في أول خطوة عملية ضمن مسار حصر السلاح بيد الدولة، أعلن زعيم التيار الصدري بالعراق مقتدى الصدر في 27 مايو/أيار 2026 فصل “سرايا السلام” عن تياره وإلحاق مقاتليها بالمؤسسات الرسمية، في محاولة لتقديم نموذج قابل للاختبار أمام بقية الميليشيات المسلحة بالبلاد.
رحب رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي بالخطوة، ووصفها بأنها “موقف وطني مسؤول” يعزز سيادة القانون، داعيًا بقية الفصائل إلى العمل تحت مظلة الدولة وترك السلاح بيدها.
لكن هذا الإعلان لا يحسم وحده ملف السلاح في العراق، حيث تتداخل فصائل منضوية قانونيًا في الحشد الشعبي مع تشكيلات مرتبطة بأحزاب سياسية أو بخط “المقاومة”، ووحدات عشائرية ومحلية.
لذلك، لا يتعلق السؤال بـ”سرايا السلام” وحدها، بل بما إذا كان قرار الصدر يمكن أن يفتح مسارًا حقيقيًا لحصر السلاح بيد الدولة، أم أنه سيبقى خطوة منفردة تكشف صعوبة تفكيك الميليشيات المسلحة.
خريطة المليشيات.. من يحمل السلاح وبأي صفة؟
تتوزع الميليشيات العراقية بين تشكيلات معترف بها داخل هيئة الحشد الشعبي الشيعية، وأخرى تستخدم واجهات “مقاومة” أو تحتفظ بقرار ميداني مستقل رغم الغطاء الرسمي، لذا فإن تصنيف “داخل الحشد” لا يعني بالضرورة خضوعًا كاملًا لقرار الحكومة، فبعض الألوية ترتبط عمليًا بمكاتب حزبية أو قيادات دينية وسياسية، فيما تتلقى معظمها الدعم من إيران. وفيما يلي أبرزها:
1- سرايا السلام
فصيل صدري أعيد تشكيله عام 2014 لحماية المقدسات الشيعية، وينتشر خصوصًا في سامراء والنجف وبغداد، وله ألوية ضمن هيئة الحشد الشعبي، أبرزها 313 و314 و315.
كان الفصيل جزءًا من الحشد، لكنه ظل مرتبطًا سياسيًا وتنظيميًا بمكتب مقتدى الصدر، قبل أن يعلن الأخير فصله عن التيار وإلحاق عناصره بالدولة، مع تحويل أجنحته المدنية إلى مشروع اجتماعي بلا مقرات أو سلاح.
يقوم موقف الصدر على تسليم السلاح والانفصال عن التوجيهات الحزبية، لكن التفاصيل العملية بشأن مصير الألوية وسلاحها المتوسط والثقيل ما زالت غامضة.
2- منظمة بدر
حركة شيعية قديمة بقيادة هادي العامري، تمتلك نفوذًا واسعًا في ديالى وبابل وشمال بغداد، ولها جناح سياسي ضمن تحالف الفتح، وتمتلك ألوية داخل الحشد الشعبي ونفوذًا سياسيًا وأمنيًا واسعًا داخل مؤسسات الدولة.
تؤيد الحركة مبدأ حصر السلاح بيد الدولة بصيغة “قرار عراقي” دون أي تدخل أجنبي، مع ربط بعض قادتها هذا الملف بانسحاب قوات التحالف الدولي.
وقد ورد اسمها ضمن الفصائل التي تبدي مرونة تجاه تسليم السلاح، لكن موقفها العملي يبقى مشروطًا.
3- عصائب أهل الحق
فصيل يقوده قيس الخزعلي، انفصل عن التيار الصدري عام 2006، وينتشر في بغداد والفرات الأوسط، وله جناح سياسي يسمى حركة “صادقون”. ويضم الفصيل لواء 41 ضمن الحشد الشعبي، ويشارك سياسيًا وانتخابيًا.
تؤكد قيادته أنها تؤمن بحصر السلاح لأنها تعد نفسها جزءًا من الدولة، لكنها ترفض حل الحشد وتصر على بقائه مؤسسة دائمة، لذلك يبدو موقفها أقرب إلى تنظيم العلاقة مع الدولة لا تفكيك البنية الفصائلية بالكامل.
4- كتائب حزب الله
فصيل مسلح يحمل أيديولوجيا “المقاومة”، يتمركز في بغداد وجنوب العراق، وله شبكات عسكرية واقتصادية وسياسية. يرتبط بألوية داخل الحشد الشعبي منها اللواءين 45 و46، لكنه يحتفظ ببنية فصائلية مستقلة، وتصنفه الولايات المتحدة “تنظيمًا إرهابيًا”.
يرفض الفصيل تسليم ما يطلق عليه “سلاح المقاومة” ويربطه بانسحاب القوات الأجنبية، ويرى في السلاح جزءًا من معادلة الردع والمواجهة، لذلك يعد من أبرز الفصائل الرافضة للاندماج وفق الصيغة الحكومية.
5- حركة النجباء
فصيل شيعي يقوده أكرم الكعبي، له حضور في بغداد والجنوب، ويعد من أبرز ما يطلق عليها “قوى المقاومة” داخل العراق. كما أن لديه تشكيل ضمن الحشد الشعبي، لكنه يحتفظ بخطاب وتنظيم مرتبطين بما يسمى “محور المقاومة”.
ترفض الحركة طرح نزع “سلاح المقاومة”، وتميز بين “السلاح المنفلت” الذي تقول الحكومة إنها تستهدفه، وبين سلاح الفصائل التي تعتبر نفسها جزءًا من مواجهة الوجود الأمريكي و”إسرائيل”.
6- كتائب سيد الشهداء
فصيل شيعي مسلح يتمركز في بغداد وغرب العراق، ويرتبط بخط “المقاومة”، ولديه تشكيلات ضمن الحشد الشعبي وحضور سياسي محدود.
تحدثت بعض التقارير عن مرونة لدى الفصيل أو قياداته تجاه تنظيم العلاقة مع الدولة، لكن الخطاب العام يميز بين السلاح المنفلت و”سلاح المقاومة”، ما يجعل موقفه مشروطًا وغير محسوم بالكامل.
7- كتائب الإمام علي
فصيل شيعي يقوده شبل الزيدي، ويعمل في بغداد والجنوب، وله تشكيلات ضمن الحشد الشعبي وروابط سياسية وفصائلية.
ورد اسمه ضمن الفصائل التي قد تبدي استعدادًا للتعامل مع ملف حصر السلاح، لكنه لم يقدم حتى الآن نموذجًا واضحًا لدمج مؤسسي كامل أو تخلي نهائي عن الهوية الفصائلية.
8- سرايا الخراساني
فصيل تأسس عام 2013، وينشط خصوصًا في ديالى وصلاح الدين، ويصنف ضمن الميليشيات القريبة مما يسمى “محور المقاومة”.
يضم الفصيل لواء 18 ضمن الحشد الشعبي، فيما لا تتوافر مواقف حديثة موثقة وواضحة بشأن إمكانية اندماجه من عدمه.
9- ألوية العتبات
تشمل “لواء علي الأكبر” و”فرقة العباس القتالية” و”لواء أنصار المرجعية”، وترتبط بالعتبات الدينية الشيعية في النجف وكربلاء.
وهي ألوية رسمية ضمن الحشد الشعبي، لكنها تتميز بعلاقة أقرب إلى خط مرجعية النجف والعتبات مقارنة بالفصائل الولائية.
تميل هذه الألوية عمومًا إلى الانضباط المؤسسي والعمل ضمن توجيهات العتبات والدولة، لكنها ليست طرفًا رئيسيًا في معادلة “سلاح المقاومة” بالمعنى نفسه.
10- الحشد العشائري
يتكون من وحدات محلية، خصوصًا في الأنبار ونينوى وصلاح الدين، تشكلت لمواجهة تنظيم “داعش” وحماية مناطقها.
تعمل هذه الوحدات بترتيبات أمنية متفاوتة مع الدولة وضمن أطر محلية أو رسمية، لكنها لا تدخل في معادلة الميليشيات الولائية بالمعنى نفسه.
وغالبًا ما تركز مطالبها على التمويل والرواتب والدمج في الأجهزة النظامية، ولا يوجد موقف موحد لها من ملف الميليشيات الشيعية أو “سلاح المقاومة”.
11- واجهات “المقاومة الإسلامية في العراق”
ليست فصيلًا واحدًا واضح البنية، بل مظلة أو واجهات إعلامية وعملياتية تظهر في بيانات تتبنى هجمات أو تهديدات ضد القوات الأمريكية أو “إسرائيل”.
ولا تملك هذه الواجهات وضعًا قانونيًا واضحًا، وغالبًا ما ينظر إليها بوصفها واجهات لفصائل أكبر مثل كتائب حزب الله أو النجباء أو مجموعات قريبة منهما. وترفض الاندماج بصيغته الحكومية، وتربط استمرار العمل المسلح برحيل القوات الأجنبية وبالمواجهة الإقليمية.

اندماج في الدولة أم إعادة تغليف؟
تناقش الحكومة العراقية ونخب سياسية وأكاديمية منذ سنوات، آليات لدمج الميليشيات المسلحة في المؤسسات الرسمية.
وبينما تكرر بعض الميليشيات عبارة “نحن جزء من الدولة”، فإن الاندماج الحقيقي لا يعني الاكتفاء بتغيير اليافطة أو نقل الاسم إلى سجل رسمي، بل تفكيك البنية العسكرية الحزبية التي تمنح الفصيل قرارًا موازيًا داخل الدولة. ويمكن تلخيص نماذج الدمج في ثلاثة مستويات:
1- الاندماج الشكلي
في هذا السيناريو يضم الفصيل كوحدة كاملة إلى هيئة الحشد أو وزارة الدفاع أو أي مؤسسة أمنية، مع احتفاظه بسلسلة القيادة الداخلية وخزائن السلاح والمكاتب الاقتصادية. يتقاضى المقاتلون رواتب حكومية، لكن الولاء العملي يبقى للفصيل أو الحزب أو الزعيم.
تجارب سابقة، مثل تجميد “جيش المهدي” عام 2008، أظهرت أن وقف النشاط العلني لا يلغي بالضرورة الولاء أو الشبكات المسلحة، إذا لم يرافقه تفكيك تنظيمي ومحاسبة واضحة.
ويكمن خطر هذا النموذج في أنه يشرعن وجود الفصيل داخل الدولة، ويزيد قدرته على التأثير في القرار السيادي من موقع رسمي.
2- الاندماج المؤسسي
هذا النموذج هو الأصعب، لكنه الأقرب إلى معنى حصر السلاح بيد الدولة، وهو لا يكتفي بإلحاق الفصيل كمجموعة، بل يحول المقاتلين إلى أفراد داخل مؤسسات الدولة، وفق شروط واضحة:
- نقل المقاتلين كأفراد: يدمج الأفراد حسب تخصصاتهم في الجيش أو الشرطة أو الأجهزة الأمنية، مع ربطهم مباشرة بالقيادة العامة، وعدم الاحتفاظ بوحدات حزبية مغلقة.
- حصر السلاح المتوسط والثقيل: تسلم الأسلحة إلى مخازن الدولة، ويجري تسجيل الشخصية منها وفق ضوابط تمنع تداولها خارج الأطر الرسمية.
- إلغاء المكاتب والزي والألقاب: تغلق المقرات الحزبية والعسكرية، ويحظر ارتداء زي خاص أو استخدام ألقاب فصائلية. وهذا ما طلبه الصدر صراحة في إعلان 27 مايو/أيار بشأن “سرايا السلام”.
- توحيد الرواتب والأوامر: يخضع المنتسبون لسلم رواتب وحقوق موحد، وتصدر أوامر الانتشار والحركة والعمليات من المؤسسة العسكرية أو الأمنية لا من مكتب الفصيل.
- فصل القيادة السياسية عن العسكرية: لا يجوز أن يبقى قائد الحزب أو الفصيل هو صاحب القرار العسكري الفعلي. ففي الدمج الحقيقي، تعين القيادات وفق تسلسل الدولة، ويمنع تدخل القائد السياسي في الشأن الميداني.
بهذا المعنى، لا يقود الاندماج الحقيقي نحو دخول الفصيل إلى الدولة، بل خروج الدولة من قبضة الفصيل داخل وحدته. فالاختبار ليس في تغيير الاسم، بل في نقل السلاح والأوامر والرواتب والانتشار إلى سلطة حكومية واحدة.
3- التسريح وإعادة التأهيل
يشمل هذا الخيار إخراج جزء من مقاتلي الفصائل من الخدمة العسكرية مقابل رواتب تقاعدية أو برامج إعادة دمج في سوق العمل.
ويعد هذا النموذج ضروريًا للعناصر التي تجاوزت سن القتال أو لا تمتلك مؤهلات عسكرية كافية، لكنه يواجه عوائق مالية وسياسية.
ويمكن أن يرافقه تحويل بعض العناصر إلى أدوار غير قتالية، مثل الدفاع المدني أو الحماية المحلية أو الخدمات اللوجستية، شرط ألا تتحول هذه الأدوار إلى غطاء جديد لبقاء الفصيل كقوة أمر واقع في منطقته.
وفي المحصلة، يحمل إعلان الصدر رسالة سياسية أكثر مما يقدم حلًا أمنيًا مكتملًا، فهو يفتح الباب أمام نقاش جدي حول حصر السلاح، لكنه لا يغلق الملف. فالاختبار الحقيقي لا يقاس بعدد الألوية التي تغير اسمها، بل بمدى انتقال القرار والسلاح والرواتب والأوامر إلى سلطة حكومية واحدة.
وإذا لم تترافق عملية الدمج مع تسليم السلاح الثقيل، وتفكيك المكاتب الفصائلية، وفصل القيادة السياسية عن العسكرية، وإعادة تأهيل المقاتلين، فقد تتحول إلى إعادة تغليف تمنح الفصائل غطاءً قانونيًا أوسع وتعمق ازدواجية القوة.