يكتب المبدع الليبي من ذاكرة تعجّ بالمتناقضات، ومن واقعٍ تتقاطع فيه تفاصيل الحياة اليومية مع ثقل التاريخ ووجع الحاضر وأسئلة المستقبل. تتحول الرواية حينها إلى مساحة حرة للبوح، تتسع إن كان يكتب من المهجر أو المنفى. مساحةٌ لم تعد فيها الحكاية مجرد سرد لأحداث، بل صارت مشرحة للذات الفردية والجماعية وتحويل الهموم الوطنية والاجتماعية إلى نصوص إنسانية عالمية تتجاوز المحلية، وإن حملت خصوصيتها الثقافية واللغوية وتُسائل الذات والوطن.
في هذا التقرير، نستعرض قائمة بسبع روايات ذات أثر في الأدب الليبي، يحضر فيها القلم النسائي بدرجة كبيرة.
1- حرب الغزالة – عائشة ابراهيم (2019)

عالم مُتَخيل للإنسان والبرّية ترسمه الكاتبة ببراعة بعد أن تسافر عبر الزمن إلى الجنوب الليبي في العصر الحجري الوسيط.
تبني عالمها الروائي على لوحات الأكاكوس، الأيقونة التي صارت أثرًا تركه صانعوه المنتمون لزمن قديم حتى جاء من يفك رموزها ويتعرف على حياتهم العامرة.
من هنا، تؤسس لتاريخ ليبيا القديم بلغة رفيعة؛ تستنطق النقوش الكهفية وهي الفنون الجميلة البدائية التي أبدعها الإنسان الأول، كما تستنطق أقدم مومياء لطفل في إفريقيا اكتشفها مستكشف إيطالي عام 1958 وهي مومياء موهيجاج بلغة الطوارق، السكان الأصليون لهذه المنطقة في الصحراء الكبرى.
تستدعي أرواح من عاشوا قبل آلاف السنين وتحولات الإنسان من الصيد إلى الرعي والزراعة؛ حياةٌ تجمع بين النظام والرفاهية يتناغم فيها الإنسان والأرض والحيوان والجبل والموسيقى والعبادة كعِقد لؤلؤ برّاق فتكون للمكان سلطة من باب الإعجاب قبل أن تلوح الحرب في الأفق إثر اختطاف الغزالة سافي.
ترشحت الرواية في القائمة الطويلة لـلجائزة العالمية للرواية العربية 2020.
2- كونشيرتو قورينا ادواردو – نجوى بن شتوان (2022)

تعزف توأم ثنائي كونشيرتو (موسيقى كلاسيكية غربية) حزينًا لعائلة ثرية كوزموبوليتانية تتنوع فيها الثقافات وتقسمها التحولات الكبرى، وما صاحبها من غسيل مخ سياسي أو ديني على مدار أربعة عقود منذ الزحف الأخضر في السبعينيات.
تتناوب التوأم على سرد تأريخ أدبي لليبيا حتى الثورة على القذافي في 2011 أملًا في عودة الابنة قورينا من إيطاليا ذات يوم. وقورينا مدينة أثرية أسسها الإغريق، وأدرجتها منظمة يونسكو ضمن قائمة التراث العالمي قبل عقود. تُعرف أيضًا باسم “شحات” شرقي ليبيا.
لكن “أنَّى لثورة أن تنجح ونصف الشعب كلاب بوليسية للكلب الحاكم”؟
تتعرض الرواية للخصومة السياسية داخل العائلة الواحدة بين انتماء للحرس الثوري الموالِ للنظام وبين مبايعة تنظيم “داعش” وحمل السلاح. تتعرض كذلك لقضية الزواج بين الأديان عبر قصة حب تجمع بين بطلة عربية مسلمة ورجل غربي مسيحي لم يسخر منها كما أبناء جلدتها بسبب “التأتأة” بل دعمها حتى قالت عنه: «كان جيشي الذي واجهت به الحياة».
ترشحت الرواية في القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية 2023.
3- عايدون – كوثر الجهمي (2019)

رواية أولى لكاتبتها تستلهم شخوصها من تمثال الحسناء والغزالة، مَعلَم طرابلس الذي نحته الفنان والجندي الإيطالي أنجيولو فانيتي عام 1932.
يوم اختفاء التمثال الشهير في عام 2014، تختفي أيضًا البطلتان غزالة وابنتها حسناء اللتان فقدتا علي المرابط، الزوج والأب في حرب تشاد، فـ”البشر يخطفون ويخفون قسرًا يوميًا، أفلا تحتذي التماثيل حذوهم؟”.
تواجه السيدتان سياسة إقصاء مجتمعية، إذ عاشتا غربة في الوطن حتى اضطرتا إلى الهرب القسري للعيش في المنفى بتونس. تُسائل الرواية مفهوم الوطن وهل هو وطن الميلاد والنشأة أم وطن الكرامة. تُسائل أيضًا مفهوم “العايدون” أي الليبيين الذين رحلوا عن البلاد إبان الاحتلال الإيطالي وعادوا إليه بعد التحرير. مثلهم يُنظر إليه كخونة تخلوا عن الوطن وقت الشدة وعادوا إليه طمعًا في خيراته.
فازت الرواية بجائزة مي غصوب للرواية الأولى 2019.
4- العقيد – كوثر الجهمي (2022)

تستكمل الكاتبة في هذه الرواية ما بدأته في رواية “عايدون” راصدة تحولات المجتمع الليبي في محطات عدّة، وآثار حرب تشاد التي قادت للتشرذم النفسي وتمزق الأسرة والوشاية ضد الأقارب.
يقدم هذا النص الزوج والأب علي المرابط بعد أن استقر به الحال في أمريكا ضمن صفوف المعارضة في أعقاب تعرضه للأسر في تشاد، ويُظهر لنا الجزء الغامض الخاص بالرجل في النص الأول “عايدون” الذي ركز على الزوجة والابنة. يستعرض حياته، وما حدث له في الحرب وما تلاها، وزواجه من امرأة ثانية، وإنجابه الولد، ورغبته في العودة إلى الوطن وتفقد زوجته الأولى وابنته، لكن القدر لا يمهله.
ما زال سؤال الوطن هو الشاغل في هذا العمل والفُرقة السياسية داخل العائلة الواحدة فيما يتجلى القصاص بالزناد وبالكلمة.
5- ولد بلاد – كوثر الجهمي (2024)

نصٌ موجع مُفعم بالمشاعر والمعاناة عن مشكلة تجنيس أبناء الليبيات المتزوجات من “أجانب” وعدم اعتبارهم “وِلْد بلاد” بذريعة “ادعوهم لآبائهم”.
في الرواية يتزوج رجل مغربي من امرأة ليبية ويعيشان في ليبيا، يُحرم طفليهما من الجنسية الليبية ما يعني عدم مقدرتهما على شراء منزل أو سيارة أو حتى خط هاتفي، وعدم استحقاقهما للتعليم المجاني الذي يحصل عليه الليبيون بل عليهما دفع مصاريف باهظة. يُحرم الطفلان أيضًا من الجنسية المغربية لأن أباهما معارض سياسي فيعيشان بلا هوية غير قادرين على السفر خارج ليبيا التي تصير لهما كالمنفى وكأنهما لاجئين.
يجد الابن نفسه مضطرًا لشراء ود السلطة للحصول على الجنسية ويُقدم في سبيلها ثمنًا كبيرًا. تُسائل الرواية واقعًا أليمًا ما زال مستمرًا إلى اليوم، تفقد فيه المرأة الليبية الكثير من حقوقها ما إن تقرر الزواج من رجل غير ليبي، وأي مستقبل ينتظرها وأبناءها إذا كانوا لن يحصلوا على فرصة عمل كريمة.
6- خبز على طاولة الخال ميلاد – محمد النعاس (2022)

رواية عن الرجولة المأزومة بنكهة ليبية خالصة تجمع بين كلمات الفنان أحمد فكرون والأمثال الشعبية. “عيلة وخالها ميلاد” مقولة يُعيّر بها الليبيون الرجل الذي لا يملك سلطة على نسائه.
هكذا كان “ميلاد عجينة” الذي يشتغل بالخبيز أو “أخو البنات” الذي تزداد ليونته بسبب رفقة النساء. يتتبع النص بطله منذ نشأته بمشاعر طاغية وحساسية شديدة، تهرّبه من الجُنديّة بسبب السياط والسباب، وإجادته كل أعمال المنزل التي تقوم بها النساء بل وحتى أعمال التزين والتجميل. وحين يتزوج، يرتبط بامرأة قوية، جريئة، قادرة على ركله، متحملة للمسؤولية ومعتمدة على نفسها.
يتبادلان الأدوار داخل البيت في كسر للقوالب المجتمعية الثابتة لكل نوع، إلى أن تظهر حقيقة ما وشخصية أخرى تهددان عرش هذا الزواج المأزوم.
فازت الرواية بالجائزة العالمية للرواية العربية 2022.
7- أصدقائي – هشام مطر (2026)

في سردية ممتعة ومؤثرة عن الصداقة والمنفى والوطن والثورة، يسحبك هذا النص الذي يدور بين ليبيا وبريطانيا إلى عالم خاص قوامه الأصدقاء الثلاثة، لشباب ليبي في المهجر أو بالأحرى في المنفى خرجوا للدراسة في الخارج في الثمانينيات، أو منذ تولي القذافي الحكم، فاستقر بهم الحال في لندن دون عودة.
كيف يمكن لحدث واحد هو مظاهرات الطلبة أمام السفارة الليبية في لندن أن يغيّر حياة الناس بهذا الشكل؟
فتحت عصابات القذافي النار على المتظاهرين فقتلت وأصابت.. في لندن! حتى المذيع محمد مصطفى رمضان في إذاعة بي بي سي العربية اغتاله نظام القذافي.
يتحول موقع الحدث لبؤرة خوف وإرهاب وتهديد طيلة ثلاثين عامًا تلته حتى يعودون إليه بشجاعة للمواجهة مع الماضي. يستمر الزمان في النص إلى ما بعد الثورة وحتى عام 2016، ونشهد تحولات سياسية عاصفة بالصداقة وبالنفوس يُحمل فيها السلاح.
فازت الرواية بجائزة جورج أورويل للرواية السياسية 2025 وجائزة الكتب الوطنية الأمريكية لنفس العام، كما ترشحت لجائزة البوكر الدولية وجائزة Inside الأمريكية الأدبية الفريدة من نوعها لتولي مساجين يقضون أحكامًا قضائية الإشراف عليها.
“أكبر هدية منحني إياها والدي هي احترام حريتي الشخصية واحترام التعددية التي بداخلي والتعددية الموجودة في الأسرة”
الأديب الليبي هشام مطر يتحدث لـ “نون بوست” ببساطة عن الكتابة، الجوائز، والمنفى بين العربية والإنجليزية، في حوار إنساني قريب أجرته الصحفية @hananzaz… pic.twitter.com/evXpXjhczo
— نون بوست (@NoonPost) February 25, 2026
هناك روايات وأعمال أدبية أخرى للأسماء السالف ذكرها، وهناك أسماء ليبية أخرى غيرها كان الأدب لهم وسيظل نبضًا حيًّا لا يتوقف عن طرح الأسئلة. نذكر من هذه الأسماء على سبيل المثال إبراهيم الكوني وأحمد إبراهيم الفقيه ورزان نعيم المغربي ومحمد الأصفر. بيد أن الروايات المذكورة بالقائمة هنا قطعت شوطًا كبيرًا في التحرر من النمطية وأجادت التعبير عن بيئتها وعالمها ليصبح كُتّابها اليوم صوتًا مستقلًا ومميزًا في خارطة الأدب العربي، يُقاوم بالكتابة، ليبقى الناس أحياءً في ذاكرة الزمن.