حصل “نون بوست” على قائمة حصرية تضم 3531 فردًا وشركة ومؤسسة، صدرت بحقها قرارات تجميد للأصول فرضتها لجنة مكافحة الكسب غير المشروع في سوريا، وهي لجنة أُحدثت بموجب قرار رئاسي في أيار/ مايو 2025، بهدف “حماية المال العام ومكافحة الكسب غير المشروع بجميع أشكاله، واسترداد الأموال غير المشروعة، وتعزيز النزاهة والشفافية في مؤسسات الدولة وقطاعات الأعمال”.
نظرًا لعدم إمكانية التحقق من الطبيعة القانونية النهائية لجميع السجلات الواردة في القائمة، يمتنع “نون بوست” عن نشر أي أسماء أو بيانات شخصية، تماشيًا مع تحذير اللجنة من تداول الأسماء لما قد يمثله ذلك من مساس بحقوق الأفراد وتعريض للمساءلة القانونية.
يقدّم هذا التقرير قراءة هيكلية وإحصائية في بنية القائمة وتحليل مؤشراتها العامة، بالاعتماد على ما ورد فيها من بيانات تفصيلية تتجاوز الاسم الثلاثي أو الرباعي، لتشمل مكان وسنة الولادة، وأرقام وتواريخ قرارات تجميد الأموال، وقرارات فك الحجز لمن قام بتسوية وضعه، دون المساس بخصوصية أي شخص أو جهة أو التأثير على عمل اللجنة.
أفراد وشركات
تضم القائمة في مجموعها الكلي 3463 فردًا و68 شركة ومؤسسة تجارية، وضعت “لجنة مكافحة الكسب” قرارات بتجميد أصولهم، ورفعت التجميد عن بعضها، لتستقر على 3293 فردًا ما زالت أموالهم مجمّدة مقابل 170 فردًا صدرت بحقهم قرارات فك تجميد. وبالمثل في مسار الشركات، يضم الملف 47 شركة لا يزال التجميد بحقها ساريًا في حين رُفع التجميد عن 21 شركة متبقية.
بتتبع قرارات رفع التجميد، تظهر الأرقام تفاوتًا كبيرًا بين الشركات والأفراد في سرعة وطبيعة الاستجابة لتصحيح الأوضاع القانونية والمالية، فبينما نجحت 21 شركة من أصل 68 في الحصول على قرارات برفع التجميد واستئناف نشاطها (أي بنسبة استجابة تناهز 31%)، لم تتجاوز نسبة الأفراد الذين رُفع التجميد عن أموالهم 5% فقط (170 فردًا من أصل 3463).
زمنيًا، تظهر القائمة أن عمليات تجميد أموال الأفراد والشركات بدأت في تشرين الأول/أكتوبر 2025 وتواصلت حتى 22 حزيران/ يونيو 2026.
جغرافيًا، أظهرت البيانات أن دمشق وريفها شكلا الثقل الأكبر لإجراءات التجميد بنسبة قاربت 45% من إجمالي الشركات الملاحقة، تلتها اللاذقية وطرطوس بنسبة تقارب 25%، في حين توزعت النسبة المتبقية بين حماة وحلب وحمص وباقي المحافظات.
كما طالت قرارات التجميد المنشآت العاملة في المدن الصناعية والمناطق الحرة بنسبة بلغت نحو 15% من الكيانات التجارية، ما يشير إلى توجه لملاحقة حركة الرساميل والاستثمارات الكبرى التي تحظى بمزايا وإعفاءات ضريبية وإخضاعها لمنظومة التدقيق المالي.
قطاعيًا، صدرت قرارات التجميد بحق شركات صرافة وتحويل مالي وتسويق سياحي وسفر وأدوية بشرية ومواد تجميل، وشركات الخدمات الأمنية والحراسة، وقطاع الطيران والشحن، وشركات الدفع الإلكتروني والاتصالات، وشركات قابضة ومجموعات إنشائية ومنشآت للصناعات الثقيلة.
امتداد النفوذ العائلي والمناطقي
عائليًا، تكشف البيانات أن قرارات التجميد طالت عائلات بأكملها، فرغم كثرة الأسماء في القائمة، إلا أنها تنتمي إلى 605 قيود مدنية (خانات عائلية)، بمعدل يصل إلى 5 أو 6 أفراد من الأسرة الواحدة، ما يرجّح أن اللجنة عندما كانت تصدر قرارًا بحق رجل أعمال أو مسؤول، كان الحجز يشمل تلقائيًا زوجته وأولاده وبناته المدرجين معه في نفس الدفتر العائلي لمنع نقل الأملاك أو تهريب الثروة أو كتابتها بأسماء عائلة الشخص المستهدف والمقربين منه.
لا تتضمن القائمة الصفة الوظيفية أو الخلفية المهنية للأفراد، لكن عند تفكيك الكُنى والعائلات الأكثر تكرارًا في القائمة، يتبين أن القرارات طالت مباشرةً عائلات تجارية بارزة تمتلك شبكات أعمال ونفوذ وارتباطات وثيقة بنظام الأسد المخلوع.
وسجلت بعض الكُنى حضورًا كثيفًا زاد عن 15 إلى 20 فردًا من العائلة الواحدة (كنية مشتركة)، ما يشير إلى أن التدقيق المالي استهدف تفكيك “الامتداد العائلي” للثروة، وليس فقط الأنشطة الفردية لرجال الأعمال المستهدفين.
أما من ناحية أماكن الولادة للأفراد، فتصدرت دمشق القائمة بـ1112 مولدًا، تلتها حلب بـ148، ثم اللاذقية بـ119 مولدًا، وجاءت بعدها حماة بـ97، وحمص بـ80، وطرطوس بـ74 مولدًا.
وكان لافتًا ورود بلدات معينة بأعداد مرتفعة تغلبت فيها على مراكز محافظات بأكملها، حيث سجلت بلدة قرفا في ريف درعا 66 مولدًا، تلتها جبلة بـ60، ثم القرداحة بـ49، وتلكلخ بـ32 مولدًا، في حين توزعت بقية الأعداد على بقية المحافظات السورية، إلى جانب مواليد خارج البلاد في دول خليجية وأوروبية وعربية.
وفق الفئات العمرية، تصدّرت الشريحة المتوسطة لرجال الأعمال والمسؤولين (من 36 إلى 65 عامًا) القائمة بنسبة 45% من إجمالي المستهدفين بالإجراءات الرقابية.
وجاءت في المرتبة الثانية شريحة الشباب والأطفال (من عمر يوم وحتى 35 عامًا) بنسبة بلغت 40%، وكان لافتًا ضمن هذه الفئة ورود أسماء أطفال قاصرين دون سن الثامنة عشرة شكلوا وحدهم ما بين 5% إلى 7% من الأسماء. بينما جاءت فئة كبار السن (فوق 65 عامًا) بنسبة بلغت 15% من مجموع الأسماء المدرجة.
ما لجنة الكسب غير المشروع؟
تسعى الإدارة السورية الجديدة إلى النهوض بالاقتصاد السوري المتهالك وانتشاله من أزماته المتراكمة على مدار 14 عامًا، حيث أدى حكم نظام الأسد إلى تهالك بنيوي في الاقتصاد، والذي أداره عبر “تجار الحرب” وحيتان المال، واعتمد على آليات التحايل على العقوبات، وصناعة المخدرات، وسط انهيار كامل للقطاعات الإنتاجية.
وأجرت الإدارة السورية عدة تغييرات اقتصادية وأحدثت مؤسسات وكيانات لإدارة وجذب الاستثمار، وكثفت مكافحة الفساد وأعادت تنظيم مؤسسات الرقابة منها هيئة المركزية للرقابة والتفتيش، وإحداث لجنة مكافحة الكسب غير المشروع بعد نحو 5 أشهر على الإطاحة بنظام بشار الأسد.
يرأس اللجنة المهندس باسل السويدان، الذي يشغل عدة مناصب من بينها منصب وزير الزراعة منذ أيار/ مايو 2026، ومهمتها، وفق موقعها الرسمي، “صون المال العام من خلال التحقيق في حالات الكسب غير المشروع، وإدارة برامج التسويات والإفصاح الطوعي، واسترداد الأموال المشبوهة لصالح الخزينة العامة للدولة، ونشر ثقافة النزاهة، وتعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة”.
وتعرض اللجنة برنامجًا للإفصاح الطوعي، كان من المقرر أن ينتهي في نهاية أيار/ مايو 2026، قبل أن تعلن عن تمديده ثلاثة أشهر إضافية، فيما تتيح هذه الآلية للأفراد والكيانات المشتبه بتحقيقهم مكاسب غير مشروعة تسوية أوضاعهم المالية من خلال تسويات تفاوضية، حيث تقدّم اللجنة هذا المسار باعتباره وسيلة لتسريع استرداد الأصول في ظل القيود القضائية وطول المدد المرتبطة بإجراءات التقاضي الرسمية.
في المقابل، تثير هذه “التسويات” المالية مع رجال أعمال مقربين من نظام الأسد المخلوع غضبًا في الشارع، وسط مطالب شعبية بمحاسبتهم وعدم إعادة تدويرهم في الاقتصاد الوطني.
وعقب احتجاجات شعبية ارتبطت بـ”التسويات”، أوضحت اللجنة أن التسويات لا تُسقط الحقوق العامة، ولا تُعفي المشاركين فيها من المسؤولية الجنائية، كما لا تؤثر في المطالبات القانونية الشخصية للمتضررين.
وفي ذات السياق، شدد رئيس اللجنة باسل السويدان على أن استرداد الأصول يجري بالتوازي مع آليات العدالة الأخرى ولا يحل محل المساءلة الجنائية، مؤكدًا أن هذه التسويات تهدف إلى استرداد الجزء الأكبر من الأموال غير المشروعة، وإعادة النشاط الاقتصادي إلى الإطار الرسمي، وطيّ الملف المالي دون المساس بحقوق الدولة أو القضاء أو الضحايا.
ويشير تقرير لشركة “كرم شعار” للاستشارات إلى أن الغموض القانوني ما يزال يحيط بآلية عمل اللجنة، فبينما تحدد المادة الرابعة من مرسوم التأسيس اختصاص اللجنة بأصحاب المناصب العامة والموظفين المدنيين والعسكريين، ركّز التطبيق العملي حتى الآن أساسًا على رجال أعمال من القطاع الخاص مرتبطين بالنظام السابق. ويثير هذا التباين بين الاختصاص المحدد قانونًا والجهات المستهدفة عمليًا تساؤلات جوهرية حول حدود تفسير اللجنة لصلاحياتها، والأساس القانوني الذي تستند إليه في ملاحقاتها.
رغم الانتقادات، تعكس الأسماء الواردة في القائمة والتصريحات المعلنة من لجنة مكافحة الكسب غير المشروع ملامح الجهود في التعامل مع تركة النفوذ المالي المعقدة، وتجفيف منابع الشبكات المالية الملتوية التي نمت خلال سنوات الحرب، وشلّ قدرة الواجهات الاقتصادية على تحريك تلك الأموال أو تهريبها، وسط تطلعات بإعادة ترتيب المشهد الاقتصادي على أسس المحاسبة، وتطهير قطاع الأعمال من الآثار التدميرية لشبكات اقتصاد الحرب وتجار “الدم”.