Also available in English
عادت زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى جزيرة أرواد، في 7 حزيران/يونيو الجاري، فتح ملف الجزيرة الوحيدة المأهولة على الساحل السوري، بعد سنوات طويلة من التهميش وضعف الاستثمار، وسط وعود بتحويلها إلى منصة لتنشيط اقتصاد الساحل وإعادة إدماجها في خريطة التنمية والسياحة.
وخلال الزيارة، أكد الشرع أن أرواد تمتلك مقومات يمكن استثمارها بصورة أفضل، مشيرًا إلى مشاريع يجري العمل عليها من شأنها توفير فرص عمل جديدة وتحفيز النشاط الاقتصادي في المنطقة، وفق تصريحات لقناة “الإخبارية السورية”.
تقع الجزيرة على بعد نحو ثلاثة كيلومترات من شاطئ طرطوس، وتعد الجزيرة الوحيدة المأهولة بالسكان على الساحل السوري، ويقدر عدد سكانها بنحو عشرة آلاف نسمة، يعتمد جزء كبير منهم على صيد الأسماك وصناعة المراكب الخشبية، فيما تشكل السياحة الموسمية موردًا اقتصاديًا إضافيًا للجزيرة.
ورغم ما تتمتع به أرواد من أهمية تاريخية وموقع جغرافي مميز، فإنها عانت لعقود من محدودية الاستثمارات وضعف البنية التحتية والخدمات، كما أن طبيعتها كجزيرة صغيرة لا تتجاوز مساحتها نحو 20 هكتارًا تفرض تحديات مرتبطة بارتفاع تكاليف النقل ومحدودية الموارد والأسواق المحلية، في مقابل ما توفره من فرص تنموية في مجالات السياحة والتراث والاقتصاد البحري.
وفي ظل الطموحات المُعلنة لتطوير أرواد، يبرز تساؤل حول مدى قدرتها على التحول من اقتصاد محلي يعتمد على أنشطة تقليدية محدودة إلى منصة تنمية اقتصادية قادرة على خلق فرص عمل وجذب الاستثمارات.
سنوات من التهميش
رغم وجود دراسة تخطيطية سابقة لوزارة السياحة في عهد النظام البائد تناولت تطوير الجزيرة، وتحسين البنية الخدمية فيها، وتحديد مناطق تنظيمية جديدة بهدف تأمين مساحات استثمارية لعشرات السنين، بقيت هذه الخطط في إطار نظري ولم تترجم إلى مشاريع فعلية على أرض الواقع ما يعكس حجم الإهمال الذي عانت منه أرواد.
ومع غياب شفافية البيانات خلال حكم النظام البائد، جرى التعامل مع الجزيرة ضمن السياق العام لمحافظة طرطوس دون بيانات منفصلة، وظلت لسنوات خارج نطاق تطبيق الدراسات الاقتصادية والمشاريع التنموية، رغم وجود دراسات أثرية وبيئية.
وعلى الرغم من الأهمية التاريخية والسياحية لجزيرة أرواد، إلا أنها عانت لفترة طويلة من تهميش وضعف في الاهتمام، ليس فقط خلال فترة حكم النظام البائد، بل في فترة الاحتلال الفرنسي أيضًا، الذي حولها إلى سجن، إذ لم تُعامل الجزيرة بوصفها موردًا سياحيًا أو اقتصاديًا منذ القدم، ولم يكن هناك رؤية واضحة لاستثمارها أو الاستفادة منها بالشكل الأمثل، بحسب ما أوضحه الخبير الاقتصادي فراس شعبو.
جزيرة أرواد لم تكن مجرد بقعة معزولة في البحر، بل كانت مركزًا تجاريًا وثقافيًا ربط الساحل السوري بالعالم. تعرضت خلال حكم نظام الأسد لضغوط أمنية مستمرة بسبب مشاركة أهلها في الثورة السورية, تعرف إلى سيرة أرواد، عروس الساحل السوري. pic.twitter.com/QuknVjF6EN
— نون سوريا (@NoonPostSY) June 8, 2026
وقال شعبو في تصريحات لـ”نون بوست” إن هذا الإهمال انعكس على واقع الجزيرة الحالي، حيث تعاني البنية التحتية من ضعف واضح، كما أن الخدمات العامة متدنية، فيما تكاد الاستثمارات الفندقية والترفيهية تكون شبه معدومة، كما تعرضت بعض معالمها، ومنها القلعة، إلى التهالك نتيجة غياب أعمال الصيانة والرعاية.
وأضاف شعبو أن السكان يعتمدون من الناحية الاقتصادية بشكل أساسي على الصيد البحري وبعض أنشطة النقل البحري كمصدر رئيسي للدخل، في ظل ضعف النشاط السياحي، الذي ظل في معظمه محصورًا في نطاق السياحة الداخلية المحدودة، دون وجود حركة سياحية خارجية فعّالة.
وحتى على المستوى المحلي، لم تكن هناك برامج واضحة لتنشيط السياحة في الجزيرة بالشكل الكافي، ما أبقاها خارج دائرة الاستفادة الاقتصادية الفعلية رغم امتلاكها مقومات اقتصادية وسياحية مهمة كان يمكن أن تجعلها مشروعًا تنمويًا متكاملًا يسهم في دعم الاقتصاد المحلي.
ولا يعني ذلك المبالغة في تصويرها كوجهة سياحية عالمية كجزر المالديف، بحسب شعبو، لكنها في الوقت نفسه تمتلك مقومات تجعلها وجهة سياحية وطنية مهمة، باعتبارها جزءًا من تنوع الجذب السياحي في سوريا، إلى جانب دمشق وحلب والساحل والمناطق الجبلية.
وأشار إلى أنه في الواقع، توجد جزر أصغر من أرواد في دول أخرى تحقق عائدات سياحية واقتصادية كبيرة، ما يؤكد أن المسألة ليست في الحجم، بل في كيفية الإدارة والاستثمار.
أبرز المشاريع: السياحة والتراث
وتابع شعبو أن جزيرة أرواد تتميز بتاريخ عريق يمتد لآلاف السنين، وهي ليست جزيرة مستحدثة أو صناعية، بل جزيرة مأهولة ذات حياة اجتماعية واقتصادية قائمة، وموقع بحري استراتيجي يمكن استثماره بشكل كبير إذا ما توفرت إدارة فعالة وبنية تحتية متكاملة.
وفيما يتعلق بنوع المشاريع الممكنة، أوضح أن القطاع السياحي والتراثي يُعد من أبرز المجالات الواعدة، إلى جانب تطوير أنشطة الصيد والخدمات البحرية، كما يمكن الاستثمار في الرحلات البحرية، واليخوت، والغوص، والرياضات البحرية، وهي قطاعات تُشكّل مصادر دخل مهمة في العديد من الدول الساحلية.
كما يمكن تطوير مشاريع سياحية صغيرة ذات طابع تراثي وطبيعي، مثل بيوت ضيافة أو فنادق صغيرة تحافظ على البيئة المحلية، إضافة إلى دعم الحرف اليدوية التي تمارسها بعض النساء في الجزيرة، وتطويرها ضمن مسارات سياحية مخصصة لبيع التذكارات، كما هو معمول به في العديد من الجزر السياحية حول العالم.
أما العائد الاقتصادي المتوقع من تطوير الجزيرة، فلا يمكن تحديده بدقة دون دراسات جدوى متخصصة، بحسب الخبير الاقتصادي، إلا أن الأثر المباشر يتمثل في زيادة دخل السكان وارتفاع النشاط التجاري، بينما يتمثل الأثر غير المباشر في تنشيط قطاعات النقل والمطاعم والفنادق والحرف، إضافة إلى انتعاش السياحة المحلية والتجارة المرتبطة بها.
وأشار شعبو إلى أنه في حال نجاح تحويل أرواد إلى مقصد سياحي فعّال، فإنها يمكن أن تتحول إلى نقطة جذب للاستثمارات السياحية الساحلية في سوريا، خاصة أن قيمتها الحقيقية لا تكمن في مساحتها، بل في ندرتها وموقعها الاستراتيجي، وبذلك، تمتلك الجزيرة مقومات تؤهلها للانتقال من اقتصاد يعتمد على الصيد إلى وجهة سياحية تراثية وبحرية متكاملة إذا ما أُحسن استثمارها وإدارتها.
تحديات وفرص
تطرح هذه الطموحات في المقابل مجموعة من التحديات المرتبطة بواقع الجزيرة الحالي، إذ تشير دراسة صادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في شباط 2026، إلى أن كون المنطقة جزيرة يفرض تحديات اقتصادية مرتبطة بارتفاع التكاليف ومحدودية القدرة التنافسية.
لكنه يتيح في المقابل أيضًا فرصًا للتنمية المستدامة إذا جرى استثمار الموارد المحلية، مثل الكفاءات البشرية، والتراث الثقافي والموارد الطبيعية، ضمن رؤية تنموية متكاملة.
وأوضحت الدراسة، فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي، أن التحديات الرئيسية تتمثل في صغر حجم السوق ومحدودية التنوع الاقتصادي، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، وضعف الاندماج مع الشبكات الوطنية ومحدودية القدرة على الابتكار، والموسمية، ونقص المهارات، والكفاءات.
وعلى الصعيد البيئي، تتمثل التحديات في الهشاشة أمام التغيرات المناخية والكوارث الطبيعية وندرة الموارد (المياه، وإدارة النفايات، والأراضي) والتدهور البيئي وفقدان التنوع البيولوجي، والضغوط الناتجة عن السياحة غير المنضبطة أو غير المدارة بشكل مستدام.
الرئيس أحمد الشرع خلال مشاركته في فعالية موسم طرطوس السياحي لعام 2026 :
📌جزيرة أرواد كانت مهملة سابقاً ونؤكد من خلال زيارتنا لها على أن تكون منصة جديدة لإعادة بناء اقتصاد سوريا.
📌جزيرة أرواد الأثرية لها تاريخ عظيم وكبير وهذه أول زيارة لرئيس سوري للجزيرة.
📌زيارتنا هي تأكيد… pic.twitter.com/tu7MSHiIG9— نون سوريا (@NoonPostSY) June 7, 2026
أما على صعيد التحديات الاجتماعية والمؤسسية، فالتحديات هي الشيخوخة وتراجع عدد السكان وارتفاع تكاليف الخدمات والبنية التحتية ومحدودية القدرات المؤسسية والانعزال الجغرافي.
في المقابل، تتمثل الفرص الأساسية اقتصاديًا بسياحة مستدامة ومتنوعة، ومنتجات غذائية وسمكية محلية عالية الجودة، والابتكار والتحول الرقمي والاقتصاد الأزرق والطاقة المتجددة، والصناعات الثقافية والإبداعية.
أما بيئيًا، فتبرز إمكانات الاقتصاد الأخضر والأزرق، ووجود موارد طبيعية وأنظمة بيئية فريدة، إضافة إلى فرص تطوير الطاقة المتجددة، وتعزيز الابتكار البيئي.
وعلى الصعيد الاجتماعي والمؤسسي، تشمل الفرص تعزيز جودة الحياة والتماسك الاجتماعي، وترسيخ الهوية الثقافية والتراثية، إلى جانب توسيع مشاركة المجتمع وتعزيز التعاون المحلي.
وفيما يتعلق بالأولويات السياسية المقترحة، فتشمل التنويع الاقتصادي ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، والسياحة المستدامة وعالية الجودة، والتخصص الذكي والابتكار، وتحسين النقل والطاقة والربط الرقمي، وتطوير المهارات وإدماج سوق العمل، والتكيف مع التغير المناخي وتعزيز خطط الصمود.
كما تشمل النمو الأخضر والاقتصاد الدائري، والإدارة المستدامة للموارد واستخدامات الأراضي، والحوكمة البيئية المتكاملة، وتعزيز الربط الرقمي والنقل، والتعليم وتنمية المهارات، والابتكار الاجتماعي وتقديم الخدمات، وتعزيز الحكم المحلي والأطر المالية.
وبين ما تمتلكه الجزيرة من موقع جغرافي مميز وإرث تاريخي، وما يفرضه الواقع من تحديات بنيوية واقتصادية، تبقى الخطط والمشاريع المعلنة لتطويرها محل ترقب، وسط تساؤلات حول إمكانية انتقالها من مستوى الرؤية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.