لم يبدأ شهر أكتوبر/تشرين الأول في مصر بداية عادية على المستوى السياسي، إذ كانت الساحة السياسية والإعلامية على موعد مع حدثين مهمين؛ الأول هو واقعة القبض على فريق تحرير منصة “متصدقش” المتخصصة في تدقيق المعلومات، أما الواقعة الثانية فكانت “حراك أكتوبر”، وهو إضراب نظمه عدد من المعتقلين للمطالبة بالإفراج عنهم وإنهاء أزمة الحبس الاحتياطي المطول، في ضوء موافقة مجلس النواب على تأجيل تنفيذ قانون الإجراءات الجنائية الجديد لمدة عام.
لكن قراءة ما نشره الإعلام الرسمي والموالي للسلطات في مصر تكشف أن الواقعتين عولجتا بأدوات لغوية متشابهة، تقوم على خطاب رسمي لا تتعداه، بينما غاب عن التغطية أي صوت يحمل رؤية مغايرة.
في هذا التقرير، برصد “نون بوست” الخطاب الإعلامي الرسمي، اعتمادًا على بيانات وزارة الداخلية والنيابة العامة، وما نقلته عنها المواقع الإخبارية والصحف المصرية الموالية والمملوكة للنظام عبر الشركة المتحدة، إلى جانب حلقات الإعلامي أحمد موسى في برنامج “على مسؤوليتي” على قناة “صدى البلد”.
ورغم أن القناة مملوكة لرجل الأعمال محمد أبو العينين، وهو ما يجعلها قناة يُفترض أنها مستقلة، إلا أنها تفرد منذ عام 2013 المساحة الأكبر لبرنامج موسى، الذي يُعد أحد أبرز الإعلاميين الموالين لنظام السيسي.
قضيتان وخطاب واحد
في 28 سبتمبر/أيلول الماضي، بدأت حملة أمنية ضد منصة “متصدقش”، انتهت بالقبض على ستة صحفيين مصريين يشكلون كامل فريق تحرير المنصة. وعلى مدار خمسة أيام، ظل الصحفيون الستة مختفين قسريًا، قبل أن يظهروا أمام نيابة أمن الدولة، التي وجهت إليهم تهمًا تتعلق بالانضمام إلى جماعة إرهابية، والتمويل، ونشر أخبار كاذبة.
قبل ظهور الصحفيين الستة أمام النيابة، أصدرت وزارة الداخلية بيانًا أعلنت فيه القبض عليهم، كما نشرت صحيفة “المصري اليوم” خبرًا عن صدور قرار بحبسهم 15 يومًا، وهو ما نفته النيابة، وبعد ظهور الصحفيين أمامها، أصدرت قرارًا بحبسهم 15 يومًا. وخلال التحقيقات، كشف الصحفيون عن تعرضهم للتعذيب والاعتداء البدني لإجبارهم على تصوير اعترافات.
خلال الفترة نفسها، أعلن عدد من المعتقلين في عدد من السجون المصرية الإضراب عن الطعام والامتناع عن تسلّم أي “تعيين” — طعام السجن — خلال أيام 7 و8 و9 أكتوبر/تشرين الأول، تحت اسم “حراك أكتوبر”، للمطالبة بإنهاء أزمة الحبس الاحتياطي المطول.
وفي الوقت الذي نفت فيه بيانات وزارة الداخلية وقوع الإضراب، أعلن عدد من أسر المعتقلين، عبر صفحة “كفاية سجون”، تعرض ذويهم لإجراءات عقابية تشمل المنع من التريض، والتغريب، والاعتداء البدني، واستخدام قنابل الغاز، لا سيما في سجن العاشر من رمضان.
“الكل إخوان”: الاتهام إطارًا للتغطية
أثارت مداخلة الصحفية المصرية ديانا الضبع على شاشة “بي بي سي”، التي دافعت خلالها عن صحفيي منصة “متصدقش” في مواجهة الاتهامات الموجهة إليهم، موجة من الهجمات الشخصية والتشكيك في انتماءاتها السياسية.
وضمن ما قيل في سياق مهاجمتها، أنها تعمدت مشاركة السيرة الذاتية لجدها، القس غبريال، أول رئيس لكلية اللاهوت الإنجيلية، في محاولة لنفي تهمة انتمائها إلى جماعة الإخوان المسلمين.
ورغم أن هذا الادعاء مجرد جزء من حملة إلكترونية ضدها، إلا أنه يكشف بهدوء عما جرى في الإعلام الموالي منذ اللحظة الأولى للقبض على صحفيي “متصدقش”، إذ تم اتهامهم بأنهم أعضاء في الجماعة، وأن مؤسس المنصة، عبد الرحمن منصور، أحد النشطاء السياسيين في فترة الثورة، عضو في الجماعة. بل تم استدعاء فيديوهات قديمة لقيادات الإخوان للتأكيد على أن عبد الرحمن منصور “الإخواني الهارب”، بحسب بيان الداخلية، عضو في الجماعة.
وأعلن بيان النيابة العامة، الصادر في 7 أكتوبر/تشرين الأول، أن أحد المتهمين أقر بانضمامه وبانضمام باقي المتهمين إلى “اللجنة الإعلامية” للجماعة، وأن مسؤولية الصفحة يتولاها عضو هارب خارج البلاد، وأضافت النيابة أن فحص هاتف أحد المتهمين أظهر مجموعات مغلقة على تطبيق مشفّر، ومراسلات بريدية من العضو الهارب.
ورغم أن بياني الداخلية والنيابة لا يخرجان عن كونهما مجرد بياني اتهام، وليسا حكمًا قضائيًا أو إثباتًا للجريمة، إلا أنهما يُنشران في المواقع الموالية ويُقدمان بوصفهما حقيقة منتهية. فمثلًا، استخدم أحمد موسى في برنامجه عبارات مثل إن الداخلية “وجّهت ضربة للجماعة مدعّمة بكل الأدلة”، وإن الصفحة ما زالت تعمل لأنها تُدار من الخارج، وهو ما ورد بالمحتوى نفسه في صحف “الأهرام” الحكومية و”الدستور” و”اليوم السابع” و”الوطن”.
تكمن خطورة هذه الرواية في أنها تشبه مرحلة المكارثية في الولايات المتحدة الأميركية؛ فاتهام الأخونة ينفي عن صاحبه كل الصفات الأخرى، ويقطع بالكلية بكذب المتهم في أي شيء سوى اعترافه، الذي قد يكون بالإكراه.
ففي بيان الداخلية الصادر في 5 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ردًا على نقابة الصحفيين، تم وصف صحفيي “متصدقش” بأنهم “العناصر الإخوانية”، مع إشارة عابرة إلى أن أحدهم عضو في نقابة الصحفيين، أي إنه بحكم القانون “صحفي”.
إلا أن هذه الصفة انتفت عنه، وانتفت أيضًا عن زملائه الخمسة الممارسين للمهنة، الذين يُعتبرون، وفق تعريف القانون، “متدربين”، ووفق تعريف نقيب الصحفيين الحالي، صحفيين ممارسين للمهنة لم تشملهم المظلة النقابية بعد، لكنهم في بيانات الداخلية والنيابة وإعلام الدولة عناصر ومتهمون وأعضاء في اللجنة الإعلامية لجماعة الإخوان، وبالتالي فإن الدفاع عنهم كصحفيين يعني دفاعًا عن التنظيم.
تتكرر الآلية نفسها في إضراب السجون، حيث تتجاهل بيانات الداخلية مطالب المضربين، وتركز على “صفحات جماعة الإخوان بالخارج” التي “ادعت” وجود الإضراب. وهنا يكفي أن يكون المتحدث معارضًا حتى يُحال كلامه إلى التنظيم، فصار من الممكن أن يُنسب أي خبر عن السجون إلى الجماعة قبل بحثه.
حين يصبح النقد “تحريضًا”
خلال 8 سنوات، هي عمر منصة “متصدقش”، كان عملها منصبًّا على تدقيق المعلومات، إلا أن هذه الوظيفة تنقلب في خطاب الإعلام الموالي؛ فيقول أحمد موسى إن المنصة تستهدف “تسخين المواطنين على المسؤولين” ونشر الشائعات.
إلى نيابة أمن الدولة..
أين الأخبار الكاذبة؟ أين لقاءاتنا مع قيادات الإخوان؟
١٥ يومًا.. ولا دليل
بعد أكثر من 15 يومًا من إلقاء القبض عليهم، ظهر زملاؤنا محمد أشرف أبو عميرة، وعبدالله قدري، وإسلام بركات، ومحمد عادل، ومحمد محمود، وعمر هلال، مجددًا أمام نيابة أمن الدولة العليا للتحقيق معهم في اتهامات “نشر أخبار كاذبة وانضمام لجماعة إرهابية وتمويلها”.
ورغم هذه الاتهامات، اقتصرت التحقيقات، الثلاثاء الماضي، على الأسئلة نفسها التي دارت حولها التحقيقات في المرة الأولى، والمتعلقة بكيفية الانضمام للفريق، والسياسة التحريرية، وآليات العمل اليومي، وإدارة المرتبات، وغيرها من أمور تخص الفريق الحالي والسابق، وهي كلها أشياء معلومة بالضرورة سبق أن سردها زملاؤنا طوعًا، ونشرناها بأنفسنا هنا على الصفحة ذاتها في بيانات سابقة.
وحتى الآن، لم يواجه المحققون زملاءنا بأية أدلة تشير إلى صحة التهم المنسوبة إليهم، واكتفوا بسؤال محررينا عن مصادر الموضوعات أو طرق التحقق منها، وهو ما أوضحه زملاؤنا بكل مهنية وصدق.
وفي هذا الصدد، نؤكد أننا طوال عملنا تحرينا الحقيقة ما استطعنا، ولم نحِد يومًا عن جوهر وظيفتنا المتمثل في تدقيق الحقائق وكشف الأخبار الكاذبة، ولأن الخطأ وراد والاعتذار حق لجمهورنا، لم نكابر يومًا حين أخطأنا، وقدمنا اعتذارًا مصحوبًا بتصحيح الخطأ في أكثر من مناسبة، عندما تبين لدينا أننا نشرنا تقريرًا غير دقيق نتيجة خطأ غير مقصود.
فأين هي الأخبار الكاذبة التي نشرناها؟ أين الأدلة التي استندت عليها النيابة في توجيه اتهاماتها؟
هل من الطبيعي بعد كل هذه التحقيقات ألا نُواجه بتقرير واحد، ولو على سبيل المعرفة، كمثال على أخبار كاذبة نشرناها؟
لم ننشر يومًا تقريرًا من دون الإفصاح عن مصادره، فجميع مصادرنا معروفة ومنشورة، واعتمدنا في تقاريرنا على مستندات وتقارير حكومية معتمدة، خالف صحتها مسؤولون في تصريحات متفرقة، فكان لزامًا علينا التدقيق والتحقق، فهل أصبحت مستندات الدولة وتقاريرها حرزًا وتهمة؟
حتى التقارير التي انفردنا بنشرها، فقد اتبعنا في التحقق من معلوماتها سياسة صارمة تقوم على مطابقة المصادر، والاستناد في روايتها إلى أكثر من مصدر موثوق أو ذي صلة، ونملك إثباتات توضح طرق التحقق من كل تقرير انفردنا بنشره، مع احتفاظنا الكامل بحقنا في حماية هوية مصادرنا وصون حقوقهم القانونية والشخصية، وفقًا لما ينص عليه الدستور والقانون.
وبخلاف نشر الأخبار الكاذبة التي لا نعلم حتى الآن ماهيتها، فقد حوّلت النيابة المعلومات العادية الخاصة بسير العمل إلى تهم، على رأسها تهمة “التمويل الأجنبي”، والتي أكدنا في أكثر من موضع أنه اتهام عار تماما من الصحة، إذ نتلقى جميعًا مرتباتنا الشهرية على حسابات بنكية في البنوك المصرية، بموجب عقود عمل قانونية ومثبتة لدى البنوك، وهي مرتبات تتناسب مع الأجور المتعارف عليها للصحفيين المصريين في المؤسسات الصحفية المستقلة.
وبخصوص تلقي الراتب بالدولار، فهو ليس اتهامًا في حد ذاته. وكما هو معروف تتلقى معظم المؤسسات والشركات الدولية والعربية في مصر مرتبات موظفيها بعملات أجنبية خلال السنوات الأخيرة، تجنبًا للتقلبات التي شهدها الجنيه المصري من هزات وتخفيضات متتالية في قيمته على مدار أكثر من 10 سنوات، إلى حد يجعل من الصعب على أي مؤسسة الحفاظ على حقوق العاملين لديها.
والسؤال هنا: هل تُتهم مكاتب الوكالات العربية والأجنبية في مصر، التي يتلقى صحفيوها مرتباتهم بالدولار أو الريال السعودي أو الدرهم الإماراتي، بالتمويل الأجنبي؟
هل شركات التكنولوجيا والإعلانات وغيرها التي يتلقى موظفوها رواتبهم بالدولار متهمة بالتمويل الأجنبي؟
هل يخفى على النيابة وأجهزة الدولة أن تلقي الأموال بالعملات الأجنبية أصبح أمرًا عاديًا وطبيعيًا وروتينيًا في المؤسسات الصحفية المستقلة، بهدف الحفاظ على قيمة المرتبات في ظل الأزمات الاقتصادية التي تشهدها مصر؟
وإذا كان ذلك تهمة، وإذا كنا حقًا ممولين، فهل كان من الطبيعي إقدامنا جميعًا على تقديم نماذج عقود عملنا وإثبات مرتباتنا بالبنوك المصرية؟
أما الاتهام الذي لا تربطنا به أي صلة من قريب أو بعيد، والذي أوردته النيابة العامة في بيان لها قبل أسبوع، والمتعلق بـ”عقد لقاءات تنظيمية مع قيادات جماعة الإخوان”، فلم تقدم النيابة بشأنه هو الآخر أي دليل.
فهل هناك إثبات واحد، واحد فقط، على عقد أي لقاء حقيقيًا أو إلكترونيًا أو حتى إجراء محادثة عابرة مع أي شخص، كائنًا من كان، تربطه علاقة تنظيمية بجماعة الإخوان؟
لم ولن تجد النيابة إثباتًا واحدًا، لأنه ببساطة لم يحدث ذلك أبدًا وبشكل قاطع، ولسنا موضع شك في هذا الأمر تحديدًا، وليس لدينا ما نخفيه.
نحن صحفيون معروفون للجميع، ولم يعمل في هذا المشروع منذ تأسيسه في 2018 وحتى الآن أي صحفي ذي انتماء سياسي أيًا كان، وكنا حريصون دومًا على أن تكون الكلمة الأولى للصحافة والحقيقة فقط. حقيقة عمياء لا تعرف سلطة ولا حزبًا ولا جماعة. حقيقة يستحقها الناس في بلد توارت فيه الصحافة الحقيقية الصادقة المنزهة عن غرض سوى إعلاء صوت المواطنين ونقل شكاواهم والعبور بالحقيقة إليهم في مشهد ضبابي، كنا نعلم جميعًا أن لا أحد على هذا الأرض يستحقه.
لا دليل هنا، ولا اتهام هناك. ولم نفعل يومًا ما نخشى مواجهتنا به، وهي خطى سرناها إلى الحقيقة وسارت بنا إلى الناس. وإذ نحن هنا اليوم مكبلون عاجزون، فإننا لم نحك يومًا عن الصحافة فحسب، وإنما في الحقيقة حكينا عنا، عن ذواتنا، دواخلنا، أهلينا، ناسنا، جيراننا، مشكلاتنا، أحلامنا، هزائمنا، انكساراتنا وانتصاراتنا، ولسنا نادمين على ما فعلنا.
#متصدقش
— متصدقش (@matsda2sh) October 15, 2026
وفي حلقة أخرى، يذكر أنها رصدت بعض مشروعات الصحة، وأن وزير الصحة تحدث ردًّا على أكاذيبها، وهو اتهام لم يُقدَّم عليه أي دليل، بل إن الصحف المختلفة، في كل ما شنّته من هجوم، لم تفنّد ما نشرته المنصة على مدار 8 سنوات، أو تثبت أن تقريرًا واحدًا هو تقرير مفبرك أو غير حقيقي أو مضلل.
وهو ما يجعل النقد المهني، أو بمعنى أوضح، الممارسة الأصلية للصحافة، من تفنيد التصريحات والتقارير والوقوف على مدى صحتها، “تحريضًا” يستوجب المحاسبة، وتصبح “نشر أخبار كاذبة” التهمة الجاهزة لأي صحفي، وتصبح مراجعة المحتوى المنشور أمرًا ليست له ضرورة.
ملكية مركزة ورقابة ممتدة
في عام 2016 تأسست الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، لتحل محل شركة إعلام المصريين التي كانت مملوكة لرجل الأعمال المصري أحمد أبو هشيمة، ورغم أنها رسميًا شركة خاصة، إلا أن القاصي والداني في الإعلام المصري يعلم أنها مملوكة للمخابرات المصرية، وكان أول مسؤول عنها هو المقدم أحمد شعبان.
وخلال السنوات العشر الأخيرة، سيطرت الشركة المتحدة على أغلب المواقع والقنوات الإخبارية والعامة في مصر؛ فهي تملك جرائد اليوم السابع، والوطن، والدستور، وصوت الأمة، والأسبوع، وأموال الغد، ومبتدأ، ودوت مصر، وإصدارين باللغة الإنجليزية.
ولم يخرج من سيطرتها سوى صحف مثل “البوابة”، المملوكة لعبد الرحيم علي، وهو إعلامي عُرف بالتسريبات الشخصية وموالٍ للنظام، و”الشروق”، التي يرأس تحريرها عماد الدين حسين، عضو مجلس النواب على قوائم حزب الجبهة الوطنية، أحد الأحزاب الموالية للنظام في مصر، وجريدة “المصري اليوم”، بالإضافة إلى عدة صحف أسبوعية غير منتظمة الصدور، وجريدة الوفد الحزبية، وعدد من المواقع المستقلة، على رأسها “المنصة” و”فكر تاني” و”مدى مصر”.
“مش لوحدهم.. ولغاية ما يخرجوا إحنا موجودين”.. الصحفيون في مصر يعلنون الاعتصام المطالب بالإفراج عن معتقلي منصة “متصدقش”. https://t.co/LTRbSvARQ0
— نون بوست (@NoonPost) October 3, 2026
وقد عانت الأولى والأخيرة من مداهمات سابقة، والتحقيق مع مسؤوليها بتهم تتعلق بالترخيص. وهناك أيضًا موقعا “القاهرة 24” و”تليجراف”، ورغم أنهما غير تابعين مباشرة للدولة، إلا أن مؤسسيهما خرجا من عباءة صحافة الدولة.
ولتكتمل السيطرة على الإعلام، صدر قانون تنظيم الإعلام لعام 2018، الذي استحدث ما يُعرف بالمجلس الأعلى للإعلام، وأصبحت له سلطات واسعة في حجب المواقع الإخبارية. وبحسب مؤسسة حرية الفكر والتعبير، فقد رصدت المؤسسة حجب ما لا يقل عن 549 موقعًا إلكترونيًا في مصر منذ مايو/أيار 2017، مع اختلاف أوضاع المواقع بين الحجب وعودة الإتاحة.
وشملت القائمة مواقع إخبارية وإعلامية، كما وثّقت المؤسسة الآثار الاقتصادية للحجب على بعض المؤسسات، بما فيها تقليص أعداد الصحفيين أو التوقف عن العمل. ويخلق اجتماع هذه الضغوط بيئة غير متكافئة بين المجموعات الإعلامية الكبيرة والمواقع المستقلة.
إذ لا يقتصر أثر الحجب على منع الجمهور من الوصول إلى محتوى بعينه، بل يمتد إلى تقويض قدرة المؤسسة على جذب القراء والإعلانات والحفاظ على فريقها الصحفي. وبذلك، تصبح السيطرة على المجال الإعلامي نتاجًا لتداخل النفوذ الاقتصادي مع أدوات التنظيم والرقابة، لا مجرد قرارات مباشرة بإغلاق صحيفة أو قناة.
المصدر الرسمي يحتكر الرواية
يرى خالد البلشي، نقيب الصحفيين المصريين، أن تركز ملكية وسائل الإعلام يضر بالتعددية الصحفية، إذ يحدّ من فرص التعبير عن آراء واتجاهات مختلفة، ويؤدي إلى هيمنة خطاب واحد على المجال الإعلامي، وأضاف أن تنوع الملكية يتيح تمثيل قطاعات المجتمع المختلفة، مؤكدًا أن الخروج إلى إعلام حر يتطلب أن يعكس التنوع الواسع للمجتمع المصري، بدلًا من حصره في أصوات محددة.
وأوضح البلشي أن تعددية الملكية والخطاب من شأنها الحد من الحملات الإعلامية ومحاولات توجيه الجمهور نحو موقف بعينه، وإفساح المجال أمام آراء مختلفة ونقاشات أكثر موضوعية، مشددًا على أن بناء إعلام حر يقتضي إتاحة مساحة للجميع للتعبير والمشاركة.
ما قاله البلشي يتضح بصورة جلية في التغطيات الأخيرة لقضيتي “متصدقش” و”حراك أكتوبر”، فمن اللافت في التغطيات الإعلامية للحدثين أن الخبر يتألف، في الغالب، من بيان أمني أو بيان النيابة، ثم تعليق إعلامي يعيد صياغة ما ورد في البيان.
وفي الوقت الذي أعلنت فيه نقابة الصحفيين تقديمها بلاغًا إلى النائب العام بشأن شهادات صحفيي “متصدقش” عن تعرضهم للتعذيب، ردت وزارة الداخلية بخبر نُشر في كل وسائل الإعلام الموالية للنظام، جاء فيه أن مصدرًا أمنيًا نفى ما تردد.
– اعتقلت السلطات المصرية 6 صحفيين من منصة “متصدقش”، وقالت الداخلية في بيان إن المنصة “لجنة إعلامية إخوانية” تُدار من الخارج وتتلقى تمويلًا أجنبيًا.
– ردّت المنصة بأنها نشرت على مدى 8 سنوات مئات التصحيحات لأخبار روّجتها جهات محسوبة على الإخوان، آخرها قبل أيام في 27 سبتمبر.
– وأكدت أن فريقها كله مصريون يقيمون في مصر، وأن بيانات الموقع على حساباتها في فيسبوك وإكس تُظهر أنها تُدار من الداخل.
– ونفت أن يكون عبد الرحمن منصور “إخوانيًا هاربًا”، فقد غادر مصر بشكل قانوني، وليس مطلوبًا في أي قضية، وشارك قبل 4 سنوات في حوار سياسي دعت إليه الدولة.
– وكشفت أن 3 من المعتقلين خضعوا قبل 3 سنوات لتحقيق أمني انتهى بعدم ثبوت أي صلة لهم بجماعة سياسية أو تمويل خارجي.
– أما “التمويل الخارجي”، فقالت المنصة إنه رواتب عادية تُصرف عبر البنوك المصرية بعقود عمل رسمية، يمكن لأي جهة التحقق منها.
— نون بوست (@NoonPost) October 1, 2026
ثم أعلنت النيابة أن الفحص الطبي لثلاثة من المتهمين لم يثبت تعرضهم للعنف، في الوقت الذي تجاهلت فيه التغطيات الإعلامية أي صوت يمثل الصحفيين المعتقلين أو أسرهم أو محاميهم.
ورغم أن بيان النفي المنشور نُسب إلى مصدر أمني، إلا أن هذا لم يمنع صفحة وزارة الداخلية من نشره. وهذا الجمع بين المجهولية والرسمية يمنح البيان سلطة المؤسسة، مع إعفائها من تحمل المسؤولية.
وهو ما جرى أيضًا مع قضية “حراك أكتوبر”؛ ففي الوقت الذي تُتجاهل فيه كل بيانات أسر المعتقلين حول الإضراب والحبس الاحتياطي ومطالب المعتقلين، لا يظهر سوى نفي وزارة الداخلية وقوع الإضراب.
وبحسب رقية حامد ــ اسم مستعار ــ، زوجة أحد المعتقلين في سجن العاشر، فإنها وأسر المعتقلين لا يعوّلون على الصحافة المحلية. وخلال فترة النشر عن الإضراب، أو حملة “كفاية سجون”، أو غيرها من الحملات، تقوم، مع غيرها، بإرسال البيان إلى عدد من صحفيي المؤسسات المستقلة، وتنشره عبر وسائل التواصل الاجتماعي فقط، ولا تنتظر نشر أي بيانات متعلقة به في الصحافة المصرية.
وفي قضية الحراك أيضًا، لا ترد كلمة “سجن” في بيانات وزارة الداخلية أو التغطيات الموالية للدولة، وإنما تُستخدم مصطلحات مثل “مراكز الإصلاح والتأهيل”، و”النزلاء”، و”السياسة العقابية الحديثة”. ويأتي ذلك في إطار تعاظم قوة المصطلح.
من يتبنى هذا المعجم يحسم الجدل مسبقًا؛ فمن يُحتجز في “مركز إصلاح” لا يُضرِب عن الطعام احتجاجًا على “حبس احتياطي مطوّل”، بل يطلب “مزايا”. وهذا بالضبط ما قاله مصدر أمني عن إضراب سابق، إذ قال إن الجماعة تختلق هذه الادعاءات للحصول على مزايا لعناصرها خارج الأطر القانونية، وهكذا يُختزل مطلب الإفراج وإنهاء الحبس الاحتياطي في امتيازات.
غرفة الأخبار تنتظر التعليمات
“التعليمات في الشركة هي الالتزام بالبيانات الرسمية فقط، وعدم نشر أي بيانات تتعلق بوزارة الداخلية أو قطاع التأهيل إلا من خلال مصدرها الرسمي، وفي القضايا المهمة، مثل “متصدقش”، تصدر التعليمات إلى رؤساء التحرير مباشرة بشأن كيفية التناول، سواء بتحديد السيناريو الذي سيُستخدم أو بالتجاهل”.
بهذه الكلمات تكشف عبير نادر، وهو اسم مستعار لصحفية تعمل في إحدى المؤسسات الإعلامية التابعة للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، قبل انتقالها للعمل في إدارة الشركة، عن آلية توجيه التغطيات الإعلامية داخل المؤسسات التابعة لها، وحدود الصلاحيات التحريرية الممنوحة لرؤساء التحرير.
جانب من اعتصام الصحفيين ضد حبس واخفاء صحفيي منصة متصدقش https://t.co/6Dt4BSKXTl
— الاشتراكيون الثوريون (@RevSocMe) October 3, 2026
تقول عبير إن المؤسسة لديها وحدة ترصد كل مؤسسات “المتحدة”، وتتابع كل ما يُنشر للتأكد من عدم مخالفة تعليمات النشر، فيما يُعقد اجتماع دوري للشركة، يضم مسؤولي التحرير في المؤسسات المختلفة، لمناقشة التعليمات.
ويتفق نديم عبد القادر ــ اسم مستعار ــ، مسؤول وحدة التحرير والمراجعة، أو ما يُعرف في الصحف المصرية بـ”الديسك”، في أحد المواقع المصرية، مع ما تقوله عبير. فحسب رؤيته، هو مكلّف بمراجعة المحتوى المنشور ومدى تطابقه مع السياسة التحريرية، كما يتلقى من رئيس التحرير محاذير النشر أو الموضوعات الممنوع التحدث عنها.
وفي كل الأحوال، فإن القطاع الأمني له محررون معتمدون لدى الوزارة، ولا يُسمح لغيرهم بالنشر في هذا الملف، بينما لا يتم تناول أي أخبار، مثل ارتفاع سعر المحروقات أو أي قرارات تثير الجدل، إلا بعد الرجوع إلى مسؤول التحرير.
“متصدقش” و”حراك أكتوبر” قضيتان تبدوان بعيدتين بعضهما عن بعض، بين صحفيين اعتُقلوا لممارسة عملهم، ومعتقلين يحاربون من أجل حقوقهم، لكن ما يوحدهما هو التناول الإعلامي للقضيتين في ظل إعلام سامسونج.
