Also available in English
لم يكن سرًا أن العراق يعاني الفساد؛ فكل من يتابع الشأن العراقي ويكتب عنه يعرف جيدًا أن هناك منظومة فساد اخترقت بنية الدولة، بل تحولت هي نفسها إلى دولة موازية. ولكن بالتأكيد، لم يكن هناك من يدرك أو يعتقد من المتابعين لهذا الشأن، أن حجم التغول قد وصل إلى ما كشفت عنه “صولة الفجر” التي جرت الأحد الماضي، والتي طالت من يمكن وصفهم بأنهم “الطبقة الوسطى” من الفاسدين في العراق، لا الحيتان الكبرى أو القطط السمان.
نعم، كنا نعرف أن هناك فسادًا مستشريًا في العراق، والمؤشرات الدولية كانت تتحدث عن ذلك باستمرار، وترتيب العراق في هذه المؤشرات معلوم؛ لكن أن يكون لدى أحد النواب نحو 4 مليارات دولار، جزء كبير منها مكتنز نقدًا، فذلك ما لم يكن ليتوقعه أحد، حتى أكثر المتابعين تخصصًا وتعمقًا في هذا الملف.
ما جرى فجر الأحد، يدفعنا إلى طرح السؤال الأهم: كيف تشكلت هذه المنظومة الفاسدة حتى باتت تحكم بلدًا بحجم العراق وثرواته؟ من أسس لهذا الخراب؟ من فتح خزائن الأموال وسرق قبل كل ذلك معايير القيم والأخلاق والمبادئ، وعطّل القوانين التي كان يمكن أن تلاحق هؤلاء جميعًا؟
2003.. من هنا بدأنا
في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق ربيع عام 2003، عاشت البلاد مفارقة غريبة؛ فهي بهذا الاحتلال، خرجت من أتون حصار اقتصادي خانق ظل يربط على أنفاس العراقيين طيلة 13 عامًا، بدأ مع غزو الكويت عام 1990، وانتهى بنهاية النظام العراقي واحتلال البلاد. وعندما نتحدث عن الحصار، فإننا نتحدث عن أبشع فعل يمكن أن يُماَرس بحق شعب من الشعوب، وعن أقذر أداة استخدمتها المنظومة الدولية بقيادة الولايات المتحدة لمعاقبة النظام -كما زعمت- لكنها عاقبت الشعب العراقي أشد عقوبة، فكان أن خرج من مأساوية الحصار بتشوهات اجتماعية عميقة طالت روح الإنسان وقيمه ومبادئه، قبل أن تطال جسده، تشوهات تفاقمت لاحقًا في ظل الغزو.
وفي مقابل هذا المشهد، كان هناك مشهد آخر يتكرس؛ مشهد الانفتاح المفاجئ، وتدفق الأموال بلا كوابح، لشعب جاع حتى أكل أصابع يديه، ثم فجأة جاء المحتل وفتح أبواب مؤسسات الدولة ونادى المواطنين: “تعالوا وخذوا أموالكم التي نهبها النظام السابق”.
جدارية الخراب العراقي بدأت من هناك؛ من لحظة الاحتلال التي سبقتها لحظة التجويع، حتى إذا دخل المحتلون وجدوا أمامهم شعبًا يتوق إلى كل شيء، لأنه ببساطة كان محرومًا من كل شيء. فحين سقطت بغداد في التاسع من نيسان/أبريل 2003، لم يجلب الأمريكيون معهم ترسانتهم العسكرية وحسب، بل أحضروا فلسفة في إدارة الدولة تقوم على شراء الولاءات وتوزيع النفوذ والمال بعيدًا عن أي معيار للكفاءة أو النزاهة، حيث أسست سلطة الائتلاف المؤقتة، بقيادة الحاكم المدني بول بريمر، الإطار القانوني والعملي لما يمكن تسميته “الفساد المؤسسي”.

دارت أولى عجلات الفساد عبر محاولة السيطرة على “السلطة الرابعة” وصناعة نخب مدنية مطواعة؛ فبعد أيام قليلة من الغزو، نشرت قوات الاحتلال إعلانات على جدران المساجد في بغداد تدعو الصحفيين للتوجه إلى فندق “فلسطين”.
ورغم رفض قطاع واسع من الصحفيين الوطنيين التعامل مع المحتل، فإن نفرًا آخر ذهب ليحصل على امتيازات إصدار صحف، وأموال ودعم مالي مباشر، وتعيينات دون امتلاك أدنى خبرة مهنية.
لم يقتصر الأمر على الإعلام، بل امتد إلى “منظمات المجتمع المدني” التي تدفقت عليها إعانات شهرية من بعثات دولية وسلطات الاحتلال؛ فكان يكفي لأي شخص أن يستأجر غرفة في بناية ويضع لافتة باسم منظمة وهمية لتبدأ الأموال بالهطول دون رقابة. وحتى على مستوى الرمزية السيادية، لم يتورع بول بريمر في نهاية فترة عمله عام 2004 عن إهداء أختام أثرية عراقية لا تقدر بثمن لمترجمته الخاصة، في إشارة مبكرة إلى استباحة الهوية والثروة العراقية.
أما العقود والمشاريع الكبرى لإعادة الإعمار، فقد صُممت لتكون المزرعة الخلفية للشركات الأمريكية الكبرى المحمية من واشنطن (مثل هاليبرتون وبكتيل) التي مُنحت عقودًا بالمليارات دون أدنى منافسة علنية أو شفافية. وفيما يخص المقاولين المحليين، فإن معيار الفوز بالمشاريع لم يكن المواصفات الفنية أو الأسعار التنافسية، بل حجم العمولات والرشاوى التي تُدفع للقائمين على سلطات الاحتلال والمقربين منهم.
لقد أقر تقرير المفتش العام الأمريكي الخاص بإعادة إعمار العراق (SIGIR) لاحقًا بضياع عشرات المليارات في مشاريع وهمية أو مبالغ في قيمتها، لكن الأخطر من المال الضائع كان “الدرس البليغ” الذي لقنته سلطة الاحتلال للفاعلين السياسيين المحليين: أن الدولة ومشاريعها ليست لخدمة المواطن، بل هي غنيمة لتمويل الحزب، وصناعة شبكات الولاء، وشراء الضمائر.
وراثة الفساد.. تحويل الوزارات إلى “إمارات حزبية”
حين تسلّمت القوى والأحزاب السياسية (التي نمت تحت حراب المحتل) مقاليد السلطة عبر الحكومات المتعاقبة، لم تتخلَّ عن إرث بريمر، بل طوّرته وأضافت إليه أبعادًا غاية في التعقيد. تحول النظام السياسي بموجب “المحاصصة الطائفية والحزبية” إلى آلية لتقسيم الدولة كالغنائم؛ حيث أصبحت كل وزارة حصةً حصرية لحزب أو كتلة معينة.
استحدثت هذه الأحزاب نظام “الوزارة السيادية والخدمية كإمارة حزبية”؛ فالوزير المعين لا يرى نفسه موظفًا عامًا في خدمة الشعب، بل ممثلًا لمصالح حزبه داخل هذه المؤسسة. ووصل الاستهتار التشريعي إلى حد صياغة قوانين وتشريعات مبطنة تمنح “مكافآت ونسبًا” تصل إلى 10% من قيمة العقود والمشاريع الحكومية للجهات الموقعة؛ ولك أن تتخيل حجم ما يمكن أن يجنيه وزيرٌ في وزارة سيادية كوزارة النفط أو الكهرباء، حيث تبلغ قيمة العقود السنوية مليارات الدولارات.
تحت هذا النظام، غدت التعيينات الحكومية أداة للحشد الحزبي والانتخابي، وامتد الهيكل الإداري للدولة ليمتلئ بمئات الآلاف من “الفضائيين” (الموظفين الوهميين الذين يتقاضون رواتب دون عمل) وموظفين يدينون بالولاء المطلق للحزب لا للدولة. وساهم الفراغ المؤسسي الذي تركه قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية (2004) والدستور الدائم (2005) في غياب أي آليات رقابية حقيقية، مما سمح لشبكات الفساد بأن تنمو وتتضخم حتى أصبحت أكبر وأقوى من مؤسسات الدولة القضائية والرقابية.
لغة الأرقام.. العراق في قاع المؤشرات الدولية
لا يحتاج المراقب إلى جهد كبير لإثبات حجم التآكل الذي أحدثه الفساد في جسد الدولة العراقية، فالأرقام الصادرة عن الهيئات الدولية ترسم صورة قاتمة ومفزعة.
تصنف منظمة الشفافية الدولية في مؤشراتها السنوية لمدركات الفساد العراقَ باستمرار ضمن الدول الأكثر فسادًا في العالم (احتل المرتبة 136 من أصل 182 في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025)، ما يعكس تغلغلًا حادًا للجريمة المالية يوازي الدول الهشة التي تعيش حروبًا أهلية طاحنة.
يُصنف العراق فعليًا ضمن الدول المتأخرة عالميًا في مؤشرات الحوكمة، إذ تشير بيانات مؤشرات الحوكمة العالمية الصادرة عن مجموعة البنك الدولي إلى وقوعه في شرائح متدنية جدًا (الشرائح الخمس الدنيا) في معياري سيادة القانون والفاعلية الحكومية مقارنة بمعظم دول العالم.
وفي لحظات نادرة من الصراحة الحكومية، تشير التقديرات الرسمية إلى أن ما بين 150 إلى 200 مليار دولار قد جرى تهريبها أو سرقتها عبر مشاريع وهمية طيلة العقدين الماضيين.
ولعل الذروة الدراماتيكية لهذه المنظومة تجلت فيما بات يُعرف بـ”سرقة القرن” (2021-2022)، وهي عملية احتيال ضريبي منظمة تم من خلالها سحب وتسهيل سرقة أكثر من 2.5 مليار دولار من أموال الأمانات الضريبية في مصرف الرافدين الحكومي، عبر شركات وهمية حديثة التأسيس وبتواطؤ وتسهيلات من مسؤولين كبار ونواب وأحزاب نافذة. هذه الحادثة كشفت للعالم أن الفساد في العراق لم يعد مجرد “رشوة” يتقاضاها موظف صغير، بل عمليات هندسة مالية معقدة تديرها شبكات عابرة للمؤسسات.

المكاتب الاقتصادية للميليشيات.. السلاح يحمي المال والمال يشرعن السلاح
مع حلول عام 2014 والتطورات الأمنية المتسارعة التي شهدها العراق عقب اجتياح تنظيم داعش لمدن واسعة، دخلت منظومة الفساد طورًا جديدًا وصادمًا تمثل في ظهور ما يُعرف بـ “المكاتب الاقتصادية التابعة للفصائل المسلحة” والقوى المهيمنة على الواقع الميداني. شكّل هذا التحول نقلة نوعية وجذرية؛ إذ لم يعد الفساد حكرًا على البيروقراطية الحزبية التقليدية، بل أصبح محميًا بقوة السلاح الفعلي.
أسست الفصائل المسلحة مكاتب اقتصادية في بغداد والمحافظات المستعادة والمنافذ الحدودية، وتدخلت هذه المكاتب فرضًا وبقوة الأمر الواقع في شتى القطاعات: من عقود استيراد وتصدير البضائع، إلى مشاريع المقاولات الإنشائية، والسيطرة على الأراضي والعقارات المتميزة، والمنافذ البرية والبحرية، وحتى تجارة المحروقات والاتصالات. تعمل هذه المكاتب بآلية مزدوجة: فإما أن تحتكر المشاريع لصالح شركاتها الواجهة، أو تفرض “إتاوات” ونسبًا مئوية صارمة على المستثمرين والمقاولين المستقلين مقابل السماح لهم بالعمل وحمايتهم.
الخطورة البالغة هنا تكمن في “التحالف العضوي” بين السلاح، والمال، والسياسة؛ فالأجنحة العسكرية تمتلك كتلًا برلمانية قادرة على تشريع القوانين وتعيين المديرين العامين والوكلاء في الوزارات الخدمية، والمال المستحصل من الفساد يذهب لتمويل الآلة العسكرية والحملات الانتخابية، بينما الغطاء السياسي يضمن تحصين الفاسدين من الملاحقة القضائية. هذا التمترس خلف السلاح جعل من شبه المستحيل على لجان النزاهة أو القضاة المستقلين فتح ملفات الفساد الكبرى؛ إذ سرعان ما كان يُجابه أي تحرك بالتهديد بالتصفية الجسدية، أو اتهام المحققين بـ”إثارة الفتن الطائفية”، فدُفنت مئات القضايا في أدراج النسيان خوفًا من فوهات البنادق.

الزبائنية السياسية.. الشعب شريك غير واعٍ في المنظومة
أفرزت العقود الماضية نظامًا اجتماعيًا واقتصاديًا مشوهًا يُعرف في العلوم السياسية بـ “الزبائنية السياسية” أو نظام المحسوبية الراسخة. في هذا النظام، تعيد الطبقة الحاكمة إنتاج نفسها عبر تحويل الوظيفة العامة والخدمات الأساسية إلى “أعطياتٍ” تُمنح للموالين؛ فالأحزاب لا تقدم برامج تنموية لبناء اقتصاد مستدام، بل تستخدم أموال النفط لتعيين مئات الآلاف في القطاع الحكومي المتضخم لضمان ولائهم الانتخابي.
هذا التخادم جعل المواطن البسيط شريكًا مجبرًا أو غير واعٍ في إدامة المنظومة؛ فالتصويت في الانتخابات غدا مرتبطًا بمدى قدرة الحزب أو النائب على توفير فرصة عمل شخصية، أو التوسط لإلغاء عقوبة، أو تسهيل معاملة مرورية، أو صحية؛ وبالتالي، تحولت الانتخابات من أداة للمحاسبة والتغيير إلى آلية دورية لتجديد شرعية الطبقة الفاسدة وتوزيع كعكة الدولة بين الكتل الكبرى.
وكان الأثر التراكمي لهذا السلوك هو تجريف مؤسسات الدولة وتفريغها من قيمتها المهنية؛ فالجيش والمؤسسات الأمنية عانت في مراحل معينة ترهلًا إداريًا وفسادًا في عقود التسليح والموظفين الوهميين، مما ساهم في الانهيار الأمني المريع عام 2014. والجهاز القضائي، رغم وجود قضاة نزيهين، تعرض لضغوط تسييس هائلة جعلته غير قادر على التحرك بحرية كاملة في القضايا السيادية. وظل ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة الاتحادية محكومين بسقوف سياسية لا يمكن تجاوزها، والنتيجة إجهاض كل انتفاضة شعبية طالبت بالإصلاح، وكان أبرزها حراك تشرين الأول/أكتوبر 2019 الذي قوبل بقمع مفرط وممنهج من قبل شبكات المصالح المستميتة للدفاع عن امتيازاتها.
صولة الأحد.. هل هي بداية التفكيك أم جولة إعلانية جديدة؟
في الساعات الأولى من فجر يوم أحد حار من أيام بغداد، وعلى وقع أزمة الكهرباء الأزلية التي تذكر العراقيين كل ثانية بحجم الخراب، شهدت العاصمة العراقية مشهدًا غير مألوف كسر جمود المشهد السياسي تمامًا؛ فقد أغلقت قوات أمنية خاصة كافة مداخل ومخارج “المنطقة الخضراء” الحصينة، وفرضت إجراءات مشددة، قبل أن تنطلق في حملة دهم واعتقالات واسعة شملت قصورًا ومنازل لسياسيين بارزين، ونواب حاليين وسابقين، ومسؤولين تنفيذيين فيما بات يُعرف بـ” صولة الفجر”.
لم تكن هذه الحملة، التي طالت عشرات الشخصيات من الوزن الثقيل، خطوة اعتيادية؛ بل اعتُبرت السابقة الأبرز لحكومة رئيس الوزراء علي الزيدي الجديدة في إطار تحركاتها لملاحقة ملفات الفساد. انطلقت شرارة هذه الحملة من خيوط تداعت إثر التحقيق مع وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي، والذي قاد اعتقاله والاعترافات التي أدلى بها إلى كشف شبكة ممتدة من المتورطين، وصدور أوامر قبض قضائية شملت مسؤولين كبارًا وأعضاء في مجلس النواب رُفعت عنهم الحصانة.
تشير المعطيات المسربة من كواليس بغداد إلى أن هذه الحملة تتحرك هذه المرة بغطاء محلي مشفوع بضغوط دولية؛ حيث نقلت وسائل الإعلام ترحيبًا شعبيًا واسعًا بخطوات ملاحقة المتورطين واسترداد المال العام، في وقت وجه فيه رئيس الوزراء بإنشاء حساب خاص لإيداع الأموال المستردة من قضايا الفساد لضمان عودتها إلى خزينة الدولة وعدم تسربها مجددًا.

ولعل ما يمنح هذه الحكومة فرصة لمواصلة عمليتها ضد دولة الفساد في العراق، هي أنها حديثة عهد لم يمضِ على تشكيلها أكثر من شهرين، وبالتالي لم تتورط بعد في تحالفات عميقة مع حيتان الفساد، بالإضافة إلى الضغط الأمريكي الذي بات يتعامل مع الملف العراقي بوصفه ملفًا مكملًا لمواجهته مع طهران؛ فلا يمكن أن تنجح أي استراتيجية تستهدف شبكات النفوذ دون التعامل مع قدرة إيران وتغلغلها داخل العراق. فالعراق وعلى مدى عقدين من الزمن كان بمثابة الرئة الاقتصادية التي يتنفس عبرها اقتصاد إيران في ظل العقوبات الأمريكية، فضلًا عن الفصائل العراقية التي تعتاش هي الأخرى على أموال الفساد والتي ساهمت بشكل كبير في تدعيم الجبهات الإقليمية خلال الحرب الأخيرة.
الأهم من كل ذلك، أن هذه الحملة التي قادها الزيدي مدعومة شعبيًا وبشكل منقطع النظير، وفي حال فشلها فإن ذلك سيرتد سلبًا على الحكومة ومستقبلها وعلى ثقة المواطن العراقي بها، بعد أن رفع سقف آماله وتوقعاته في رؤية كل الرؤوس الفاسدة تقبع خلف قضبان العدالة التي طال انتظارها.
إن المقياس الحقيقي لنجاح هذه الهبة الأمنية والقضائية لن يكون في اعتقال موظفين من الصف الثاني أو الثالث، أو في استعراض مبالغ مالية أمام وسائل الإعلام؛ بل يكمن في مدى قدرة وجرأة سلطة القانون على اختراق الحصانة غير المعلنة لرؤوس الفساد الكبرى: قادة الكتل السياسية الذين أداروا بورصة المغانم لسنوات، والوزراء السابقين الذين بنوا إمبراطوريات مالية في عواصم الإقليم والغرب، وقادة الفصائل المسلحة الذين حوّلوا السلاح الممول من الدولة إلى أداة لابتزازها واحتكار مواردها.
إن تفكيك دولة الفساد العميق يتطلب ما هو أكثر من حملات دهم ليلية؛ إنه يتطلب استقلالًا مطلقًا وجريئًا للقضاء العراقي، وإعادة صياغة جذرية لآليات التعاقد والتوظيف، وتجفيف منابع المال السياسي غير المشروع. لقد كان فجر الأحد إيذانًا بكسر المحظور، لكنه سيبقى فجرًا غير مكتمل إذا لم تواصل الحكومة متابعة ملفات الفساد وحيتانه بطريقة يستعيد فيها العراق وضعه الطبيعي كدولة قادرة على أن تجد لنفسها مكانًا في نظام إقليمي يتشكل، نظام لا يجب أن يغيب عنه العراق، حتى لا يظل غنيمة لمشاريع الآخرين.