Also available in English
بعد شهرين فقط من مصادقة مجلس النواب الإثيوبي على تعيين آبي أحمد علي رئيسًا للوزراء عام 2018، خلفًا لهايلي ماريام ديسالين الذي استقال من رئاسة الائتلاف الحاكم والحكومة على وقع احتجاجات شعبية واسعة، فوجئ المراقبون للمشهد الإثيوبي المضطرب آنذاك بهبوط طائرة ولي عهد أبوظبي آنذاك، محمد بن زايد، في أديس أبابا منتصف يونيو/حزيران 2018. ولم يكن مبعث المفاجأة الزيارة بحد ذاتها فحسب، بل كونها المرة الأولى التي يزور فيها بن زايد دولةً إفريقية تقع جنوب الصحراء.
ورغم أن آبي أحمد لم يكن قد أمضى سوى شهرين في منصبه، انتهت الزيارة بإعلان حزمة دعم إماراتية بقيمة ثلاثة مليارات دولار. أُودع مليار دولار منها مباشرة في البنك المركزي الإثيوبي لإنقاذ احتياطي النقد الأجنبي الذي كان قد تراجع إلى مستويات تقل عن قيمة واردات شهر واحد، فيما خُصصت المليارات دولار المتبقية للاستثمار في قطاعات الزراعة والسياحة والطاقة المتجددة والعقارات.
واللافت أن الصور ومقاطع الفيديو التي وثقت الزيارة أظهرت رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد وضيفه الإماراتي وكأنهما يرتبطان بعلاقة شخصية وثيقة تعود إلى سنوات طويلة. ومنذ تلك اللحظة، لم تبدُ أبوظبي مجرد ممول أو شريك اقتصادي، بل تحولت إلى راعٍ سياسي رافق صعود آبي أحمد في مختلف منعطفاته الكبرى، من حروبه المتعددة في أقاليم تيغراي وأمهرة وأوروميا، إلى طموحه نحو البحر الأحمر، مرورًا بإدارته لشبكة معقدة من التحالفات والتوترات الإقليمية مع إريتريا والصومال والسودان.
أكبر دفعة مالية لإثيوبيا في تاريخها
تجاوزت دلالات تلك الزيارة الجوانب البروتوكولية، إذ حرص آبي أحمد شخصيًا على قيادة السيارة البيضاء التي أقلّت بن زايد في جولة ميدانية بشوارع أديس أبابا، في مشهد حمل رمزية سياسية لافتة، عكس مستوى التقارب المبكر بين الرجلين، وأوحى بأن إثيوبيا تتجه نحو شراكة استراتيجية جديدة مع أبوظبي.
وأتاحت هذه السيولة النقدية الفورية لآبي أحمد تفادي صدمات مرحلة الانتقال السياسي، كما وفرت له هامشًا للتحرك اقتصاديًا، بالتوازي مع إطلاق مسار إصلاحات شمل طرح حصص في بعض القطاعات الحيوية المملوكة للدولة، مثل الاتصالات والخطوط الجوية الإثيوبية، بما ساهم في تهيئة مناخ مواتٍ لتثبيت أركان حكمه.
ولم تكن حزمة الدعم الإماراتية التي تدفقت إلى إثيوبيا عقب تولي آبي أحمد السلطة عام 2018 حدثًا معزولًا، بل مثّلت واحدة من أكبر حزم الدعم المالي التي تلقتها البلاد منذ نهاية الحرب الباردة، وجاءت في لحظة سياسية شديدة الحساسية، حيث كان رئيس الوزراء الجديد يقود حكومة ما تزال قاعدتها السياسية هشة، فيما كان الاقتصاد الإثيوبي يواجه ضغوطًا حادة ونقصًا في العملات الأجنبية.
وسرعان ما تطورت هذه المساعدات إلى علاقة اقتصادية أوسع شملت التجارة والاستثمار، فضلًا عن أوجه الدعم السياسي والعسكري. ففي عام 2023، صعدت الإمارات إلى مصاف أبرز وجهات الصادرات الإثيوبية، فيما تحولت إثيوبيا، بسوقها التي يزيد عدد سكانها على 126 مليون نسمة، إلى وجهة متنامية للصادرات الإماراتية. وقد خلق هذا التشابك الاقتصادي المتزايد مستوى من الاعتماد المتبادل، لكنه منح أبوظبي أيضًا نفوذًا يتجاوز حدود المال والاستثمار، ليمتد إلى دوائر التأثير في صناعة القرار الإثيوبي، كما سنبين في هذا التقرير.
تتجلى القيمة الحقيقية لهذا الغطاء في توقيته. فقد جاءت وديعة المليار دولار الإماراتية حين كان الاحتياطي النقدي الإثيوبي عند أدنى مستوياته، ثم تجدد الدعم في ذروة حرب تيغراي، عندما كانت الخزينة منهكة والضغوط الغربية والعقوبات تتصاعد، فيما كانت قوات دفاع تيغراي تقلب موازين الحرب وتتقدم نحو أديس أبابا.
في تلك اللحظة، وفرت أبوظبي لآبي أحمد ما لم يكن الغرب مستعدًا لتقديمه، سيولة مالية خالية من الشروط الحقوقية، ودعمًا عسكريًا تمثل في مئات الشحنات، وغطاءً سياسيًا أتاح له مواصلة خياراته دون الخضوع لإملاءات المانحين التقليديين.
ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2021، بدت سلطة آبي أحمد أقرب من أي وقت مضى إلى خطر الانهيار. كانت قوات تيغراي تتقدم نحو العاصمة حتى أصبحت على مسافة تقل عن 200 كيلومتر من أديس أبابا، فيما بدأت سفارات أجنبية بإجلاء رعاياها، وقدّرت تقارير مختلفة خسائر الجيش الإثيوبي بعشرات الآلاف من القتلى والجرحى. وفي تلك اللحظة المصيرية، اتجه آبي أحمد إلى تعزيز ترسانته من الطائرات المسيّرة عبر شبكة من الموردين كان في مقدمتهم الإمارات، إلى جانب تركيا وإيران والصين، في محاولة لوقف زحف قوات تيغراي ومنع سقوط العاصمة.
الدعم الإماراتي أنقذ نظام آبي أحمد من السقوط
رصدت تحقيقات استقصائية، استنادًا إلى صور الأقمار الصناعية وبيانات تتبع الطيران، جسرًا جويًا كثيفًا بين قواعد عسكرية في الإمارات وقاعدة هرر ميدا الواقعة جنوب أديس أبابا. وتحدثت تقارير عن أكثر من 90 رحلة جوية بين قاعدتي الظفرة وسويحان في الإمارات وإثيوبيا خلال شهري سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول 2021، إضافة إلى أكثر من 50 رحلة شحن نُفذت خلال 53 يومًا فقط بين أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول من العام نفسه.
ونُفذ جانب كبير من هذه الإمدادات العسكرية عبر طائرات شحن من طراز “إليوشن-76” تشغلها شركة مرتبطة بالإمارات. وبحسب خبراء وشهود عيان تحدثوا إلى صحيفة نيويورك تايمز، فإن المسيّرات الصينية من طراز “وينغ لونغ”، التي جرى توريدها عبر هذا المسار، لعبت دورًا حاسمًا في تغيير مسار المعركة، بعدما استهدفت خطوط إمداد قوات تيغراي وأوقفت تقدمها نحو أديس أبابا، ما أجبرها في نهاية المطاف على التراجع إلى معاقلها الرئيسية في شمال البلاد.
والخلاصة التي يتفق عليها عدد من المحللين العسكريين، بمن فيهم من تحدثوا إلى نيويورك تايمز، أن بقاء حكومة آبي أحمد في السلطة أواخر عام 2021 كان سيصبح موضع شك كبير لولا المسيّرات والجسر الجوي الإماراتي، أي أن مصير آبي أحمد، الذي يمثل حجر الزاوية في المشروع الإماراتي بالقرن الإفريقي، تحدد إلى حد بعيد خلال تلك الأسابيع الحرجة، وهو ما يفسر حجم الدعم الذي قدمته أبوظبي له في تلك المرحلة.
واللافت أن استخدام المسيّرات الإماراتية في الحرب الإثيوبية بدأ في مرحلة مبكرة من النزاع، وتحديدًا أواخر عام 2020، انطلاقًا من قاعدة عصب الإماراتية في إريتريا، وهي القاعدة نفسها التي استُخدمت سابقًا في العمليات العسكرية المرتبطة بالحرب في اليمن، قبل أن يتراجع نشاطها مؤقتًا تحت ضغوط إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، ثم يعود لاحقًا. ويكشف ذلك عن ترابط مسارح النفوذ والعمليات الإماراتية الممتدة من اليمن إلى القرن الإفريقي عبر البوابة الاستراتيجية للبحر الأحمر.
سيشهد #بايدن المزيد من التقوقع والتراجع في نفوذ وتأثير دولة #الإمارات على الصعيدين الإقليمي والدولي، فالانسحاب من قاعدة عصب في #إريتريا ليس المشهد الأخير
تقرير لـ @Moh_Gamea https://t.co/WyKIA9S3tx
— نون بوست (@NoonPost) February 21, 2021
دعم لتوجهات آبي أحمد تجاه صوماليلاند وإريتريا والسودان
في الأول من يناير/كانون الثاني 2024، وقّع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد مذكرة تفاهم مع رئيس أرض الصومال، موسى بيحي عبدي، تمنح إثيوبيا منفذًا بحريًا وحق استئجار نحو 20 كيلومترًا من الساحل لمدة خمسين عامًا لإقامة قاعدة بحرية، مقابل تعهد إثيوبي بدراسة الاعتراف بأرض الصومال ومنحها حصة في الخطوط الجوية الإثيوبية.
وتخدم هذه الصفقة المصالح الإماراتية بصورة مباشرة. فشركة موانئ دبي العالمية تُعد المساهم الأكبر في ميناء بربرة باستثمار يقارب 442 مليون دولار وحصة تبلغ 51%، كما يُعد صندوق أبوظبي للتنمية من أبرز الجهات الممولة لـ”ممر بربرة” الذي يربط الميناء بالعمق الإثيوبي. وبذلك فإن المنفذ البحري الذي يسعى إليه آبي أحمد يمر عمليًا عبر بنية تحتية موّلتها أو تديرها جهات إماراتية.
لكن مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وأرض الصومال واجهت معارضة إقليمية وقارية واسعة، كان أبرزها موقف الاتحاد الإفريقي الذي رفض أي خطوات يمكن أن تُفسَّر باعتبارها مساسًا بسيادة الصومال ووحدة أراضيه. واستند الاتحاد في موقفه إلى مبدأ “عدم المساس بالحدود الموروثة عند الاستقلال”، الذي أُقر عام 1964 وأصبح أحد المرتكزات الأساسية للنظام الإقليمي الإفريقي.
وشدد الاتحاد الإفريقي على التزامه بوحدة جمهورية الصومال الفيدرالية وسيادتها، معتبرًا أن أي تحرك أحادي باتجاه الاعتراف بأرض الصومال كدولة مستقلة من شأنه أن يفتح الباب أمام تحديات قانونية وسياسية واسعة تتجاوز حدود القرن الإفريقي إلى مجمل القارة.
كما كانت الإمارات الراعي الأبرز لاتفاق السلام بين إثيوبيا وإريتريا عام 2018، وهو الاتفاق الذي نال آبي أحمد بسببه جائزة نوبل للسلام، لكن العلاقة بين أديس أبابا وأسمرة شهدت لاحقًا تحولات حادة، فمنذ أواخر عام 2023، صعّد آبي أحمد خطابه بشأن ما وصفه بـ”الحق التاريخي” لإثيوبيا في الوصول إلى ميناء عصب الإريتري، الذي يقع على مسافة لا تتجاوز 70 كيلومترًا من الحدود بين البلدين. واعتبر أن فقدان إثيوبيا منفذها البحري كان “خطأً تاريخيًا يجب تصحيحه”، مقدمًا الوصول إلى البحر الأحمر بوصفه قضية وجودية بالنسبة لبلاده.
ورغم تراجع آبي أحمد لاحقًا عن لهجته التصعيدية، مؤكدًا أمام البرلمان الإثيوبي أن بلاده لا تعتزم شن حرب أو غزو إريتريا، وأنها تبحث عن حلول دبلوماسية وسلمية لمسألة المنفذ البحري، فإن موقع ميدل إيست آي البريطاني نشر في فبراير/شباط الماضي تقريرًا حصريًا، نقلًا عن مصادر رفيعة المستوى، أفاد بأن رئيس الوزراء الإثيوبي كان يدرس بجدية خيار التحرك العسكري للسيطرة على ميناء عصب خلال العام الماضي، بدعم وتشجيع من دولة الإمارات.
ويكتمل المشهد الإقليمي عند وضع التحالف الإماراتي الإثيوبي في سياق الحرب السودانية. فالإمارات، المتهمة على نطاق واسع بدعم قوات الدعم السريع، تعمل على بناء شبكة من الموانئ والممرات والقواعد تمتد من عصب إلى بربرة، فيما تمثل إثيوبيا، بوصفها أكبر قوة سكانية واقتصادية في القرن الإفريقي وجارًا مباشرًا للسودان، حجر الزاوية في هذه المنظومة الإقليمية.
وفي هذا السياق، تحدثت تقارير وتحقيقات صحفية مدعومة بصور أقمار صناعية عن وجود معسكرات تدريب في إقليم بني شنقول-قومز قرب الحدود السودانية، يُقال إنها استُخدمت لتدريب مقاتلين تابعين لقوات الدعم السريع. كما أشارت هذه التقارير إلى دور إماراتي في تمويل البنية اللوجستية المرتبطة بهذه الأنشطة. ويرى أصحاب هذه الرواية أن حجم الاعتماد الإثيوبي على الاستثمارات والمساعدات الإماراتية منح أبوظبي نفوذًا متزايدًا داخل دوائر صنع القرار في أديس أبابا، فيما تنفي إثيوبيا والإمارات مثل هذه الاتهامات.
ومؤخرًا، اتهم الجيش السوداني رسميًا إثيوبيا بالسماح بانطلاق طائرات مسيّرة متطورة من أراضيها لاستهداف مطار الخرطوم الدولي ومنشآت حيوية أخرى. كما أعلن في 23 مايو/أيار 2026 إسقاط طائرة مسيّرة معادية قال إنها اخترقت الأجواء السودانية قادمة من الحدود الإثيوبية. في المقابل، نفت وزارة الخارجية الإثيوبية هذه الاتهامات، ووصفتها بأنها “لا أساس لها من الصحة”، متهمة الخرطوم بدعم جهات معارضة للحكومة الإثيوبية، من بينها جبهة تحرير تيغراي.
لماذا تراهن الإمارات على آبي أحمد؟
تستند المراهنة الإماراتية على آبي أحمد إلى حسابات تتجاوز شخصه، لكنها تجد فيه الشريك الأكثر ملاءمة لتحقيق مجموعة من المصالح الاستراتيجية التي يصعب توفيرها بالدرجة نفسها في دول الجوار، فمقارنة بالبدائل المتاحة في القرن الإفريقي، تقدم إثيوبيا لأبوظبي حزمة من المزايا التي تجعل الاستثمار السياسي فيها أكثر جدوى على المدى الطويل.
أول هذه المزايا يتمثل في الحجم الاقتصادي والديموغرافي، فإثيوبيا، التي يزيد عدد سكانها على 126 مليون نسمة، تعد ثاني أكبر دولة إفريقية من حيث عدد السكان، وتمثل سوقًا واسعة للاستثمارات والصادرات الإماراتية، فضلًا عن كونها ركيزة مهمة في خطط الأمن الغذائي الإماراتي عبر الاستثمارات الزراعية واسعة النطاق.
أما الميزة الثانية فتتعلق بالموقع. فإثيوبيا تمثل العمق البري الذي يمنح الاستثمارات الإماراتية في الموانئ، ولا سيما ميناء بربرة، قيمتها الاقتصادية الحقيقية، فالممرات التجارية التي تربط الميناء بالداخل الإثيوبي هي التي تحول بربرة من ميناء محلي إلى بوابة إقليمية تخدم واحدة من أكبر الأسواق في شرق إفريقيا.
كما أن العلاقة الشخصية التي نشأت بين أبوظبي وآبي أحمد أفرزت شريكًا يدرك أن لحظات حاسمة في مسيرته السياسية ارتبطت بالدعم الإماراتي المالي والعسكري والسياسي. ومن هذا المنطلق، تنظر أبوظبي إلى آبي باعتباره حليفًا يمكن الاعتماد عليه بدرجة أكبر من كثير من القادة الآخرين في المنطقة، وهو ما يمنحها مستوى من النفوذ يصعب تحقيقه عبر الأدوات الاقتصادية وحدها.
ويأتي ذلك ضمن استراتيجية إماراتية أوسع للتموضع على امتداد البحر الأحمر وخليج عدن، عبر شبكة من الموانئ والممرات البحرية والعقد اللوجستية التي تمتد من باب المندب إلى القرن الإفريقي، في سياق تنافس إقليمي مع قوى أخرى مثل تركيا والسعودية وقطر ومصر.
لكن العامل الأهم ربما يكمن في طبيعة النموذج السياسي نفسه. فالإمارات تفضّل، في كثير من الحالات، التعامل مع قادة يمتلكون قدرة عالية على اتخاذ القرار المركزي وإبرام التفاهمات بصورة مباشرة. ويتوافق هذا النمط مع أسلوب آبي أحمد، الذي ركّز السلطة تدريجيًا في يديه وأعاد تشكيل المشهد السياسي الإثيوبي بما يعزز موقعه الشخصي داخل الدولة.
ويتجلى ذلك بوضوح في قراره عام 2019 حلّ ائتلاف الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية (EPRDF)، الذي حكم البلاد لعقود، ودمج مكوناته في كيان سياسي جديد حمل اسم “حزب الازدهار”. وقد مثّل هذا التحول انتقالًا من نظام ائتلافي متعدد المراكز إلى حزب أكثر مركزية يرتبط حضوره وشعبيته وشبكة قراراته بصورة وثيقة بشخص آبي أحمد، ما جعل شخصيته السياسية تتقدم على المؤسسات الحزبية التقليدية التي كانت تحكم إثيوبيا سابقًا.

وبعد حل الائتلاف الحاكم وتأسيس حزبه الجديد، نجح آبي أحمد في تعزيز هيمنته على مؤسسات الدولة، إذ تراجعت الأدوار المستقلة للبرلمان والمؤسسات القضائية لصالح مركزية القرار في السلطة التنفيذية. كما ارتبطت المشاريع الكبرى، مثل تطوير العاصمة أديس أبابا وإنشاء المنتجعات والمشاريع السياحية الضخمة، بصورة متزايدة بشخصه ورؤيته السياسية التي يطرحها تحت شعار “الازدهار”.
وصاغ آبي أحمد مشروعه السياسي حول صورة “القائد المنقذ” القادر على إعادة بناء الدولة وصياغة دورها الإقليمي. ويشير مقربون منه إلى أنه نشأ على رواية عائلية مفادها أن والدته تنبأت له بمستقبل استثنائي بوصفه “الملك السابع” لإثيوبيا. وسواء صحت هذه الرواية أم لا، فإن كثيرًا من المراقبين يرون انعكاسًا لها في أسلوب حكمه الذي يجمع بين خطاب التحديث والتنمية من جهة، ونزعة مركزية قوية تميل إلى شخصنة السلطة من جهة أخرى.
وفي هذا السياق، رأت مجلة ذي إيكونوميست في تقريرها الأخير حول الانتخابات الإثيوبية التي جرت مطلع يونيو/حزيران، أن النظام السياسي في إثيوبيا بات أكثر ارتباطًا بشخص آبي أحمد، مشيرة إلى أن المعارضة تعرضت خلال السنوات الماضية لضغوط واسعة شملت الاعتقالات والملاحقات، بينما اعتبر منتقدو الحكومة أن العملية الانتخابية لا توفر منافسة سياسية متكافئة. في المقابل، تؤكد الحكومة الإثيوبية أن إجراءاتها تستهدف حفظ الأمن والاستقرار في بلد يواجه تحديات أمنية وسياسية معقدة.
ولكل هذه الأسباب، تبدو إثيوبيا بالنسبة إلى الإمارات أكثر من مجرد شريك إقليمي. فهي تمثل نقطة ارتكاز رئيسية في مشروعها الممتد عبر البحر الأحمر والقرن الإفريقي، بما توفره من حجم سكاني وسوق استهلاكية وعمق جغرافي يحول الاستثمارات في الموانئ والممرات التجارية إلى شبكة مترابطة ذات قيمة استراتيجية عالية.
أما بالنسبة لآبي أحمد، فإن الإمارات تؤدي دورًا يتجاوز العلاقة التقليدية بين المستثمر والدولة المضيفة. فهي توفر مصدرًا للسيولة والاستثمارات في أوقات الأزمات الاقتصادية، وشريكًا مستعدًا لتقديم الدعم السياسي والدبلوماسي في لحظات التوتر الإقليمي والدولي، فضلًا عن مساهمتها في مشاريع البنية التحتية والممرات التجارية التي ترتبط بأهدافه الاستراتيجية، وفي مقدمتها الوصول إلى منفذ بحري دائم.
وباختصار، تقوم العلاقة بين الطرفين على تبادل مصالح عميق. فالإمارات ترى في إثيوبيا بوابة أساسية لترسيخ نفوذها في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، بينما يرى آبي أحمد في أبوظبي شريكًا قادرًا على توفير الدعم السريع والمرن الذي يحتاجه للحفاظ على استقرار حكمه ومواصلة مشاريعه السياسية والاقتصادية.
مخاطر التحالف الإماراتي الإثيوبي
رغم كل المزايا المتبادلة بين الحليفين الوثيقين، فإن الرهان الإماراتي على آبي أحمد ينطوي على هشاشة بنيوية تجعله الحليف الأخطر، لا الأقوى فحسب؛ فآبي يخوض حروبًا متعددة الجبهات، بدءًا من تمرد حركة فانو الأمهرية منذ عام 2023، والتي تسيطر على مساحات واسعة في الأرياف وتهاجم القوات الحكومية بين حين وآخر في مدن إقليم أمهرا، مرورًا بالتوترات المستمرة مع جبهة تحرير تيغراي وقوات الإقليم، وصولًا إلى هجمات جيش تحرير أورومو في المناطق المحيطة بأديس أبابا. وهذه الصراعات الداخلية مجتمعة تهدد الاستثمار الإماراتي في نظام آبي أحمد برمته.
يُضاف إلى ذلك فخ ميناء عصب، إذ إن التفويض الانتخابي الكاسح المتوقع لآبي أحمد في يونيو/حزيران الحالي قد يدفعه إلى مزيد من الاندفاع نحو خيار السيطرة على الميناء الإريتري. كما أن صفقة “أرض الصومال” أغضبت الصومال ومصر وجيبوتي، وربطت أبوظبي بطرف يزعزع استقرار القرن الإفريقي ويغذي خصومات إقليمية تتقاطع مع ملف سد النهضة ومياه النيل.
كما ارتبط اسم الإمارات بملف جرائم الحرب في تيغراي من خلال دعمها للجيش الإثيوبي، ثم بالحرب السودانية عبر اتهامات دعم قوات الدعم السريع. وكل ذلك يراكم كلفة أخلاقية وقانونية قد تتحول مستقبلًا إلى عبء سياسي ودبلوماسي دولي.
وأخيرًا، يقوم المشروع الإماراتي في إثيوبيا على شخص آبي أحمد أكثر مما يقوم على مؤسسات الدولة، ما يجعل المنظومة بأكملها رهينة لمصيره السياسي. وهو نمط استثمار شديد التقلب، خصوصًا في ظل التوترات والصراعات الداخلية التي لا تزال تهدد استقرار البلاد.
إمبريالية موانئ بالتنسيق مع “إسرائيل”
في مقطع فيديو، يكشف الدبلوماسي الإثيوبي السابق محمد حسن ما يصفه بمشروع “إمبريالية الموانئ” الذي يقوده محمد بن زايد، باعتباره استراتيجية جيوسياسية مدروسة تهدف إلى الهيمنة على الشرايين البحرية الحيوية في أفريقيا والشرق الأوسط.
يعرض حسن، في مقابلة مع منصة Sovereign Media على منصة إكس، والتي تُعرّف نفسها بأنها معنية بـ”الإعلام من منظور السيادة الوطنية”، خطة إماراتية واسعة النطاق للسيطرة على الممرات البحرية الاستراتيجية. ويشير إلى أن الإمارات تسعى إلى بسط نفوذها على الموانئ الأفريقية الرئيسية الممتدة من مدينة بورتسودان السودانية شرقًا وصولًا إلى دار السلام في تنزانيا.
كما يمتد المشروع، بحسب وصفه، عبر الخليج ليشمل السيطرة على الموانئ اليمنية وصولًا إلى مدينة المكلا. ويرى حسن، الذي خدم سابقًا في وزارة الخارجية الإثيوبية ويُعرف بمواقفه المناهضة للإمبريالية و”إسرائيل”، أن الهدف النهائي لهذه الاستراتيجية يتمثل في تمكين دبي من تجاوز سنغافورة والتحول إلى المركز البحري الأول في العالم.
ويربط الدبلوماسي الإثيوبي السابق بين ما يسميه “إمبريالية الموانئ” الإماراتية واتفاقيات أبراهام الخاصة بالتطبيع مع “إسرائيل”، مشيرًا إلى أن هذا المشروع يتقاطع، من وجهة نظره، مع المصالح الإسرائيلية والأميركية في المنطقة ويهدف إلى تكريس الهيمنة على الممرات البحرية والتجارية الاستراتيجية. وانطلاقًا من ذلك، يرى حسن أن نجاح الإمارات في إحكام نفوذها على السواحل والموانئ سيمنحها موقعًا فريدًا بوصفها البوابة المتحكمة في حركة التجارة بين ثلاث قارات.
وفي النهاية، تجدر الإشارة إلى أن الانتخابات الإثيوبية التي جرت في الأول من يونيو/حزيران 2026 يُتوقع أن تعزز قبضة آبي أحمد على السلطة، بعدما بدا فوز حزب الازدهار أمرًا شبه محسوم في ظل مشهد سياسي تهيمن عليه السلطة الحاكمة، ومعارضة تعاني الانقسام والضعف، إلى جانب غياب التصويت في بعض المناطق المضطربة، مثل تيغراي وأجزاء من إقليم أمهرة.
غير أن فوزًا انتخابيًا من هذا النوع قد يمنح آبي أحمد شرعية شكلية إضافية، لكنه لا يعالج مصادر التوتر البنيوية داخل البلاد. بل إن بعض المراقبين يرون أنه قد يدفعه إلى البحث عن إنجازات خارجية كبرى، وفي مقدمتها ملف المنفذ البحري، بما قد يزيد من احتمالات التصعيد الإقليمي، سواء مع إريتريا أو مع أطراف أخرى ترى في هذه الطموحات تهديدًا لمصالحها.
ومن نبوءة والدته، التي يردد المقربون منه أنها بشّرته بمستقبل استثنائي، إلى صناديق الاقتراع التي تمنحه ولاية جديدة، يواصل آبي أحمد إعادة إنتاج سلطته وترسيخ حضوره في المشهد الإثيوبي. وفي الوقت نفسه، تتعمق شراكته مع أبوظبي التي باتت توفر له دعمًا ماليًا وسياسيًا وعسكريًا واسعًا، في علاقة تتجاوز حدود التعاون التقليدي بين دولتين، لتصبح أحد أهم التحالفات المؤثرة في معادلات القرن الإفريقي والبحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة.


