يجري رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي زيارة لافتة إلى العاصمة الأميركية واشنطن والتي بدأت الثلاثاء ولا تزال مستمرة، في أول زيارة خارجية له منذ توليه منصبه قبل أكثر من شهرين.
وتعد الزيارة ذات أهمية كبيرة للعراق، لا سيما في ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية والإقليمية المحيطة بالبلاد، في ظل مطالب أميركية بالغة الحساسية تشمل نزع سلاح الفصائل وفك ارتباط اقتصاد البلاد بإيران.
زيارة لافتة
يسعى الزيدي لتقديم رؤية جديدة ومستدامة للعلاقة مع الولايات المتحدة من خلال التحول من إطار التعاون العسكري إلى بناء شراكة استثمارية استراتيجية طويلة الأمد تسهم في تعزيز الواقع الاقتصادي والتنموي للعراق، وذلك بحسب ما أكده المتحدث باسم رئيس الوزراء حيدر العبودي.
وحظي الزيدي باستقبال لافت في واشنطن، إذ وبحسب شبكة CBS الإخبارية الأميركية، توقفت حركة الطيران في مطار رونالد ريغان الوطني لعدة ساعات يوم الثلاثاء؛ مما أدى إلى إلغاء أكثر من 100 رحلة جوية وتراكم وتوالي التأخيرات في الرحلات الأخرى.
وأضاف الموقع أن هذه الإجراءات جاءت نتيجة لإجراءات أمنية مشددة كانت تهدف لحماية رئيس الوزراء العراقي خلال زيارته إلى واشنطن العاصمة، والتي تتزامن مع ظروف الحرب الدائرة مع إيران، وفق الشبكة.
وخلال لقاء الزيدي بترامب في البيت الأبيض، وصف الأخير الزيدي بأنه “قائد رائع ووسيم” وأنه يحب العراق وأنه دعم الزيدي للوصول إلى سدة الحكم في العراق، إذ قال ترامب إنه كان مهتماً بوصول الزيدي لرئاسة الحكومة، معتبراً أن منافسه -نوري المالكي- كان يتبنى مواقف غير مناسبة تجاه واشنطن.
كما أعرب ترامب عن اعتقاده بأن الزيدي سيبقى في منصبه لفترة طويلة، وقال إن العراق يشهد تحولاً في علاقته مع الولايات المتحدة، وأن واشنطن ليست بحاجة للبقاء عسكريا في العراق.
View this post on Instagram
ملفات ساخنة
رغم حفاوة الاستقبال الأميركي للزيدي، يرى مراقبون أن كل هذا مرهون بمدى قدرة الحكومة العراقية على تحقيق متطلبات واشنطن للمضي في الشراكة التي يتطلع إليها رئيس الحكومة العراقية، والتي من أبرزها نزع سلاح الفصائل واحتكاره بيد الدولة، والذي كانت الحكومة قد تعهدت بتحقيقه نهاية شهر سبتمبر/ أيلول القادم تزامنا مع موعد الانسحاب الكامل للقوات الأميركية من العراق.
في هذا الصدد، يقول الباحث الأمني حسن العبيدي إن الوقت لا يزال مبكرا للجزم بتطور العلاقات العراقية الأميركية والتي ستعتمد على مخرجات الزيارة وتطبيقها على أرض الواقع في العراق، لا سيما ما يتعلق منها بسلاح الفصائل التي رفضت بعضها تسليم سلاحها تحت أي ظرف مثل كتائب حزب الله والنجباء.
وفي حديثه لـ “نون بوست” يرى العبيدي أنه ورغم أن غالبية رؤساء الوزراء العراقيين بعد 2003 زاروا واشنطن، إلا أن هذه الزيارة تعد الأكثر حساسية في تاريخ البلاد الحديث، إذ تأتي وسط إصرار أميركي لافت على إنهاء ملف الفصائل المسلحة التي استهدفت المصالح الأميركية في العراق والمنطقة بأكثر من 600 هجوم وفق التأكيدات الأميركية.
وبالتالي، فإن الزيدي قد يجد نفسه بعد عودته لبغداد في وضع حساس للغاية يتطلب منه سرعة التعامل مع الضغوط الأميركية لنزع سلاح الفصائل وتجفيف منابع الدولار المتدفقة إلى إيران، بما يدخل العراق في خطر مواجهة داخلية مع هذه الفصائل التي حاول جميع رؤساء الوزراء السابقين تجنبها، بحسبه.
وبحسب تقرير نشره موقع “أسوشييتد برس” الأمريكي، فإن النفوذ الإيراني ومستقبل الفصائل المسلحة احتل حيزاً واسعاً من مباحثات البيت الأبيض مع الزيدي، في ظل الضغوط الأميركية المتزايدة على بغداد للمضي في تنفيذ خطة حصر السلاح بيد الدولة.
ونقل تقرير الوكالة عن مسؤول في إدارة ترامب قوله إن واشنطن ستتخذ قراراتها في الشأن العراقي وفقا لـ “النتائج الفعلية” التي تحققها بغداد في قضية نزع سلاح الفصائل المسلحة الموالية لإيران.
كما نقل تقرير الوكالة عن الباحث ريناد منصور في مركز “تشاثام هاوس” البريطاني إنه يتوقع أن تمارس واشنطن “ضغوطاً كبيرة” على الزيدي لدفعه نحو خطوات أكثر حسماً في ملف الفصائل، لا سيما بعد عودته لبغداد.
وأضاف منصور أن الزيدي قد يبلغ واشنطن بأن حكومته ستحتاج إلى دعم استخباري وعسكري أميركي لإنجاز هذه المهمة التي لا تزال صعبة للغابة، محذراً من أن أي مواجهة مباشرة مع الجماعات المسلحة قد تدفعها إلى استهداف الحكومة نفسها، وهو سيناريو تخشى بغداد الانزلاق إليه، وفق الباحث.
في غضون ذلك، طالب وزير الحرب الأميركي “بيت هيغسيث” الحكومة العراقية بتأكيد سيادة بغداد الأمنية عبر نزع سلاح الميليشيات الموالية لإيران، حيث حمّل هيغسيث الميليشيات العراقية المسؤولية عن مئات الهجمات التي استهدفت الأميركيين.
وجاءت تصريحات وزير الحرب الأميركي خلال تصريح صحفي على هامش مباحثات رسمية أجراها مع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البنتاغون بالعاصمة واشنطن، مؤكدا أن الميليشيات الموالية لإيران مسؤولة عن أكثر من 600 هجوم استهدف المصالح الأميركية في العراق والمنطقة.
وبالعودة إلى العبيدي تعليقا على تقرير الوكالة الأميركية، فإنه يرى أن الضغوط الأميركية المتصاعدة على بغداد ستؤدي حتما برئيس الوزراء الزيدي إلى اتخاذ قرارات أمنية جريئة تجاه الفصائل المسلحة، لا سيما أن الإدارة الأميركية الحالية تعد حازمة ولن تمنح الزيدي وقتا مفتوحا.
واختتم العبيدي حديثه لـ “نون بوست” بالقول “أعتقد أن الزيدي لن يقدم على أي فعل قبل شهر أكتوبر/ تشرين الأول القادم انطلاقا من المهلة التي حددها للفصائل أولا، واعتمادا على مجريات الصراع الأميركي الإيراني الذي عاد للمواجهة العسكرية والذي من المحتمل أن يتصاعد في الأسابيع القادمة إلى حرب شاملة جديدة قد تكون حاسمة مع إيران، وهو ما قد يؤدي بالزيدي إلى انتظار نتائجه للتحرك ضد سلاح الفصائل”.
View this post on Instagram
ملفات التنمية والطاقة
يحتل ملف الطاقة مساحة كبيرة في مباحثات الحكومة العراقية مع واشنطن، لا سيما مع رغبة بغداد في تقليل تأثير الضغوط الأميركية الاقتصادية المتصاعدة التي كان آخرها إيقاف تدفق الدولار النقدي إلى بغداد قرابة 4 أشهر بعيد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
ويضم الوفد العراقي إلى واشنطن 27 وزيرا ومسؤولا رفيعا بينهم محافظ البنك المركزي العراقي، حيث وقعت الحكومة عدة اتفاقيات مع واشنطن في مجالات عديدة، أبرزها النفط والطاقة، وأكد الرئيس الأميركي في حديثه عن إمكانية إبرام صفقات نفطية مع بغداد قائلاً “سنُبرم الكثير من الصفقات، سنوفر الكثير من فرص العمل في البلدين، وسنستخرج كميات كبيرة من النفط”.
وكشف موقع DW الألماني أنه من المتوقع توقيع بغداد وواشنطن اتفاقيات إضافية، بينها مشروع لإنشاء صندوق تنموي يودع فيه العراق ما تعادل قيمته 500 ألف برميل نفط يومياً مقابل دعم قطاع الكهرباء وزيادة إمدادات الطاقة.
وفي ظل مطالبات حكومة الزيدي بزيادة حصتها التصديرية في منظمة أوبك، شهدت زيارة الوفد العراقي إلى واشنطن، مباحثات جمعت وزير النفط العراقي باسم العبادي مع رئيس شركة “شيفرون” الأميركية جيك سبيرينج لبحث فرص توسيع التعاون في قطاعي النفط والغاز، وتطوير الإنتاج والاستفادة من الخبرات والتكنولوجيا العالمية.

من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي مصطفى حنتوش أن زيارة الزيدي إلى واشنطن تعد محورية، نظرا لما تحمله من ملفات اقتصادية، خاصة تلك التي تتعلق بعقد اتفاقيات في مجال النفط والطاقة وزيادة حصة العراق في تصدير النفط تحت مظلة أوبك.
على الجانب الآخر، يرى الباحث في الشأن الاقتصادي مصطفى احمد أن توقيع العراق لـ 18 اتفاقية مع واشنطن في مجالات التعليم والطاقة والتسليح والصحة والاستثمار والصناعة وغيرها مرهون بما ستنفذه الحكومة العراقية بعد عودة وفدها إلى بغداد، مبينا أن أي شراكة استراتيجية بين بغداد وواشنطن تعتمد على الوضع الأمني الداخلي.
وفي حديثه لـ “نون بوست” أكد أحمد أن الوضع العراقي مهيأ لدخول شركات استثمارية عملاقة إلى العراق، إلا أن استمرار الحرب بين واشنطن وطهران قد يعيق تطبيق هذه الاتفاقيات في المدى المنظور، انطلاقا من الاستهدافات السابقة التي تعرضت لها المصالح الأميركية إبان الحرب بين شهري فبراير ويونيو الماضيين.
وهو ما يعني -وفق الباحث- أن تنفيذ هذه الاتفاقيات سيؤجل إلى ما بعد تنفيذ العراق لالتزاماته الأمنية تجاه واشنطن والتي تشمل حصر السلاح بيد الدولة وإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي وحملة مكافحة الفساد التي بدأتها حكومة الزيدي قبل أسابيع، وفق قوله.