في سبتمبر/أيلول 2023، كان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يتحدث بثقة عن اقتراب المملكة “كل يوم” من اتفاق تاريخي مع “إسرائيل” برعاية أمريكية. بدا المشهد آنذاك محسومًا تقريبًا: معاهدة دفاعية مع واشنطن، وبرنامج نووي مدني، وفتات من الوعود للفلسطينيين، في مقابل اعتراف سعودي يتوّج مسار “اتفاقيات أبراهام” ويمنحه ثقله الإسلامي الذي ظلّ ينقصه.
بعد أسابيع قليلة، جرف طوفان السابع من أكتوبر هذا البناء كله دفعة واحدة، فالحرب على غزة لم تكن مجرد حدث عابر في روزنامة الدبلوماسية السعودية، بل كانت ومعها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي اندلعت في فبراير/شباط 2026، نقطة الصفر التي أعادت الرياض عندها حساب معادلاتها من جديد، فالمملكة التي راهنت لسنوات على مظلة أمريكية حصرية، وعلى التطبيع بوصفه بوابة لتلك المظلة خرجت من هذين الزلزالين بعقيدة مختلفة تتمثل في تحوط بدل الرهان الواحد، وموازنة بين أقطاب متعددة بدل الارتهان لقطب واحد، وتحالفات ذاتية تحمي عمقها الحيوي من تقلبات واشنطن ومغامرات تل أبيب في آن واحد، كما سنفصّل في هذا التقرير.
ارتفاع الكلفة الشعبية والسياسية للتطبيع
كانت الحسابات البراغماتية التي دفعت المملكة نحو التطبيع السريع تقوم على افتراض ضمني مفاده أن القضية الفلسطينية فقدت قدرتها على تحريك الشارع، وأن الأجيال السعودية الشابة المنشغلة بمشاريع رؤية 2030 لم تعد تكترث بما يجري في غزة والضفة.
لكن حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة أسقطت هذه الفرضية بقسوة، فصور الدمار الشامل ومشاهد التجويع وأرقام الضحايا التي تجاوزت كل ما عرفته المنطقة في صراعاتها السابقة، أعادت إحياء القضية في الوجدان العربي والسعودي بل وحتى الغربي على نحو لم تشهده أجيال كاملة، حيث بات وصف “الإبادة” يتردد في المحافل الدولية وأروقة المحاكم وعلى شاشات وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية، ولذلك لم يعد ممكنًا لأي قيادة عربية أن تصافح الطرف المتورط من دون أن تدفع ثمنًا باهظًا للغاية من رصيدها الداخلي.
بالنسبة للسعودية تحديدًا تتجاوز الكلفة حسابات الرأي العام، فالمملكة تستمد جزءًا جوهريًا من شرعيتها من خدمة الحرمين الشريفين ومن موقعها المرجعي في العالم الإسلامي، والتقارب مع حكومة إسرائيلية متورطة في ارتكاب جرائم حرب تصل إلى حد الإبادة، وتضم وزراء يجاهرون بخطط التهجير وتغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى، كان سيعني مساسًا مباشرًا بهذه الرمزية الدينية والسياسية، وتقديم هدية مجانية لخصوم الرياض الإقليميين الذين يتربصون بأي ثغرة في صورتها.
من هنا جاء التحول الأبرز في الخطاب الرسمي السعودي فلم لم يعد الحديث مقتصرًا على تحسين حياة الفلسطينيين أو مسار غامض نحو الدولة كافيًا، بل صار الشرط المعلن مسارًا موثوقًا لا رجعة فيه يفضي إلى دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية شرطًا مسبقًا لأي اعتراف.
وقد كرر وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان هذا الموقف قبل أيام في نيويورك، حين شدد على ضرورة الانتقال من التوافق الدولي بشأن حل الدولتين إلى خطوات عملية تضمن تنفيذه على أرض الواقع، تحوّل هذا الشرط إلى حائط صد في وجه الضغوط والإغراءات الأمريكية المتكررة، فهو من جهة يرفع سقف المطالب إلى حد تعجز الحكومة الإسرائيلية الحالية عن بلوغه، ومن جهة أخرى يعفي الرياض من الرفض الصريح لواشنطن إذ يكفيها أن تقول إن الباب مفتوح، لكن مفتاحه في يد دولة الاحتلال.
إيران المنهكة وسقوط ذريعة الحلف الاضطراري
ظل الخوف من إيران لسنوات الحجة الأقوى في سردية التطبيع، فالتحالف مع “إسرائيل” وفق هذا المنطق لم يكن خيارًا عاطفيًا بل ضرورة أمنية لردع طهران ووكلائها المنتشرين في دول الطوق، لكن ما جرى منذ 2024 قلب هذه المعادلة رأسًا على عقب.
تآكلت البنية العسكرية لحزب الله في لبنان بعد ضربات متتالية أفقدته قيادته التاريخية وجزءًا كبيرًا من ترسانته العسكرية، وسقط نظام الأسد في سوريا فانقطع الجسر البري الذي ربط طهران بالمتوسط، ثم جاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران نفسها، التي أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعشرات القادة العسكريين، لتضع محور المقاومة في أضعف حالاته منذ عقود.
صحيح أن الرد الإيراني طال الأراضي السعودية مباشرة، إذ أدانت الرياض هجمات استهدفت منطقة الرياض والمنطقة الشرقية، وأكدت أنها كانت قد أبلغت طهران بأنها لن تسمح باستخدام أجوائها وأراضيها منطلقًا للهجوم عليها، غير أن المفارقة أن هذه الحرب، بقدر ما كشفت هشاشة الخليج أمام الصواريخ والمسيرات، كشفت أيضًا أن إيران لم تعد ذلك الخصم القادر على فرض إيقاعه على المنطقة، ومع انحسار التهديد الإيراني الاستراتيجي سقطت الذريعة الأقوى للحلف الأمني الاضطراري مع “إسرائيل”، فلماذا تدفع الرياض ثمن التطبيع الباهظ لردع خصم لم يعد في وسعه أن يهددها كما كان؟
استثمرت المملكة هذا الفراغ في التمدد الدبلوماسي وكانت سوريا ساحتها الأولى، فمنذ سقوط الأسد تحركت الرياض بسرعة لافتة إذ كانت أول عاصمة يزورها الرئيس أحمد الشرع، وتولت مع الدوحة سداد متأخرات دمشق لدى البنك الدولي، ثم ألقت بثقلها لدى واشنطن حتى أعلن الرئيس ترامب من الرياض رفع العقوبات عن سوريا وتبع ذلك سيل من الاتفاقيات الاقتصادية تنوعت من الطاقة والاتصالات إلى تأسيس شركة طيران مشتركة، حتى قدّر وزير الاقتصاد السوري الاستثمارات السعودية في بلاده بأكثر من عشرين مليار دولار.
ليست هذه الأرقام كرمًا اقتصاديًا مجردًا بل استثمار سياسي في موقع جغرافي بالغ الحساسية، فسوريا التي ظلت عقدين جسرًا لإيران نحو المتوسط، يمكن أن تتحول اليوم إلى عمق عربي يغلق ذلك الجسر نهائيًا، وأن تكون حاجزًا أمام التوغل الإسرائيلي في الجنوب السوري الذي ترى فيه الرياض محاولة لفرض وقائع جديدة على حدود دولة عربية منهكة، وبهذا الطرح تراهن المملكة على أن تكون دمشق الجديدة شريكًا فاعلًا في منظومتها الإقليمية لا ساحة مفتوحة لنفوذ الآخرين، سواء جاء من طهران أو تل أبيب أو حتى من أنقرة الحليف الجديد.
وفي الوقت نفسه، حافظت الرياض على إطار اتفاق بكين مع طهران ولو على مستوى الخطاب الإعلامي، فقبل الحرب بنحو ثلاثة أشهر كانت اللجنة الثلاثية السعودية الإيرانية الصينية تجتمع في طهران لمتابعة تنفيذ الاتفاق، وحتى في ذروة الهجمات الإيرانية، ظلت البيانات السعودية تستحضره مرجعًا وتصف الاعتداءات بأنها انتهاك صريح له، فيما حرصت طهران بدورها على تأكيد أن قنوات الاتصال مع الرياض لم تنقطع وأنها ما زالت ملتزمة به.
يحتاج كلا البلدين إلى هذا التمسك المتبادل فطهران المنهكة تريد تجنب جبهة خليجية معادية تضاف إلى حربها مع واشنطن وتل أبيب، والرياض تريد قناة مفتوحة تتيح لها احتواء التصعيد، وتمنح الصين دورًا ضامنًا في المعادلة الخليجية، وتوسع هامش مناورتها أمام واشنطن وتل أبيب على السواء، بعبارة أخرى يعد التمسك باتفاق بكين كمرجع لإدارة الخصومة لا لإنهائها.
قلق سعودي من التحركات العسكرية الإسرائيلية
إن كانت إيران قد تراجعت إلى موقع دفاعي بفعل الضربات المتتالية الموجعة التي تلقتها، فإن “إسرائيل” خرجت من حروبها المتتالية بنزعة مختلفة تمامًا، فقد برزت كقوة عسكرية تتصرف كأنها بلا حدود ولا ضوابط، ضربت في لبنان وسوريا واليمن وإيران، ووصلت ذراعها إلى الدوحة في سبتمبر/أيلول 2025، حين استهدفت قيادات من حماس في قلب عاصمة خليجية حليفة لواشنطن، كانت تلك اللحظة كاشفة لكل عواصم الخليج أثبتت أنه لا حصانة لأحد، ولا ضمانة أمريكية تحول دون أن تمتد العمليات الإسرائيلية إلى أي عمق عربي.
تنظر الرياض إلى هذا السلوك بقلق متزايد لا من باب التضامن السياسي فحسب، بل من زاوية مصالحها المباشرة فرؤية 2030 مشروع تقوم على الاستقرار، وعلى جذب الاستثمارات والسياحة وبناء مدن جديدة على ساحل البحر الأحمر وكل مغامرة عسكرية إسرائيلية تستدرج ردًا إيرانيًا أو حوثيًا تضع هذه المشاريع في مرمى النيران، وقد أثبتت حرب 2026 ذلك عمليًا، حين أعلن الحوثيون استئناف هجماتهم في البحر الأحمر وفرضوا حصارًا على الناقلات والسفن السعودية، ووجدت المملكة نفسها تعترض المسيرات فوق منشآتها النفطية، في حرب لم تخترها ولم تكن طرفا في قرار إشعالها.
لكن هناك قلقًا سعوديًا آخر لا يحظى باهتمام كثيرين، في ديسمبر/كانون الأول 2025 اعترفت “إسرائيل” رسميًا بإقليم “صوماليلاند” الانفصالي، في خطوة أثارت قلقًا بالغًا في الرياض، لم يكن الاعتراف مجرد خطوة دبلوماسية عادية بل بوابة لحراك عسكري واستخباراتي متصاعد.
أفاد مسؤولون صوماليون وأوروبيون لاحقًا بأن “إسرائيل” أقامت حضورًا استخباراتيًا في بربرة، فيما أشارت تقارير إلى أن الإقليم وفر لإسرائيل موقعًا عسكريًا سريًا خلال الحرب على إيران، يتيح لطائراتها نقطة تزود بالوقود في المهمات بعيدة المدى، ورغم نفي سلطات هرجيسا المتكرر لوجود قاعدة إسرائيلية، فإن رئيسها لم يخف رغبته في توسيع التعاون الأمني مستقبلًا، وسط تقارير عن استمرار أعمال إنشاء ذات طابع عسكري حول مطار بربرة.
ما يزيد المشهد قتامة في عيون الرياض أن هذا التموضع يجري على أرض تديرها الإمارات، التي يعتقد على نطاق واسع أنها ساعدت في تسهيل الاعتراف الإسرائيلي، هنا يتقاطع القلق من “إسرائيل” مع التوتر مع أبوظبي، ترى الرياض في بربرة منصة متقدمة للعمليات والاستطلاع والاستخبارات، تطل على خليج عدن وتشرف على مضيق باب المندب، وتقع على مسافة قصيرة من السواحل السعودية، وهو تهديد لا يمس أمن الملاحة فحسب بل يمس خط أنابيب شرق-غرب الذي تحول خلال حرب إيران إلى شريان المملكة الأهم لتصدير نفطها بعيدًا عن مضيق هرمز المغلق.
لم تقف الرياض متفرجة، ففي فبراير/شباط 2026، وقعت مع الصومال اتفاقية للتعاون العسكري، في رسالة واضحة بأن المملكة لن تترك الضفة الغربية للبحر الأحمر ساحة مفتوحة لمحور تل أبيب- أبوظبي، وبأن وحدة الأراضي الصومالية باتت جزءًا من حسابات أمنها القومي.
الخروج من العباءة الأمريكية
تجسدت الهواجس المشار إليها أعلاه كلها في تحول لافت في البنية الدفاعية السعودية، فبعد أن ظلت المملكة لعقود تعتمد على المظلة الأمريكية بدأت تنسج شبكة أمان بديلة، كانت الخطوة الأولى اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك مع باكستان في سبتمبر/أيلول 2025، ثم جاءت الخطوة الأكبر في السابع من أغسطس/آب 2026، حين وقع ولي العهد السعودي والرئيس التركي ورئيس الوزراء الباكستاني في قصر الصفا بمكة المكرمة “اتفاقية مكة للدفاع المشترك”، التي تنص على أن أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع.
View this post on Instagram
اختيار مكة مكانًا للتوقيع كان بمنزلة رسالة رمزية تستعيد للمملكة موقعها مرجعًا إسلاميًا في لحظة فارقة، والتركيبة نفسها تحمل منطقًا استراتيجيًا واضحًا، فالحلف يجمع قدرات مالية ومكانة مميزة في سوق الطاقة العالمية، وقاعدة صناعية دفاعية متطورة، وجيشًا كبيرًا ذا خبرة عملياتية طويلة مدعومًا بترسانة نووية، فهو أول إطار للأمن الجماعي يضم دولًا عربية وغير عربية منذ حلف بغداد عام 1955، لكنه هذه المرة يبنى بإرادة إقليمية لا برعاية قوة عظمى.
وسرعان ما اتخذ الحلف شكلًا مؤسسيًا، إذ اتفقت الدول الثلاث على إنشاء أمانة عامة في السعودية، يترأسها في البداية أمين عام باكستاني لمدة ثلاث سنوات، فيما أعلنت أنقرة أن الاتفاقية مفتوحة للتوسع لتشمل دولًا أخرى بموافقة أطرافها الثلاثة، ولكن من المهم القول إن الحلف في الوقت الحالي لا يشكل بديلًا عن واشنطن لكنه طبقة حماية إضافية تجعل المملكة أقل ارتهانًا لمزاج البيت الأبيض وأقدر على التفاوض معه مِن موقع مَن يملك خيارات متنوعة.
على الجبهة الدبلوماسية كان التحوط يأخذ شكلًا موازيًا، قادت الرياض “التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين“، الذي أطلقته في سبتمبر/أيلول 2024 وتشترك في رئاسته مع الاتحاد الأوروبي والنرويج، وتحول إلى منصة دولية واسعة بلغ عدد المشاركين في اجتماعها التاسع في بروكسل ممثلي 83 دولة ومنظمة.
يؤدي هذا التحالف وظيفة مزدوجة، فهو يكسر احتكار واشنطن التاريخي للوساطة في الصراع، ويوسع دائرة الشركاء لتشمل أوروبا وآسيا والعالم الإسلامي، ويعزل في الوقت نفسه التعنت الإسرائيلي دوليًا بتحويل حل الدولتين من شعار مستهلك إلى إطار عمل له مؤسساته واجتماعاته الدورية.
عقيدة جديدة تنضج على نار هادئة
يبدو المسار السعودي في الأشهر المقبلة واضح المعالم، فمن المتوقع أن تواصل الرياض تثبيت أركان حلف مكة وتحويله من نص موقع إلى بنية دفاعية فعلية، وربما توسيعه ليشمل شركاء جددًا، فيما تبقى عينها على القاهرة التي ظلت حتى الآن خارج الإطار.
وقد تمضي المملكة كذلك في تقوية تحالفاتها متعددة الأطراف من أوروبا إلى آسيا، مع الحفاظ على علاقة بواشنطن نظرًا لارتباطها بعقود تسليح وصفقات طويلة الأجل مع الولايات المتحدة رغم إحباطها من مواقف ترمب الأخيرة بشأن الحوثيين، أما ملف التطبيع فسيبقى مجمدًا، لا لأن الرياض أغلقته نهائيًا، بل لأنها رفعت ثمنه إلى مستوى لا يمكن لإسرائيل الحالية أن تدفعه.
غير أن هذه العقيدة لا تخلو من مخاطر، فالحرب على إيران لم تنته بعد والوضع قابل للانفجار في أي لحظة رغم الجمود النسبي الحالي، كما أن الحوثيين لا زالوا قادرين على تهديد أمن المملكة وإشعال البحر الأحمر، فضلًا عن أن الموازنة بين أقطاب متنافسة تتطلب مهارة عالية في إدارة التناقضات بين أنقرة وأبوظبي، وبين بكين وواشنطن، وبين متطلبات الأمن ومتطلبات التنمية، وأي خطأ في الحسابات قد يجعل المملكة عالقة بين محاور لا يثق أي منها بها تمامًا.
ويبقى سؤال حدود هذه الاستقلالية معلقًا، فالمملكة ما زالت تعتمد في تسليحها الجوهري ودفاعاتها الجوية على السلاح الأمريكي كما أشرنا إلى ذلك، وحلف مكة لا يزال في طور البناء المؤسسي ولم تتضح بعد آليات تفعيله العملياتية، لذا يبدو أدق وصف للمسار السعودي أنه تنويع للضمانات لا استبدال لها، وتوزيع للمخاطر على أكثر من سلة بحيث لا يتحول أي تراجع في الالتزام الأمريكي إلى فراغ أمني قاتل.
لكن الخلاصة الأهم أن السعودية خرجت من حقبة الحرب على غزة وحرب إيران بعقيدة أكثر نضجًا مما دخلت به، فهي لم تعد تراهن على صفقة كبرى واحدة تحل كل مشكلاتها الأمنية، ولم تعد تقايض ورقة التطبيع بوعود أمريكية قد تتبدل مع كل إدارة جديدة، وتحولت من المناورة بملف التطبيع إلى بناء شبكة تحالفات جيوسياسية وعسكرية ذاتية، تحمي عمقها الحيوي من الشمال إلى الجنوب، ومن تقلبات السياسة الأمريكية ومغامرات الحكومة الإسرائيلية معًا.
والأهم أنها نقلت التطبيع من خانة الغاية إلى خانة الورقة المؤجلة، فلم يعد ثمنًا تدفعه الرياض مقابل الحماية، بل مكافأة مشروطة بقيام الدولة الفلسطينية، وهي عقيدة لم تولد من فراغ، بل فرضتها على المملكة تجربة صعبة، حين سقطت الصواريخ على عاصمتها، واستُهدفت منشآتها النفطية بالمسيّرات، وظلت مشاهد حرب الإبادة على غزة حاضرة أمام شعبها كل يوم.