منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، شهد قطاع الطيران المدني السوري تحولات بارزة، تمثلت في بدء إعادة ربط البلاد بشبكات النقل الجوي الإقليمية والدولية، بعد أكثر من عقد من العزلة التي فرضتها سياسات النظام البائد وما ترتب عليها من عقوبات دولية طالت القطاع، إلى جانب التداعيات الواسعة للحرب والعمليات العسكرية التي ألحقت أضرارًا كبيرة بالبنية التحتية وأدت إلى انحسار حركة النقل الجوي.
فكيف تطورت خريطة الطيران في سوريا منذ كانون الأول/ديسمبر 2024؟ ومن هي شركات الطيران التي بادرت إلى كسر العزلة الجوية؟ وكيف اتسعت شبكة الوجهات والناقلات خلال العامين الماضيين؟ وما الذي تكشفه هذه التحولات عن مسار انفتاح سوريا على محيطها الإقليمي وعودتها التدريجية إلى منظومة النقل الجوي الدولية؟
عودة الناقلات الجوية.. من بدأ كسر العزلة؟
كانت العودة الفعلية لحركة الطيران الدولية إلى سوريا في 7 كانون الثاني /ديسمبر 2025 اليوم الذي أُعيد فيه افتتاح مطار دمشق الدولي أمام الرحلات الدولية، وقد سُجّلت الخطوط الجوية القطرية كأول خطوط عربية تستأنف رحلاتها المنتظمة إلى دمشق بعد انقطاع دام أكثر من ثلاثة عشر عامًا، لتكون أول من يكسر العزلة الجوية عن البلاد، وتمهد الطريق أمام عودة شركات الطيران الإقليمية والدولية تباعًا.
بعد أسابيع قليلة اتسعت دائرة الناقلات العائدة، ففي 23 كانون الثاني/يناير 2025 أعادت الخطوط الجوية التركية تشغيل رحلاتها المباشرة بين إسطنبول ودمشق، ثم لحقت بها الملكية الأردنية بإعادة تشغيل خط عمّان–دمشق في نهاية الشهر نفسه، لتستعيد سوريا أحد أهم خطوطها الجوية مع دول الجوار.
وخلال الأشهر التالية، تسارعت وتيرة عودة الناقلات الإقليمية إذ استأنفت العربية للطيران و فلاي دبي رحلاتهما من دولة الإمارات، كما عاد طيران الجزيرة الكويتية وAJet التركية إلى تشغيل رحلاتهما نحو دمشق، في وقت أخذت شبكة الوجهات تتوسع تدريجيًا مع تزايد الطلب على السفر.
وفي شهر يونيو/حزيران 2025 أطلقت شركة Dan Air الرومانية رحلات مباشرة بين بوخارست ودمشق، لتصبح أول ناقلة من إحدى دول الاتحاد الأوروبي تستأنف رحلاتها إلى سوريا منذ اندلاع الثورة. واستمر هذا الزخم خلال عامي 2025 و2026 بانضمام شركات إضافية، من بينها فلاي شام وطيران ناس السعودية. وفي 1 أيار/مايو 2026 أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني أن عدد شركات الطيران التي استأنفت رحلاتها من وإلى مطاري دمشق وحلب الدوليين ارتفع إلى 12 شركة.
وقال رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي عمر الحصري، لـ”نون بوست”: “سجّل مطار دمشق الدولي خلال شهر تموز/يوليو 243,260 مسافرًا عبر 2,088 رحلة، شغّلتها 16 شركة طيران، فيما سجّل مطار حلب الدولي 66,183 مسافرًا عبر 608 رحلات، مع تشغيل 12 شركة”.
وأضاف: “تشير هذه الأرقام إلى اتساع قاعدة الناقلات العاملة وتنوعها، في وقت بدأت فيه شبكة الوجهات السورية تستعيد تدريجيًا امتدادها العربي والإقليمي والدولي.
وذكر الحصري أن عدد الطائرات العابرة للأجواء السورية بلغ خلال الشهر نفسه 20,315 طائرة، وهو ما تعتبره الهيئة مؤشرًا إضافيًا على عودة سوريا تدريجيًا إلى مسارات الملاحة الجوية الإقليمية والدولية.
لماذا تعود شركات الطيران الآن؟
تأتي عودة شركات الطيران إلى سوريا نتيجة مجموعة من المتغيرات السياسية والاقتصادية والتشغيلية، وقد كان التحول السياسي الذي أعقب سقوط نظام الأسد وما تبعه من انفتاح إقليمي ودولي في مقدمة هذه المتغيرات، إذ أسهم في استعادة الثقة تدريجيًا بقطاع الطيران السوري، وفتح الباب أمام إعادة ربط البلاد بشبكات النقل الجوي الإقليمية والدولية.
إلى جانب التحولات السياسية، لعبت جاهزية المطارات والبيئة التشغيلية دورًا أساسيًا في استعادة حركة الطيران، وفي هذا السياق يقول رئيس الهيئة العامة للطيران المدني عمر الحصري لنون بوست إن الهيئة عملت خلال الفترة الماضية على رفع الجاهزية التشغيلية للمطارات، بما شمل تأهيل المدارج وساحات وقوف الطائرات، وتطوير أنظمة الملاحة الجوية والاتصالات، وتعزيز إجراءات السلامة والأمن.
كما شملت الإجراءات، يضيف الحصري، رفع كفاءة الكوادر وتطوير الإجراءات التشغيلية بما يتوافق مع متطلبات الطيران المدني الدولي، بالتوازي مع مشاريع لتحديث منظومة الملاحة الجوية وزيادة الطاقة الاستيعابية للمطارات. وتهدف هذه الخطوات إلى بناء بيئة تشغيلية أكثر أمانًا وكفاءة قادرة على استيعاب النمو المتزايد في حركة النقل الجوي، بما يهيئ المطارات السورية لاستقبال مزيد من الناقلات الدولية وتوسيع شبكة الوجهات.
كما وسّعت الخطوط الجوية السورية، بصفتها الخطوط الرئيسية شبكة وجهاتها الدولية، فأعادت تشغيل رحلات مباشرة إلى أمستردام اعتبارًا من 2 يوليو/تموز 2026، واستأنفت رحلاتها إلى موسكو في 16 أغسطس/آب لتنضم هذه الوجهات إلى شبكة متنامية من الخطوط التي تربط سوريا بعدد من العواصم العربية والإقليمية والدولية.
وفي ردها على أسئلة نون بوست، اعتبرت الخطوط الجوية السورية أن “عودة شركات الطيران إلى سوريا تمثل خطوة إيجابية تسهم في تعزيز الربط الجوي مع مختلف الوجهات وتوفير خيارات أوسع للمسافرين، بما يدعم حركة السفر والنشاط الاقتصادي”. وأضافت الناقلة الوطنية السورية أنها تعمل في المرحلة الحالية على استعادة شبكة تشغيلها تدريجيًا، ومواكبة المتطلبات التشغيلية والفنية وتعزيز قدرتها التنافسية، بالتوازي مع دراسة افتتاح وجهات جديدة أو استئناف وجهات سابقة وفق الجدوى التشغيلية والتجارية واستكمال المتطلبات التنظيمية.
ماذا تعني عودة الرحلات للمسافرين؟
انعكست عودة شركات الطيران إلى سوريا بصورة مباشرة على تجربة المسافرين، بعد سنوات ارتبطت فيها الرحلات بالترانزيت الطويل والانتقال البري وارتفاع تكاليف السفر، بحيث أصبح الوصول إلى سوريا أكثر سهولة، وتوفرت خيارات أوسع للمسافرين من حيث شركات الطيران ومواعيد الرحلات والتكاليف وجودة التجربة، الأمر الذي خفف جانبًا من الأعباء التي تحملها المغتربون طوال السنوات الماضية.
محمد، موظف سوري يقيم في اسطنبول، قال إنه قبل استئناف الرحلات المباشرة مع سوريا، كان يضطر الى السفر إلى مطار رفيق الحريري في بيروت، ثم يكمل طريقه برًا إلى دمشق، في رحلة طويلة ومكلفة وساعات انتظار على معبر المصنع–جديدة يابوس إضافة إلى الخوف من التعرض للاعتقال أو المساءلة الأمنية على الحواجز التابعة للنظام السابق، أما اليوم فيحجز محمد رحلة مباشرة من إسطنبول إلى دمشق، ليصل خلال ساعتين، دون الحاجة إلى العبور البري أو المرور بالحواجز.
وتروي أم أحمد، وهي سورية تقيم مع أسرتها في الإمارات، كيف كانت رحلتها إلى منزل العائلة في درعا تستغرق يومًا كاملًا من السفر والمشقة، فقبل استئناف الرحلات المباشرة إلى سوريا، كانت العائلة تتجه أولًا إلى العاصمة الأردنية عمّان، ثم تواصل رحلتها برًا عبر معبر جابر–نصيب، وسط تنقل متكرر بين وسائل النقل، وساعات انتظار على الحدود، أما اليوم فتبدأ برحلة جوية مباشرة إلى مطار دمشق الدولي، قبل أن تتابع طريقها إلى درعا في وقت قصير، بعد أن اختصرت ساعات السفر الطويلة عبر الأردن ووفرت على العائلة الوقت والجهد وخففت كثيرًا من أعباء التنقل.
الشركات الألمانية تفتح نافذة جديدة على أوروبا
في أواخر تموز/يوليو 2026 أعلنت شركتا Sundair وLEAV Aviation الألمانيتان استئناف رحلاتهما المباشرة إلى سوريا، مع بدء LEAV Aviation تشغيل خط دوسلدورف–دمشق فيما بدأت Sundair تشغيل رحلاتها بين برلين ودمشق في 1 آب/أغسطس، ويكتسب دخول الشركتين إلى السوق السورية أهمية خاصة، إذ تتجاوز دلالاته حجم أسطوليهما وعدد الرحلات التي تشغلانها، فالشركتان تعملان وفق معايير الوكالة الأوروبية لسلامة الطيران (EASA)، وتخضعان لمتطلبات تشغيل وسلامة صارمة.
وعلى الصعيد العملي، من المتوقع أن تسهم الرحلات المباشرة بين ألمانيا وسوريا في تخفيف معاناة آلاف السوريين المقيمين هناك، عبر إنهاء الاعتماد على رحلات الترانزيت الطويلة وخفض تكاليف السفر، إلى جانب إعادة ربط جوي منتظم ومباشر بين البلدين بعد نحو خمسة عشر عامًا من الانقطاع.
وفي هذا السياق، يرى رئيس الهيئة العامة للطيران المدني “أن دخول الشركتين يمثل خطوة مهمة في مسار إعادة ربط سوريا بالقارة الأوروبية، ويعزز خيارات السفر المباشر بين سوريا وألمانيا”، كما يعتبر أنّ “تشغيل الناقلات الأوروبية من المطارات السورية مؤشر إيجابي على تحسن البيئة التشغيلية وارتفاع مستوى الثقة بقدرة المطارات السورية على تلبية متطلبات شركات الطيران الدولية”، معتبرًا هذه الخطوة جزءًا من مسار أوسع لإعادة سوريا إلى شبكة الطيران الأوروبية والدولية.
وعلى المدى الأبعد، يمكن أن تفتح الرحلات الجديدة المجال أمام أشكال أوسع من التعاون بين شركات الطيران السورية والأوروبية، بما في ذلك اتفاقيات المشاركة بالرمز أو الربط بين الرحلات، بما يتيح للمسافرين الوصول إلى وجهات أوروبية متعددة عبر شبكة الناقلات المتصلة بالسوق السورية.
نحو شبكة جوية أكثر اتساعًا
لا تزال سوريا في بداية مسار استعادة حضورها ضمن شبكة النقل الجوي الإقليمية والدولية، إذ تمثل عودة الخطوط والرحلات المباشرة خطوة أولى في طريق يتطلب استكمال تطوير البنية التحتية، ورفع الجاهزية التشغيلية، ومواصلة مواءمة إجراءات الطيران المدني مع المتطلبات والمعايير الدولية، بما يسهم في قدرة القطاع على بناء شبكة جوية مستقرة وقابلة للتوسع.
وفي الوقت نفسه، تعمل الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي على توسيع هذا المسار، إذ يقول السيد عمر الحصري “إن الهيئة تجري مباحثات مع ناقلات أخرى مهتمة بالسوق السورية، وتسعى إلى تحويل هذا الاهتمام إلى رحلات فعلية، بما يساهم في زيادة عدد الشركات والوجهات واستعادة الربط المباشر مع مزيد من المدن الأوروبية والدولية”.
وبينما تعيد هذه التطورات رسم جزء من خريطة الطيران السورية، يبقى التحدي في تحويل هذا الزخم إلى مسار دائم ومستمر، بحيث تتطور شبكة النقل الجوي وتصبح مستقرة ومتنوعة وقادرة على استقطاب مزيد من الخطوط والوجهات من وإلى البلاد.
