خلال العقدين الماضيين، ارتكزت استراتيجية الإمارات على بناء حزام لوجستي واسع عبر الاستثمار في الموانئ والممرات البحرية الممتدة من الخليج والقرن الأفريقي وصولًا إلى البحر الأحمر وقناة السويس. ومع تصاعد التهديدات الأمنية الأخيرة للملاحة في الخليج وتداعيات المواجهة الأخيرة مع إيران، تسارعت الخطط الإماراتية لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز.
في خضم تلك التحولات، بدأ الساحل السوري يبرز كعقدة جيوسياسية حيوية ونقطة ارتكاز تمنح الإمارات موطئ قدم استراتيجي في شرق المتوسط، نظرًا لموقعه القريب من ممرات التجارة والطاقة نحو أوروبا، فضلًا عن كونه يمنح أبوظبي فرصة لربط الجغرافيا السورية بشبكة الموانئ والممرات التي عملت على بنائها خلال السنوات الماضية.
هذا التحول انعكس على الحسابات الجيوسياسية الإماراتية في علاقتها مع الإدارة السورية، إذ انتقلت أبوظبي من مربع الحذر إلى الشراكة الاقتصادية النشطة. وجاء اللقاء الأخير للرئيس الشرع في العاصمة الإماراتية ليفكك مخاوف أبوظبي بشأن طبيعة نظام الحكم الجديد في سوريا، ويمهد الطريق لحراك اقتصادي مطلع شهر مايو 2026، حيث التقى وزير الاقتصاد والصناعة السوري الدكتور نضال الشعار، بسفير الإمارات حمد راشد الحبسي لبحث سبل تعزيز التعاون الاقتصادي للبلدين.
ولم تمضِ أيام قليلة على هذا اللقاء حتى شهدت دمشق يوم 11 مايو 2026 انطلاق أعمال “المنتدى الاستثماري السوري-الإماراتي الأول”، والذي ضم 140 شخصية من كبار المسؤولين ورجال الأعمال والمستثمرين الإماراتيين، وأكثر من 500 مسؤول ورجل أعمال سوري. وشكل المنتدى منصة واسعة لبحث فرص استثمارية في قطاعات سيادية وحيوية، مع تركيز لافت على دمشق والساحل السوري.
لكن تلك الاندفاعة الاستثمارية الإماراتية تفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية تتجاوز ملف إعادة الإعمار: كيف تسعى الإمارات لتعزيز نفوذها في سوريا الجديدة؟ وما هي طبيعة الأدوات الاقتصادية التي تعتمد عليها؟ وهل تكون تلك المشاريع المعلنة مدخلًا لبناء الدولة، أم أنها مجرد أداة لإعادة رسم خريطة النفوذ الإماراتي؟
من تعويم الأسد إلى التوجس من الإدارة الجديدة
منذ عام 2011، اتسم الموقف الإماراتي في سوريا ببراغماتية وتكيف مستمر، فبعد اصطفافها ضمن الموقف الخليجي الداعم للمعارضة في السنوات الأولى من الثورة، شهد موقفها تحولًا جذريًا بحلول عام 2014 باتجاه دعم نظام الأسد وتأييد التدخل العسكري الروسي، لتتحول أبوظبي إلى واحدة من أبرز الأنظمة العربية مساندة لنظام الأسد الذي حاولت إعادة تعويمه إقليميًا ودوليًا.
ومع سقوط النظام البائد في ديسمبر 2024، كشفت تقارير عن تهريب ثروة الأسد على متن طائرة خاصة إلى الإمارات، بجانب اتهامات للإمارات بالتنسيق مع إسرائيل لدعم تحركات بعض الزعامات الدرزية لدفع البلاد نحو التقسيم.
إثر هذه التحولات المتسارعة، دخلت العلاقات السورية الإماراتية مرحلة من التمهل والبرود الدبلوماسي، مدفوعة بهواجس أبوظبي من صعود التيار الإسلامي إلى السلطة، وقد عبر أنور قرقاش كبير المستشارين الدبلوماسيين لرئيس الإمارات علنًا عن قلق الإمارات من الانتماء الإسلامي والخلفية الجهادية للفصائل التي أطاحت بنظام الأسد.
شلل مضيق هرمز: حتمية الجغرافيا السورية كطوق نجاة
حسب مدير العلاقات العامة في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية مازن علوش، فبعد إغلاق مضيق هرمز، طرقت جميع الدول المجاورة في المنطقة أبواب دمشق للحصول على منفذ إلى الموانئ السورية، وبالفعل بدأت دول المنطقة ومنها العراق والإمارات بالإسراع في نقل النفط عبر سوريا نحو أوروبا.
الموانئ السورية على الخارطة الدولية.. استثمار أم امتداد للنفوذ؟#سوريا pic.twitter.com/yrE9Qhzut4
— نون سوريا (@NoonPostSY) June 28, 2025
إذ شكلت الحرب الأخيرة على إيران وإغلاق طهران لمضيق هرمز نقطة تحول جوهرية في العقل السياسي لدولة الإمارات تحديدًا تجاه سوريا، فحسب الباحث في الاقتصاد السياسي مصطفى السيد، لم يطرأ التغيير على دمشق بقدر ما حدث داخل استراتيجية أبوظبي نفسها، والتي باتت تبحث بصورة متزايدة عن ممرات وأسواق أكثر أمانًا واستقرارًا.
تتقاطع قراءات الخبراء حول طبيعة الدوافع الإماراتية الجديدة تجاه سوريا، إذ يشير الخبير الاقتصادي محمد سعد إلى أن الإماراتيين يرون في سوريا ممرًا لطاقة المنطقة بعد الحرب الأخيرة على إيران وإغلاق مضيق هرمز، وهو ما يدعمه الباحث أنس القائد بالقول بأن الإمارات تنظر إلى الساحل السوري كجزء من استراتيجية أوسع للربط الإقليمي تهدف إلى تحصين نقاط ضعفها البحرية، بجانب موازنة القوى المنافسة لها كالسعودية وتركيا وقطر حول مستقبل التوجه السياسي والاقتصادي لسوريا.
من زاوية أخرى، يرى مراقبون أن التحسن في العلاقات قد تسارع في غمرة الحرب على إيران، حيث أعرب الرئيس الشرع مرارًا عن تضامنه مع أبوظبي، ولم يقتصر الدعم السوري على الخطاب السياسي، بل تجاوزه إلى تقديم معلومات تقنية حول آليات عمل الطائرات المسيرة الإيرانية. وقد حظي هذا الموقف السوري بإشادة رسمية في أبريل 2026 على لسان أنور قرقاش كبير مستشاري رئيس الإمارات، والذي وصف موقف دمشق تجاه الإمارات بـ”الإيجابي والمتميز”.
الاندفاعة الاستثمارية والأبعاد الأمنية
دخلت العلاقات السورية الإماراتية مرحلة جديدة من الشراكة في مايو 2026 مع انطلاق أعمال “المنتدى الاستثماري الأول” في دمشق، وهو الحدث الذي تُرجم إلى حزمة وعود ومشاريع استثمارية تركزت في قطاعات كالعقارات، والبنية التحتية، والموانئ، والاتصالات.
ورغم الآمال الاقتصادية لهذه الاستثمارات الإماراتية، إلا أن أبعادها تتجاوز الاقتصاد وإعادة الإعمار، إذ يرى محللون أن الاستثمارات الإماراتية في الساحل السوري تحمل أبعادًا أمنية وجيوسياسية تتجاوز الطابع الاقتصادي المعلن، وأن التغلغل الإماراتي بالساحل قد يتحول إلى أداة ضغط ناعمة تمنح أبوظبي قدرة على التأثير في خيارات دمشق السياسية مستقبلًا، خصوصًا وأن المشاريع والاستثمارات الإماراتية تتركز في قطاعات سيادية.
ففي مصر بعد عام 2013، تحولت الاستثمارات الإماراتية تدريجيًا إلى شبكة نفوذ داخل قطاعات سيادية، وأسهمت في تعزيز الحضور السياسي الإماراتي داخل الدولة المصرية، كما حاولت أبوظبي بناء نموذج مشابه في عدة دول أخرى، من بينها الصومال والسنغال وتنزانيا وموزمبيق وأنغولا.
هل يمكن للمال وشبكات النفوذ أن يهزما الجغرافيا؟
عقيدة “سبارتا الصغيرة” التي تبنتها أبوظبي واجهت اختباراً قاسياً خلال حرب إيران الأخيرة عندما تحول الحلفاء إلى “وسطاء”، ظهر التناقض الصارخ بين طموح أبو ظبي والهشاشة الهيكلية للدول الصغيرة. pic.twitter.com/oySLXXStgg
— نون بوست (@NoonPost) May 24, 2026
رغم ما تحمله هذه الشراكات والاستثمارات الإماراتية من وعود بتحسين الخدمات وتحريك عجلة الاقتصاد وتوفير فرص عمل، إلا أنها تثير في المقابل تساؤلات متزايدة حول طبيعة تلك الاتفاقيات ومدى انعكاسها الفعلي على حياة المواطنين، وفي هذا السياق، يشدد الباحث فراس حاج على ضرورة التزام الحكومة السورية بالوضوح التام والشفافية بشأن تفاصيل هذه الاستثمارات الإماراتية وبنودها.
كما يبقى الجدل قائمًا حول ما إذا كانت هذه الشراكات ستقتصر على دعم التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، أم أنها تمثل جزءًا من تنافس جيوسياسي أوسع تستخدم فيه الأدوات الاقتصادية لإعادة تشكيل النفوذ داخل سوريا، إذ يرى البعض أن هذه الاندفاعة الإماراتية تتعلق بطبيعة النفوذ الذي تحاول أبوظبي بناءه داخل سوريا الجديدة، فالسؤال لا يتعلق بوجود الاستثمار الإماراتي، بل بشروطه ووظائفه وحدود تأثيره في القرار الوطني.
View this post on Instagram
أمام هذا الواقع، تواجه الإدارة السورية اختبارًا يضعها تحت وطأة ضغط مزدوج، بين حاجة البلاد إلى التمويل والخبرات، وبين الحفاظ على استقلال القرار الاقتصادي وعدم ارتهانه للخارج، وكذلك تحت وطأة البحث عن شرعية الأداء في ظل ضغوط اقتصادية خانقة وانتقادات تتعلق بالكفاءة والمحسوبية.
لكن في مقابل القراءات الجيوسياسية الحذرة، ينظر تيار من المحللين إلى الدور الإماراتي الجديد في سوريا بعين الإيجابية والتفاؤل، ويصفونه بأنه انعكاس لتوجه الدولة السورية نحو اقتصاد السوق الحر. وفي هذا السياق، يشير المحلل السياسي ياسر النجار إلى أن إمكانات الإمارات الضخمة تفتح الباب للاستفادة من تجاربها الرائدة في التحول الرقمي، والمنظومات الإلكترونية، والجوانب التقنية، وإدارة الموانئ المتطورة.
ويلفت بعض المراقبون إلى أن ما يميز الحالة السورية عن نماذج إقليمية أخرى كمصر، هو وقوع سوريا في قلب شبكة صراعات دولية وإقليمية أكثر تعقيدًا. من هذه الزاوية، إذ يرى رجل الأعمال ونائب رئيس المنتدى الاقتصادي للتنمية في دمشق محمود الدرعاوي أن المخاوف المثارة حول تكرار “النموذج الإماراتي بمصر: في سوريا لا تستند إلى معطيات واقعية.
ويوضح الدرعاوي أن هناك توجهًا لدى صناع القرار في دمشق لتوزيع الملفات الاقتصادية بناءً على مبدأ الأفضلية والكفاءة الدولية، بحيث يتم إشراك كل دولة أو شركة في المجال الذي تميزت فيه عالميًا. ويضرب مثالًا على ذلك بقطاع الطاقة، حيث تتجه سوريا للاستعانة بشركات عالمية تمتلك تقنيات متقدمة في مجال النفط والغاز، في حين يتم الانفتاح على الإمارات للاستفادة من خبرتها في الموانئ.
أين تتركز الاستثمارات الإماراتية في سوريا؟
تعيد الإمارات تموضعها داخل المشهد السوري الجديد عبر الاقتصاد والبنية التحتية، وبأماكن حساسة بالبلد مثل الموانئ، وتظهر طبيعة هذه الاستثمارات أن الإمارات تتحرك وفق رؤية جيوسياسية ترتبط بالموانئ والممرات اللوجستية. فالإمارات التي بنت خلال العقدين الماضيين نفوذًا بحريًا واسعًا يمتد من الخليج إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي، تبدو اليوم وكأنها تحاول إضافة الساحل السوري إلى هذه السلسلة.
ويبرز ميناء طرطوس ثاني أكبر ميناء بحري في البلاد كأحد أهم المفاتيح الاستراتيجية للمشروع الإماراتي، فالميناء يعد من أبرز الموانئ السورية على البحر المتوسط، ويمثل عقدة جغرافية تربط بين أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ومن هنا جاءت مذكرة التفاهم التي وقعتها شركة “موانئ دبي العالمية” لتطوير وتشغيل محطة حاويات متعددة الأغراض في طرطوس بقيمة 800 مليون دولار، لتتحول الصفقة إلى أكثر من مجرد استثمار في ميناء، فالاتفاق شمل أيضًا التعاون في إنشاء مناطق صناعية وحرة ومحطات عبور للبضائع.
تدرك الإمارات أن السيطرة على ميناء طرطوس يعني امتلاك مفتاح لوجستي لطرق التجارة الإقليمية وخطوط الإمداد، وربما ورقة ضغط في مواجهة منافسين مثل تركيا، لا سيما أن موانئ دبي أعلنت أن الاتفاق يمتد على 30 عامًا.
ولا تقف الاستثمارات الإماراتية عند طرطوس، بل تمتد على طول الساحل السوري، ففي اللاذقية، وقعت مجموعة موانئ أبوظبي بالشراكة مع مجموعة “سي إم إيه سي جي إم” الفرنسية اتفاقًا للاستحواذ على 20% من شركة “محطة حاويات اللاذقية الدولية”.
كما شهد الساحل إطلاق مشاريع سياحية وعمرانية ضخمة، مثل مشروع “مرسى شمس” الذي تنفذه شركة “ميراس” الإماراتية، ومشروع الحبتور السياحي الممتد على شريط ساحلي بطول 12 كيلومترًا، إلى جانب مشاريع عقارية وسياحية ضخمة تدرسها “إيجل هيلز” و”إعمار” في الساحل السوري أيضًا.
| التاريخ | الجهة الإماراتية | حجم الاستثمار | المشروع | الملاحظات |
| مايو 2025 | موانئ دبي العالمية | 800 مليون دولار | تطوير وتشغيل محطة حاويات متعددة الأغراض في ميناء طرطوس | مذكرة تفاهم مع الهيئة العامة للمنافذ البحرية والبرية السورية، تشمل أيضًا التعاون في إنشاء مناطق صناعية وحرة ومحطات عبور للبضائع. |
| سبتمبر 2025 | مجموعة الحبتور | غير معلن | مشروع سياحي وسكني في الساحل السوري | توقيع مذكرة تفاهم بين مجموعة الحبتور وهيئة الاستثمار السورية لتطوير مشروع يمتد على شريط ساحلي بطول 12 كم في اللاذقية، وتحويله إلى مجمع سكني وترفيهي متكامل. |
| أغسطس 2025 | شركة ميراس الإماراتية | 150 مليون دولار | أكبر مشروع سياحي استثماري في الساحل السوري | مشروع “مرسى شمس” على الساحل السوري يشمل وحدات سكنية وشاليهات وفنداق ومرافق ترفيهية وتجارية. |
| نوفمبر 2025 | مجموعة موانئ أبوظبي بالشراكة مع مجموعة سي إم إيه سي جي إم الفرنسية | 22 مليون دولار | استحواذ على 20% من شركة “محطة حاويات اللاذقية الدولية” | الاتفاق يعزز من الحضور الإماراتي المباشر على الساحل السوري. |
| مايو 2026 | شركة دانة غاز | غير معلن | مذكرة تفاهم لتطوير حقول غاز سورية | المشروع لا يزال في إطار التفاهمات الأولية. |
| مايو 2026 | إعمار العقارية | 11 مليار دولار | مشاريع تطويرية وعقارية في دمشق ومحيطها | تشمل إعادة إحياء مشاريع قديمة تعود إلى ما قبل 2011. |
| مايو 2026 | إعمار العقارية | 7 مليارات دولار | مشاريع سياحية وعمرانية في الساحل السوري | تستهدف تطوير مناطق ساحلية واستثمارية مرتبطة بالسياحة. |
| مايو 2026 (قيد الدراسة) | إيجل هيلز | أكثر من 50 مليار دولار | مشروعان عمرانيان ضخمان في دمشق واللاذقية | لا تزال المشاريع في مرحلة العروض والدراسات الأولية ولم تدخل مرحلة التنفيذ. |
| مايو 2026 (قيد الدراسة) | إيجل هيلز | ضمن المشروع الكلي | مشروع اللاذقية الساحلي | يمتد على نحو 15 مليون متر مربع، ويتضمن أكثر من 29 ألف وحدة سكنية و2800 غرفة فندقية ومرافق سياحية وتجارية ضخمة. |
| مايو 2026 (قيد الدراسة) | الوطنية الإماراتية | ملياري دولار | مشروع مترو دمشق | أحد أبرز مشاريع البنية التحتية المطروحة بدمشق. |
ويكتسب مشروع الحبتور أهمية خاصة لأنه يعكس انتقال الاهتمام الإماراتي من الاستثمار داخل المدن السورية فقط إلى التركيز المباشر على الساحل السوري. ويتكامل هذا التوجه الاستثماري مع الرؤية الرسمية لأبوظبي، والتي عبر عنها وزير التجارة الخارجية الإماراتي ثاني الزيودي، بتأكيده على تطوير “مناطق حرة” في سوريا.
وفي هذا السياق، يرى خبير السياسات الاقتصادية وأستاذ العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد بجامعة اللاذقية الدكتور ذو الفقار عبود، أن هذه المشاريع الإماراتية لا يمكن فصلها عن الحسابات الجيوسياسية، وأن الاستثمار في الموانئ السورية كطرطوس واللاذقية يُمكن الإمارات من الوصول إلى أسواق حوض البحر المتوسط وأوروبا عبر ممرات بديلة عن مضيق هرمز.
ويمتد الاهتمام الإماراتي نحو البنية التحتية الرقمية، إذ شملت الوعود الإماراتية في الشق الرقمي إدخال خدمات (Visa) و(MasterCard)، وتطوير البنية التقنية، وطرح مشغل اتصالات جديد، ويلفت الدكتور ذو الفقار عبود إلى أن الاستثمار الإماراتي في شبكة الألياف الضوئية السورية ضمن مشروع “SilkLink” يمنح أبوظبي ميزة تنافسية للاستحواذ على مستقبل البيانات والذكاء الاصطناعي في المنطقة.
ويتكامل هذا الطموح الرقمي مع ما أعلنه وزير الاتصالات السوري عبد السلام هيكل لصحيفة “ذا ناشيونال” بشأن رغبة شركات إماراتية في الفوز برخصة تشغيل شبكة الهاتف المحمول الجديدة قبل إغلاق باب التقديم نهاية هذا الشهر.
أما في دمشق، فتتجه الاستثمارات الإماراتية نحو القطاعات المرتبطة بإعادة تشكيل الاقتصاد الحضري والبنية التحتية، فقد أعلنت “إعمار العقارية” عن مشاريع بمليارات الدولارات في دمشق ومحيطها، تشمل إعادة إحياء مشاريع تعود إلى ما قبل عام 2011، مثل “البوابة الثامنة” في يعفور، إلى جانب مشاريع عقارية وسياحية جديدة. كما برز مشروع “مترو دمشق” الذي تطرحه شركة “الوطنية الإماراتية”.
يؤكد المستثمرون الإماراتيون أن قطاع العقارات يأتي في مقدمة الوجهات الاستثمارية الجاذبة لهم في سوريا، وفي هذا السياق، أوضح سلطان الهنداسي المدير العام لغرفة تجارة وصناعة الفجيرة، قائلًا: “ندرس فرص الاستثمار في قطاعات السياحة، والبنية التحتية، والخدمات اللوجستية، إضافة إلى قطاعي الخدمات والصناعة”.
في الواقع، يعكس هذا التوزع الجغرافي للاستثمارات الإماراتية من الساحل إلى دمشق محاولة الدخول إلى القطاعات الأكثر تأثيرًا في مستقبل الدولة السورية، فالإمارات لا تدخل من قطاع واحد، بل من منظومة مترابطة من النقل والمرافئ والطيران والعقار والطاقة والخدمات اللوجستية، وهذه القطاعات لا تنتج أرباحًا فقط، بل تتحكم بحركة المال والبضائع والأشخاص، وتحدد موقع سوريا في شبكات التجارة الإقليمية.
ويثير الخبير الاقتصادي محمد سعد علامة استفهام أخلاقية وتنموية حول جغرافية الاستثمار، متسائلًا عما إذا كانت هذه المشاريع ستشمل المناطق المهمشة، أم ستنحصر في دمشق والساحل. وتلتقي الباحثة الاقتصادية ديالا الخطيب مع هذا الطرح، إذ تشدد على ضرورة ضمان تدفق الفوائد التنموية إلى المناطق المهمشة، بجانب وجود رقابة مؤسسية حقيقية على الصناديق السيادية والشراكات الكبرى.
الاستثمار الإماراتي: بين مظلة التأمين السياسي ومخاوف الاختراق الإسرائيلي
منذ توقيع اتفاقات التطبيع، تطورت العلاقة بين أبوظبي وتل أبيب لتتحول إلى شراكة استراتيجية تتجاوز البعد الاقتصادي نحو مستويات أعمق من التنسيق الأمني والتقني. وقد سبق وأن توسطت الإمارات في محادثات بين سوريا وإسرائيل في منتصف عام 2025.
وفي هذا السياق، يرى بعض المراقبين أن تنامي الحضور الإماراتي في سوريا قد يُنظر إليه في إسرائيل بقدر من الارتياح، إذ تجد تل أبيب في نفوذ أبوظبي خيارًا مفضلًا يساهم في كبح النفوذ التركي.
بينما يرى بعض المحللون أن الحضور الإماراتي في الموانئ والمشاريع الحيوية بسوريا قد يعمل بمثابة “مظلة غير مباشرة” لإسرائيل، فمن جهة، يلمح البعض إلى أن هذا الوجود الإماراتي قد يرفع من الكلفة السياسية والدبلوماسية لأي تصعيد عسكري إسرائيلي بسوريا.
ويرى الباحث أنس القائد أن هنالك احتمال كبير أن تنظر القيادة في سوريا للاستثمارات الإماراتية ليس فقط كشريان حياة اقتصادي، بل أيضًا كشكل من أشكال الضمانات السياسية، مما يزيد التكلفة الدبلوماسية والاستراتيجية في حال سعت إسرائيل لزعزعة الاستقرار في الداخل السوري.
لكن من جهة أخرى، قد توفر شبكات الأعمال وإدارة الموانئ الخاضعة للإشراف الإماراتي، بصورة غير مباشرة، نافذة لوجستية ومعلوماتية لـ”إسرائيل”، وربما يفسر ذلك التوقيت اللافت لإعادة التأكيد على مرسوم حظر شراء أو إدخال المنتجات الإسرائيلية، بعد أسبوع واحد فقط من اختتام “المنتدى الاستثماري السوري الإماراتي الأول”.
فالمرسوم ليس جديدًا في الأصل، وإنما أعادت الرئاسة السورية التأكيد عليه في هذا التوقيت تحديدًا، في خطوة قد تعكس سعي دمشق إلى رسم خطوط فاصلة في علاقتها مع أبوظبي، فبرغم انفتاح الحكومة السورية على الاستثمارات الإماراتية، إلا أن التشديد مجددًا على حظر المنتجات الإسرائيلية يبدو محاولة مبكرة لقطع الطريق أمام أي استغلال محتمل للاتفاقات التجارية أو الموانئ المشتركة كنافذة عبور أو تطبيع غير مباشر.