في صباح السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وبينما كانت الرشقات الصاروخية تملأ سماء غلاف غزة، ظهرت فوق السياج أجنحة تحمل مقاتلين من كتائب القسام، تنساب على ارتفاع منخفض نحو المواقع العسكرية والمستوطنات الإسرائيلية. استقر المشهد سريعًا في الذاكرة بوصفه واحدًا من الصور الأيقونية لذلك اليوم الذي عبر فيه آلاف المقاتلين الفلسطينيين إلى الأراضي المحتلة. وخلال أيام، صارت صورة المقاتل المعلّق بجناحه رمزًا يتداوله المتضامنون مع فلسطين على الجدران واللافتات في مدن العالم.
حملت تلك الطائرات الشراعية البسيطة دلالة واضحة على قدرة الفلسطيني على اجتياز واحدة من أعقد المنظومات الأمنية والتكنولوجية في العالم، متى امتلك الإرادة والحلم، إضافة لدلالة أعمق في تشكيلها امتدادًا لإرادة تاريخية بحثت طويلًا عن التحليق فوق فلسطين، وجرّبت لذلك أدوات ووسائل كثيرة.
في صيف 1969، أصرّت ليلى خالد على أن تحلّق الطائرة التي اختطفتها فوق حيفا، المدينة التي وُلدت فيها وهُجّرت منها طفلة، كي ترى بلادها من السماء. وبعد ثمانية عشر عامًا، “طار اليسعوب” كما تقول الأغنية التي خلّدت عملية شهداء قبية، وعبر من جنوب لبنان إلى فلسطين المحتلة، حاملًا معه الوطن العربي في شخص الشهيدين السوري والتونسي، ومعهما رفاقهما الفلسطينيون.
ثم انتقلت الفكرة إلى غزة، حيث لم يتوقف المقاومون منذ انسحاب الاحتلال من القطاع عام 2005 عن التفكير في طريق إلى أراضيهم المحتلة يتجاوز الأسوار والحدود.
محاولات منذ مطلع الثمانينيات
في الحروب، دخل الطيران الشراعي كأحد الأدوات التي استخدمت بالقتال في أكثر من حقبة. في مايو/أيار 1940، هبط مظليون ألمان بطائرات شراعية على سطح قلعة إيبن إيمايل البلجيكية وأسقطوها في ساعات. وفي 1943 حطّت طائرات مماثلة على قمة غران ساسو الإيطالية لتحرير موسوليني من سجنه. وبعد عام، فتح البريطانيون بها الطريق إلى النورماندي عند جسر بيغاسوس.
غير أن تلك كانت طائرات ضخمة تقطرها قاذفات وتحمل فرقًا كاملة، وتملكها جيوش دول. أما الجناح الفردي الخفيف، الذي يحمل مقاتلًا واحدًا عبر الحدود، فبقي سجله في تاريخ حركات التحرر شبه خالٍ، إلا من الساحة الفلسطينية التي كانت سبّاقة إليه.
بدأت الحكاية في مطلع الثمانينيات، حين كانت الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة قد أُغلقت بأسيجة إلكترونية تمتد على طولها، وصار التسلل برًا وبحرًا من جنوب لبنان أصعب مع كل عام.
في صباح 7 مارس/آذار 1981، انطلق فدائيان من جبهة التحرير الفلسطينية بقيادة أبي العباس، كلٌّ على طائرة شراعية أحادية المقعد مزودة بمحرك صغير، وهبط الأول قرب رأس الناقورة واعتُقل. أما الثاني فحطّ فجرًا في الجليل الغربي قرب كيبوتس أفيك، واحتجز مستوطنًا إسرائيليًا، وظل يتنقل ساعات حتى وصل قرية طمرة، فدخل أحد بيوتها قبل أن يُعتقل.
كانت المهمة، وفق ما نقلته الرواية الإسرائيلية عنه، احتجاز مستوطنين أو جنود إسرائيليين ومبادلتهم بأسرى في سجون الاحتلال. وأعلنت الجبهة مسؤوليتها في اليوم نفسه عبر إذاعة منظمة التحرير في لبنان، وأعلنت الجبهة مسؤوليتها في اليوم نفسه عبر إذاعة منظمة التحرير في لبنان، وأفادت مصادرها بأن “إسرائيل” تكتمت على نتائج العملية وتفاصيلها، التي استُشهد أثناء تنفيذها غسان مصطفى الكاخي، وأُسر جمعة خلف اليوسف وعبد الحليم محمد حافظ. وكانت سرعة الطائرات تتراوح بين 60 و90 كيلومترًا في الساعة.
حملت “إسرائيل” الحادثة إلى مجلس الأمن في اليوم التالي، ووصف مندوبها محاولة الطيران إلى داخل فلسطين المحتلة بأنها تحوّل جديد له تبعات خطيرة. ولاحقًا، عرضت السلطات الإسرائيلية الأسيرين على الصحفيين، فقالا إنهما تدرّبا على الطيران الشراعي في سوريا على أيدي مدربين سوريين.
بعد خمسة أسابيع فقط، في 16 أبريل/نيسان 1981، جرّبت الجبهة طريقًا جويًا آخر، إذ حلّق فدائيان بمنطاد هوائي نحو الحدود، فأسقطه جنود الاحتلال قرب كيبوتس المنارة، واستشهد الاثنان في اشتباك قصير على الأرض.
تقول المحاولتان، على تواضع نتائجهما، إن البحث عن ممر في السماء لم يكن محاولة فردية أو صفة متنحية، فقد كان توجهًا يتشكل داخل الفصائل، وينتظر من يحوّله إلى ضربة تهزّ المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
ليلة الطائرات الشراعية
أطلقت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة على عمليتها اسم “عملية شهداء قبية“، في استعادة لمجزرة ارتكبتها وحدة إسرائيلية في القرية الفلسطينية عام 1953، واختارت لها مجموعة من أربع فدائيين، بينهم رجلين من خارج فلسطين.
الأول خالد أكر، ابن حلب الذي التحق بالمقاومة الفلسطينية في لبنان وهو في الرابعة عشرة، وتلقى تدريبه في معسكرات الجبهة في الناعمة جنوب لبنان. والثاني ميلود بن ناجح نومة، التونسي الذي جاء إلى الجبهة مدفوعًا بقناعته القومية، وتدرّب في سوريا. وضمّت الخلية أيضًا فدائيين فلسطينيين اضطرت طائرتاهما إلى الهبوط داخل لبنان لأسباب تقنية.
ليلة 25 نوفمبر/تشرين الثاني 1987، أقلعت الطائرات من تلال جنوب لبنان، كانت أجنحتها حمراء وبيضاء، ومزودة بمحركات لا يتجاوز حجمها محرك آلة جزّ العشب، ومراوح صغيرة. حمل كل فدائي بندقية كلاشنكوف ومسدسًا بكاتم صوت وعددًا من القنابل اليدوية.
سمع الجنود الإسرائيليون أزيز المحركات قرابة العاشرة والنصف، فأُطلقت القنابل المضيئة وأُرسلت المروحيات بكشافاتها للبحث، لكنها عادت دون أن تجد شيئًا، فالطائرات كانت تحلّق بمحاذاة رؤوس الأشجار.
سقطت إحدى الطائرتين داخل “الحزام الأمني” الذي كانت إسرائيل تحتله في جنوب لبنان، على بعد مئات الأمتار من الحدود، واستشهد قائدها بعد أن تعقّبته القوات الإسرائيلية. أما الثانية فهبطت في حقل أشواك قرب معسكر “غيبور” شرق كريات شمونة، حيث مقر قيادة لواء الناحال.
أطلق الفدائي النار على مركبة عسكرية عابرة فقتل الضابط الذي يقودها وأصاب مجندة، ثم تقدّم نحو المعسكر مطلقًا النار وملقيًا القنابل. فرّ الحارس من البوابة، فدخل الفدائي إلى الخيام، وقتل خمسة جنود وأصاب آخرين، قبل أن يستشهد برصاص جندي جريح.
حصيلة الليلة كانت ستة قتلى من الجنود الإسرائيليين، وهي الأعلى في هجوم داخل فلسطين المحتلة منذ نحو عقد، وخرجت الصحف العبرية بعنوان يصف ما جرى بالفشل الذريع في الشمال وبالضربة للجيش.
واعترف وزير الحرب حينه إسحاق رابين أمام الكنيست بأن الإجراءات المطلوبة لم تُتبع في المعسكر. وحمّل رئيس الوزراء إسحاق شامير سوريا المسؤولية، وتوعّد نائب رئيس الأركان إيهود باراك بتدفيع المنظمات الفلسطينية الثمن. وحين حوكم الحارس وحده في البداية بتهمة الجبن، صاغ الإسرائيليون تعبير “متلازمة الحارس” لوصف مؤسسة تلقي فشلها على أصغر رتبة فيها.
في الجهة المقابلة، امتدحت قيادة منظمة التحرير العملية، وقالت إنها أثبتت أن الحواجز لا تمنع فدائيًا قرر أن يستشهد، وكتب الشبان في غزة على الجدران “6:1″، وصاروا يرددونها في وجوه الجنود. وبعد أقل من أسبوعين، اندلعت انتفاضة الحجارة (الانتفاضة الأولى) من القطاع، وصار مؤرخون كثيرون، يرون في ليلة الطائرات الشراعية إحدى محفزاتها.
بقي جثمان ميلود محتجزًا لدى الاحتلال حتى صيف 2008، حين عاد إلى تونس ضمن صفقة التبادل بين “إسرائيل” وحزب الله. وبقيت الليلة حاضرة في الذاكرة العسكرية الإسرائيلية، حتى إن الاحتلال اعتاد استهداف مواقع القيادة العامة في ذكراها، كان أبرزها في ديسمبر/كانون الأول 1988، حين أغارت وحدة إسرائيلية على مقر القيادة العامة في الناعمة، المعروفة اسرائيليًا بغارة “الأزرق والبني”، في عملية تزامنت مع الذكرى الأولى لهجوم الطائرات الشراعية.
محاولات مبكرة في قطاع غزة
بعد انسحاب الاحتلال من قطاع غزة عام 2005، صار القطاع محاطًا بسياج تراقبه الكاميرات والأبراج، وصار البحث عن طريق إلى الأراضي المحتلة يتطلب أدوات جديدة، فيما كان النقاش الفلسطيني لدى قادة المقاومة في غزة، حول الكيفية التي يتم فيها تجاوز العوائق الإسرائيلية لتنفيذ عمليات فدائية. وفي هذا السياق تظهر في رفح حكاية رجل كان مدرّسًا في النهار ومهندسًا في الليل.
وُلد عوض القيق عام 1975 في مخيم جباليا لعائلة هُجّرت من قرية عراق سويدان، ثم استقرت في مخيم رفح. درس الكيمياء والفيزياء وتخرج بامتياز، وعمل في سلك التعليم حتى صار مديرًا لإحدى المدراس الإعدادية. وفي الوقت نفسه، كان من أبرز مهندسي الصواريخ في سرايا القدس، وتولّى قيادة وحدة الهندسة والتصنيع فيها.
تقول سرايا القدس في سيرته إنه سعى منذ عام 2007، مع رفاقه من المهندسين، إلى امتلاك سلاح جوي للمقاومة، فصمّم نموذجًا لطائرة شراعية، وأعدّ دراسات لصناعة الطائرات المسيّرة. لم يُكتب للمشروع أن يكتمل، فقد اغتالته مروحية إسرائيلية في رفح يوم 30 أبريل/نيسان 2008، ومعه رفيقه أسامة الهوبي. ورأت السرايا لاحقًا في مسيّرة “جنين”، التي كشفت عنها بعد أربعة عشر عامًا، ثمرة للطريق الذي بدأه.
بعد ذلك بسنوات، تظهر في الرواية الإسرائيلية حكاية أخرى أقرب إلى روح ليلة 1987، خلال حرب صيف 2014، أعلن جهاز الشاباك أنه اعتقل في خانيونس قائد خلية من وحدة النخبة في كتائب القسام.
وبحسب ما نسبه إليه الإعلام العبري، فإن القائد في القسام رائد العطار أسس قرابة عام 2010 وحدة صغيرة للطيران الشراعي، وتقول الرواية نفسها إن العطار ومساعده أرسلا أفرادها عبر الأنفاق إلى سيناء، ثم إلى القاهرة، ومنها جوًا إلى ماليزيا، حيث تدربوا أسبوعًا على مظلات مزودة بمحركات. وتضيف أنهم خضعوا لاحقًا لتدريبات في خانيونس ورفح، استعدادًا لعبور الحدود جوًا ومهاجمة موقع عسكري أو مستوطنة قريبة.
اغتالت “إسرائيل” قائد لواء رفح في كتائب القسام رائد العطار في رفح يوم 21 أغسطس/آب 2014، ومعه عضو المجلس العسكري للكتائب محمد أبو شمالة والقيادي محمد برهوم بعد أن نجح مقاومي اللواء في خطف الضابط في الجيش الإسرائيلي هدار جولدن. وعطفًا حول الحديث عن مشروع الطائرات الشراعية، قال مسؤول في الشاباك إن اغتيال العطار أربك المشروع كله.
غير أن هذه الحكاية تبقى رواية إسرائيلية خالصة، تدعي الاستناد إلى اعترافات أسير انتُزعت في غرف التحقيق، ونفت ماليزيا رسميًا أن تكون سمحت بأي تدريب لعناصر حماس على أراضيها، ولم تُقرّ القسام بوجود الوحدة في ذلك الوقت.
لكن ما تكشفه الرواية والتتبع أنّ فكرة العبور من الجو حاضرة منذ الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، فالعيون بقيت شاخصة نحو باقي الوطن السليب، لتعود الفكرة بعد ثمانية عشر عامًا وتحسم الجدل حول واقعيتها وإمكانيتها.
سرب صقر والسابع من أكتوبر
في يوليو/تموز 2023، توقف عدد من السائقين على الطريق الساحلي قرب الزوايدة وسط قطاع غزة، وأخرجوا هواتفهم يصورون رجلًا يحلّق فوق الشاطئ معلقًا بمظلة عريضة ملونة. كان المشهد غريبًا على أهل القطاع، فالطيران الشراعي ممنوع في غزة، ومن يحاول إدخال مظلة عبر المعابر تُصادر منه.
تبيّن لاحقًا أن من يحلق بالـ “البراشوت” هو سفير الاتحاد الأوروبي لدى الفلسطينيين، سفين كون فون بورغسدورف، وقد أثار الأمر غضب الخارجية الإسرائيلية، ودهشة الغزيين الذين تساءلوا كيف أدخل الرجل معداته. ولم يكن أحد على الشاطئ يعرف أن مظلات أخرى تحلّق منذ مدة في سماء القطاع، وأن أصحابها يستعدون ليوم آخر.
بعد ثلاثة أشهر، في الساعات الأولى من السابع من أكتوبر/تشرين الأول، نشرت كتائب القسام مقطعًا مصورًا لمقاتلين يتدربون على الإقلاع والهبوط بالمظلات، وقدّمتهم باسم “سرب صقر”، في أول كشف علني عن الوحدة.
ظهرت في الهجوم مظلات ثنائية المقعد يقودها الجالس في الخلف، بينما يتهيأ المقاتل المسلح في المقدمة للنزول والاقتحام، وأخرى فردية يحمل فيها الطيار المحرك على ظهره. عبر بعضها السياج تحت غطاء الرشقات الصاروخية، في مسافة قصيرة لم تترك لمنظومات الرصد وقتًا للتعامل معها. ووصفت مجلة “جينز” العسكرية المتخصصة ما جرى بأنه أول استخدام عسكري معروف في العالم لهذا النوع من الطائرات.
لم يكن المشروع وليد أشهر، فقد كشف فريق التحقق في هيئة الإذاعة البريطانية أن أحد مقاطع تدريب المظليين على الهبوط في مستوطنة وهمية شمال رفح سُجّل قبل 25 أغسطس/آب 2022، وحُفظ في ملف يحمل اسم “سرب صقر”، ما يعني أن الخطة كانت قيد الإعداد منذ أكثر من عام.
وحلّل تحقيق لشبكة “سي إن إن” ما يقارب عامين من مقاطع التدريب التي نشرتها حماس، فوجد أن المقاتلين تدربوا في ستة مواقع على الأقل. ووجد أيضًا أن المظلات أقلعت فجر الهجوم من قرب معسكرين للتدريب على مقربة من السياج، من الموقع نفسه الذي اختُبرت فيه الطائرات المسيّرة محلية الصنع.
ويروي كاتب على منصة “سبستاك“، في سلسلة عن التحضير للطوفان، أن الفكرة جاءت من محمد الضيف نفسه. وبحسب روايته، هرّبت حماس نحو دزينة من العُدد التي تُركَّب منها المظلات، واختار الضيف ثلاثين من أفضل مقاتليه لتشكيل “سرب صقر”.
وتكشف حكاية نتيف هعسراه، أقرب المستوطنات الإسرائيلية إلى شمال القطاع، كيف عمل “سرب صقر” على الأرض، فقد نشر الجيش الإسرائيلي في مارس/آذار 2025 تحقيقًا عن البلدة وصفه بأنه الأكثر إحباطًا بين تحقيقات ذلك اليوم.
ويقول التحقيق إن ثلاثة مقاتلين حطّوا بمظلاتهم بين السادسة وتسع وثلاثين دقيقة والسادسة واثنتين وأربعين دقيقة صباحًا في ثلاث نقاط متفرقة من المستوطنة، بوصفهم طليعة لقوة أكبر كانت ستعبر برًا من بيت حانون المجاورة.
وعلى مدى نحو ساعتين ونصف، لم تتمكن قوة مسلحة من سبعة وثلاثين إسرائيليًا، بينهم ضابط كبير وعناصر فريق الحراسة، من إيقافهم وقُتل في المستوطنة سبعة عشر من قاطنيها، بينهم ثلاثة من فريق الحراسة، وعاد اثنان من المقاتلين الثلاثة إلى غزة.
وتداول مغردون فلسطينيون على منصات التواصل الاجتماعي أسماء من قالوا إنهم رجال تلك المجموعة وصورهم، وهم ميسرة صالحة استشهد داخل البلدة يوم الطوفان، أحمد فوزي الوادية عاد إلى غزة، واغتالته غارة جوية خلال الحرب، وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن اغتياله وقدّمه بوصفه قائد الهجوم على المستوطنة. عماد أبو ركبة عاد كذلك، واستشهد لاحقًا في معركة جباليا الثالثة. وفي المعركة نفسها استشهد صالح دهمان، الذي قال المغردون إنه قائد وحدة صقر.
صالح دهمان.. صقر الطوفان
استشهد الفارس أبو البراء، صانع البطولة والفداء، قائد كتيبة الطيران الشراعي في قطاع غزة، بعد صمود وثبات كبيرين في نهاية معركة الطوفان التي افتتحها بهجوم جنوده المظليين صبيحة السابع من أكتوبر. pic.twitter.com/DG6ZO4iYzv
— هُدى من غزة 𓂆 (@huda_gaza) February 7, 2025
أما في الرواية الفلسطينية الرسمية، فقد نشرت القسام عام 2026، ضمن سلسلة “أقمار الطوفان” التي توثق سير شهدائها، مقطعًا عن القائد الميداني مراد أحمد أبو مراد. تقول الكتائب إنه كان برتبة قائد سرية، وتولى قيادة سلاح الجو في لواء غزة، وأشرف على تطوير المسيّرات الانتحارية واختبارها، واستشهد في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وفي مقطع مسجل قبل الطوفان، يقف أبو مراد قرب الحدود ويخاطب المقاتلين بأن هذه الأماكن ستكون “معبر الأبطال نحو أرضنا المحتلة”.
كان الاحتلال قد أعلن اغتيال أبي مراد، ووصفه بأنه رئيس المنظومة الجوية في مدينة غزة، وقال إنه وجّه المقاتلين الذين عبروا من الجو. ثم أعلن في 28 أكتوبر/تشرين الأول اغتيال عصام أبو ركبة، الذي قدّمه قائدًا لمنظومة جوية تجمع المسيّرات والمظلات والرصد والدفاع الجوي.
ولم تكن الوحدة مجهولة تمامًا لدى الاحتلال، ففي مايو/أيار 2021، خلال معركة “سيف القدس”، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه قصف منزلًا قال إنه يضم معدات لوحدة الطيران الشراعي في حماس. وتُشير تحليلات وتقارير استخبارية إسرائيلية مسربة بأن “إسرائيل” رصدت التدريبات، لكنها لم تصدق أن حماس قادرة على تنفيذ عملية كهذه.
وبعد الحرب، نشرت وسائل إعلام إسرائيلية وأمريكية وثيقة قال جيش الاحتلال الإسرائيلي إنه عثر عليها في غزة، تتحدث عن رؤية لبناء قوة طيران عسكرية ومدنية في خدمة مشروع التحرير، وتقترح الوثيقة نشر تجارب فردية للطيران الشراعي على وسائل التواصل، وإنشاء نادٍ لهذه الرياضة في القطاع يجذب الشباب المهتمين.
الطريق إلى فلسطين
بين صباح مارس/آذار 1981، حين حطّ فدائي بجناحه الصغير قرب خليج حيفا، وصباح السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين عبرت مظلات “سرب صقر” سياج غزة، مرّت اثنتان وأربعون سنة. تبدلت خلالها الفصائل والجغرافيا والأدوات، من سفوح جنوب لبنان إلى شواطئ القطاع، ومن الجناح المعلّق بمحرك آلة جزّ العشب إلى المظلة ذات المقعدين، ومن تدريب في معسكرات سوريا والناعمة إلى تدريب تحت أعين المراقبة الإسرائيلية في رفح وبيت لاهيا. وبقي السؤال الذي حرّك الفكرة واحدًا: كيف يصل الفلسطيني إلى أرضه حين تُغلق في وجهه كل الطرق على الأرض؟
خالد أكر وميلود بن ناجح نومة، عوض القيق، رائد العطار، عصام أبو ركبة، صالح دهمان ورفاقه، أسماء تفرقت على عقود، وجمعتها فكرة التحليق فوق الجدار. وحين ارتفعت الأجنحة فوق السياج ذلك الصباح، كانت تحمل معها ذاكرة طويلة من المحاولات، بعضها فشل وبعضها لم يُعرف، وكلها صنعت الطريق إلى تلك اللحظة التي عبر فيها الفلسطيني إلى أرضه كاسرًا كل القواعد، من الأمن إلى الجاذبية وليس انتهاء بالتكنولوجيا، التي حطمتها الإرادة الفلسطينية.
