وتغيرًا في خلفياتهم الدينية، إذ بات كثير منهم يحمل شهادات دراسة دينية من المعاهد التوراتية. كما ازدادت نسبة التحاق النساء المتدينات بالجيش، لترتفع خلال خمسة أعوام من 935 إلى 2159 مجندة عام 2015.
ولمحاصرة هذه المتغيرات، لجأت الحكومة إلى اختيار حاخامات أقل اتصالًا بالمنظمات الاستيطانية في الضفة الغربية، مثل رافي بيريتس، الذي بقي في منصبه حتى نهاية عام 2016، ثم إيال كريم، الذي استمر حتى عام 2021، رغم الجدل الذي أثارته فتاواه، ومنها تبريره اغتصاب نساء العدو في زمن الحرب، ووصفه الفلسطينيين بأنهم “حيوانات”، إضافة إلى مواقفه من خدمة النساء والاختلاط، وما أثارته من تردد واعتراض داخل الأوساط العلمانية.
ورغم ذلك، ظلت بنية رونتسكي واستراتيجيته في خلق احتكاك بين المتدينين والعلمانيين، وترسيخ فكرة “الكاهن المختار للحرب”، حاضرة حتى اليوم.
ومن المهم هنا الإشارة إلى أن المتدينين، أو الحريديم، ليسوا تيارًا واحدًا، بل تيارات متعددة، لكن أبرزها انخراطًا في الميدان والسياسة هو تيار الصهيونية الدينية، الذي وجد في هذا الانخراط قدرة على توسيع الاستيطان، وتغيير طبيعة الجيش والدولة، في مفارقة مع تيارات حريدية أخرى ترفض التجنيد، وترى أن دراسة التوراة مقدّمة على الخدمة العسكرية.
إذ تؤمن الصهيونية الدينية “بوجود وصية إلهية تُلزم الرجال بالخدمة في جيش الدفاع الإسرائيلي”، على عكس الحريديم أو الأرثوذكس المتشددين، رغم أن الطرفين يلتزمان بالنصوص القانونية اليهودية نفسها، ويستشهدان بعلماء التلمود أنفسهم ويقدسانهم، ويشتركان في البنية اللاهوتية ذاتها فيما يتعلق بالخلق والتاريخ وسلطة “الهالاخا”، أو الشريعة اليهودية، سواء على المستوى النظري أو العملي.
الحرب كعبادة.. كيف انعكس الخطاب الديني على الميدان؟
السابع من أكتوبر.. لحظة انفجار الحاخامية العسكرية
مع اندلاع عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تقدّم قرابة 3 آلاف يهودي حريدي للتطوع في صفوف وحدات جيش الاحتلال الإسرائيلي، معظمهم ينتمون إلى المدارس الدينية الأرثوذكسية المتشددة المرتبطة بحزبي “شاس” و”يهدوت هتوراه”. وكانت تلك اللحظة تتويجًا لمساعي أفيخاي رونتسكي، التي أتاحت بيئة عسكرية مناسبة ومشجعة للحريديم على الانخراط في الجيش، وفي الوقت نفسه شكّلت لحظة تقارب بين الصهيونية الدينية والحريديم المتشددين.
لكن لحظة التقارب ظهرت في مراحل سابقة، أبرزها نشر الحاخامين يتسحاق شابيرا ويوسف إليتسور عام 2009 كتاب “توراة الملك: توضيحات هلاخية في مسائل المملكة والحروب”، الذي ضم عنوانًا فرعيًا حول “العلاقات بين اليهود وغير اليهود في مسائل الحياة والموت”، وطرح تصورًا يمنح حياة اليهودي أولوية على “حياة الأممي”، بما يتيح، وفق منطقه، قتل كل من يشكل خطرًا على حياة اليهودي حتى إن لم يكن مذنبًا بصورة مباشرة.
ويمتد ذلك إلى تبرير ضرب أهداف معادية حتى لو أدى ذلك إلى الإضرار بالمدنيين، إذ يورد الكتاب مثالًا على “قصف أهداف عسكرية لجيش العدو، حتى لو كان الناس يعيشون بالقرب من هذه الأهداف وقد يتضررون”، لكن ما منح الكتاب أهمية أكبر، هو تأييد ثلاثة حاخامات من المرجعيات الحريدية المتشددة له، وهم يعقوب يوسف، ابن الحاخام الأكبر السابق عوفاديا يوسف، ودوف ليئور، حاخام مستوطنة “كريات أربع”، إضافة إلى يتسحاق غينسبورغ.
وأثار هذا الإجماع غضب الأوساط العلمانية داخل الدولة، التي اعتبرته مدخلًا لتعميق الانتقادات الدولية لـ”إسرائيل”، وانقلابًا على “مبدأ طهارة السلاح” الذي تبناه الجيش عام 1992، وينص على أن الجندي لا يستخدم سلاحه وقوته لإلحاق الضرر بالبشر غير المقاتلين أو بالأسرى، إلا في حالات الدفاع عن النفس، وهو المبدأ الذي تستند إليه “إسرائيل” في وصف جيشها بأنه “الأكثر أخلاقية في العالم”.