بينما تتعهد الحكومة العراقية بحصر السلاح في يد الدولة وإنهاء استقلالية الفصائل المسلحة، أصبح ليث الخزعلي، أحد أبرز قيادات عصائب أهل الحق المرتبطة بإيران، نائبًا لرئيس الوزراء، في خطوة منحت الحركة موقعًا متقدمًا داخل السلطة التنفيذية، إلى جانب وزارة العمل والشؤون الاجتماعية التي حصل عليها جناحها السياسي، بالتزامن مع مفاوضات بشأن مستقبل سلاحها ونفوذها العسكري.
ويكشف وصول الخزعلي، الخاضع لعقوبات أمريكية عن تداخل الحسابات السياسية والأمنية في تشكيل حكومة علي فالح الزيدي، خصوصًا أن الحركة طالبت بالمنصب قبل إعلان استعدادها لتسليم السلاح، فيما تحدثت مصادر دبلوماسية عن قبول أمريكي ضمني بالتعيين مقابل تعهدات أمنية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن قدرة بغداد على تنفيذ مشروع حصر السلاح وتداعيات هذه التفاهمات على علاقتها بواشنطن.
من العصائب إلى الحكومة.. كيف صعد ليث الخزعلي؟
بدأت المسيرة العسكرية لليث هادي سيد الخزعلي مع ظهور عصائب أهل الحق بين عامي 2005 و2006، إثر انشقاقات داخل جيش المهدي، التشكيل المسلح الذي كان يقوده رجل الدين والسياسي العراقي مقتدى الصدر خلال سنوات الاحتلال الأمريكي للعراق.
إذ كان ضمن الحلقة القيادية الأولى إلى جانب شقيقه قيس، الأمين العام للعصائب، التي تلقت دعمًا من الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني، وشاركت في هجمات ضد القوات الأمريكية.
وبرز اسم الشقيقين في أعقاب الهجوم على مقر حكومي بمدينة كربلاء، وسط العراق، في 20 يناير/كانون الثاني 2007، الذي أسفر عن مقتل خمسة جنود أمريكيين وإصابة ثلاثة آخرين، إذ اتهمتهما وزارة الخزانة الأمريكية بأداء أدوار قيادية في العملية التي نفذها مسلحون استخدموا زيًا وتجهيزات تحاكي القوات الأمريكية لاجتياز الحواجز الأمنية.
وفي مارس/آذار 2007، اعتقلت قوات خاصة بريطانية الشقيقين قرب البصرة جنوبي العراق، إلى جانب علي موسى دقدوق، القيادي في حزب الله اللبناني، واحتجزتهم القوات الأمريكية لاحقًا، قبل أن تنقل ليث إلى السلطات العراقية في يونيو/حزيران 2009.
وجاء ذلك بالتزامن مع مفاوضات ارتبطت بمصير خمسة بريطانيين اختطفوا من مبنى وزارة المالية العراقية في مايو/أيار 2007، بينهم خبير الحاسوب بيتر مور وأربعة من حراسه.
ومع انسحاب القوات الأمريكية عام 2011، توسعت أنشطة العصائب السياسية والأمنية، ثم شاركت تشكيلاتها المسلحة في القتال ضد تنظيم الدولة الذي سيطر على مناطق واسعة من العراق عام 2014، وأصبحت ألوية مرتبطة بها جزءًا من هيئة الحشد الشعبي، المؤسسة العسكرية التي أضفى عليها البرلمان الصفة القانونية في نوفمبر/تشرين الثاني 2016.
وفي 6 ديسمبر/كانون الأول 2019، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على ليث الخزعلي وشقيقه بموجب نظام “ماغنيتسكي العالمي”، المخصص لمعاقبة المتورطين في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والفساد.
اتهمت الوزارة ليث بقيادة جهود لإخراج سكان سُنّة من مناطق بمحافظة ديالى عام 2015، شملت عمليات قتل، فيما اتهمت العصائب بارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين وإطلاق النار على المتظاهرين خلال احتجاجات 2019.
وفي 3 يناير/كانون الثاني 2020، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية تصنيف ليث وقيس الخزعلي “إرهابيين عالميين محددين بشكل خاص”، بالتزامن مع تصنيف عصائب أهل الحق منظمة إرهابية أجنبية، مستندة إلى اتهامات تتعلق بهجمات ضد القوات الأمريكية وقوات التحالف والدعم الذي تلقاه التنظيم من الحرس الثوري الإيراني.
واستمرت واشنطن في التعامل مع ليث بوصفه قياديًا مؤثرًا داخل العصائب، إذ أعلنت الخزانة الأمريكية في 7 مايو/أيار 2026 فرض عقوبات على شبكات اقتصادية مرتبطة بالحركة، متهمة مصطفى هاشم لازم البهادلي، الذي وصفته بالمسؤول الاقتصادي في العصائب، بالعمل مباشرة مع الخزعلي في تمويل عمليات تهريب النفط وإدارة أنشطة مرتبطة بقطاع المعادن.
وقالت الوزارة إن البهادلي ساهم في توسيع حضور العصائب في قطاعي النفط والمعادن، واستخدم شركات ومشاريع وعقودًا حكومية واجهة لأنشطة مالية مرتبطة بالتنظيم، كما فرضت عقوبات على أربع شركات عراقية يملكها أو يسيطر عليها وتعمل في قطاع النفط والخدمات المرتبطة به.
سياسيًا، عززت الانتخابات البرلمانية في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 نفوذ العصائب، بعدما حصل جناحها السياسي المسمى حركة “الصادقون”، على 28 مقعدًا، وأصبح القيادي فيها عدنان فيحان نائبًا أول لرئيس مجلس النواب، ما منح الحركة موقعًا متقدمًا في مفاوضات تشكيل الحكومة وتوزيع المناصب التنفيذية.

وتزامن ذلك مع صعود علي الزيدي إلى رئاسة الوزراء عبر تسوية داخل “الإطار التنسيقي”، الذي يضم أبرز القوى السياسية الشيعية، بينها أحزاب وحركات ترتبط بفصائل مسلحة مقربة من إيران، بعدما تعثر ترشيح رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي إثر اعتراض أمريكي، قبل أن يحصل الزيدي على دعم الرئيس دونالد ترامب ويتولى رئاسة الحكومة في مايو/أيار 2026.
لكن حكومة الزيدي بدأت عملها بتشكيلة غير مكتملة، إذ منح البرلمان الثقة لـ14 وزيرًا في 14 مايو/أيار، فيما بقيت حقائب مهمة، بينها وزارتا الداخلية والدفاع، معلقة بسبب الخلافات بين القوى السياسية على توزيع المناصب، واستمرت المفاوضات لاستكمال الحكومة نحو خمسة أشهر.
وفي 19 مايو/أيار، أعلن أحمد عدنان، عضو الهيئة العامة لحركة الصادقون، أن الحركة تطالب بوزارة العمل والشؤون الاجتماعية وأحد مناصب نواب رئيس الوزراء، مؤكدًا أن مرشحها للمنصب الثاني هو ليث الخزعلي، بينما كان اسم مرشحها للوزارة قيد التفاوض.
استمرت المطالبة بالمنصبين حتى صوّت البرلمان في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026 على تعيين ليث الخزعلي نائبًا لرئيس الوزراء، ومحمد رعد الموسوي، مرشح الصادقون، وزيرًا للعمل والشؤون الاجتماعية، ضمن جلسة شملت التصويت على ثلاثة نواب لرئيس الوزراء و11 حقيبة وزارية، بحضور 261 نائبًا.
وأوضح الزيدي خلال الجلسة أن نوابه لن يتقاضوا رواتب أو مخصصات مالية إضافية، ولن تُخصص لهم تعيينات لمكاتبهم، وأن عملهم سيكون ميدانيًا بحسب الاختصاصات واحتياجات المواطنين، في ظل اعتراض عدد من النواب على استحداث مناصب حكومية جديدة ضمن تفاهمات توزيع السلطة.
وفي 18 أكتوبر/تشرين الأول، أعلن قيس الخزعلي خلال احتفال للحركة بالمناصب الجديدة أن الصادقون حصلت على استحقاقها الحكومي، محددًا منصب شقيقه بأنه نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون الخدمات، إلى جانب وزارة العمل، فيما أكد ليث في أول تصريحاته بعد التعيين التزامه بخدمة المواطنين وتنفيذ المهام الحكومية الموكلة إليه.
في اليوم التالي، استقبله فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي، بصفته الجديدة، وبحث معه الجوانب القانونية المتعلقة بملف التنمية، بينما لم تعلن الصلاحيات التنفيذية التفصيلية لمنصب الخزعلي حتى الآن.
كيف ينسجم تعيينه مع تعهدات الحكومة بشأن السلاح؟
شكّل حصر السلاح بيد الدولة أحد أبرز تعهدات حكومة علي الزيدي منذ توليها السلطة، في ظل ضغوط أمريكية متصاعدة لإنهاء استقلالية الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، خصوصًا تلك التي تمتلك تشكيلات ضمن الحشد الشعبي وتحتفظ بعلاقات تنظيمية وقيادية مع أحزاب سياسية مشاركة في الحكم.
تستند الحكومة إلى الإطار القانوني الذي ينظم عمل الحشد الشعبي، إذ نص القانون الذي أقره البرلمان عام 2016 على اعتباره تشكيلًا عسكريًا مستقلًا ضمن القوات المسلحة العراقية، يرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة ويخضع للقوانين العسكرية، مع اشتراط انفصال منتسبيه عن الأطر السياسية والحزبية والاجتماعية، وحظر ممارستهم النشاط السياسي.
ظل تنفيذ هذا الفصل موضع خلاف بسبب استمرار ارتباط بعض الألوية بقيادات الفصائل التي نشأت منها، ما جعل السيطرة على السلاح مرتبطة بسلاسل القيادة وآليات إصدار الأوامر وإدارة مخازن الأسلحة والتمويل، إلى جانب التبعية القانونية لهيئة الحشد الشعبي.
وفي حالة عصائب أهل الحق، تعود التعهدات بفصل العمل العسكري عن السياسي إلى سنوات سابقة، ففي 13 ديسمبر/كانون الأول 2017، أعلن قيس الخزعلي توجه الحركة لفصل ارتباطها بالتشكيلات المسلحة المنضوية في الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، وهو الموقف الذي استندت إليه العصائب عند تجديد تعهداتها في يونيو/حزيران 2026.
وجاء التحرك الأحدث مطلع يونيو/حزيران، حين أعلنت العصائب تشكيل لجنة مركزية برئاسة القيادي جواد الطليباوي لتنفيذ قرار فك ارتباطها بتشكيلات الحشد الشعبي، تتولى جرد الأسلحة والآليات والمعدات والأفراد والتنسيق مع القائد العام للقوات المسلحة، وشمل القرار الألوية 41 و42 و43 المرتبطة بها داخل الحشد.
وقد أتى الإعلان استجابة لموقف الإطار التنسيقي الداعي إلى حصر السلاح بيد الدولة، وتوجيهات المرجعية الدينية الشيعية الممثلة بالمرجع علي السيستاني.

في اليوم التالي، استقبل الزيدي وفدين من عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، وهي جماعة مسلحة يقودها شبل الزيدي، وأعلن تشكيل لجنة مشتركة لوضع آليات تنفيذ فك الارتباط وحصر السلاح، مشيدًا باستجابة الفصيلين للتوجه الحكومي.
وأوضح القيادي أحمد عدنان أن الإجراءات تستهدف نقل صلاحية إصدار أوامر استخدام السلاح إلى القائد العام للقوات المسلحة، مع بقاء الأسلحة ضمن تشكيلات الحشد الشعبي وإنهاء الارتباطات السياسية والعقائدية للفصائل بهذه التشكيلات.
وأكد قيس الخزعلي هذا التوجه في 11 سبتمبر/أيلول، بالقول إن السلاح أصبح ضمن مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها هيئة الحشد الشعبي، معتبرًا أن استمرار وجود جماعات مسلحة مستقلة يرتبط بأسباب أمنية وسيادية ينبغي معالجتها لإقناعها بتسليم أسلحتها.
تقوم الخطة التي أعلنتها العصائب على إبقاء الأسلحة لدى تشكيلات الحشد مع نقل قرار استخدامها إلى القيادة الحكومية، فيما ترتبط السيطرة الفعلية للدولة بمدى انتهاء علاقة القيادات الحزبية بتلك التشكيلات، وخضوع عملياتها وأوامرها العسكرية للتسلسل القيادي الرسمي.
وفي 21 أغسطس/آب 2026، كشفت وكالة “شفق نيوز” العراقية، نقلًا عن مصدر مطلع على المفاوضات مع الفصائل، تفاصيل عملية تسليم أسلحة جرت قبل يومين في مقر بناحية اليوسفية جنوبي بغداد، وشملت معدات مرتبطة باللواءين 41 و42 التابعين للعصائب.
وأوضح المصدر أن العملية تضمنت تسليم أقل من عشر طائرات مسيّرة محلية وإيرانية الصنع، جميعها دون ذخائر، إلى جانب أسلحة متنوعة أخرى، بحضور لجنة ضمت ممثلين عن وزارتي الداخلية والدفاع ومستشارية الأمن الوطني وهيئة الحشد الشعبي، مؤكدًا عدم تسليم صواريخ خلال العملية.
وكانت اللجنة الحكومية تسعى إلى تسلم الصواريخ والأسلحة الهجومية، فيما اقتصرت التفاصيل التي نشرتها الوكالة على عملية اليوسفية، دون تقديم جرد شامل لما سلمته العصائب في مواقع أخرى.
ورأى “مشروع التهديدات الحرجة”، وهو برنامج بحثي أمريكي متخصص في متابعة التهديدات الأمنية والجماعات المسلحة، بالتعاون مع “معهد دراسة الحرب” الأمريكي، أن الأسلحة المسلمة تمثل جزءًا محدودًا من ترسانة العصائب على الأرجح، مستندًا إلى طبيعة المعدات التي شملتها العملية وتقارير سابقة تحدثت عن تسليم بعض الفصائل صواريخ قديمة ومسيّرات غير صالحة للاستخدام، مع احتفاظها بأسلحة ثقيلة أخرى.
تزامنت هذه التطورات مع خلافات بشأن الموعد النهائي لحصر السلاح، إذ كان الزيدي قد تعهد خلال زيارته واشنطن في يوليو/تموز 2026 بمعالجة الملف بحلول 30 سبتمبر/أيلول، بالتزامن مع انتهاء مهمة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في العراق.
لكن مسؤولين عراقيين بدأوا إعادة تفسير هذا الموعد، إذ أوضح المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي أن 30 سبتمبر/أيلول يتعلق بانتهاء مهمة التحالف الدولي، بينما أكد مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي أن عملية حصر السلاح تخضع لمفاوضات وإجراءات تنظيمية تحتاج إلى وقت إضافي.
وفي 18 سبتمبر/أيلول، قال الأعرجي إن اللجنة المكلفة بحصر السلاح تعمل دون سقف زمني محدد، قبل أن يكشف الزيدي، في مقابلة مع صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية بعدها بأيام، عن خطة مرحلية تنتهي في 30 يونيو/حزيران 2027.
وأوضح رئيس الوزراء أن الخطة تبدأ بفترة تهدئة مدتها 90 يومًا، تمتنع خلالها الفصائل عن شن هجمات على مصالح واشنطن أو دول المنطقة، مقابل ضمانات بعدم تعرضها لهجمات من القوات الأمريكية، تليها مرحلة تسليم الأسلحة تدريجيًا إلى مؤسسات الدولة حتى الموعد النهائي.
وأضاف أن الجماعات المسلحة ستنهي وجودها بوصفها تشكيلات مستقلة، وسيُدمج أفرادها في الحشد الشعبي، بينما ستُعد الجماعات التي تواصل العمل بأسماء الفصائل بعد انتهاء المهلة خارجة عن القانون، مبينًا أن بعض الفصائل طالبت بتمديد الجدول الزمني حتى نهاية عام 2027.
وفي السياق نفسه، كشفت مصادر قريبة من الزيدي لموقع “الحرة” الأمريكي أن المرحلة التالية تتضمن تسليم الأسلحة الهجومية بعيدة المدى، بما فيها الصواريخ والطائرات المسيّرة، وإعادة تنظيم التشكيلات المسلحة تمهيدًا لإدماج عناصرها في المؤسسات العسكرية الرسمية.
جاء الإعلان بالتزامن مع لقاء الزيدي وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في نيويورك، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، إذ أكد المبعوث الأمريكي الخاص إلى العراق توم باراك، في 22 سبتمبر/أيلول، اتفاق واشنطن وبغداد على أن تصبح الدولة الجهة الوحيدة المالكة للقوة العسكرية بحلول نهاية يونيو/حزيران 2027.
وفي الأول من أكتوبر/تشرين الأول، أعلن الزيدي بدء المرحلة التنفيذية من خطة حصر السلاح، قبل أن يكشف خلال استقباله شيوخًا ووجهاء عشائر بعدها بأيام أن خمسة فصائل وافقت على تسليم أسلحتها، وأن ثلاثة منها نفذت التسليم بالفعل، مع استمرار الحوار مع الفصائل الأخرى.
ولم يتضمن الإعلان أسماء الفصائل الخمسة أو تفاصيل الأسلحة المسلمة، رغم إعلان عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي وسرايا السلام، التابعة للتيار الذي يقوده مقتدى الصدر، خطوات سابقة باتجاه حصر السلاح.
في المقابل، استمرت فصائل أخرى، أبرزها كتائب حزب الله وحركة النجباء، في التمسك بسلاحها وربط مستقبل ترسانتها بانتهاء الوجود العسكري الأجنبي وضمان حماية العراق من الهجمات الخارجية.
وفي تحليل نشره في 24 يونيو/حزيران 2026، اعتبر معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى أن استعداد العصائب وكتائب الإمام علي لتقديم تنازلات بشأن السلاح قد يعكس تحولًا سياسيًا مهمًا، لكنه حذر من احتمال احتفاظ تلك الجماعات بنفوذها العسكري والاقتصادي بالتزامن مع تعزيز مواقعها داخل مؤسسات الدولة.
ورأى المعهد أن بعض الفصائل قد تسعى إلى الحصول على اعتراف سياسي أوسع وتخفيف العقوبات المفروضة عليها، مع استمرار جماعات أخرى في الاحتفاظ بقدراتها المسلحة، محذرًا من احتمال توزيع الأدوار بين القوى المرتبطة بإيران، ومشددًا على ضرورة التحقق من الأسلحة المسلمة وسلاسل القيادة والشبكات المالية لتقييم جدية المبادرة.
وبدوره، اعتبر إحسان الشمري، رئيس مركز التفكير السياسي العراقي، أن تمديد الجدول الزمني لحصر السلاح يمنح الفصائل وقتًا إضافيًا لتسوية أوضاعها، ويتيح لها المشاركة في الترتيبات الحكومية أثناء استمرار المفاوضات الأمنية.
وفي حالة العصائب، جاءت المكاسب الحكومية قبل اكتمال تنفيذ خطة حصر السلاح، إذ سبق إعلان ترشيح ليث الخزعلي في مايو/أيار تعهد الحركة بفك ارتباطها بالتشكيلات المسلحة في يونيو/حزيران.
كيف ينعكس تعيين الخزعلي على العلاقة مع واشنطن؟
واجه استكمال حكومة الزيدي تحفظات أمريكية على مشاركة شخصيات مرتبطة بالفصائل المسلحة في المناصب التنفيذية العليا، إذ كشفت مصادر سياسية عراقية في أغسطس/آب 2026 عن اعتراض واشنطن على عدد من المرشحين، وفي مقدمتهم ليث الخزعلي، وربطت هذه التحفظات بمطالبتها بغداد بإحراز تقدم في ملف حصر السلاح.
لكن، في 11 سبتمبر/أيلول، كشف قيس الخزعلي عن تلقي حركته رسائل أمريكية عبر وسطاء عراقيين بشأن مشاركتها في الحكومة، موضحًا أن واشنطن أبدت استعدادًا لرفع اعتراضها على تولي شخصيات مدانة أمريكيًا مناصب حكومية مقابل تسليم جزء من الأسلحة الاستراتيجية للعصائب إلى الجيش العراقي.
وقال الخزعلي إن الحركة رفضت ربط مشروع حصر السلاح بالشروط الأمريكية، وأبلغت الوسطاء بأن الملف شأن داخلي يجب معالجته بعد تشكيل الحكومة وإقرار الإطار التنسيقي برنامجًا لحصر السلاح بيد الدولة، وشدد على ضرورة معالجة أسباب احتفاظ الفصائل بأسلحتها، وفي مقدمتها الوجود العسكري الأجنبي والهجمات التي تتعرض لها الأراضي العراقية.
وفي 30 سبتمبر/أيلول، أعلن رئيس مجلس النواب العراقي هيبت الحلبوسي، وجود موافقة أمريكية على تولي ليث الخزعلي منصب نائب رئيس الوزراء، في تحول عن التقارير السابقة التي تحدثت عن اعتراض واشنطن على ترشيحه.

وبعد يوم من تصويت البرلمان على التعيين، كشف مصدران دبلوماسيان لوكالة الصحافة الفرنسية، في 16 أكتوبر/تشرين الأول، عن حصول رئيس الوزراء علي الزيدي على قبول أمريكي ضمني خلال زيارته الولايات المتحدة في سبتمبر/أيلول، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وأوضح أحد المصدرين أن القبول جاء بعد تقديم الزيدي تعهدات بالمضي في خطة حصر السلاح وضمان عدم استهداف الفصائل للمصالح الأمريكية في العراق، فيما أكد المصدر الثاني وجود قبول أمريكي بمشاركة بعض القوى المرتبطة بالفصائل المسلحة في الحكومة.
في المقابل، أكد متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، لإذاعة “صوت أمريكا” يوم 16 أكتوبر/تشرين الأول، دعم إدارة ترامب لرؤية الزيدي بشأن عراق يتمتع بالسيادة والأمن وقادر على منع الهجمات انطلاقًا من أراضيه، وانتقد استخدام إيران الفصائل المسلحة لتهديد سيادة العراق واستغلال موارده، دون إعلان موقف مباشر من تعيين الخزعلي.
وجاء الاعتراض العلني الأبرز من النائب الجمهوري جو ويلسون، عضو مجلس النواب الأمريكي، الذي انتقد القرار وذكّر بتصنيف الخزعلي وعلاقة العصائب بالهجمات على القوات الأمريكية والعراقية، بينما لم تصدر عن البيت الأبيض أو الخارجية الأمريكية موافقة رسمية معلنة على توليه المنصب حتى الآن.
ويفسر جوي هود، الدبلوماسي الأمريكي السابق هذا الموقف باعتباره انعكاسًا لنهج إدارة ترامب في التعامل مع الفصائل العراقية، إذ قال إن الإدارة تبدو مستعدة لمنح الزيدي مساحة أكبر لترتيب علاقته بالقوى المسلحة، مع التركيز على النتائج الأمنية والاقتصادية بدل التدخل التفصيلي في تشكيل الحكومة.
وأشار هود إلى إمكانية استخدام الزيدي شخصيات مثل الخزعلي للضغط على الجماعات التي ترفض وضع أسلحتها تحت سلطة الدولة، معتبرًا أن نجاح هذه المقاربة يرتبط بقدرة الحكومة على إخضاع الفصائل غير المتعاونة لقراراتها، ومنعها من تنفيذ هجمات خارج القرار الرسمي واستغلال موارد الدولة.
في قراءة أخرى، رأى سجاد جياد، الباحث العراقي في مؤسسة القرن الأمريكية، وهي مركز أبحاث معني بالسياسة الخارجية، أن تعيين الخزعلي قد يشجع فصائل أخرى على الاندماج في مؤسسات الدولة والتخلي عن أجنحتها المسلحة، بعدما أصبح الوصول إلى مناصب حكومية رفيعة ممكنًا عبر المشاركة السياسية.
أما على المستوى القانوني، فتستمر العقوبات الأمريكية على الخزعلي، وتشمل تجميد ممتلكاته ومصالحه المالية الواقعة ضمن الاختصاص الأمريكي، وحظر معظم المعاملات التي يجريها أشخاص أمريكيون معه.
وتشمل القيود أيضًا الكيانات التي يمتلك الأشخاص الخاضعون للعقوبات 50% أو أكثر منها، فيما يستمر التعامل الأمريكي مع الحكومة العراقية ومؤسساتها وفق القوانين والتراخيص ذات الصلة، دون أن يؤدي وجود الخزعلي داخل مجلس الوزراء تلقائيًا إلى فرض عقوبات شاملة على الدولة.
وقد تواجه الشركات والمؤسسات المالية المتعاملة مع شبكات اقتصادية مرتبطة بالعصائب مخاطر عقوبات بحسب طبيعة معاملاتها وصلتها بالأشخاص والكيانات المدرجة، خصوصًا في قطاعات النفط والمعادن والعقود الحكومية التي استهدفتها إجراءات الخزانة الأمريكية خلال عام 2026.
ويواجه الزيدي مهمة الحفاظ على علاقته بواشنطن بالتوازي مع اعتماده على ائتلاف حاكم يضم قوى مرتبطة بفصائل مسلحة مقربة من إيران، في وقت تتباين فيه مواقف تلك الفصائل من تسليم السلاح والاندماج في المؤسسات العسكرية الرسمية.
وتبقى نتائج خطة حصر السلاح، المقرر اكتمالها في 30 يونيو/حزيران 2027، العامل الأبرز في تحديد مستقبل هذه التفاهمات، بعدما حصلت العصائب على حصتها في الحكومة، بينما لا تزال بغداد مطالبة بإثبات قدرتها على إخضاع التشكيلات المسلحة لقرار الدولة، وهو التعهد الذي ربطت به واشنطن قبولها بالجدول الزمني الجديد لإنهاء الملف.