نون بوست نون بوست

نون بوست

  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
قانون الجنسية السوري أمام البرلمان الجديد.. هل حان وقت التعديل؟
نون بوست
هجوم دمياط.. من يقف وراءه وكيف تتحرك القاهرة؟
نون بوست
كيف تسمم “إسرائيل” نماذج الذكاء الاصطناعي بروايتها عن حرب غزة؟
نون بوست
تصدع “هيرتيج”: هل يواجه اليمين الأمريكي حربًا أهلية في حقبة ما بعد ترامب؟ 
يقف موظفون بجوار شاحنة وقود أثناء تفريغها في محطة وقود بالقاهرة، 10 مارس/آذار 2026 (رويترز)
من الحقول إلى الكهرباء.. كيف تتعامل مصر مع انقطاع إمدادات الغاز؟
نون بوست
من التحرر إلى الانبطاح.. كيف تبخّرت شعارات تراوري عند أعتاب “إسرائيل” والإمارات؟
نون بوست
لماذا تبدو دير الزور الأكثر إنهاكًا في سوريا؟
نون بوست
سلام بارد مع إيران وتحالف أعمق مع إسرائيل.. مناورة الإمارات بعد الحرب
نون بوست
كيف أصبح جنرال نتنياهو منافسه الأقوى؟
انتهى اتفاق كان يضيف إلى إمدادات الأردن 50 مليون متر مكعب سنويا من "إسرائيل"
نصف مليار متر مكعب مفقودة.. من أين يحصل الأردن على الماء؟
نون بوست
تقارب فوق حقل من الألغام.. هل تتجاوز بغداد وأنقرة إرث الخلافات؟
نون بوست
بوابة ليبيا الشرقية.. لماذا تتنافس القوى الدولية على طبرق؟
نون بوست نون بوست
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
قانون الجنسية السوري أمام البرلمان الجديد.. هل حان وقت التعديل؟
نون بوست
هجوم دمياط.. من يقف وراءه وكيف تتحرك القاهرة؟
نون بوست
كيف تسمم “إسرائيل” نماذج الذكاء الاصطناعي بروايتها عن حرب غزة؟
نون بوست
تصدع “هيرتيج”: هل يواجه اليمين الأمريكي حربًا أهلية في حقبة ما بعد ترامب؟ 
يقف موظفون بجوار شاحنة وقود أثناء تفريغها في محطة وقود بالقاهرة، 10 مارس/آذار 2026 (رويترز)
من الحقول إلى الكهرباء.. كيف تتعامل مصر مع انقطاع إمدادات الغاز؟
نون بوست
من التحرر إلى الانبطاح.. كيف تبخّرت شعارات تراوري عند أعتاب “إسرائيل” والإمارات؟
نون بوست
لماذا تبدو دير الزور الأكثر إنهاكًا في سوريا؟
نون بوست
سلام بارد مع إيران وتحالف أعمق مع إسرائيل.. مناورة الإمارات بعد الحرب
نون بوست
كيف أصبح جنرال نتنياهو منافسه الأقوى؟
انتهى اتفاق كان يضيف إلى إمدادات الأردن 50 مليون متر مكعب سنويا من "إسرائيل"
نصف مليار متر مكعب مفقودة.. من أين يحصل الأردن على الماء؟
نون بوست
تقارب فوق حقل من الألغام.. هل تتجاوز بغداد وأنقرة إرث الخلافات؟
نون بوست
بوابة ليبيا الشرقية.. لماذا تتنافس القوى الدولية على طبرق؟
  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
تابعنا

الليلة التي تغيرت فيها تونس: كيف دُمرت الديمقراطية الوحيدة في الربيع العربي؟

فيصل إدروس
فيصل إدروس نشر في ٣٠ يوليو ,٢٠٢٦
مشاركة
نون بوست

ترجمة وتحرير: نون بوست

لأكثر من عقد من الزمان، كانت تونس تُعتبر قصة النجاح الديمقراطي الوحيدة لثورات الربيع العربي؛ فبينما انزلقت الثورات في بلدان أخرى نحو الحرب الأهلية، أو الحكم العسكري، أو عودة الاستبداد، نجحت تونس في تحقيق شيء لم يكن يتوقعه الكثيرون

وقد صاغت تونس دستوراً جديداً وأجرت انتخابات تنافسية، وشكلت الحكومات وسقطت عبر صناديق الاقتراع. وتشارك الإسلاميون السياسيون والعلمانيون -على الرغم من خلافاتهم الأيديولوجية العميقة- في تقاسم السلطة ضمن تسوية شائكة لكنها كانت تعمل بفاعلية.

كانت التجربة فوضوية، وأصبح البرلمان سيئ السمعة بسبب مشاجراته الكلامية التي تُبث مباشرة على شاشات التلفزيون. 

ورغم كل شيء، صمدت تونس؛ لكن الأمور تغيرت بشكل جذري في ليلة 25 يوليو/تموز 2021.

قبيل الاضطرابات

في جميع أنحاء تونس، كان الآلاف قد نزلوا بالفعل إلى الشوارع قبل غروب الشمس. فقد كان عيد الجمهورية، الذي يحيي ذكرى إلغاء الملكية عام 1957، لكن الاحتفالات أفسحت المجال للغضب.

وتجمع المتظاهرون ليس فقط في تونس العاصمة، بل في سوسة، وصفاقس، والقيروان، وقفصة ومدن أخرى، منددين بالطبقة السياسية التي اعتقد الكثيرون أنها أهدرت وعود ثورة 2011.

واقتحم بعض المتظاهرين المكاتب المحلية التابعة لحركة “النهضة”، أكبر حزب برلماني في البلاد، والتي لم تقد الحكومة رسمياً منذ عام 2014. وتحطمت النوافذ، وسُحب الأثاث إلى الشوارع، وجاهدت الشرطة لاحتواء الحشود التي كان إحباطها يتراكم منذ شهور.

في ذلك الوقت، كانت تونس تعيش واحدة من أسوأ موجات تفشي جائحة كوفيد-19 في العالم مقارنة بعدد سكانها، حيث وصلت المستشفيات إلى نقطة الانهيار، بينما كان الأطباء يتوسلون علناً لتوفير إمدادات الأكسجين. واضطر الجيش للتدخل بينما كانت العائلات تبحث بيأس عن أسرة في المستشفيات في وقت لم يتلق فيه سوى جزء ضئيل من السكان اللقاح.

أما المشهد الاقتصادي فكان قاتماً بالقدر ذاته؛ فقد ظلت معدلات بطالة الشباب مرتفعة بشكل مستمر، وأدى التضخم إلى تأكل القدرة الشرائية بشكل مطرد، وتعثرت المفاوضات مع صندوق النقد الدولي وسط حالة من الجمود السياسي.

وبدا أن الثورة التي انطلقت عام 2011 للمطالبة بالكرامة والتشغيل والمحاسبة أصبحت عاجزة بشكل متزايد عن تحقيق أي منها.

وبالنسبة للعديد من التونسيين، بدا أن الديمقراطية نفسها أصبحت مشلولة.

في معرض استرجاعه لتلك الأحداث، قال رئيس الوزراء الأسبق هشام المشيشي إن الانتقال الديمقراطي في تونس فشل في إقناع المواطنين العاديين بأن الحريات السياسية ستُحسن حياتهم اليومية.

وقال المشيشي لموقع “ميدل إيست آي”: “أكبر خطأ ارتكبناه هو أننا لم نعطِ الجوانب الاقتصادية الأهمية التي كان يجب أن نوليها إياها. فقد كان المواطن يتساءل: “ماذا قدمت لي الديمقراطية؟”

وأضاف المشيشي: “الديمقراطية ليست رفاهية بحد ذاتها. كان علينا العمل على تحقيق الرخاء، ومعالجة القضايا الاقتصادية والمشكلات الاجتماعية.”

كما أدت سنوات من الحكومات الائتلافية غير المستقرة إلى تقويض الثقة في السياسة.

فبين عامي 2011 و2021، كافحت الإدارات المتعاقبة لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التي طال تأجيلها، في الوقت الذي كانت تحاول فيه الحفاظ على توافق ديمقراطي غالباً ما كان هشاً.

سعيّد يتابع المشهد

من القصر الرئاسي التونسي المطل على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، تابع الرئيس قيس سعيّد الأزمة وهي تتفاقم.

وقبل دخوله غمار السياسة، كان سعيّد أستاذاً للقانون الدستوري، وقد فاز بالرئاسة في عام 2019 بصفته مرشحاً من خارج المنظومة، مُقدّماً نفسه كشخصية نزيهة تترفع عن صراعات تونس الحزبية.

وكان يتحدث باللغة العربية الفصحى بدلاً من اللهجة التونسية المحلية، مما ساعده على صياغة صورة الأكاديمي المتحفظ العازم على استعادة السلطة الأخلاقية للدولة.

وقد استندت شعبيته إلى حد كبير إلى ما لم يكن عليه؛ فهو لم يكن مرتبطاً بالنظام القديم، ولم يكن جزءاً من المؤسسة البرلمانية، ولم يكن يملك حزباً سياسياً خاصاً به.

نون بوست
الرئيس التونسي قيس سعيّد يحضر مراسم أداء اليمين في قصر قرطاج بتونس في 27 فبراير/شباط 2020.

بالمقابل، أصبح سعيّد يُصوّر البرلمان بشكل متزايد باعتباره العقبة الرئيسية التي تمنع تونس من الخروج من الأزمة.

وكانت المفارقة أن رحلة صعود سعيّد إلى الرئاسة نجحت بسبب الدعم الذي تلقاه من الحركة السياسية ذاتها التي كان يسعى لمواجهتها. ففي جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية لعام 2019، أحجمت حركة النهضة عن دعم قطب الإعلام نبيل القروي، وبدلاً من ذلك وجّهت دعمها لسعيّد بعد استبعاد مرشحها الخاص. 

وفي ذلك الوقت، اعتبر الكثيرون داخل الحزب أن سعيّد هو الخيار الأكثر أماناً، حيث رأوا في القروي – وهو رجل أعمال مثير للجدل وغالباً ما يُلَقّب بـ “برلسكوني تونس” – ارتباطاً وثيقاً للغاية بالمؤسسة السياسية القديمة.

ومع تزايد حدة خطابات سعيّد وتكرار إشاراته إلى الصلاحيات الدستورية الاستثنائية، حذّر خبراء القانون الدستوري من أنه بدا مستعداً بشكل متزايد لتجاوز المؤسسات الديمقراطية بدلاً من إصلاحها.

وقد تفاقمت الأزمة بسبب إخفاق مؤسسي يراه الكثيرون الآن حاسماً: فلم تقم تونس قط بتأسيس المحكمة الدستورية التي نص عليها دستور 2014. وفي غياب هيئة مستقلة قادرة على الفصل في النزاعات بين الرئاسة والبرلمان، تحولت الخلافات الدستورية إلى مواجهات سياسية.

وقال غوردون غراي، السفير الأمريكي الأسبق لدى تونس، لموقع “ميدل إيست آي” إن الفشل في تأسيس المحكمة يُعد واحداً من أكثر أوجه القصور تأثيراً في مرحلة الانتقال الديمقراطي في تونس ما بعد الثورة.

وأضاف غراي: “لقد أصبح عجز تونس عن تأسيس المحكمة الدستورية أمراً بالغ الأهمية في أعقاب استئثار الرئيس سعيّد بالسلطة”.

وتابع غراي: “لا يمكنني القول إنني توقعت هذا الاستئثار بالسلطة، لكني أرى بوضوح العوامل التي أدت إلى الإحباط الذي تسبب أولاً في انتخاب الرئيس سعيّد، ثم تسبب ثانياً في غياب التعبئة ضد استحواذه على السلطة”.

في ذلك الوقت، كان سعيّد يؤكد بشكل متزايد على أن الفصل 80 من الدستور يمنحه صلاحية التدخل كلما واجهت البلاد “خطراً وشيكاً”. وأصرّ منتقدوه على أن تفعيل الفصل 80 يتطلب التشاور مع كل من رئيس الحكومة ورئيس البرلمان، بينما كان البرلمان نفسه ملزماً دستورياً بالبقاء في حالة انعقاد دائم.

ولم يلبث هذا الخلاف أن تحول إلى أمر يتجاوز بكثير الطابع الأكاديمي.

الليلة التي تغير فيها كل شيء

ومع حلول الظلام في 25 يوليو/تموز، تجمّع التونسيون حول شاشات التلفزيون لمتابعة خطاب رئاسي استثنائي.

ووقف سعيد إلى جانب قادة عسكريين وكبار المسؤولين الأمنيين، ليعلن إقالة المشيشي، وتعليق عمل البرلمان لمدة 30 يوماً، وتوليه السلطة التنفيذية بمساعدة رئيس وزراء سيقوم بتعيينه بنفسه.

وحذر سعيد قائلاً إن كل من تسوّل له نفسه اللجوء إلى العنف سيواجه القوات المسلحة “بالرصاص”.

وأصر سعيّد على أن قراراته كانت تدابير طارئة دستورية وليست استيلاءً على السلطة. وصرح لاحقاً بأن أولئك الذين يصفون أفعاله بأنها انقلاب عليهم أن “يراجعوا دروسهم الدستورية”.

ورغم ذلك، وراء الكواليس، كانت الأحداث تتكشف بصورة أكثر دراماتيكية بكثير؛ فقبل أقل من ساعة من خطاب سعيّد المتلفز، كان المشيشي قد استُدعي إلى القصر الرئاسي.

وقال المشيشي لموقع “ميدل إيست آي” إنه بعد إبلاغه بإعفائه من مهامه، تم احتجازه فعلياً كـ “السجين” داخل إحدى الغرف.

وأضاف المشيشي: “لم يكن هناك اعتداءً جسدياً، ولكن عندما تحبس رئيس الوزراء في غرفة بقصر قرطاج، فإن ذلك يُعد اعتداءً. حتى وإن لم يكن اعتداءً جسدياً – فأي اعتداء يمكن أن يكون أسوأ من سجن رئيس الوزراء في مكتب ومنعه من مغادرته.”

وأكدت مصادر متعددة، تونسية وإقليمية، لموقع “ميدل إيست آي” أن الأحداث جرى تنسيقها بعناية، مشيرة إلى أن مصر والإمارات أمضتا شهوراً في تشجيع التحركات الرامية إلى تفكيك النظام السياسي في البلاد ما بعد الثورة.

وقالت المصادر إنه بعد خوضها صراعات مكلفة بالوكالة في ليبيا واستثمارها بكثافة لدعم الحكومة المصرية، بدا أن أبوظبي تحظى بمصلحة كبيرة في المسار السياسي لتونس.

وقال أحد المصادر ممن خدموا في وزارة الداخلية في ذلك الوقت، إنه كان ينبغي عليهم توقع ما سيحدث، لا سيما وأن موقع “ميدل إيست آي” كان قد ذكر قبل شهرين أن انقلاباً يلوح في الأفق.

وأضافوا أن “أجراس الإنذار كان يجب أن تبدأ بالدق أيضاً” عندما تحدث محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي آنذاك ورئيس دولة الإمارات حالياً، مع سعيّد في ثلاث مناسبات على الأقل خلال شهر يوليو/تموز.

ووفقاً للسجلات الرسمية للاتصالات، تحدث محمد بن زايد هاتفياً مع سعيّد قبل أسبوعين من إقدام الرئيس على تعليق البرلمان وإقالة الحكومة.

وقالت المصادر إن تلك المكالمات عكست مدى حرص أبوظبي على رؤية نهاية للتجربة السياسية في تونس ما بعد عام 2011، والتي كانت تنظر إليها كجزء من مشروع أوسع للربيع العربي قد عزز من قوة الحركات الإسلامية وتحدى هياكل القوى القائمة في المنطقة.

وأشارت المصادر إلى أن المسؤولين المصريين أجروا أيضاً سلسلة مكالمات مع نظرائهم التونسيين، حيث أبدى الرئيس عبد الفتاح السيسي دعمه الكامل للخطة.

وقالت المصادر إن السيسي أثار -حسب التقارير- “مشكلته” مع حركة النهضة الإسلامية خلال مكالماته مع سعيّد، بينما ناقش مسؤولون مصريون كبار آخرون أموراً ذات صلة مع أعضاء في الجيش التونسي.

وفي ذلك الوقت، كانت أبوظبي تسعى إلى تحقيق المزيد من التنسيق مع القاهرة، حيث كانت مصر متورطة في نزاعات مع تركيا بشأن مصالح متنافسة في ليبيا، حيث دعمت البلدان طرفين متضادين في الحرب الأهلية.

كما كانت الحكومتان على خلاف بشأن المطالب والتحالفات المتنافسة في شرق البحر الأبيض المتوسط، لا سيما فيما يتعلق بمصادر الطاقة والحدود البحرية.

وكانت تونس قد برزت كحليف رئيسي لتركيا في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي طالما نظر إليه القادة الإماراتيون بعين الريبة بسبب نفوذه المتنامي في مختلف أنحاء العالم العربي.

وقال مسؤول في حركة النهضة، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته نظراً لإقامته في تونس، إن علاقة أردوغان براشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة التونسية، أصبحت مصدر قلق خاص لأبوظبي.

وفي أعقاب ثورة 2011، أقام الغنوشي وأردوغان علاقات سياسية وثيقة، حيث برزت تركيا كواحدة من أقوى الشركاء الإقليميين لحركة النهضة بينما كان الحزب يسعى لترسيخ نفسه داخل النظام الديمقراطي الجديد في تونس.

المعرقلون

ووفقاً لثلاثة من المصادر، فضلاً عن المشيشي، كانت الجزائر – التي طالما نظرت تاريخياً إلى تونس باعتبارها تقع ضمن دائرة نفوذها الاستراتيجي – متورطة بشكل مباشر في تلك التطورات أيضاً.

وليس من الوضوح عدد المكالمات التي جرت بين الجزائر وتونس، لكن السجلات الرسمية تُظهر أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون تحدث مع سعيّد عدة مرات في يوليو/تموز 2021، بما في ذلك في اليوم التالي للانقلاب.

وقال مصدران عملا في الحكومة التونسية حتى عام 2022 لموقع “ميدل إيست آي” إن الجيش الجزائري حافظ على تنسيق وثيق مع القوات المسلحة التونسية خلال تلك الفترة.

وأضافا المصدران أن القيادتين السياسية والعسكرية في الجزائر وجدتا أيضاً حليفاً مقرباً في شخص العميد النافذ بالجيش التونسي محمد الغول وغيره من كبار المسؤولين.

وقال المشيشي: “للأسف، كان هذان النظامان [مصر والجزائر] هما الداعمين الأساسيين لقيس سعيّد. ولولا النظامان المصري والجزائري، لما استمر قيس سعيّد في السلطة لمدة شهر واحد.”

وكرر الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي هذا الرأي، مؤكداً أن الانقلاب كان تتويجاً لثورة مضادة استهدفت المكاسب الديمقراطية التي تحققت في عام 2011، وأن المؤسسات التونسية قد تم تفكيكها بشكل منهجي على يد أطراف خارجية.

وقال المرزوقي لموقع “ميدل إيست آي”: “لقد قامت سياسة سعيّد على التحالف مع الأنظمة الاستبدادية في المنطقة وفي محيط تونس.”

وأضاف المرزقي: “كانت كل هذه الأنظمة تخشى أن يمتد إليها الربيع العربي، وقمع الربيع العربي في مهده يحمل أهمية رمزية هائلة، لهذا السبب يُعد سعيّد مهمًا للغاية بالنسبة لهذه الأنظمة.”

أما بالنسبة للمشيشي، فقد كانت مؤشرات الإنذار تلوح في الأفق قبل تلك الليلة بكثير.

وفي معرض حديثه عن فترة توليه منصبه، أشار المشيشي إلى أن الطبقة السياسية في تونس استخفت بسعيّد تماماً. وقال: “كنا نعتقد أن الديمقراطية لا يمكن أن تتراجع إلى الوراء. ولكننا لم نحمِ الديمقراطية بالطريقة التي كان ينبغي لنا حمايتها بها.”

وعندما كان سعيّد يتحدث مراراً وتكراراً عن استخدام ما سمّاه “الصواريخ الدستورية” ضد خصومه السياسيين، قلل الكثيرون من شأن هذه الخطابات.

وقال المشيشي: “لقد استخففنا به… كنا نعتقد أنه عاجز عن فعل أي شيء”.

داخل حركة النهضة

وداخل حركة النهضة، وقع إعلان سعيّد كزلزال سياسي؛ فعلى مدار عقد من الزمان، ظل الحزب ذو التوجه الإسلامي القوة المهيمنة في السياسة الائتلافية التونسية.

وقد أصبح زعيمه، الغنوشي، أحد أبرز الشخصيات المؤثرة في النظام ما بعد الثورة، حيث ترأس نظاماً سياسياً قائماً على التسوية بين الخصوم الأيديولوجيين.

وقد قادت حركة النهضة حكومة الائتلاف “الثلاثي” من عام 2011 إلى 2014، وانضمت لاحقاً إلى الحكومة الائتلافية ذات القيادة العلمانية التي ترأسها حزب “نداء تونس” بعد انتخابات عام 2014.

وعلى الرغم من تصاعد التوترات مع الرئاسة، إلا أن قلة داخل الحركة كانت تعتقد أن المؤسسات الديمقراطية في تونس يمكن تفكيكها بين عشية وضحاها.

ويقول أحمد قعلول، القيادي البارز في حركة النهضة والوزير الأسبق، إن العديد من القادة فشلوا في تقدير خطورة مؤشرات الإنذار.

وقال قعلول لـ”ميدل إيست آي”: “كنا في حالة إنكار. لقد قرأنا التقرير المنشور في الموقع وكنا نعلم أن التغيير قادم. ولكن من الناحية النفسية، لم نكن نتصور أن انقلاباً يمكن أن يحدث.”

وقبل أسابيع من ذلك، كانت العديد من الأحداث التي ستتكشف في 25 يوليو/تموز قد رُسمت بالفعل في وثيقة سرية حصل عليها موقع “ميدل إيست آي”.

وتضمنت الوثيقة، التي وضعها أحد مستشاري سعيّد، ما وصفته بأنه “انقلاب دستوري” يتيح للرئيس تفعيل سلطات الطوارئ، وإقالة رئيس الوزراء، وتعليق البرلمان، وفرض الإقامة الجبرية الفعلية على شخصيات سياسية بارزة بينما تتولى قوات الأمن السيطرة على مؤسسات الدولة الرئيسية.

واقترحت الوثيقة أيضًا استدعاء المشيشي والغنوشي وغيرهما من كبار المسؤولين إلى القصر الرئاسي، حيث يُمنعون من المغادرة أثناء تنفيذ الخطة.

وقد قوبل التقرير باعتراض شديد عند نشره، حيث اعتبره سياسيون معارضون ومعلقون مجرد أمر ملفق.

إلا أن مصداقية الوثيقة تعززت لاحقاً عندما أقر سعيد نفسه بوجودها، قائلاً إنها كانت مجرد واحدة من عدة مقترحات وصلت إلى مكتبه.

وقال قعلول إن الرئاسة عمدت باستمرار إلى إفراغ مؤسسات تونس من مضمونها قبل وقت طويل من الانقلاب، مما أدى إلى شلل البرلمان والحكومة في وقت كانت تغذي فيه العداء الشعبي تجاه السياسيين المنتخبين.

وأضاف قعلول: “كل الطرق كانت تقود إلى 25 يوليو/تموز، لكننا فشلنا في تصديق أن بإمكان شخص ما تفكيك النظام الديمقراطي ببساطة.”

“لقد كان انقلاباً”

قبيل الفجر، قاد الغنوشي سيارته متوجهاً إلى البرلمان متوقعاً انعقاد النواب. ولكن بدلاً من ذلك، كانت الآليات العسكرية قد أغلقت كافة المداخل. ومنَع الجنود رئيس البرلمان وعشرات النواب المنتخبين من دخول المبنى.

وانتشرت بسرعة في جميع أنحاء العالم صور السياسي الذي يبلغ من العمر 80 عاماً وهو يقف خارج البوابات المغلقة.

وأعلن الغنوشي قائلاً: “لقد حدث انقلاب على الثورة والدستور”.

نون بوست
راشد الغنوشي يتحدث إلى الصحفيين خارج البرلمان التونسي في الساعات الأولى من يوم 26 يوليو/تموز 2021 في أعقاب استحواذ الرئيس قيس سعيّد على السلطة.

كان التباين مع الانقلابات التي وقعت في أماكن أخرى من العالم العربي لافتاً للنظر. فلم تكن هناك طائرات مقاتلة تحلق في السماء، ولا قوات مدججة بالسلاح تجوب مراكز المدن، ولم يُعلن عن فرض الأحكام العرفية.

ولكن بالإشارة إلى وجود الدبابات خارج البرلمان، قال شخصان من حركة النهضة -امتنع موقع “ميدل إيست آي” عن ذكر اسميهما حفاظاً على هويتيهما- إن الجيش كان متواطئاً مع الرئيس.

وبموجب دستور عام 2014 الصادر ما بعد الثورة، كانت تونس تعمل في ظل نظام تنفيذي ثنائي يتقاسم فيها الرئيس فيه السلطة مع البرلمان. ومع ذلك، حدد الدستور صراحة رئيس الجمهورية بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، مما منح الرئاسة مسؤولية مباشرة عن الدفاع الوطني والشؤون الخارجية.

وقال المشيشي: “لقد كان انقلاباً”، رافضاً الطروحات القائلة بأن ما جرى كان عملية دستورية، مؤكداً أنه “لا يوجد دستور على وجه الأرض يسمح لك بوضع دبابات أمام البرلمان.”

وقال قعلول إن المظهر الظاهري المعتاد لما حدث جعل من الصعب على العديد من الحكومات الأجنبية إدراك حقيقة ما كان يجري.

العالم راقب ولم يحرّك ساكناً

بحلول صباح 26 يوليو/تموز، كانت العواصم الأجنبية تتصارع مع سؤال خادع في بساطته: ماذا حدث بالفعل؟

هل لجأ سعيّد بشكل شرعي إلى صلاحيات الطوارئ الدستورية، أم أن الديمقراطية الوحيدة في العالم العربي قد شهدت لتوّها انقلاباً؟ وكان هذا التمييز مهمّاً.

وبموجب القانون الأمريكي، يمكن أن يؤدي التصنيف الرسمي لحدث ما على أنه انقلاب عسكري إلى فرض قيود على المساعدات وتغيير طبيعة الانخراط الدبلوماسي بشكل جذري.

وبدلاً من إصدار حكم فوري، اتبعت واشنطن نهجاً حذراً.

قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، جين ساكي، إن الولايات المتحدة “قلقة” إزاء التطورات، وحثت جميع الأطراف على المضي قدماً بما يتوافق مع المبادئ الديمقراطية، رافضةً وصف أفعال سعيّد بالانقلاب ريثما تستمر التقييمات القانونية.

ولكن راء الكواليس، كان المسؤولون الأمريكيون يضغطون على الرئاسة التونسية من أجل وضع خارطة طريق للعودة إلى الحكم الدستوري.

قال جوي هود، السفير الأمريكي الأسبق لدى تونس والمساعد السابق لوزير الخارجية الأمريكي بالوكالة والذي أشرف على السياسة الأمريكية تجاه تونس، إن إدارة بايدن كانت تصارع فكرة ما إذا كان ما حدث يمثل انقلاباً، وإن واشنطن كانت تتوقع أن تظل التدابير الطارئة مؤقتة.

وقال هود لموقع “ميدل إيست آي”: “عندما يحدث شيء كهذا، لدينا محامون تتمثل وظيفتهم الأساسية في دراسة السياق بعناية وإخبارنا ما إذا كان هذا يتطابق مع التعريف القانوني للانقلاب، لأنه إذا كان كذلك، فستدخل قوانين معينة حيز التنفيذ”.

وأضاف هود: “وقد قالوا إن هذا لا يتطابق مع التعريف القانوني للانقلاب، ولهذا السبب لم نستخدم تلك الكلمة”.

ومع استمرار سعيّد في الاستحواذ على السلطة تدريجياً، أشار هود إلى أن تونس شهدت تدهوراً ملحوظاً في الحريات السياسية، محذراً من أن القيود المفروضة على حرية التعبير، وأحزاب المعارضة، والمجتمع المدني أصبحت أكثر حدة، في حين فشل الأداء الحكومي نفسه في التحسن.

وتابع: “لقد التقيت به [سعيّد] إلى جانب [نائب مستشار الأمن القومي] جون فاينر، وسألناه بشكل أساسي: ماذا تفعل؟ ما هي خطتك هنا؟ نحن ندرك أن التونسيين كانوا يعانون من إحباط شديد، وندرك أنهم انتخابوك لإحداث التغيير. ولكن ما الذي تخطط لفعله بالضبط؟”

وأضاف هود: “وقد تجنّب [سعيّد] الإجابة عن السؤال بشكل مباشر.”

وفي أعقاب ذلك، جادل السفير الأسبق غراي بأن واشنطن كان ينبغي لها أن ترد بطريقة أكثر حزماً بكثير.

وقال غراي لموقع “ميدل إيست آي” إن إدارة بايدن أخطأت في تقدير نوايا سعيد والسرعة التي سيتم بها تفكيك المؤسسات الديمقراطية. وأضاف: “كنت أتمنى أن أرى رد فعل أقوى من واشنطن، لكن أعتقد أنها فوتت الفرصة”.

أوروبا تدعم سعيد

وواجهت الحكومات الأوروبية معضلة مختلفة، فتونس تقع على بعد 150 كيلومترًا فقط من الساحل الإيطالي، وتظل شريكًا حاسمًا في مجالات الهجرة والتجارة ومكافحة الإرهاب.

وقد خشي القادة الأوروبيون من أن يؤدي الانهيار السياسي أو عدم الاستقرار على نطاق واسع إلى تداعيات تمتد عبر منطقة البحر الأبيض المتوسط.

لذلك حثت بروكسل على احترام الدستور التونسي، مع الحرص على تجنب استخدام مصطلح “الانقلاب”، كما أعربت ألمانيا عن قلقها، داعيةً في الوقت نفسه إلى العودة بشكل سريع  إلى النظام الدستوري.

واتخذت فرنسا، القوة المستعمرة السابقة لتونس وأحد أقرب شركائها، نبرة حذرة مماثلة، مؤكدةً على الحاجة إلى الحوار والاستقرار بدلاً من انتقاد تصرفات سعيد بشكل مباشر.

غير أن بعض المصادر أخبرت موقع “ميدل إيست آي” بشكل غير رسمي أن عدة حكومات أوروبية تنظر بإيجابية إلى توطيد سعيد لسلطته، معتقدة أن وجود سلطة مركزية قوية يوفر أفضل فرصة لوقف الهجرة غير الشرعية عبر البحر الأبيض المتوسط.

وقال دبلوماسي أوروبي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته نظرًا لحساسية الموضوع، إنه يتذكر ترحيب المسؤولين بخطوات سعيد بعد تلقيهم تأكيدات بأن تونس ستتبنى نهجًا أكثر صرامة تجاه الهجرة غير الشرعية من التونسيين والمهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء.

وأصبحت أوروبا منذ ذلك الحين أكبر مصدر دعم مالي خارجي لتونس، وتعهد الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء منذ عام 2021 بتقديم مليارات اليوروَات في شكل منح وقروض ومساعدات مالية كلية، في حين أتاح اتفاق الهجرة التاريخي الذي تم توقيعه في عام 2023 الحصول على تمويل إضافي مقابل تعزيز التعاون في مجال إدارة الحدود وبذل الجهود للحد من حالات المغادرة عبر البحر الأبيض المتوسط.

وانتقدت المنظمات الحقوقية هذا النهج، معتبرة أن الحكومات الأوروبية أعطت الأولوية للسيطرة على الهجرة على حساب المخاوف بشأن التراجع الديمقراطي في تونس.

ويرى قعلول أن جزءًا كبيرًا من المجتمع الدولي فضّل الاستقرار قصير المدى على المبادئ الديمقراطية. وقال: “لم تكن الحجج المستخدمة لتبرير الصمت تجاه ما يجري في تونس لتُقبل أبدًا لو وقعت أحداث مماثلة في أوروبا”.

كما تبنّى الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة ردود فعل متحفظة، وتجنّبا وصف إجراءات سعيّد بأنها انقلاب.

وقال مسؤول في الاتحاد الأفريقي لموقع “ميدل إيست آي” حينها إن المنظمة لم تكن في موقع يسمح لها بإدانة الاستيلاء على السلطة، وهو ما يعكس ما وصفه بتراجع النفوذ السياسي للاتحاد الأفريقي وصعوبة تحقيق توافق بين الدول الأعضاء.

وقد سبق للاتحاد الأفريقي أن علّق عضوية دول بعد انقلابات عسكرية، بينها مالي وغينيا وبوركينا فاسو والنيجر والغابون، التزامًا بقواعده المناهضة للتغييرات غير الدستورية في الحكم.

وعادة ما ترافق تلك التعليقات دعوات إلى العودة السريعة للنظام الدستوري والحكم المدني، لكن المنظمة امتنعت عن اتخاذ إجراء مماثل في حالة تونس.

وكان رد الفعل الدولي الفاتر مخيبًا للآمال بشدة بالنسبة للعديد من التونسيين، ويرى المشيشي أن المصالح الجيوسياسية طغت في النهاية على المخاوف الديمقراطية.

وقال إن الحكومات الأوروبية باتت تنظر إلى تونس بشكل متزايد من زاوية الهجرة لا من زاوية ترسيخ الديمقراطية. وأضاف: “لقد أرادوا الاستقرار، لكن الاستقرار لا يمكن أن يدوم بلا شرعية”.

من الحكم الاستثنائي إلى حكم الفرد الواحد

ولم تنتهِ فترة تعليق البرلمان التي أُعلنت لمدة 30 يومًا بعد شهر واحد، بل واصل سعيّد تمديد الإجراءات الاستثنائية مرارًا.

وبحلول سبتمبر/ أيلول 2021، أصبح يحكم بالمراسيم، معطلًا أجزاء واسعة من الدستور ومركّزًا السلطات التنفيذية والتشريعية في مؤسسة الرئاسة.

وواصل أنصاره التأكيد على أن هذه الصلاحيات الاستثنائية ضرورية لتفكيك ما وصفوه بالنخبة السياسية الفاسدة التي خذلت التونسيين العاديين لأكثر من عقد من الزمان.

غير أن المنتقدين رأوا الأمر بشكل مختلف تمامًا؛ فقد وجد قادة المعارضة والقضاة والمحامون والصحفيون ونشطاء المجتمع المدني أنفسهم يواجهون الملاحقات القضائية أو السجن في غضون أشهر.

وتعرّضت القيادة العليا لحركة النهضة للتفكيك المنهجي، حيث سُجن الغنوشي وشخصيات بارزة أخرى في حملة واسعة قالت منظمات حقوقية إنها جرّمت المعارضة السياسية المشروعة.

وفي الوقت نفسه، أُقيل عشرات القضاة المستقلين، وقُلّصت صلاحيات الهيئات الانتخابية، واستمر تضييق مساحة المعارضة.

وقال هود إن أحد أبرز التغييرات كان تآكل الحريات التي اعتقد كثير من التونسيين أنها أصبحت غير قابلة للتراجع بعد ثورة 2011.

وأضاف: “عندما التقيت المجتمع المدني في أبريل/ نيسان 2021، قال لي الناس إنهم لن يتخلوا أبدًا عن حقهم في التعبير الحر مهما حدث. لكن عندما عدت سفيرًا في 2023، لم يعد ذلك صحيحًا”.

وأوضح أن التونسيين ما زالوا قادرين على التظاهر سلميًا، لكن من ينتقد الرئيس علنًا أو يظهر على التلفزيون أو ينشر عبر الإنترنت بات يواجه خطر الاعتقال بموجب قوانين تجرّم إهانة رئيس الدولة.

وقد قام سعيد أيضًا بتعيين سلسلة متتالية من رؤساء الوزراء، وكان العديد منهم يفتقرون إلى الخبرة السياسية ويتمتعون بشهرة عامة محدودة، ومن بينهم أحمد الحشاني، وهو مسؤول سابق غير معروف في البنك المركزي تم تعيينه في عام 2023.

وقبل توليه المنصب، وصف الحشاني نفسه عبر حسابه على فيسبوك – الذي حُذف لاحقًا – بأنه “ليبرالي متشدد، ووسطي متطرف، ويساري أناركي، وعلماني ديني ذو ميول نقابية متكاملة”، إضافة إلى أنه “ملكي ومؤيد لإعادة الخلافة”.

كما شارك الحساب نظريات مؤامرة تزعم وجود سيطرة “إيلوميناتي” صهيونية على أفريقيا، وادعاءات غريبة عن زيجات بين البشر والحيوانات في النرويج.

تدهور العلاقات الخارجية

وتدهورت مكانة تونس الدولية أيضًا؛ فقد أثارت تصريحات سعيد في فبراير/ شباط 2023، التي زعم فيها وجود مؤامرة لتغيير الهوية الديموغرافية لتونس من خلال الهجرة من أفريقيا جنوب الصحراء، موجة من العنف ضد السود والاعتقالات التعسفية، مما أثار إدانة من الحكومات الأفريقية ومنظمات حقوق الإنسان الدولية.

وطُرد لاحقًا مئات المهاجرين أو تُركوا في مناطق صحراوية نائية على طول حدود تونس مع ليبيا والجزائر، مما أثار اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ووصف قعلول معاملة الحكومة للمهاجرين الأفارقة السود بأنها غير مسبوقة في تونس الحديثة، وقال: “ما يحدث في ما يتعلق بالهجرة جريمة كاملة ضد الإنسانية؛ الناس يُستهدفون بسبب لون بشرتهم؛ هذا لم يحدث أبداً في تاريخ تونس”.

ورأى قعلول أن أزمة الهجرة تحولت إلى ورقة سياسية، سمحت لتونس بتعزيز علاقتها مع أوروبا عبر تقديم نفسها كحارس للهجرة عبر المتوسط.

وقد ازداد توتر العلاقات مع واشنطن أيضًا؛ فرغم استمرار التعاون الأمني، أعربت الإدارات الأمريكية المتعاقبة عن قلق متزايد إزاء التراجع الديمقراطي في تونس وما وصفته بالتآكل المتسارع للحريات السياسية.

وتجلى اتساع الفجوة بين البلدين في يونيو/ حزيران 2025، عندما استقبل سعيّد مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشؤون أفريقيا.

وبدلاً من التركيز على العلاقات الثنائية، أمضى سعيد معظم وقت الاجتماع في إلقاء محاضرة مطولة حول حرب إسرائيل على غزة، حيث عرض صورًا لأطفال فلسطينيين جرحى واتهم المجتمع الدولي بالفشل في وقف إراقة الدماء.

وأثار اللقاء إحباط المسؤولين الأمريكيين، وأبرز مدى تحوّل الدبلوماسية التونسية نحو أسلوب سعيّد الشخصي المتزايد في السياسة الخارجية.

لكن هود رأى أن كل ذلك كان يحدث بينما تراجعت تونس في قائمة أولويات واشنطن الإستراتيجية.

وقال: “أصبح الربيع العربي شيئًا من الماضي الآن”، مضيفًا أنه رغم وجوب استمرار الانخراط الأمريكي عبر التعاون الأمني والاستثمار الاقتصادي، فإن تونس لم تعد تحتل المكانة المركزية في سياسة واشنطن الإقليمية كما كانت من قبل.

“لقد كنا مخطئين”

وواصل الاقتصاد التونسي التدهور أيضًا؛ فقد تراجعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة بشكل حاد مع عزوف المستثمرين بسبب عدم الاستقرار السياسي، بينما تعطلت المفاوضات بشأن خطة إنقاذ من صندوق النقد الدولي بقيمة عدة مليارات من الدولارات.

وظل النمو الاقتصادي ضعيفًا أيضًا، واستمر التضخم في الضغط على دخول الأسر، فيما أصبحت أزمات نقص الأدوية والسلع الأساسية أكثر شيوعًا، ما عمّق حالة الإحباط الشعبي.

وقال المشيشي إن الأزمة الاقتصادية في تونس تفاقمت بسبب قيام سعيد بتفكيك المؤسسات القائمة دون تقديم بديل موثوق به، وأضاف: “سعيّد يعارض تمامًا المانحين الدوليين، لكنه لا يقدم أي بديل. لديه أفكار شعبوية، لكنها بلا أثر على الأرض”.

وفي الأسابيع الأخيرة، أدت انقطاعات الكهرباء وتدهور الخدمات العامة وتفاقم نقص المياه إلى تأجيج إحباط الجمهور، في حين كشفت موجة الحر الشديدة التي ضربت البلاد هذا الصيف مرة أخرى عن هشاشة البنية التحتية المتقادمة في البلاد.

وبالنظر إلى فترة عمله، قال هود إن تدهور الخدمات العامة كان أمرًا لا يمكن تجاهله، وتابع قائلًا: “عندما وصلت، كان الماء صالحًا للشرب تمامًا. بحلول وقت مغادرتي، لم يعد كذلك. كان هناك انقطاع عام للكهرباء في جميع أنحاء البلاد، ولم تستطع الحكومة حتى جمع القمامة، وهذا دليل على مدى تخلي الدولة عن شعبها”.

وقال رضوان المصمودي، رئيس مركز دراسة الإسلام والديمقراطية، إن الركود الاقتصادي قوض تدريجياً شعبية سعيّد، وإن كثيرًا من الوعود التي أوصلته إلى السلطة لم تتحقق.

وأضاف لموقع “ميدل إيست آي”: “سعيّد فقد كل شعبيته ومصداقيته، ومعظم التونسيين سئموا منه ومن عجزه عن حل أي من مشاكل تونس السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية”.

واتفق ماهر المذيوب، النائب السابق عن حركة النهضة، قائلُا إن تونس لم تشهد فقط تراجعًا ديمقراطيًا بل هجومًا منهجيًا على المؤسسات التي أُنشئت بعد الثورة.

وقال: “ما نشهده ليس فقط قيوداً على الحريات وانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، بل هو أيضًا خطة منهجية لتقويض مؤسسات الدولة التونسية”

وأشار المذيوب إلى أن احتجاجات المعارضة قوبلت بالاعتقالات والملاحقات القضائية وأحكام السجن المشددة، لكنه أكد أن المقاومة لم تختفِ.

وقال: “أصبحت المقاومة أكثر هدوءًا، لكنها ستعود”.

وبالنظر إلى الخمس سنوات الماضية، قال المشيشي إن أكبر خطأ ارتكبته تونس هو الاعتقاد بأن الديمقراطية أصبحت أمرًا لا رجعة فيه.

وقال: “كنا نعتقد أنه لا يمكن العودة إلى الوراء. لقد كنا مخطئين”.

المصدر: ميدل إيست آي

الوسوم: الثورة التونسية
الوسوم: الأزمة التونسية ، الثورة التونسية ، الشأن التونسي ، ترجمات
تحميل هذا المقال بصيغة PDF
شارك هذا المقال
فيسبوك تويتر واتساب واتساب التليجرام البريد الإلكتروني نسخ الرابط
فيصل إدروس
بواسطة فيصل إدروس
المقال السابق نون بوست قانون الجنسية السوري أمام البرلمان الجديد.. هل حان وقت التعديل؟

نشر هذا التقرير ضمن ملف:

ترجمات

ترجمات

تقارير يترجمها "نون بوست" من الصحافة الدولية.

أحدث ما نشر في هذا الملف:

  • كيف تسمم “إسرائيل” نماذج الذكاء الاصطناعي بروايتها عن حرب غزة؟
  • تصدع “هيرتيج”: هل يواجه اليمين الأمريكي حربًا أهلية في حقبة ما بعد ترامب؟ 
  • سلام بارد مع إيران وتحالف أعمق مع إسرائيل.. مناورة الإمارات بعد الحرب
part of the design
نشرة نون بوست الأسبوعية

قد يعجبك ايضا

كيف تسمم “إسرائيل” نماذج الذكاء الاصطناعي بروايتها عن حرب غزة؟

كيف تسمم “إسرائيل” نماذج الذكاء الاصطناعي بروايتها عن حرب غزة؟

نيك كليفلاند-ستوت نيك كليفلاند-ستوت ٣٠ يوليو ,٢٠٢٦
تصدع “هيرتيج”: هل يواجه اليمين الأمريكي حربًا أهلية في حقبة ما بعد ترامب؟ 

تصدع “هيرتيج”: هل يواجه اليمين الأمريكي حربًا أهلية في حقبة ما بعد ترامب؟ 

اليزابيث زيروفسكي اليزابيث زيروفسكي ٣٠ يوليو ,٢٠٢٦
سلام بارد مع إيران وتحالف أعمق مع إسرائيل.. مناورة الإمارات بعد الحرب

سلام بارد مع إيران وتحالف أعمق مع إسرائيل.. مناورة الإمارات بعد الحرب

أندرو إنجلاند أندرو إنجلاند ٢٩ يوليو ,٢٠٢٦
نون بوست

منصة إعلامية مستقلة، تأسست عام 2013، تنتمي لمدرسة الصحافة المتأنية، تنتج تقارير وتحليلات معمقة ومحتوى متعدد الوسائط لتقديم رؤية أعمق للأخبار، ويقوم عليها فريق شبابي متنوّع المشارب والخلفيات من دول عربية عدة.

  • سياسة
  • مجتمع
  • حقوق وحريات
  • آراء
  • تاريخ
  • رياضة
  • تعليم
  • تكنولوجيا
  • اقتصاد
  • صحافة
  • أدب وفن
  • ريادة أعمال
  • سياحة وسفر
  • سينما ودراما
  • طعام
  • صحة
  • ثقافة
  • أحدث التقارير
  • ملفات
  • مطولات
  • حوارات
  • بودكاست
  • تفاعلي
  • الموسوعة
  • بالصور
  • من نحن
  • كتّابنا
  • اكتب معنا
  • السياسة التحريرية
  • بحث متقدم
بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

تمت الإزالة من المفضلة

تراجع
Go to mobile version