بعد 7 أكتوبر، شددت السلطات الإسرائيلية القيود على العمل السياسي للفلسطينيين في الداخل المحتل (أراضي 1948)، وطالت التعبير عن المواقف السياسية والإنسانية، والاحتجاجات والفعاليات العامة، ورافقتها ملاحقات أمنية وتشريعات جديدة. ومع استمرار الحرب، تعززت حالة من الخوف داخل المجتمع، وأصبح التعبير عن بعض المواقف عرضة للملاحقة والاتهام.
وفي الوقت نفسه، أعادت قرارات شطب القوائم والمرشحين العرب من خوض الانتخابات الإسرائيلية المقبلة النقاش حول حدود المشاركة السياسية للفلسطينيين في الداخل المحتل، وما إذا كانت القيود التي برزت بعد 7 أكتوبر مرتبطة بظروف الحرب، أم أنها تعكس تحولًا أوسع في التعامل مع العمل السياسي العربي.
فكيف أثّر ما بعد 7 أكتوبر في العمل السياسي للفلسطينيين في الداخل المحتل، وأين أصبحت تقف حدود المسموح سياسيًا؟
“اليمين المتطرف.. إقصاء العرب وتضييق التعبير عن الرأي”
في مقابلة مع “نون بوست”، توضح سوسن زهر، المحامية في مجال حقوق الإنسان من حيفا، والتي عملت سابقًا نائبةً لمدير مركز عدالة، ومثّلت من خلال عملها في المركز، في قضايا شطب أحزاب ومرشحين عرب، أن الملاحقة السياسية والتمييز العنصري الممأسس بحق الفلسطينيين في الداخل ليسا، من وجهة نظرها، ظاهرة جديدة. ومع حمل الفلسطينيين في الداخل المواطنة الإسرائيلية، فإن الفترة التي أعقبت 7 أكتوبر/تشرين الأول شهدت تشديدًا أكبر على “كل فحوى التعبير عن الآراء للفلسطينيين في الداخل المحتل”.
وتربط زهر تشديد الملاحقة بطبيعة النظام الدستوري والقانوني في “إسرائيل”، الذي تقول إنه يتعامل مع الفلسطينيين المواطنين القاطنين في الداخل المحتل أيضًا باعتبارهم جزءًا من الشعب الفلسطيني، وبالتالي “عدوًا”. ومن هذا المنطلق، يصبح الفلسطينيون، عرضة للملاحقة عندما يحاولون “أن يطلعوا عن الخط الجاري الإسرائيلي”، سواء في مواقفهم السياسية أو في تعبيرهم عن آرائهم.
أما في ما يتعلق بالمشاركة السياسية والتمثيل في الكنيست، فتؤكد أن الملاحقة “مش إشي جديد”، مشيرةً إلى أن القوائم والأحزاب العربية تتعرض، منذ عام 1999 في كل دورة انتخابية لطلبات شطب. وتوضح أن لجنة الانتخابات كانت تقبل طلبات الشطب، قبل أن تصل القرارات إلى المحكمة العليا التي كانت تلغيها.
وبعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، تقول إن التعامل مع التعبير السياسي اتخذ منحى أكثر تشددًا، خصوصًا في ما يتعلق بأي موقف أو تحليل لأحداث ذلك اليومن إذ أصبح تحليل ما جرى في 7 أكتوبر، أو الحديث عن حصار غزة، أو محاولة شرح الأسباب التي أدت إلى المقاومة، يُفسَّر في كثير من الحالات باعتباره “تماهيًا مع حماس ودعمًا للكفاح المسلح”.
وامتد هذا التشدد، وفق ما تذكره، إلى فلسطينيين عبّروا عن آرائهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إذ طالت الاعتقالات شبانًا وشابات بسبب ما نشروه على حساباتهم، سواء كانت تحليلات أو صورًا أو أخبارًا، كما قُدمت لوائح اتهام في بعض الحالات. ولم تقتصر الإجراءات، على الاعتقال والملاحقة القضائية، بل شملت أيضًا إقالة عاملين وعاملات من وظائفهم في القطاعين العام والخاص، وإبعاد طلاب وطالبات من الجامعات بسبب ما نشروه أو عبّروا عنه.
وفي ما يتعلق بالحد الفاصل بين التعبير السياسي والملاحقة، توضح زهر أن الأمر “مش دايمًا حسب شو هو التعبير”، وأنه لا يمكن تحديد هذا الحد بصورة واضحة في كل الحالات. وتستشهد بما جرى في بداية الحرب، حين عبّر فلسطينيون عن معارضتهم للحرب ورفضهم قتل الأبرياء في غزة، لكن هذا التعبير، خلال فترة وجيزة بعد 7 أكتوبر، فُسّر على أنه “دعم لحماس”، رغم أن مضمونه كان “معارضة قتل الأبرياء”.
“الشطب.. من القرار السياسي إلى المسار القضائي”
وتلفت زهر إلى أن ملف الشطب يرتبط بهذا الواقع، قائلة إن “ملف الشطب لازم نشوفه إنه هو تكملة لرؤية متطرفة إضافية بالتفسير القانوني للتعبير”. وعند الانتقال إلى ملف الشطب الأخير، تشرح زهر أن طلبات الشطب تُقدَّم أولًا إلى لجنة الانتخابات المركزية، حيث يصوّت عليها أعضاء الكنيست، ولذلك فإن القرار في هذه المرحلة “يتم على معايير سياسية”. وتربط ذلك بالواقع السياسي الراهن، قائلة إن “الأوضاع السياسية اليوم جدًا يمينية ومتطرفة وتنادي بإقصاء العرب من المشاركة السياسية بشكل عام، ليس فقط من التمثيل في الكنيست، وإنما بعدة مجالات أخرى”.
وبحسب زهر، فإن القرار داخل اللجنة يُحسم “على حسب أيديولوجيات سياسية بالكنيست”، مشيرةً إلى أن وجود أغلبية من اليمين المتطرف جعل اتجاه التصويت نحو الشطب متوقعًا. لكنها تلفت إلى أن قرار لجنة الانتخابات ليس نهائيًا، إذ يمكن الاستئناف عليه أو إحالته إلى المحكمة العليا للمصادقة عليه.
وتوضح أن طلبات الشطب تستند إلى ثلاثة معايير أساسية واردة في المادة 7(أ) من قانون أساس: الكنيست، الذي يتمتع بمكانة دستورية.
وتفصّل زهر هذه المعايير، موضحةً أن الأول يتعلق بالمرشح أو القائمة التي “تنادي لشطب أو لهدم دولة إسرائيل أو سحب تعريف إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية”. وتضيف أن “قائمة تنادي فقط بالمساواة ممكن أن تشطب، لأن هذا منافي للدولة اليهودية”. أما المعيار الثاني، فيتعلق بمن “ينادي أو يحرض عى العنصرية”، فيما يتمثل الثالث، في أن يكون المرشح أو القائمة “يدعم كفاحًا مسلحًا لتنظيم إرهابي أو لدول معرفة بالقانون الإسرائيلي كدولة عدو”.
وتؤكد أن هذه هي “المعايير الثلاثة حسب القانون الإسرائيلي”، وأن النقاش في لجنة الانتخابات جرى على أساسها، وصولًا إلى التصويت على شطب الأحزاب العربية والمرشحين العرب.
وعن المسار أمام المحكمة العليا، تشير زهر إلى أن الجلسات التي أقيمت مطلع الشهر الجاري تناولت طلبات شطب القائمة العربية الموحدة، والقائمة المشتركة، والنائب عوفر كسيف من القائمة المشتركة العربية، إلى جانب قضية شطب المرشح سامي أبو شحادة، رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي.
قضية أبو شحادة
وفي قضية شطب سامي أبو شحادة تحديدًا، تقول زهر إن النقاش القانوني تركز بصورة أساسية على مقال نشره في موقع “عرب 48” في 8 أكتوبر/تشرين الأول، والذي فُسّر من جانب مقدمي طلب الشطب، الذين تصفهم بأنهم “يمينيون متطرفون”، وكذلك من جانب عدد من قضاة المحكمة، على أنه يتضمن دعمًا للكفاح المسلح لحماس، وأنه ينادي بهدم دولة “إسرائيل” والمقاومة المسلحة والكفاح المسلح ضدها.
وتشدد زهر على أن هذه القراءة “لم يكتبها سامي أبو شحادة”، وإنما كانت تفسيرًا طرحه مقدمو طلب الشطب وعدد من قضاة المحكمة، استنادًا إلى الأسئلة التي وُجّهت خلال الجلسة.
وتشير إلى أن الأمر ظهر أيضًا خلال جلسة النظر في قضية سامي أبو شحادة أمام المحكمة العليا، ضمن النظر في طلبات شطب الأحزاب العربية وبعض المرشحين من الترشح للانتخابات الإسرائيلية المقبلة، موضحةً أن القضاء أبدى امتعاضًا من عدم نشره مقالًا أو تصريحًا يتضمن موقفًا مما جرى في 7 أكتوبر. وتقول إن أبو شحادة واجه من القضاة أسئلة حول ما إذا كان يرى حماس تنظيمًا إرهابيًا، مضيفةً أن المطلوب كان أن يتحدث “باللغة تبعتها” وأن يستخدم “المصطلحات تبعتها”. وبحسب زهر، رفض أبو شحادة ذلك، وحاول أن يوضح أن لديه طريقة مختلفة في الكتابة والتعبير عن موقفه، قائلة إن “فيه اختلاف بالطريقة اللي فيها هو بيكتب والطريقة اللي هو بيعبر عن حاله”.
وتستحضر زهر في هذا الإطار سامي أبو شحادة، الذي أمضى نحو 30 عامًا ناشطًا في الحياة السياسية وكان سابقًا نائبًا في الكنيست، مضيفةً أن “الأشخاص الناشطين سياسيين زيه المفروض إنه يعطوا تحليلات”. لكن التحليل الذي نشره في 8 أكتوبر/تشرين الأول، بحسب زهر، “اتفسر بالتالي إنه هو دعم للإرهاب”.
وتتابع أن المحكمة، بعد توجيه أسئلة إلى أبو شحادة ومحاميه من مركز عدالة، عرضت على المرشح سحب ترشحه بدلًا من صدور قرار مفصل بشأن شطبه. وتوضح أن صدور مثل هذا القرار كان يمكن أن “يؤثر بالفعل بالمستقبل على مرشحين وأحزاب ثانية”.
وبناءً على ذلك، اجتمعت اللجنة المركزية في التجمع، وبمشاركة بقية القائمة المشتركة، وقررت أن يسحب أبو شحادة ترشحه، وفقًا لملاحظات القضاء، وذلك قبل صدور قرار مفصل بشأن شطبه من الانتخابات.
وتؤكد زهر أن ما جرى مع أبو شحادة لا يمكن “ناخده بطريقة منفصلة عن الاستهداف والملاحقة السياسية” التي طالت الفلسطينيين في الداخل بعد 7 أكتوبر، وتقول إن أبو شحادة “استهدف بس مجرد لأنه هو حاول إنه يعبر عن رأيه”.
“أصعب وأشد وأكثر عنصرية”
من زاوية سياسية أوسع، يرى الدكتور أمطانس شحادة، مدير برنامج دراسات إسرائيل في مركز مدى الكرمل – حيفا وعضو سابق في الكنيست، في مقابلة مع “نون بوست”، أن العمل السياسي للفلسطينيين في الداخل المحتل شهد بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول تشديدًا واسعًا بفعل السياسات والممارسات الأمنية والتشريعات الإسرائيلية، طال التعبير عن المواقف السياسية والأخلاقية، وقيّد المظاهرات والفعاليات العامة، ووسّع دائرة الملاحقة والخوف داخل المجتمع الفلسطيني.
ويضع شحادة تصاعد القمع والتضييق على التعبير في مقدمة هذه التحولات، مشيرًا إلى أن المجال لم يعد يتسع حتى للمواقف الأخلاقية والإنسانية الرافضة للقتل والدمار والحرب والإبادة. فالفلسطينيون في الداخل، حسب شحادة، دأبوا على التعبير عن رفضهم للقتل والعنف والتدمير من جميع الأطراف، إلا أن هذا الموقف نفسه بات بعد 7 أكتوبر موضع تضييق من المؤسسة الإسرائيلية.
واتخذ هذا التضييق طابعًا أمنيًا واضحًا، مع حملة شرطية وأمنية أعادت إلى الأذهان ما يشبه الحكم العسكري. ويستشهد بما تعرض له طلاب جامعات أبدوا مواقف إنسانية رافضة للقتل والحرب، إذ خضع بعضهم للمساءلة، ووصل الأمر في حالات إلى الاعتقال وتقديمهم للمحاكم، إلى جانب تعرض التعبير عن مواقف سياسية أو أخلاقية مناهضة للحرب لهجوم جماهيري وإعلامي.
ولم تقتصر الملاحقة على الطلاب والنشطاء، بل امتدت إلى القيادات السياسية في الداخل، مع عودة استخدام الاعتقالات الإدارية بحق قيادات سياسية. وفي تقديره، أصبح توظيف الأدوات الأمنية في مواجهة النشاط السياسي الفلسطيني أكثر وضوحًا بعد 7 أكتوبر.
وبذلك، أصبحت الأمور أصعب على العمل السياسي في الداخل، في ظل هامش ديمقراطي كان ضيقًا أصلًا، لكنه شهد محاولة لإلغائه. ويربط شحادة ذلك بانتقال عسكرة المجتمع الإسرائيلي أيضًا إلى الداخل، بالتزامن مع ازدياد العنصرية والقمع تجاه المجتمع الفلسطيني في الداخل.
أما على المستوى التشريعي، فيلفت إلى إدخال تعديلات على بعض القوانين والسياسات في الكنيست وفرض قيود إضافية على المجال السياسي. ويذكر، في هذا السياق، أن التشريعات المتعلقة بأحداث 7 أكتوبر باتت تفرض قيودًا على التعبير، مشيرًا إلى أن من ينكر وقوع 7 أكتوبر يمكن أن يواجه المساءلة والسجن.
ويرى شحادة أن هذه القيود لم تعد مرتبطة بموقف الحكومة وحدها، بل حظيت، بحسب قراءته، بتأييد واسع داخل الساحة السياسية الإسرائيلية، بما في ذلك أحزاب في المعارضة دعمت ممارسات تتعلق بتغيير القوانين والقمع والملاحقة الأمنية. ويربط ذلك بطبيعة التعامل مع حالات الطوارئ والقضايا الأمنية، حيث تتسع مساحة التوافق السياسي حول الإجراءات المتخذة.
ولا يرى أن الحرب أنشأت القيود المفروضة على العمل السياسي العربي من الصفر، لكنها عززتها ومنحتها شرعية أوسع، كما وسعت نطاقها لتطال أشكالًا مختلفة من النشاط السياسي. ويضرب مثالًا على ذلك بصعوبة تنظيم المظاهرات والوقفات الاحتجاجية، مشيرًا إلى أن الشرطة رفضت في حالات عديدة منح التصاريح اللازمة لتنظيمها.
ويستشهد بما جرى في الأسابيع الأولى بعد 7 أكتوبر، حين شهدت الناصرة مظاهرة رافضة للحرب انتهت باعتقال عدد من القيادات العربية، من بينهم محمد بركة وسامي أبو شحادة وحنين زعبي، إلى جانب شحادة نفسه. ويضيف أن لجنة المتابعة تقدمت بالتماسات إلى المحكمة العليا ضد منع تنظيم وقفات ومظاهرات، إلا أن المحكمة رفضت تلك الالتماسات.
وامتد التضييق إلى أشكال أخرى من النشاط السياسي، بما فيها الندوات والفعاليات العامة. ويوضح أن الشرطة رفضت، خلال الفترة الأولى من الحرب، إقامة ندوات سياسية، بما في ذلك فعالية مشتركة عربية–يهودية كانت لجنة المتابعة تعتزم تنظيمها.
ومن هذا المنظور، تتخذ القيود بعد 7 أكتوبر شكلين متداخلين: قيودًا في السياسات والممارسة، وأخرى في التشريعات، فيما أصبحت قواعد العمل السياسي القائمة قبل الحرب “أصعب وأشد وأكثر عنصرية”.
“المتصهين الذي يقبل بسقف المشروع الصهيوني”
ويرى شحادة أن التراجع في الثقة طال المؤسسات، وليس الأحزاب العربية تحديدًا، نتيجة الممارسات والسياسات الإسرائيلية تجاه المجتمع العربي، معتبرًا أن المشكلة الأساسية تتعلق بالمؤسسة وسياساتها. وفي الوقت نفسه، يقرّ بوجود إشكاليات داخل الأحزاب نفسها، من بينها ما يصفه بالتقصير وعدم تقديم قراءة مجددة للواقع، لكنه يضع الأساس في ممارسات الحكومة والمؤسسة الإسرائيلية تجاه المجتمع العربي، والتي أسهمت في خلق حالة من الإحباط داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل.
وفي ما يتعلق بالمشاركة السياسية، لا يعني الإحباط، من وجهة نظره، بالضرورة ابتعاد المجتمع عن الانتخابات. بل يقدّر أن نسبة التصويت قد ترتفع في الانتخابات المقبلة، باعتبار الانتخابات إحدى أدوات العمل السياسي المتبقية والمتاحة أمام المجتمع الفلسطيني في الداخل للتعبير عن مواقفه، مشيرًا إلى أن هذا الجانب لم يخضع حتى الآن للقيود التي طالت أشكالًا أخرى من النشاط السياسي.
ويربط ذلك بإمكان أن تتحول المشاركة الانتخابية إلى رد فعل على الوضع القائم، وإلى وسيلة للتعبير عن الموقف من المؤسسات والأحزاب الإسرائيلية، إلى جانب دعم الأحزاب العربية ورفع نسبة التصويت في المجتمع العربي. لكنه يستدرك بأن استمرار هذا الهامش لا يمكن ضمانه مستقبلًا.
ويلفت إلى حالة الخوف التي ترسخت داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل، في ظل مخاوف من الملاحقة الأمنية والقيود والانتقام والمراقبة. وكان هذا الشعور، بحسب شحادة، أكثر حضورًا خلال الأشهر الأولى والعام الأول من الحرب، قبل أن تتراجع حدته نسبيًا لاحقًا، من دون أن يختفي الإحساس بوجود ملاحقة وأدوات أمنية ومراقبة وتقييد.
ولا يقتصر أثر الخوف من التهديد والملاحقة والانتقام الأمني على الناشطين أو السياسيين، يقول شحادة، بل امتد إلى قطاعات مختلفة من المجتمع الفلسطيني في الداخل، مع تعرض أطباء في المستشفيات وفنانين ورياضيين وسياسيين للملاحقة والمراقبة. وقد خلقت هذه الممارسات، وفق وصفه، أجواءً من الرقابة الأمنية شملت المجتمع العربي على نطاق واسع، وأثرت في استعداد أفراده للتعبير والمشاركة السياسية.
ومع ذلك، يتحفظ على اعتبار هذا الواقع مؤشرًا، في الوقت الراهن، على إعادة صياغة الأفراد أو الأحزاب لأدوات عملهم السياسي. فالحكم على ذلك، في تقديره، ما يزال مبكرًا، وقد تكشف الانتخابات المقبلة اتجاهات جديدة في سلوك المجتمع والأحزاب، بما في ذلك احتمال تعزيز العمل البرلماني أو توسيع حضور الأحزاب العربية بوصفه أحد أشكال الرد السياسي على الواقع القائم.
أما في الوقت الحالي، فلا يلمس مراجعة واضحة أو تغييرًا جوهريًا في نمط العمل السياسي القائم، معتبرًا أن ملامح المرحلة المقبلة ستتضح بصورة أكبر من خلال ما ستفرزه الانتخابات المقبلة.
ويرى أن قرارات شطب القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة تعكس تحولًا في الحدود الفاصلة بين الأمن والسياسة، مع اتساع التداخل بين المجالين، واستخدام الحجج الأمنية أداةً للملاحقة السياسية بعد 7 أكتوبر.
وفي 23 سبتمبر/أيلول، قررت لجنة الانتخابات المركزية شطب القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة، إلى جانب شطب ترشح سامي أبو شحادة وعوفر كسيف. وأحالت القرارات إلى المحكمة العليا، التي ألغت في 1 أكتوبر/تشرين الأول شطب القائمتين، كما ألغت شطب عوفر كسيف، فيما انسحب أبو شحادة من الترشح بعد أن أبلغت المحكمة بأن أغلبية القضاة تتجه إلى تأييد شطبه.
وتتجاوز دلالة هذه التطورات، من وجهة نظره، القوائم والمرشحين المستهدفين، لتطال مسألة أوسع تتعلق بحدود التمثيل السياسي المتاح للفلسطينيين في الداخل. ويرى أن ما جرى يعكس اتجاهًا لدى الأحزاب والتحالف الحكومي في إسرائيل نحو تقييد التمثيل العربي في البرلمان والحد من العمل السياسي العربي إلى أبعد حد.
وفي قراءة شحادة، تصبح المشاركة السياسية مقبولة عندما تنسجم مع سقف سياسي محدد، إذ يوضح أن “المتصهين الذي يقبل بسقف المشروع الصهيوني” يمكنه، بحسب قراءته، المشاركة في العمل السياسي والانتخابي، فيما تصبح المواقف التي تتجاوز هذا السقف غير مقبولة.
وفي الوقت نفسه، يحذر من أن ما جرى حتى الآن قد يشكل مؤشرًا على إمكانية تشديد القيود مستقبلًا، إذا اتجهت المؤسسة السياسية إلى تعديل القوانين أو تغيير معايير التعامل مع الأحزاب والمرشحين العرب. ومن هنا، لا تتعلق القضية، في تقديره، بقرارات الشطب الحالية فقط، وإنما بما قد تفتحه من نقاش حول حدود التمثيل السياسي العربي في المرحلة المقبلة.
ويرى أن التباين بين قرارات شطب القوائم والمرشحين العرب ورفض طلبات شطب أحزاب ومرشحين يهود يكشف، من وجهة نظره، عن اختلاف في المعايير التي تُطبق على العمل السياسي. ويعزو ذلك إلى الطبيعة السياسية للجنة الانتخابات المركزية، التي تتشكل من ممثلي الأحزاب الممثلة في الكنيست، معتبرًا أن قراراتها لا تستند إلى معايير أخلاقية أو إنسانية، أو حتى إلى تطبيق متسق للقوانين الإسرائيلية.
ويستشهد برفض طلبات شطب شخصيات وأحزاب من اليمين الإسرائيلي، ومن بينها إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريش، معتبرًا أن المشروع السياسي الذي يمثلانه يحمل طابعًا “عنصريًا” و”فاشيًا” ويتعارض مع مبادئ الديمقراطية، بل يهدد الديمقراطية داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، على حد تعبير شحادة. وفي المقابل، يرى أن طلبات شطب القوائم والمرشحين العرب عوملت بمعايير مختلفة.
وبحسب هذا الطرح، تعكس المسألة صراعًا على تحديد شروط المشاركة السياسية ومن يملك حق وضع معاييرها، إذ يعتبر أن اليمين الإسرائيلي يسعى إلى فرض شروط مختلفة على الأحزاب العربية مقارنة بالأحزاب اليهودية الإسرائيلية. ويربط ذلك بما يصفه بالأجواء “الفاشية والعنصرية” و”الإقصائية” التي تشهدها الساحة السياسية، وبمساعٍ إلى تقليص التمثيل العربي في البرلمان إلى أبعد حد.
ويضيف أن جزءًا من أحزاب المعارضة الإسرائيلية دعم هذه الطروحات، ما يجعل الخلاف يتجاوز قرارات لجنة الانتخابات المحددة إلى سؤال أوسع حول المعايير التي تحكم المشاركة السياسية والتمثيل العربي داخل النظام السياسي الإسرائيلي.
تكشف التطورات التي أعقبت 7 أكتوبر أن العمل السياسي للفلسطينيين في الداخل واجه تضييقًا على أكثر من مستوى، بين القيود على التعبير والاحتجاج، والملاحقة الأمنية، والخوف داخل المجتمع، إلى جانب استمرار المعركة حول التمثيل السياسي. ومع إلغاء شطب القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة وعوفر كسيف، وانسحاب سامي أبو شحادة من الترشح، بقيت قضية حدود المشاركة السياسية مفتوحة، ولم تُحسم الأسئلة التي أثارتها هذه التطورات حول مستقبل التمثيل العربي.
وبين الخوف من الملاحقة وتكلفة التعبير والمشاركة، ومحاولات الحفاظ على الحضور السياسي، يبقى مستقبل العمل السياسي للفلسطينيين في الداخل مرتبطًا بما إذا كانت القيود التي فرضتها الحرب ستتراجع مع تغير الظروف أم أنها ستستمر وتصبح جزءًا من الواقع السياسي الذي يحدد حدود المشاركة والتعبير والتمثيل في المرحلة المقبلة.