الارتباط بين ألعاب الفيديو جيم الحربية والصناعات العسكرية

ترجمة وتحرير نون بوست

في سنة 1946، اختُرع أول حاسوب إلكتروني في الولايات المتحدة وأُطلق عليه اسم "إينياك". وبعد مرور سنتين، ظهرت أول لعبة حرب الكترونية، صممها مكتب أبحاث عمليات الجيش الأمريكية، وقد اللعبة بدائية للغاية. ومنذ ذلك الحين، توطدت العلاقة بين الجيش الأمريكي وعالم الألعاب، وقد تواصلت إلى الوقت الراهن.

في السابق، كان قدامى المحاربين يساعدون في عملية تطوير الألعاب الحربية المشهورة. في المقابل، كانت هذه الألعاب تساعد قدامى المحاربين حتى يتعافوا من إصاباتهم. وفي الأثناء، كان الجيش الأمريكي يستخدم الألعاب الإلكترونية لانتداب جنود جدد. ومن المثير للاهتمام أن قسوة الحرب الحديثة تشبه إلى حد كبير الحروب التي يتم تصويرها في ألعاب الفيديو، وذلك وفقا لوجهة نظر العديد من النقاد.

في سنة 1997، نشر هذا الموقع تقريرا سلط من خلاله الضوء على عملية تعديل لعبة "دوم" الإلكترونية من قبل مشاة البحرية وذلك لأغراض تدريبية. وفي الشهر الماضي، أفادت بعض التقارير أن الجيش الأمريكي يعتمد تكنولوجيا "الواقع المعزز"، في إطار تدريب الجنود الجدد.

ومن هذا المنطلق لسائل أن يسأل، ماذا لو تعمقت العلاقة التي تربط البنتاغون وألعاب الفيديو؟ بمعنى آخر، ماذا سيحدث في حال أنتج أفضل مطوري ألعاب الفيديو الإلكترونية أجهزة للبنتاغون؟ ثم ماذا لو انتهى المطاف بهذه الأجهزة مرة أخرى كألعاب في يد الأشخاص؟ ماذا لو أصبحت ألعاب الفيديو تحاكي الحرب، والحرب مجرد تجسيد لألعاب الفيديو، وتحول الاثنين إلى نسختين متطابقتين؟

في الواقع، انبثقت هذه الفكرة عن ويليام روبر، الذي نال منحة رودس في أواخر الثلاثينات وتحصل على درجة الدكتوراه في الرياضيات. وفي الوقت الراهن، يدير روبر مكتب القدرات الاستراتيجية السرية التابع لوزارة الدفاع. وتتمثل وظيفته في دراسة حيثيات ومخلفات الحرب، وتطوير الأجهزة والوسائل التكنولوجية التي من شأنها تساعد الولايات المتحدة في الانتصار في الحروب التي تخوضها. وفي الوقت الذي تفكر فيه الوحدات العسكرية في الوقت الراهن، تحاول وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية التطلع نحو المستقبل البعيد. أما روبر فيقتصر تفكيره على الغد.

في الحقيقة، تأسس مكتب القدرات الإستراتيجية السرية لوزارة الدفاع الذي يديره روبر في سنة 2012، ولكنه ظل يعمل في كنف السرية حتى السنة الماضية. ففي الآونة الأخيرة، خرج روبر من صومعته السرية ليظهر لمدة 60 دقيقة للعلن بغية شرح كيف يمكن للجيش الأمريكي استخدام سرب من الطائرات دون طيار صغيرة الحجم التي اخترعها مكتبه.

في آذار / مارس، التقى روبر مع نيكولاس تومسون خلال مهرجان "ساوث باي ساوث وست"، وخاضا نقاش شيقا. فضلا عن ذلك، أجرى روبر لقاء مع موقع ويرد الأمريكي، حيث تطرق إلى سبل تطوير العلاقة بين الحرب وألعاب الفيديو. وفي هذا السياق، أورد روبر أنه "في عصر إنترنت الأشياء، حواسنا لم تعد قادرة على وضع حدود أمام تصورنا". في المستقبل القريب، سيزخر العالم المحيط بالجنود بمعلومات لانهائية، التي يمكن أن تساعدهم.

لنتخيل أن رجلا أو امرأة حوصر في قلب صراع حضري. فمما لا شك سيرغبان في الحصول على خريطة لمواقع جميع الجنود القادرين على تأمين المساعدة، أو استخدام الأشعة تحت الحمراء لتحديد مكان العدو المتخفي وراء الجدران، فضلا عن التقاط صور له عن طريق سرب من الطائرات دون طيار. وفي هذا الإطار، من المرجح أنهما سيودان الحصول على خريطة تتغير باستمرار وفقا للمعلومات التي يتبادلها الجنود. ففي حال تمكنا من تجاوز خط دفاع معين، سيرغبان في مشاركة هذه المعلومة مع بقية الجنود حتى يعتمدوا الممر ذاته.

في مثل هذه الحالات، ربما قد يرغب الجنود في استخدام نظام الترميز اللوني الذي يكشف مواقع القناصة، حيث يتغير من الأصفر إلى الأحمر عندما يتم التفطن لوجود أحدهم، أو إشعار يصلهم لإخبارهم بأن مخزن الذخيرة بدأ ينخفض. علاوة على كل ذلك، سيحتاجون خوارزميات التعلم العميقة التي تملك القدرة على التنبؤ بخطوات العدو، فضلا عن اقتراح أفضل السبل والطرق لمواجهته. وفي حال كانوا يقودون مجموعة من الجنود، فسيريدون الحصول على نصيحة إستراتيجية تستند إلى خطة أولية تتكيف وتطورات المعركة.

نظريا، يمكن للجيش فقط إرسال آلات لمثل هذه الصراعات الحضرية. وبالتالي، سيتمكنون من الحصول على المزيد من المعلومات، كما ستسمح لهم هذه الآلات بالمخاطرة أكثر من قبل، نظرا لأنهم يملكون أفضل الأسلحة. ولكن توجد مشكلة أخلاقية معقدة: هل يرغب أي بلد في تفويض قرار قتل شخص ما لآلة أو أداة تقنية؟ وفي هذا السياق، قال روبر إنه "في هذه المرحلة، يمكن للآلات اتخاذ قرارات صائبة في حال واجهت وضعيات تعرضت لها من قبل. ولكن إذا واجهت مواقف جديدة ومختلفة، قد تتخذ قرارات كارثية، ولهذا السبب لا يمكن أن نفوض للآلات قرارات بقتل المدنيين".

أما فيما يتعلق بالمستقبل القريب، يشعر روبر بالقلق إزاء التحدي الذي يواجهونه والمتمثل في السبل الكفيلة بتعليم الجنود طرق استخدام الآلات الجديدة على جبهة القتال بأسلوب بسيط وواضح. وفي هذا الإطار، أورد روبر قائلا: "كان الأمر ليكون بمثابة أكبر تحدي نواجهه، لو اضطررنا للقيام بذلك بأنفسنا في البنتاغون، ولكن صناعة ألعاب الفيديو قد سهلت علينا هذه المأمورية".

في واقع الأمر، أتاحت صناعة الألعاب أمام محبيها من مختلف أنحاء العالم فرصة التعاون أثناء والمشاركة في اتخاذ القرارات أثناء اللعب معا كما لو كانوا يجلسون في الغرفة نفسها. فضلا عن ذلك، تضع هذه الألعاب على ذمة مستخدميها توجيهات بسيطة، تسمح لهم بإتقان اللعب دون تدريب حتى بالنسبة للألعاب الجديدة المعقدة.

من جهة أخرى، لا يعني الاعتراف بقوة هذا  التعاون بين البنتاغون وصناعة الفيديو والفرص التي قد ترتب عن ذلك بالضرورة أن شراكة ستحدث بين الطرفين. فقد لا يرغب البنتاغون في إحداث تغيير جذري على مستوى إستراتيجيته العسكرية، في حين أن صناعة ألعاب الفيديو قد لا ترغب في التعاون معه.

علاوة على ذلك، تعد هذه المسألة معقدة نوعا ما، حيث تتعلق بابتكار لعبة ستحاكي أساليب وطرق قتل الأشخاص. ولكن هل يرغب مطوري "أكتيفجن"، القادمين من جميع أنحاء العالم، أن يلعبوا دورا في قتل الناس حقا؟ وفي الإطار ذاته، أدلى روبر بتصريحات، قد تبدو للبعض أنها نابعة عن "وطنية" مفرطة وللبعض الآخر "مرعبة"، حيث أورد أن "هذا نداء الواجب الحقيقي لكل مطوري ألعاب الفيديو".

في الواقع، يملك البنتاغون ميزانية بحث وتطوير تصل قيمتها إلى 70 مليار دولار. ومن المرجح أن مكتب روبر يعمل كجزء من الأبحاث الحكومية المتنامية في مجال الدفاع. ووفقا لتقرير صدر مؤخرا، فقد تضاعفت ميزانية البنتاغون 18 مرة منذ تأسيس المكتب قبل خمس سنوات. وفي سياق متصل، قد يعمد البنتاغون على التعاطي مع صناعة الألعاب بناء على فكرة تتمثل في: القيام بإنشاء البرمجيات التي يود البنتاغون الحصول عليها مع منحه الحق في النفاذ الحصري لهذه البرمجيات لمدة ستة أشهر، ومن ثم يقوم بتسليمها لصاحب اللعبة. وفي هذا الصدد، صرح روبر قائلا: "نحن لا نملك المنتج، بل نملك الوقت".

وأضاف روبر قائلا: "دعنا نتخيل استدعاء شركات ألعاب الفيديو، وتقول لهم أنتم تملكون أحدث أنظمة الواقع المعزز التي نريد تثبيتها على سماعة تكتيكية، ونوّد إجراء بعض التحسينات عليها. وقد نقوم بتقديم نظرة موجزة حول أهداف هذه الشراكة وأهميتها ما من شأنه أن يخلق صلة بين مشاريع الشركة وأهداف الفريق الذي يعمل معه".

في واقع الأمر، يدرك روبر أن هذه ليست الطريقة التي تعمل بها الحكومة عادة، أو الطريقة التي تعمل وفقها صناعة الألعاب. في المقابل، لم يجزم روبر ما إذا كان البنتاغون سيتعاون مباشرة مع إحدى شركات الألعاب أو سوف يتفاوض مع إحداها. وأضاف روبر قائلا: "نحتاج  إلى دراسة هذه الفكرة بتمعنٍ".

المصدر: ويرد