يسعى سعيد لفرض توجه القذافي على التونسيين

يسعى سعيد لفرض توجه القذافي على التونسيين

10 سنوات على وفاة العقيد الليبي معمر القذافي، ومعرفة الليبيين حقيقة برنامجه الشعبوي الذي أهلك البلاد ودمر مؤسساتها، لكن يبدو أن الجارة الشرقية لليبيا في طريقها لاكتشاف قذافي جديد. اختلفت طرق وصولهما إلى الحكم لكن برنامجهما وهدفهما واحد.

أفكار القذافي

في أبريل/نيسان الماضي، شبه رئيس الهيئة السياسية لـ"حزب الأمل" أحمد نجيب الشابي الرئيس قيس سعيد بالزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، قبل ذلك قال وزير الخارجية السابق والقيادي في حركة النهضة رفيق عبد السلام، إن سعيد يسير على خطى القذافي الذي كان يدعي زورًا وبهتانًا أنه مجرد قائد وأن السلطة الفعلية بيد الشعب عبر لجانه الشعبية والوطنية، فما أوجه الشبه بين الشخصين؟

حكم القذافي ليبيا، طيلة أكثر من 40 سنة، بنى خلالها نظام حكم غريب في البلاد أسماه "الجماهيرية"، ليس بالجمهوري ولا الملكي، بمعنى أن السلطة توضع بيد آلاف اللجان الشعبية أي يكرِس الديمقراطية المباشرة، وزعم أنه لا يحكم بل يقود ويتزعم، فإنه عمليًا جمع كل الصلاحيات والمسؤوليات في يديه.

لا يعتمد سعيد صراحة على "الكتاب الأخضر" لمعمر القذافي، لكن مخططه مستمد منه

أعجب القذافي بأفكار جان جاك روسو السياسية، وخاصة فكرته عن سلطة الشعب التي هي الحُكم الطبيعي، أي الأقرب إلى الطبيعة، فاستبدل بالدستور الليبي لعام 1951 قوانين استنادًا إلى عقيدة سياسية سُميت بالنظرية العالمية الثالثة التي اعتبرها تجاوزًا للماركسية والرأسمالية، ونشرت في الكتاب الأخضر (أيقونة الجماهيرية).

غابت الدولة والأحزاب، وحضر القائد واللجان الشعبية واللجان الثورية ولجان المراقبة، إذ تولت الإدارة اللجان الشعبية التي لا تعيَن ولا تُنتَخب، وإنما تُختار بواسطة "التصعيد"، أما اللِجان الثورية فهي تحكم لكنها لا تُسيِر الدواليب بالمعنى الإداري، فيما تتولى لجان المراقبة مراقبة اللجان الشعبية والثورية.

قال معمر القذافي ألا دخل له في السلطة واعتقد الليبيون أنه سيأتي بالدواء الذي طال انتظاره لعلاج الرجل المريض، لكنه تعامل بقسوة بالغة مع أي شكل من أشكال المعارضة، وكرس شعار "من تحَزب خان"، وظهرت المرجعية الاشتراكية للنظام، لكنها اشتراكية من نوع خاص.

نسخة من العقيد الليبي

رحل معمر القذافي، لكن نظامه بقي في مخيلة قيس سعيد الذي اكتشفه التونسيون عقب ثورة يناير/كانون الثاني 2011 مباشرة، فلم يفصح الرجل في البداية عن برنامجه السياسي وكان حديثه حصرًا على المسائل القانونية والدستورية.

بعد ثماني سنوات من الثورة، اكتشف الرأي المحلي والخارجي، بعض ملامح شخصية قيس سعيد، وهو يتصدر المنافسة في الانتخابات الرئاسية، ثم يفوز فيها بأغلبية ساحقة تفوق الـ72%، في مواجهة منافسه رجل الأعمال نبيل القروي.

 

وصل سعيد إلى قصر قرطاج اعتمادًا على أصوات فئات واسعة من الشباب وشرائح اجتماعية صوتت عقابيًا ضد المنظومة الحزبية بأكملها، فاستغل ذلك وبدأ في تنفيذ مخططه المضاد للأحزاب والبرلمان باعتباره مركز العملية السياسية في نظام سياسي شبه برلماني، وفق ما أقره دستور 2014.

لم يتأخر سعيد كثيرًا في تطبيق برنامجه على أرض الواقع، فهو يسعى لأن يكون القائد في نظام سياسي يخط ملامحه بنفسه، قوامه لامركزية موسعة تعتمد على مجالس شعبية محلية، أشبه ما تكون باللجان الشعبية التي أقامها العقيد الراحل معمر القذافي في ليبيا.

الانقلاب على السائد

انقلب قيس سعيد على الدستور وأوله وفق رؤيته الشخصية وجمد عمل البرلمان في انتظار حله ووقف العمل بدستور 2014 الذي أشادت به معظم الدول وبدأ في تصفية خصومه ومعارضيه وتطويع مؤسسات الدولة في ذلك.

أقال العديد من المسؤولين وأمر بالتضييق على الصحفيين وجند القضاء العسكري لذلك، وكله أمل في فرض نظام القذافي على التونسيين، إذ طالب صراحة بـ"قلب هرم السلطة"، بانتخاب مجالس شعبية محلية، تتمثل مهمتها المقدسة في الحديث نيابةً عن "الإرادة الشعبية".

نظام الحكم الذي يسعى قيس سعيد لإرسائه في تونس سيضع حدًا للتجربة الديمقراطية التي أشاد بها الجميع

لا يعتمد سعيد صراحة على "الكتاب الأخضر" لمعمر القذافي، لكن مخططه مستمد منه، مثلًا قال القذافي في الجزء الأخير من "الكتاب الأخضر" عن سلطة الشعب، إن النفوذ الحقيقي يرجع في النهاية إلى الأقوى، بمعنى أن البقاء لـ"الأصلح"، وهو نفس تمشي سعيد.

حتى في تحركاته بالشارع، نرى أننا أمام شبيه لمعمر القذافي، فهو يُحسن اقتناص الفرص والخروج بين الجماهير ملوحًا بشعار النصر، كأنه أقدم على أمر جلل له أن يضع حدًا لأزمات تونس المتعددة، لكن تحركاته وقراراته زادت الطين بلة.

نظام استبدادي ينتظر التونسيين

اعتقد التونسيون أن الزلزال الذي أطاح بمرشح المنظومة القديمة في انتخابات 2019، سيجنبهم الأزمات وسيفتح أمامهم أبواب الأمل، لكن ما حصل عكس توقعاتهم، فمنذ تقلده منصب الرئاسة لم ينفك يخلق الأزمات ويعطل دواليب الدولة ويحرض الناس على السياسيين والبرلمان وكل المنظومة السياسية في البلاد.

فرض على التونسيين شخصية من خارج الأحزاب الفائزة في الانتخابات لترؤس الحكومة في مناسبتين وعطل تعديلًا وزاريًا صادق عليه البرلمان، كما عطل إرساء المحكمة الدستورية وأربك عمل اللجنة العلمية لمجابهة كورونا وأقحم الأمن والجيش في السياسة، أما خارجيًا فقد أقحم تونس في لعبة المحاور.

 

كل ذلك ولم يلتفت لمشاكل التونسيين الحقيقية إلا كلامًا، فحتى بعد انقلابه الدستوري وتفرده بالحكم لم يتوجه لمكافحة الفساد وإنما للتضييق على الصحفيين والسياسيين والنشطاء والأحزاب في مسعى منه لتهيئة الأرض لحكم فردي استبدادي.

نظام الحكم الذي يسعى قيس سعيد لإرسائه في تونس سيضع حدًا للتجربة الديمقراطية التي أشاد بها الجميع رغم العراقيل التي واجهتها منذ سنة 2011، فهو يرمي لإرساء نظام جماهيري في البلاد تكون فيه السلطة تحت يد القائد، رغم أن هذا النظام أثبت فشله في ليبيا وقد رأينا ذلك جليًا عام 2011 إثر الانتفاضة على القذافي، فبعد سقوط القذافي وجد الليبيون أنفسهم في الفوضى، فلا دولة موجودة ولا مؤسسات يمكن الاحتكام إليها والاعتماد عليها.

 

إلى وقت قريب، كان ُينظر إلى تونس على أنها المثال الأفضل للانتقال الديمقراطي بين الدول العربية التي انتفضت ضد الديكتاتورية عام 2011، إلا أن ما يفعله سعيد حاليًّا يؤكد أن البلاد في طريقها لحكم استبدادي وشيك سيعيدها سنوات إلى الوراء.