خلال ست سنوات، انتقل أمير غروس كابيري من رجل أعمال إسرائيلي دخل البوسنة والهرسك عبر استئجار وتشغيل أجزاء من مصنع “ألمنيوم” متعثر، إلى اسم حاضر في ملفات الصناعة والطاقة والغاز والرياضة والعلاقات التجارية والسياسية.
تتحرك أعمال كابيري داخل دولة شديدة التعقيد سياسيًا، فقد قسم اتفاق دايتون الذي أنهى الحرب عام 1995 البوسنة والهرسك إلى كيانين رئيسيين: اتحاد البوسنة والهرسك، الذي تتركز فيه الغالبية البوشناقية والكرواتية، وجمهورية صربسكا ذات الأغلبية الصربية، فيما يتقاسم البوشناق والكروات والصرب مؤسسات الدولة وفق نظام واسع لتوزيع السلطة والصلاحيات.
داخل هذه البنية، توسع كابيري من مصنع في موستار، مركز الثقل السياسي للكروات، إلى نادي زرينيسكي والمؤسسات الثقافية والجالية اليهودية وغرف تحمل اسم التجارة الإسرائيلية، بالتوازي مع علاقة متصاعدة بالسفارة والخارجية وحكومة الاحتلال، ثم امتدت صلاته إلى بانيا لوكا وقيادة جمهورية صربسكا.
مع الوقت، أصبح يتحرك بين اثنين من أهم مراكز القوة القومية في البلاد، ما يطرح سؤالًا يتجاوز حجم استثماراته، حول الكيفية التي تحولت بها أعماله الخاصة إلى واحدة من قنوات الحضور الإسرائيلي داخل البوسنة.
المصنع المنهار.. بداية صعود كابيري في البوسنة
قبل البوسنة، عُرف كابيري في “إسرائيل” كرجل أعمال وجامع فنون، ثم دخل عالم كرة القدم عندما أصبح في يوليو/تموز 2015 مالكًا لنادي “هبوعيل تل أبيب”، أحد أشهر الأندية الإسرائيلية. وبعد نحو عام ونصف، دخل النادي إجراءات قضائية تحت وطأة ديون تجاوزت 100 مليون شيكل، أي نحو 26 مليون دولار آنذاك.
وذكرت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” في 6 ديسمبر/كانون الأول 2016 أن الخطوة كانت ستنهي سيطرة كابيري وتضع أصول النادي تحت إدارة وصي قضائي، فيما قال رجل الأعمال نفسه إنه ضخ عشرات ملايين الشواكل من أمواله الخاصة ولم يعد قادرًا على مواصلة التمويل.
خارج كرة القدم، ارتبط اسمه بمجموعة “إم. تي. أبراهام” (M.T. Abraham Group) التي تنشط في الصناعة والطاقة والفن، ومؤسسة فنية تحمل الاسم نفسه، كما ترأس مؤسسة متحف الإرميتاج في “إسرائيل”.
علاقته بالدوائر الدبلوماسية الإسرائيلية في البلقان سبقت دخوله البوسنة، إذ ذكر التقرير السنوي لمؤسسة الإرميتاج لعام 2019 أن دان أوريان، السفير الإسرائيلي لدى مقدونيا الشمالية آنذاك والمسؤول لاحقًا عن ملف غرب البلقان في وزارة الخارجية، أدخل كابيري إلى مشروع ترعاه “تل أبيب” لترميم المقبرة اليهودية التاريخية في مدينة بيتولا المقدونية وتحويلها إلى مساحة تذكارية وثقافية.
ظهرت الفرصة الاقتصادية الأكبر في موستار، كبرى مدن منطقة الهرسك جنوب البلاد ومركز الثقل السياسي للكروات في البوسنة، بعدما توقف مصنع يحمل اسم “ألمنيوم” عن الإنتاج في 10 يوليو/تموز 2019 إثر تراكم ديون ضخمة معظمها مرتبط بالكهرباء ليفقد أكثر من 900 عامل وظائفهم.
كان المصنع أحد أعمدة اقتصاد المدينة بملكية موزعة بين حكومة اتحاد البوسنة والهرسك بنسبة 44 بالمئة وصغار المساهمين من العمال بالنسبة نفسها، إضافة إلى 12 بالمئة تملكها الحكومة الكرواتية، ما جعل مصيره ملفًا اقتصاديًا وسياسيًا حساسًا بين موستار وسراييفو وزغرب.
في فبراير/شباط 2020 تأسست شركة “ألمنيوم إندستريز” (Aluminij Industries) في موستار لإدارة النشاط الجديد، وتظهر السجلات التجارية مجموعة “إم. تي. أبراهام” المسجلة في بنما مالكًا لها وكابيري مديرًا.
سبقت الاتفاق النهائي جولات تفاوض امتدت من أواخر 2019 إلى ربيع 2020، إذ رفضت حكومة اتحاد البوسنة والهرسك، أحد الكيانين المكوّنين للدولة، في فبراير/شباط صيغة سابقة من عرض مجموعة كابيري بسبب شروط تتعلق بأسعار الكهرباء والتزامات طُلب من الحكومة تحملها.
بعد تعديل العرض، وافقت الحكومة في 3 أبريل/نيسان 2020 على أن يصوت ممثلها، بصفتها مالكة 44 بالمئة من شركة “ألمنيوم دي دي موستار”، لصالح الاتفاق الجديد، وبعدها بثلاثة أيام، أقرت جمعية مساهمي الشركة عقد الإيجار بموافقة الغالبية الساحقة من المساهمين.
لم ينقل الاتفاق ملكية المصنع إلى كابيري، إذ وقعت شركة “ألمنيوم دي دي موستار” بصفتها مالكة الأصول عقد إيجار مع “ألمنيوم إندستريز”، بدأ بتشغيل المسبك وفتح المجال أمام الشركة للتوسع لاحقًا إلى أجزاء أخرى من المجمع.
وحدد العقد مدة أساسية تبلغ 15 عامًا على مراحل مع إمكانية تمديدها 15 عامًا أخرى، وربط الانتقال بينها بمستويات التشغيل والتوظيف، كما منح شركة كابيري مساحة لتطوير مشروعات طاقة داخل المجمع، وهو بند سيكتسب أهمية لاحقًا مع توسع أعماله من صناعة الألمنيوم إلى الغاز والطاقة.
استعاد المسبك الإنتاج في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، وبعد عامين فقط تحولت “ألمنيوم إندستريز” إلى واحد من أكبر المصدرين بالبلاد، فقد ارتفعت إيراداتها من أقل من مليون مارك في سنة التأسيس إلى نحو 470 مليونًا في 2021، ثم تجاوزت مليار مارك في 2022 مع صافي نتيجة قاربت 56 مليونًا (1 يورو يساوي 1,96 مارك بوسني).
تراجعت الإيرادات بعد سنة الذروة إلى نحو 331 مليون مارك في 2023 ونحو 180 مليونًا خلال 2024، ثم عادت إلى ما يزيد على 300 مليون في 2025 مع قرابة 300 عامل.
أعادت هذه الأرقام المصنع إلى النشاط ومنحت كابيري ثقلاً يصعب عزله عن موازين القوة في موستار، فقد أصبح يدير شركة تشغل مئات العمال وتصدر إلى أسواق خارجية.

وعندما أعلنت مجموعة كابيري في 2025 دخول العقد مرحلة السنوات العشر التالية، اعترض صغار المساهمين على طريقة التمديد وقالوا إن الشروط المطلوبة للانتقال إلى المرحلة الجديدة لم تتحقق، فيما تمسكت “ألمنيوم إندستريز” بأن العملية جرت وفق العقد الأصلي.
داخل هذه البيئة برزت علاقة كابيري بدراغان تشوفيتش، رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي الكرواتي “HDZ BiH” وأبرز زعماء الكروات في البلاد، وهو حزب يمتلك نفوذًا واسعًا داخل مؤسسات موستار ومناطق الهرسك ذات الأغلبية الكرواتية.
وقالت كريستينا بيريتش، رئيسة تحرير منصة “إستينا ميديا” المحلية التي تابعت ملف المصنع، في تحقيق نشرته “ديتيكتور”، الذراع الصحفية لشبكة البلقان للتحقيقات الاستقصائية في البوسنة، في 5 ديسمبر/كانون الأول 2025 إن الفريق المحيط بتشوفيتش لعب دورًا مهمًا في دخول كابيري إلى البيئة الاقتصادية والسياسية المحلية.
وقدم الصحفي الاستقصائي أماريلدو غوتيتش، الذي تابع لسنوات علاقة السياسة بإدارة “ألمنيوم”، قراءة أكثر وضوحًا لدور حزب تشوفيتش، معتبرًا أن كابيري كان سيجد صعوبة كبيرة في بناء موقعه الحالي بعيدًا عن دعم شبكة “HDZ BiH” التي امتلكت حضورًا طويلًا داخل هياكل المصنع.
وفي السنوات التالية خرجت العلاقة من أسوار “ألمنيوم” إلى مؤسسات ثقافية ورياضية وتجارية، لتصبح موستار القاعدة التي بنى منها كابيري الجزء الأكبر من نفوذه.
توسيع الشبكة.. من الرياضة والثقافة إلى الدبلوماسية
في ديسمبر/كانون الأول 2021 بدأت مجموعة كابيري رعاية “زرينيسكي موستار”، أحد أكبر أندية كرة القدم في البوسنة والمؤسسة الرياضية الأكثر ارتباطًا بالوسط الكرواتي في المدينة، ثم أصبح رجل الأعمال نائبًا لرئيسه.
أعطته كرة القدم حضورًا اجتماعيًا يتجاوز المصنع، وبعد أشهر أضاف إلى ذلك بوابة ثقافية عندما افتتح مع تشوفيتش في مايو/أيار 2022 مركز “هاب أوف فاين آرتس” لعرض مقتنيات المؤسسة الفنية التابعة لمجموعته.
خلال حفل الافتتاح، قال تشوفيتش إن الطرفين يناقشان منذ فترة مشروعات جديدة، فيما تحدث ماريو كورديتش، عمدة موستار والقيادي في “HDZ BiH”، عن دعم المدينة لاستثمارات كابيري. وفي تلك المرحلة كان نشاط أمير قد تجاوز المصنع إلى كرة القدم والثقافة، بالتوازي مع اتساع علاقته بقيادات المدينة.
في سبتمبر/أيلول من العام نفسه أضيفت منصة أكثر أهمية عندما افتُتح في موستار كيان باسم “غرفة تجارة دولة إسرائيل في البوسنة والهرسك” برئاسة كابيري، بحضور السفير الإسرائيلي غير المقيم آنذاك نواه غال غندلر وتشوفيتش.
أعطى الاسم والمشهد الافتتاحي المؤسسة طابعًا قريبًا من التمثيل التجاري الرسمي لـ”تل أبيب”، بينما تظهر سجلات وزارة العدل البوسنية أنها تأسست في 31 مايو/أيار 2022 بصفتها جمعية وفق قانون الجمعيات والمؤسسات.
وأوضحت وزارة العدل في ديسمبر/كانون الأول 2023 أن صلاحياتها لا تشمل أصلًا تسجيل غرفة تجارة رسمية لدولة أجنبية، فيما أكدت غرفة التجارة الخارجية للبوسنة أنها لم تقم علاقة مؤسساتية مع كيان كابيري.
لكن حضور السفير الإسرائيلي وتشوفيتش في افتتاحها، ثم مشاركتها في تنظيم الوفود والفعاليات الاقتصادية، منحها وزنًا سياسيًا يتجاوز صفتها كجمعية محلية. وقد ظهر ذلك بوضوح خلال التحضير لمعرض موستار الاقتصادي لعام 2023، عندما أصبحت “إسرائيل”، “الدولة الشريكة” للمعرض.
وفي 14 أبريل/نيسان اجتمع كابيري في مقر الغرفة مع دان أوريان، مدير قسم غرب البلقان في الخارجية الإسرائيلية، لمناقشة الوفود والجناح الإسرائيلي والاتفاقات المقرر توقيعها، بينما قالت الغرفة إن التحضير لجلب “تل أبيب” بدأ قبل نحو عام بالتعاون مع الوزارة وإدارة المعرض.
وخلال افتتاح المعرض مطلع مايو/أيار، شاركت شركات إسرائيلية تعمل في التكنولوجيا والأمن والصناعة العسكرية، بينها “الصناعات الجوية الإسرائيلية” وشركة “إلتا سيستمز” المتخصصة في الرادارات والأنظمة الإلكترونية، إلى جانب شركات في الأمن السيبراني والتكنولوجيا الطبية.
وقال أوريان خلال مؤتمر نظمته غرفة كابيري إن عرض القدرات الإسرائيلية بهذا الحجم لم يسبق أن حدث في البلقان، فيما تحدثت السفيرة غاليت بيليغ عن اهتمام شركات من دولة الاحتلال بالسوق البوسنية.
وبذلك أصبحت المؤسسة التي أسسها كابيري واحدة من القنوات التي استخدمتها الخارجية الإسرائيلية لإحضار الشركات والمسؤولين إلى موستار، ثم ظهرت قوة العلاقة بصورة أوضح بعد العدوان على غزة.
ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2023 ظهر مستوى آخر من علاقة كابيري بحكومة الاحتلال، بعد أشهر من سجال حاد مع بنجامينا كاريتش، عمدة سراييفو آنذاك.
بدأ الخلاف عندما رفضت كاريتش طلبًا مرتبطًا بإحياء ما يسمى “يوم دولة إسرائيل” يقضي بحجب اللوحة الموجودة عند مدخل مبنى بلدية سراييفو التاريخي “فييتشنيتسا”، والتي تذكّر بإحراق قوات صرب البوسنة للمكتبة الوطنية عام 1992، وقالت إن الطلب جاء لإرضاء أعضاء في حزب “تحالف الاشتراكيين المستقلين” الصربي (SNSD) كانوا يعترضون على نص اللوحة.
تصاعد الخلاف بسبب مواقف كاريتش المؤيدة للفلسطينيين خلال العدوان على غزة، إذ اتهمها كابيري بدعم حركة حماس بينما قدمت هي بلاغًا إلى الشرطة تتهمه بالمضايقة والتهديد.
وبعد وصول طرد منه إلى مقر البلدية يحمل وشاحًا بعلم “إسرائيل” ورسالة مرتبطة بأحداث 7 أكتوبر، تدخلت السفيرة غاليت بيليغ رسميًا وخاطبت حكومة اتحاد البوسنة ووزارة الخارجية، مؤكدة أن السفارة ستراقب كيفية تعامل السلطات مع كابيري وأن دولة الاحتلال تقف خلفه.
وفي فبراير/شباط 2024 استضاف مقر “ألمنيوم” اجتماعًا جمع كابيري بالسفيرة الإسرائيلية والسفير الكرواتي لدى البوسنة والهرسك إيفان سابوليتش لبحث تنويع مصادر الطاقة واستثمارات مستقبلية في المصنع ودخول شركات من “تل أبيب” عبر الغرفة التي يرأسها.
وجاء الاجتماع في وقت كان فيه كابيري يوسع أعماله نحو الطاقة، بالتزامن مع دفع واشنطن وقيادة الكروات بمشروع “الربط الجنوبي”، وهو خط غاز استراتيجي مخطط لربط البوسنة والهرسك بكرواتيا عبر موستار وفتح مسار بديل للإمدادات الروسية التي تصل حاليًا عبر صربيا وجمهورية صربسكا.
وكان المشروع قد تعطل لسنوات بسبب الخلاف على الجهة التي ستديره، إذ دفع دراغان تشوفيتش وحزبه نحو إنشاء شركة جديدة بدل إسناده إلى “بي إتش غاز” في سراييفو، قبل أن تكثف واشنطن تدخلها في الملف وتطرح دورًا أمريكيًا في تطوير الخط. وفي هذا السياق بدأ كابيري يقترب من المشروع عبر خططه لمحطة غاز في “ألمنيوم” ثم عبر اتصالاته اللاحقة في الولايات المتحدة.
واتسع حضور كابيري كذلك عبر رئاسة الجالية اليهودية في موستار، وهي جماعة صغيرة يقدر عدد أعضائها المسجلين بنحو 40 شخصًا، مقارنة بأكثر من 740 عضوًا في سراييفو وفق دراسة أكاديمية عن الجاليات اليهودية في البوسنة. وأثار ظهوره السياسي بهذه الصفة اعتراض شخصيات ومؤسسات يهودية أقدم في العاصمة، خصوصًا مع تصاعد العدوان على غزة والخلاف حول المواقف التي تصدر باسم يهود البلاد.
وقال يعقوب فينشي، الرئيس السابق للجالية اليهودية في البوسنة، إن كابيري يتحدث باسمه فقط ولا يمثل موقف اليهود في البلاد من العدوان على غزة.
وتعمق الخلاف مع فلاديمير أندرله، رئيس جمعية “لا بينيفولينسيا” اليهودية الثقافية والخيرية في سراييفو، بعدما اتهم كابيري بالتشكيك في تاريخ التعايش اليهودي–البوشناقي، قبل أن يتهمه بالتهديد والمضايقة ويقدم بلاغًا ضده إلى الشرطة الفيدرالية البوسنية في يوليو/تموز 2024.
وفي يوليو/تموز 2024 اتهمه مناحيم روزنسافت، المستشار العام الفخري للمؤتمر اليهودي العالمي، بالإضرار بالعلاقات بين اليهود والبوشناق، معتبرًا أن رئاسة جالية موستار الصغيرة لا تمنحه صفة التحدث باسم يهود البلاد.

بالتوازي، وسع كابيري أعماله نحو الطاقة، وهي مسألة حاسمة لمصنع ألمنيوم شديد الاستهلاك للكهرباء، كما أدخلته إلى واحد من أكثر الملفات الاستراتيجية حساسية في البلاد.
بدأت خططه بالطاقة الشمسية ومحطة كهرباء غازية داخل المجمع، قبل أن يظهر في فبراير/شباط 2026 في واشنطن ويوقع مذكرة مع شركة “أتلانتيك-سي للغاز الطبيعي المسال” (Atlantic-SEE LNG Trade) تمهيدًا لتأمين إمدادات أمريكية طويلة الأجل لمشروعاته في موستار عبر خط الربط الجنوبي المخطط بين كرواتيا والبوسنة.
وقال إلمدين كوناكوفيتش، وزير خارجية البوسنة ورئيس حزب “الشعب والعدالة”، لمنصة “ديتيكتور” في 27 فبراير/شباط 2026 إنه فوجئ بحضور كابيري القمة التي شهدت توقيع المذكرة، ووصفه بأنه يمتلك “علاقات خاصة” و”لوبيات” ووصولًا إلى دوائر معينة.
واعتبرت كريستينا بيريتش رئيسة تحرير منصة “إستينا ميديا” المحلية أن دخوله إلى الملف يدل على نشاط لوبي جدي، فيما أثار برلمانيون أسئلة حول كيفية وصول شركة خاصة إلى هذه المرحلة من مشروع استراتيجي بينما كانت المؤسسات البوسنية نفسها ما تزال تتفاوض على ترتيباته.
لاحقًا حددت وزارة الطاقة والتعدين والصناعة في اتحاد البوسنة الإطار القانوني، مؤكدة أن شركة “إنرجوإنفست”، التي تملك حكومة الاتحاد الحصة المسيطرة فيها، تمتلك الأساس القانوني لاستيراد الغاز الطبيعي، بينما يمكن لمجموعة كابيري أن تدخل بوصفها مستهلكًا أو مشتريًا. لكن توقيع المذكرة في واشنطن جعل شركته طرفًا حاضرًا في النقاش حول المشروع قبل اكتمال ترتيباته التنفيذية داخل البوسنة.
وفي سبتمبر/أيلول 2026 أعلنت مجموعته تطوير مركز بيانات للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية داخل المنطقة الصناعية لـ”ألمنيوم”، بطاقة تبدأ من 50 ميغاواط ويمكن أن تتجاوز 200 ميغاواط على مراحل، لتتحول الأرض التي دخلها كابيري عام 2020 لاستئجار مسبك إلى قاعدة تُطرح حولها مشاريع في الألمنيوم والطاقة والغاز والبنية الرقمية.
كابيري يوسع دائرة نفوذه من موستار إلى بانيا لوكا
بدأ اسم كابيري يظهر بوضوح داخل دائرة زعيم صرب البوسنة ميلوراد دوديك خلال 2024، لكن قيادة جمهورية صربسكا، الكيان ذي الأغلبية الصربية الذي يشكل مع اتحاد البوسنة والهرسك أحد الكيانين الرئيسيين للدولة، كانت قد بنت علاقتها مع “إسرائيل” قبل وصول رجل الأعمال بسنوات.
كما حافظ دوديك ورئيس حزب الاتحاد الديمقراطي الكرواتي دراغان تشوفيتش على تحالف سياسي وثيق داخل النظام البوسني، ما جعل انتقال كابيري من موستار إلى بانيا لوكا المركز الإداري لصرب البوسنة امتدادًا داخل شبكة سياسية مترابطة أكثر من كونه عبورًا بين معسكرين منفصلين.
يرى فوك فوكسانوفيتش، المحاضر في السياسة الخارجية والاستراتيجية الكبرى في قسم دراسات الحرب بجامعة كينغز كوليدج لندن، أن جذور العلاقة بين قيادة جمهورية صربسكا و”تل أبيب” تعود إلى عام 2012، عندما زار وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك أفيغدور ليبرمان دوديك.
وفي تحليل نشرته “دويتشه فيله” في 11 سبتمبر/أيلول 2026، اعتبر فوكسانوفيتش أن حكومة الاحتلال توسع شبكة شركائها في غرب البلقان للتأثير في المواقف الأوروبية من فلسطين وموازنة حضور تركيا وإيران، مشيرًا خصوصًا إلى النفوذ التركي المتنامي عبر التعاون في الصناعات الدفاعية والتحركات الدبلوماسية، بالتوازي مع تعزيز “تل أبيب” شراكتها العسكرية مع اليونان وقبرص في شرق المتوسط.
ويعتقد الباحث أن جمهورية صربسكا تحمل لـ”تل أبيب” قيمة سياسية أكبر من وزنها الاقتصادي، بحكم قدرتها على التأثير في مواقف الدولة البوسنية، مستشهدًا بدورها في منع توافق داخلي على دعم طلب فلسطين الحصول على صفة دولة مراقب في الأمم المتحدة عام 2012.
أما بانيا لوكا فتستفيد من العلاقة في تعزيز موقعها أمام الحكومة المركزية والعواصم الغربية، وهي معادلة تفسر الأهمية التي حصلت عليها المؤسسات المرتبطة بكابيري رغم تواضع حجم التجارة الفعلية.
وقالت كريستينا بيريتش إن العلاقة بين كابيري ودراغان تشوفيتش فقدت بعض قوتها مع مرور السنوات، فيما بدأ رجل الأعمال يوسع صلاته في بانيا لوكا بحثًا عن فرص ومصالح جديدة. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024 ظهر رجل الأعمال الإسرائيلي إلى جانب دوديك والسفيرة غاليت بيليغ خلال فعالية مرتبطة بذكرى هجوم 7 أكتوبر.
ثم وسّع كابيري حضوره في بانيا لوكا عبر نشاط ثقافي نظمته مؤسسته بحضور دوديك وبيليغ، قبل أن تتسع العلاقة سياسيًا خلال الأشهر التالية. وفي مارس/آذار 2025 ظهر كابيري ودوديك معًا في القدس المحتلة خلال مؤتمر لمكافحة معاداة السامية، ثم تعمقت العلاقة خلال العام التالي.
وهنأ دوديك كابيري في فبراير/شباط 2026 بعد توقيع مذكرة الغاز الأمريكية ووصفه بأنه “صديق مثبت لجمهورية صربسكا”، قبل أن تنتقل الصلة بينهما إلى مستوى مؤسساتي أكثر وضوحًا خلال الصيف.
في 27 أغسطس/آب 2026 سُجل في المحكمة الأساسية في بانيا لوكا كيان باسم “غرفة تجارة دولة إسرائيل في جمهورية صربسكا”.
وأكدت المحكمة لاحقًا أنه جمعية مواطنين مستقلة أسسها كابيري إلى جانب آدم دانون، أحد أبرز معاونيه والمدير التنفيذي لمؤسسة “إم. تي. أبراهام”، والمحامي البوسني دافورين مارينكوفيتش، المتخصص في قضايا الطاقة والبنية التحتية، فيما تولى رجل الأعمال الإسرائيلي رئاستها وتمثيلها القانوني. وتختلف الجمعية قانونيًا عن الكيان الذي أسسه في موستار عام 2022، رغم التشابه في الاسم والدور المعلن.
بعد أسبوع، احتضن مقر حكومة جمهورية صربسكا في 3 سبتمبر/أيلول حفل إطلاق الجمعية وتوقيع مذكرة تعاون بين كابيري وآنا تريشيتش بابيتش، القائمة بأعمال مدير مكتب التعاون الدولي في حكومة الكيان.
حضر المراسم سينشا كاران، رئيس جمهورية صربسكا، وسافو مينيتش، رئيس حكومتها، وجيلكا تسفيانوفيتش، العضو الصربي في رئاسة البوسنة والهرسك، ودوديك، إلى جانب عميحاي شيكلي، وزير شؤون الشتات ومكافحة معاداة السامية في حكومة الاحتلال، والسفيرة بيليغ.
وقال شيكلي إن الوصول إلى هذه المرحلة جاء بعد مسار استمر نحو عامين ونصف ودعا إلى تحويل الصداقة السياسية إلى استثمارات، فيما بعث رئيس دولة الاحتلال إسحاق هرتسوغ برسالة وصف فيها الجمعية الجديدة بأنها قوة دافعة لتعزيز العلاقات وشكر حكومة الكيان على دعم المبادرة.
أما دوديك فقدم افتتاحها باعتباره أول إطار مؤسساتي منظم للعلاقة مع “تل أبيب”، وقال إن الجانبين يعتزمان تطوير مشروعات في الاقتصاد ونقل التكنولوجيا ومجالات أخرى بقيمة تقارب ملياري دولار.

كانت الأرقام الاقتصادية القائمة أكثر تواضعًا بكثير من مستوى الاحتفاء السياسي، فقد جاءت دولة الاحتلال في المرتبة 36 بين المستثمرين في جمهورية صربسكا، ولم تتجاوز التجارة الثنائية خلال النصف الأول من 2026 بضعة ملايين من الماركات.
يمنح هذا الفارق العلاقة وزنًا سياسيًا يتجاوز حجمها الاقتصادي، فبانيا لوكا تستفيد من الظهور إلى جانب وزراء وسفراء إسرائيليين ومن فتح قنوات خارجية إضافية، فيما تمنح قيادة صربسكا “تل أبيب” حليفًا داخل البوسنة قادرًا على التأثير في ملفات ترتبط بفلسطين والسياسة الخارجية للدولة.
يصف كوبي ميخائيل، الباحث البارز في معهدي دراسات الأمن القومي و”مسغاف” الإسرائيليين، العلاقة مع جمهورية صربسكا بأنها “دافئة وبراغماتية”، فيما يضع صربيا في موقع الشريك الإسرائيلي الأهم في البلقان عسكريًا وصناعيًا واقتصاديًا. ومن هذا المنظور، تأتي قيمة صرب البوسنة من الموقع السياسي الذي يشغله الكيان داخل دولة منقسمة بشدة حول فلسطين والعلاقة مع الاحتلال.
أما كورت باسونر، المحلل في مجلس سياسة الدمقرطة ومقره برلين، فيرى أن العلاقة مع “تل أبيب” تمنح بانيا لوكا مدخلًا إلى دوائر سياسية أمريكية مرتبطة باليمين الإسرائيلي تكتسب أهمية خاصة لقيادة صرب البوسنة في ظل العقوبات والخلافات مع الممثل السامي والنقاش المستمر حول بنية الدولة التي أقرها اتفاق دايتون.
تظهر سجلات قانون تسجيل الوكلاء الأجانب في الولايات المتحدة “فارا” نشاط مجموعات ضغط تعمل لصالح مؤسسات جمهورية صربسكا في واشنطن على ملفات تمس مباشرة مشروع دوديك السياسي.
وفي سبتمبر/أيلول، بعد أيام من افتتاح الجمعية، وصل وفد من جمهورية صربسكا إلى “تل أبيب” تمهيدًا للقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وقالت آنا تريشيتش بابيتش إن التقارب السياسي يجب أن يتحول إلى تعاون اقتصادي ومشاريع ملموسة، مستشهدة بالكيان التجاري الجديد ضمن البنية التي يفترض أن تدفع العلاقة إلى الأمام.
بهذا المسار أصبح موقع كابيري أكثر وضوحًا، فقد منحه “ألمنيوم” قاعدة اقتصادية في موستار، وفتح له زرينيسكي والثقافة أبواب الوسط الكرواتي، ثم منحت الخارجية والسفارة الإسرائيلية مؤسساته حضورًا يتجاوز حدود الأعمال، قبل أن تمتد الشبكة إلى بانيا لوكا وتلتقي مع مصالح دوديك السياسية.
في المقابل، بقيت سراييفو المساحة الأكثر توترًا في خريطة نفوذه، سواء بسبب خلافاته مع شخصيات سياسية بوشناقية أو اعتراض مؤسسات يهودية على تقديم مواقفه باعتبارها ممثلة لليهود في البلاد، بينما تركز نجاحه في موستار الكرواتية وبانيا لوكا الصربية.
يتقاطع هذا التوزيع مع ما يصفه الأكاديمي فوك فوكسانوفيتش باستراتيجية إسرائيلية أوسع في البلقان، تقوم على بناء علاقات مع شركاء محليين مختلفين بحسب ما يستطيع كل طرف توفيره من نفوذ سياسي أو اقتصادي داخل دول المنطقة.