من شرق إثيوبيا إلى الحدود السعودية يمتد “المسار الشرقي”، أحد أكثر طرق الهجرة ازدحامًا وخطورة في المنطقة، حيث يعبر آلاف المهاجرين البحر واليمن بحثًا عن فرصة عمل في السعودية، عبر قوارب مكتظة وطرق تديرها شبكات التهريب، قبل الوصول إلى حدود ارتبطت بالعنف والاحتجاز، أو العودة بحرًا نحو جيبوتي بعد فشل الرحلة.
وينطلق معظم هؤلاء من مناطق أوروميا وأمهرة وتيغراي في إثيوبيا، ويتجمعون في دير داوا وهرر، ثم يتفرع الطريق نحو أوبوك في جيبوتي أو بوصاصو في الصومال.
ومن هناك تعبر القوارب إلى سواحل أبين وتعز وشبوة، لتبدأ مرحلة أخرى داخل اليمن تمتد عبر عتق ومأرب ورداع وصنعاء وصعدة، قبل محاولة اجتياز الحدود السعودية.
وسجلت المنظمة الدولية للهجرة دخول 13,339 مهاجرًا إلى اليمن خلال يونيو/حزيران 2026، ليرتفع مجموع الحركات المرصودة خلال النصف الأول من العام إلى 97,174.
وتظهر هذه الأرقام أن اليمن، رغم الصراع والانقسام والأزمة الإنسانية، ما زال محطة مركزية على الطريق بين القرن الإفريقي والسعودية، ومكانًا تتقاطع فيه الهجرة والتهريب والعمل القسري والاحتجاز ومسارات العودة.
من إثيوبيا إلى شواطئ العبور
يشكل الإثيوبيون الغالبية الكبرى من مستخدمي المسار، وخصوصًا القادمين من أوروميا وأمهرة وتيغراي، فيما تسجل البيانات حضورًا صوماليًا أقل. وترتبط المغادرة بندرة فرص العمل وارتفاع كلفة المعيشة والنزاعات والاضطرابات المحلية.
وفي تحقيق نشره موقع ذا نيو هيومانتيريان، المتخصص في تغطية الأزمات الإنسانية، في 26 مايو/أيار 2025، قال العامل الإثيوبي ياسين عمر إن غياب العمل أفقد الناس الأمل ودفعه إلى خوض الرحلة رغم مخاطرها، فيما عرض التحقيق حالات أخرى غادرت أمهرة بسبب القتال أو جذبتها الفوارق بين الأجور الإثيوبية والدخل المتوقع في السعودية.
يتجه المهاجرون إلى دير داوا وهرر، اللتين تؤديان دور عقدتي تجميع وربط بالدلالين، ثم يتفرع الطريق نحو أوبوك في جيبوتي أو عبر أرض الصومال وصولًا إلى بوصاصو في إقليم بونتلاند.
ويفيد تقرير لمركز الهجرة المختلطة، وهو مركز أبحاث وبيانات تابع للمجلس الدنماركي للاجئين، صدر في ديسمبر/كانون الأول 2024، بأن أوبوك وبوصاصو تمثلان نقطتي الانطلاق البحريتين الرئيسيتين، فيما تربط بيانات يونيو/حزيران 2026 المسار الجيبوتي بسواحل أبين وتعز، والمسار الصومالي بشبوة.
وفي الطريق عبر أرض الصومال ينتقل المهاجرون من مهرب إلى آخر حتى بوصاصو. وروى ياسين عمر أن مجموعته نُقلت في شاحنات مكتظة واحتجزت في لاسعانود حتى دفعت كل أسرة نحو 40 ألف بر إثيوبي، بما يعادل قرابة 300 دولار وقت الرحلة، ثم نُقلت إلى الساحل وصعد أفرادها إلى قارب حمل نحو 70 مهاجرًا.

وتختلف مدة العبور البحري بحسب نقطة الانطلاق والطقس ومسارات تفادي الدوريات، إذ يكون الطريق من أوبوك أقصر من العبور الآتي من بوصاصو عبر خليج عدن. وتظهر حوادث السنوات الأخيرة قوارب تحمل ما بين 150 وأكثر من 300 شخص، وسط اكتظاظ ونقص في الماء والغذاء ووسائل الإنقاذ.
وفي مارس/آذار 2025، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة فقدان أكثر من 180 مهاجرًا بعد انقلاب قاربين قبالة اليمن، ثم غرق قارب يحمل ما بين 150 و200 شخص قبالة شقرة في أبين خلال أغسطس/آب، فيما أدى انقلاب قارب يقل أكثر من 300 شخص قبالة أوبوك في مارس/آذار 2026 إلى مقتل تسعة وفقدان 45 على الأقل. وسجلت المنظمة 922 وفاة أو حالة اختفاء على المسار الشرقي خلال 2025، مقابل 558 خلال 2024.
وتتحرك نقاط الإنزال مع تغير الرقابة والحملات الأمنية، فبعد تركز القادمين من الصومال في شبوة خلال أغسطس/آب 2025، ارتفعت حصة المنطلقين من جيبوتي في الربع الأخير واتجهوا إلى تعز وأبين، ثم أصبحت أبين خلال النصف الأول من 2026 أكبر بوابة للقادمين من جيبوتي، مع استمرار شبوة بوابة للمسار الصومالي.
الساحل اليمني يعيد توزيع الرحلة
يتركز المهاجرون داخل اليمن في مأرب وشبوة وعدن، إلى جانب صنعاء وصعدة بوصفهما محطتين رئيسيتين للعالقين والمتجهين نحو الحدود.
وتظهر بيانات المنظمة الدولية للهجرة ثلاثة ممرات تبدأ من أبين وتعز وشبوة، ثم تتجه شمالًا نحو مأرب أو صنعاء وصعدة، مع فرع يمر عبر رداع في محافظة البيضاء.
يبدأ مسار أبين من أحور وشقرة والشريط الساحلي المحيط بخنفر وزنجبار، حيث تتركز نقاط الإنزال والتجمع الأولى، قبل أن تتحرك المجموعات إلى داخل المحافظة ومنها نحو الشمال.
وترصد بيانات المنظمة وجود مهاجرين في مديريات لودر ومودية والمحفد الواقعة باتجاه البيضاء وشبوة، كما شهدت لودر في يونيو/حزيران 2026 عملية أمنية ضد مهرب، ما يشير إلى استخدام داخل أبين كطريق نحو المحافظات المجاورة.
ويتركز مسار تعز حول ذوباب وباب المندب، ثم يمتد على الأرجح عبر المخا وتعز وإب وذمار وصنعاء وصولًا إلى عمران أو صعدة. أما ممر شبوة فيحمل التوثيق الأوضح، إذ يصل القادمون من بوصاصو إلى ساحل رضوم، ثم ينتقلون نحو عتق ومنها إلى مأرب أو رداع.

ووثقت منظمة مواطنة لحقوق الإنسان في ديسمبر/كانون الأول 2025 منع جنود من الحكومة اليمنية المعترف بها نحو 150 مهاجرًا إثيوبيًا من مواصلة الطريق من كيدة في مديرية رضوم إلى عتق، وإجبارهم على ركوب شاحنة عسكرية في يونيو/حزيران 2024، قبل إطلاق النار على مهاجرين حاولوا الفرار منها.
كما وثقت إصابة مهاجر إثيوبي بلغم خلال سيره من عتق إلى رداع بحثًا عن عمل في مزارع القات، وهي محطة يتوقف فيها بعض المهاجرين لجمع المال قبل استكمال الطريق نحو صنعاء وصعدة.
وأظهر تقرير مركز الهجرة المختلطة أن 95% من المهاجرين الإثيوبيين الذين شملتهم دراسته استعانوا بمهرب خلال الرحلة إلى اليمن، وأن ترتيب العبور بين الحدود كان الخدمة الأساسية التي حصل عليها معظمهم.
وبعد الوصول إلى اليمن ينتقل المهاجرون بين سائقين ووسطاء ومهربين محليين، ويتوقف بعضهم في عتق أو مأرب أو رداع للبحث عن ناقل جديد أو العمل لتمويل المرحلة التالية.
وبلغ متوسط ما دفعه المشاركون في الدراسة قرابة 300 دولار، وارتبطت المدفوعات في الغالب بالعبور البحري إلى اليمن، بينما تظل الكلفة الكلية حتى الحدود السعودية متغيرة بفعل رسوم النقل والابتزاز والاحتجاز والعمل القسري.
كما لا يتوفر متوسط ثابت لمدة الطريق، إذ قال ياسين عمر إن عبوره اليمن استغرق شهرًا كاملًا، تخللته مطالب مالية متكررة وإجبار العاجزين عن الدفع على العمل أو نقل المعدات.
ووثقت مواطنة 70 واقعة انتهاك طالت 488 مهاجرًا بين ديسمبر/كانون الأول 2023 ونهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وشملت الاحتجاز والخطف والإخفاء والعمل القسري والعنف الجنسي وإطلاق النار والألغام.
ونسبت المنظمة الوقائع إلى أطراف متعددة، بينها جماعة الحوثيين وحرس الحدود السعودي والمجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا وشبكات التهريب والاتجار بالبشر.
صعدة بوابة الحدود ونقطة الانكسار
تمثل صعدة العقدة الرئيسية قبل الحدود السعودية، وتضم مواقع للتجمع والاحتجاز تسبق محاولة العبور. وتظهر منبّه والرقو وباقم ووادي العلب ضمن أبرز محطات الطريق، حيث يقود الأدلاء مجموعات المهاجرين عبر الجبال والأودية، بعد دفع مبالغ إضافية أو المرور بفترات احتجاز وانتظار.
وحددت منظمة هيومن رايتس ووتش مخيمي الثابت والرقو كموقعي تجمع قبل الحدود، وقال مهاجرون قابلتهم إن قوات الحوثيين كانت تتحكم في الدخول والخروج، وتطلب مبالغ مالية أو تنقل العاجزين عن الدفع إلى مراكز احتجاز.
وفي 28 أبريل/نيسان 2025 دمرت غارات أمريكية عنبرًا يحتجز مهاجرين أفارقة في مدينة صعدة، وقالت منظمة مواطنة لحقوق الإنسان إن القصف أدى إلى مقتل 68 مهاجرًا وإصابة 47، وإن الحراس أطلقوا النار على محتجزين حاولوا الفرار.
وعلى الجانب الحدودي، قالت هيومن رايتس ووتش في أغسطس/آب 2023 إن حرس الحدود السعودي قتل مئات المهاجرين وطالبي اللجوء الإثيوبيين بالرصاص والأسلحة المتفجرة بين مارس/آذار 2022 ويونيو/حزيران 2023، وحددت عبر صور الأقمار الصناعية ثمانية مواقع دفن قرب الرقو ضمت 287 قبرًا ظاهرًا.
ووثقت منظمة مواطنة في مايو/أيار 2024 إصابة ثلاثة مهاجرين إثيوبيين، بينهم طفلان، بشظايا قذيفتين في وادي العلب بمديرية باقم.
وتنتهي محاولات العبور المتعثرة بالإصابة أو القتل أو الاحتجاز أو التراجع نحو صنعاء ومأرب. وسجلت المنظمة الدولية للهجرة في أكتوبر/تشرين الأول 2025 رجوع مهاجرين من صعدة بسبب تصاعد العنف، لتبدأ من هناك مسارات مختلفة للعودة.

يتمثل المسار الأول في الترحيل الرسمي من السعودية إلى بلد المنشأ، فقد قدرت خطة الاستجابة الإقليمية للمهاجرين لعام 2026 أن المملكة أعادت قسرًا 95,100 مهاجر إثيوبي إلى بلادهم خلال 2025، وبلغ العدد التراكمي المسجل نحو 750,400 حالة.
أما العالقون داخل اليمن فيتجه بعضهم جنوبًا نحو لحج ورأس العارة، ثم يعبرون البحر إلى أوبوك في جيبوتي. وسجلت الخطة 20,500 عودة تلقائية من اليمن خلال 2025، مقابل 16 ألفًا في 2024. وخلال الأشهر الثلاثة الأولى من 2026 خرج 5,128 مهاجرًا إلى جيبوتي، انطلق 99% منهم من رأس العارة.
ويعود آخرون عبر برنامج العودة الإنسانية الطوعية الذي تديره المنظمة الدولية للهجرة، إلى جانب برنامج المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين المخصص للاجئين الصوماليين. وأعادت المنظمة نحو 4,800 مهاجر جوًا خلال 2024، ثم سهلت عودة 160 مهاجرًا في أوضاع هشة بين أبريل/نيسان ونوفمبر/تشرين الثاني 2025.
وتظل قدرة هذه البرامج محدودة أمام حجم العالقين، إذ قدرت خطة الاستجابة وجود 132,300 مهاجر داخل اليمن مع نهاية 2025، بينهم أكثر من 1,800 كانوا ينتظرون أسابيع أو أشهر فرصة للعودة.
وهكذا تتحول صعدة من المحطة الأخيرة قبل السعودية إلى بداية طريق آخر يعيد المهاجر نحو صنعاء ومأرب ولحج، ثم إلى الساحل الإفريقي الذي انطلقت منه الرحلة.