في الثالث عشر من يونيو/ حزيران 2025، وبينما كانت أنظار العالم مشدودة نحو فصول الإبادة الجماعية المتواصلة في قطاع غزة، استضافت العاصمة الفرنسية مؤتمر “نداء باريس من أجل حل الدولتين”، بتنظيم من “منتدى باريس للسلام” ورعاية أممية، وبمشاركة لافتة جمعت أطرافًا سعودية وفلسطينية وإسرائيلية تحت لافتة “الأمن الإقليمي”.
وعلى الرغم من التعتيم الإعلامي الذي فرضه ثقل الحدث في غزة، برزت مشاركة فلسطينية بأسماء فاعلة، تقدمتها ندى مجدلاني مديرة مؤسسة “إيكو بيس الشرق الأوسط”، ورجل الأعمال سمير حليلة، والأكاديمية دلال عريقات، والوزير السابق أشرف العجرمي. وفي المقابل، جلس من الجانب الإسرائيلي وجوه أمنية وسياسية ثقيلة، يتقدمهم إيهود أولمرت وعامي أيالون رئيس الشاباك السابق، في حوارٍ استهدف صياغة توصيات سياساتية تُرفع للأمم المتحدة.
خلف الشعارات البراقة كـ “حماية الموارد المشتركة ومكافحة التطرف”، تتكشف بنية راسخة لشبكات ومبادرات عابرة للحدود، مدعومة غربيًا، تهدف إلى إعادة إنتاج خطاب “التعايش” عبر مسارات بيئية وأمنية ومجتمعية، وصولاً إلى غاية قصوى يمكن تلخيصها بالتطبيع الشامل وكيّ الوعي العربي بقبول “إسرائيل” كجزء طبيعي من المنطقة.
تأتي منظمة “EcoPeace Middle East” كحلقة مركزية في هذا الملف الذي نضعه بين أيديكم بعنوان “تطبيع بالوكالة”، ويسعى إلى تقصي جذور هذه المراكز، وتفكيك تقاطعاتها (الشخصية، السياسية، والأمنية)، لفهم أدوات الاختراق النفسي والمجتمعي الإسرائيلي، كما يربط الملف بوضوح بين هذا “التغلغل الناعم” وبين طبيعة ردود الأفعال الرسمية العربية التي اتسمت بالارتباك أو الصمت خلال عامين من حرب الإبادة.
البداية من المصلحة
في تقرير لصحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية، نُشر في السابع والعشرين من يناير/كانون الثاني الماضي بعنوان “التعاون البيئي بات حجر الزاوية لتحقيق السلام”، يقول نداف تال، عالم المياه وكبير مسؤولي قسم المياه في منظمة “EcoPeace”، إن “المصلحة أو الحاجة تخلق التعاون”. وبالنسبة له، يبدأ التعاون عبر إيجاد حلول لقضايا المياه، ويمر بمحاربة تغير المناخ، ولا تنتهي حدوده عند الممر الاقتصادي الذي يربط الهند بالبلدان العربية وإسرائيل وأوروبا.
ويستخدم نداف مصطلح “مثلث السلام” للإشارة إلى هذا الممر، الذي تتنوع فيه وسائل النقل بين السفن والسكك الحديدية، مشيرًا إلى أن الخبراء في منظمته “EcoPeace” يضعون بانتظام خططًا إقليمية لبناء روابط “صحية”، بحيث يكون لدى جميع الأطراف ما تكسبه أو تبيعه أو تشتريه.
هذا التعريف الإسرائيلي لدور المنظمة يختزل 32 عامًا من الأدوار المتقاطعة بين البيئة والتطبيع والسياسة، والمتنقلة بين العاصمة الأردنية عمّان، ومدينة رام الله في قلب الضفة الغربية، وتل أبيب، وصولًا إلى أدوار أكثر اتساعًا في ظل اتفاقيات أبراهام وما رافقها من تحولات.
بدأ ذلك عام 1994، عقب توقيع معاهدة وادي عربة بين المملكة الأردنية والاحتلال، التي سبقتها اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية والاحتلال، ما أتاح سياقًا سياسيًا لانخراط متكامل بين الأطراف الثلاثة، تخلله إنشاء عدد من المنظمات تحت شعار “الهندسة المرافقة للسلام”.
حينها، عُقد في مدينة طابا المصرية، في السابع من ديسمبر/كانون الأول 1994، اجتماع لمنظمات بيئية غير حكومية في المنطقة، هدف إلى توحيد الجهود ووضع الاعتبارات البيئية ركيزةً لتعزيز التنمية المستدامة. ورغم أن الاتفاق النهائي جرى بين نشطاء من مصر والأردن وفلسطين والكيان، إلا أن العمل الفعلي اقتصر على الأردن والأراضي الفلسطينية ومحتلها.
وهكذا خرجت إلى النور منظمة EcoPeace، كأول منصة ثلاثية تجمع فلسطينيين وأردنيين وإسرائيليين حول “قضية مشتركة” هي المياه، منضويةً تحت شبكة Friends of the Earth Middle East (FoEME) باعتبارها المكتب الإقليمي للشبكة الدولية. وقد عرّفت نفسها منظمة سلام غير ربحية وتطوعية، تدمج القضايا “غير السيادية” مثل المياه والبيئة ضمن أجندة التعاون الإقليمي، انطلاقًا من فكرة أن الاعتماد المتبادل على الموارد الطبيعية يمكن أن يخلق حوافز للتعاون حتى في ظل صراع مستمر، بما يجعل “السلام البيئي” أكثر صلابةً من السلام السياسي.
لكن هذا التصور لم يلبث أن اصطدم بالواقع، بالتوازي مع تجدد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي خلال الانتفاضة الثانية، ثم عدوان “إسرائيل” على قطاع غزة في حربَي 2008 و2009. عندها وجد مؤسسو المنظمة أنفسهم عالقين بين خطاب أممي يطالب بالعدالة، ومنظور ضيق للصراع لا يرى في العدالة شرطًا لسلام مستدام.

لتُعلن المنظمة لاحقًا انفصالها عن شبكة Friends of the Earth Middle East (FoEME)، وتتخذ اسم “EcoPeace”، في خطوة عكست تحولًا في خطابها ومواقفها، فبعد أن كانت أقرب إلى خطاب ينتقد الرأسمالية والاستعمار ويدافع عن حقوق الشعوب في العدالة البيئية، اتجهت نحو خطاب سياسي أكثر حدة يركز على “الحياد البيئي” والتعاون الإقليمي.
وقد ساعدت إعادة التموضع هذه في الحفاظ على تدفقات التمويل الغربي للمنظمة، الذي تنوعت مصادره بين التمويل الأمريكي عبر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، التي قدمت منحًا بملايين الدولارات، من بينها منحة بقيمة 3.3 ملايين دولار هدفت إلى خلق تفاعل مباشر بين الفلسطينيين و”الإسرائيليين” ضمن برنامج MEPPA (Middle East Partnership for Peace Act).
كما تلقت المنظمة دعمًا أوروبيًا عبر جهات عدة، منها European Commission وPartnership for Peace و(BMZ) الألمانية و(SIDA) السويدية، وهي جهات ركزت بدورها على توظيف التمويل أداةً لترسيخ نموذج التعاون الإقليمي بدل الصراع في المنطقة العربية.
إلى جانب ذلك، حصلت المنظمة على تمويل من مؤسسات خاصة وأخرى دولية، مثل البنك الدولي ومؤسستي Skoll وRockefeller، التي أدت أدوارًا تقنية ومالية وسياسية، عبر تمويل مشاريع البنى التحتية، وإضفاء صبغة أممية على مشاريع المنظمة، وربطها بحزم من الإصلاحات والسياسات والشروط الإدارية.
يكشف هذا التنوع في مصادر التمويل جانبًا مما يقف خلف الانفصال بين شبكة “أصدقاء الأرض” ومنظمة EcoPeace، التي أصبحت بحاجة إلى خطاب يستجيب لشروط الممولين الدوليين، وينأى بنفسه عن مواقف حركة المقاطعة (BDS)، ويجعل من العمل مع المؤسسات والشركاء “الإسرائيليين” مساحةً اجتماعية مقبولة، تتجاوز القيود السياسية التي كانت تفرضها الشبكة العالمية.
وهكذا أتاح خروج المنظمة من الشبكة العالمية تجاوز كثير من عوائق التمويل الغربي، عبر تقديم نفسها منظمةً بيئية متخصصة في صناعة السلام، ومنسجمة مع خطاب الحكومات أكثر من انسجامها مع خطاب الجمهور واحتياجاته، لكنها، في الوقت ذاته، كانت قد استفادت خلال سنوات وجودها ضمن الشبكة.
فقد ساهم انتماؤها السابق في تعزيز حضورها داخل المنظمات البيئية الدولية، وفتح قنوات مباشرة مع الأمم المتحدة والهيئات الدولية، وجذب الانتباه إلى مشاريعها المشتركة، ما هيأها لاحقًا لتكون جزءًا من المناخ الذي رافق موجة التطبيع عام 2020، ثم من المشاريع الإقليمية التي أعقبتها، وفي مقدمتها مشروع الممر الاقتصادي الذي طُرح عام 2022.
قيادة عرجاء
ليست تحولات الخطاب وحدها ما يلفت الانتباه في بنية المنظمة، بل كذلك نموذج القيادة الذي يشير إليه موقعها الرسمي باعتباره نموذجًا مؤسسيًا قائمًا على ثلاثة مراكز قيادية في عمّان وتل أبيب ورام الله، بما يوحي بأن التشاركية والعدالة والتعاون تبدأ من هيكل القيادة وتمتد عبر المشاريع إلى الميدان.
لكن العقد الأول من عمر المنظمة كشف عن عاملين رئيسيين تحكما في هذا النموذج؛ أولهما الاستقرار السياسي، الذي أسهم في تحييد مكتب رام الله في كثير من المحطات. وثانيهما البيئة الاجتماعية الحاضنة للتعاون مع الإسرائيليين، ما جعل تصدر عمّان للمشهد بصورة صريحة أمرًا بالغ الصعوبة.
وبذلك أصبحت تل أبيب، بصورة تلقائية، المكتب الأكثر تفاعلًا والبوتقة التي دار حولها الجزء الأكبر من النشاط المؤسسي. وتزامن ذلك مع انخراط واسع لمكتب تل أبيب مع أذرع أكاديمية وسياسية وبيئية مختلفة، على عكس مكتبي رام الله وعمّان، حيث انحصر النشاط إلى حد كبير في قادة المكاتب أنفسهم.
ويظهر ذلك من خلال الشبكة التشغيلية المرتبطة بقيادات المنظمة الثلاث، وهم جيدون برومبرغ عن الجانب الإسرائيلي، ومنقذ مهيار عن الجانب الأردني، وندى مجدلاني عن الجانب الفلسطيني. ويتولى برومبرغ قيادة المبادرات البيئية العابرة للحدود داخل المنظمة، لا سيما في الملفات المتعلقة بالمياه ونهر الأردن والبحر الميت والأمن الإقليمي.
وإلى جانب خلفيته المهنية كمحامٍ وناشط بيئي متخصص في القانون البيئي الدولي، فقد درس في جامعة موناش الأسترالية، وكلية واشنطن للقانون التابعة للجامعة الأمريكية، كما شارك في برنامج الزمالة العالمية بجامعة ييل. وله عدد من الدراسات والمواد البحثية المنشورة حول ندرة المياه والتغير المناخي والاستقرار السياسي في المنطقة العربية، التي يفضل الإشارة إليها بمصطلح “الشرق الأوسط”. وتدور معظم هذه الأعمال حول فكرة مركزية مفادها أن المياه والهواء والتربة يمكن أن تتحول إلى أدوات لصناعة السلام بدلًا من أن تكون أسبابًا للصراع.

لا يعمل برومبرغ (العقل الاستراتيجي للمنظمة وصاحب خطاب السلام البيئي) وحده، بل لديه طاقم من خبراء البيئة، يضم كُلا من ميخال ساغيف (Michal Sagiv) منسقة مشروع “جيران مياه صالحون” (Good Water Neighbors)، والقائمة على قسم التنسيق الميداني بين المجتمعات وإدارة التعاون المحلي.
وهناك أيضًا، أوري غينوت (Uri Ginot) مسؤول العلاقات الحكومية، والقائم على ضمان ربط المشاريع مع صناع القرار، وتحقيق موائمة بين السياسات الحكومية والمنظمة، وهو بذلك حلقة الوصل بين الدولة “الإسرائيلية” والمنظمة، وإلى جانبه يعمل خبير نمذجة المياه غيلعاد سافير (Gilad Safier)، وهو مسؤول عن التحليل التقني للموارد المائية بين الأراضي الفلسطينية والأردن والأراضي المحتلة، وإنتاج النماذج الهيدرولوجية عنها.
وفي الطاقم أيضًا، موتي كابلان (Moti Kaplan)، خبير استخدام الأراضي والقائم على التخطيط البيئي وإدارة الموارد، وربط المخرجات البيئية للمنظمة بالتخطيط الجغرافي والسياسي، إضافة لـ إلداد إلرون (Eldad Elron) الخبير البيئي، الذي قاد عدة مشاريع بيئية ميدانية.
وفي المستويات الاستشارية والأكاديمية، هناك ألون تال(Alon Tal)، من جامعة بن غوريون وهو مستشار علمي للمنظمة ومتخصص في إدارة المياه والسياسات البيئية، ونداف تال (Nadav Tal)، من جامعة بن غوريون، والمختص بشؤون المياه.
ويُظهر توزيع العاملين في المركز “الإسرائيلي” تنوع الخبرات الموجودة ما بين التخطيط فإدارة المياه والمناخ والتربة، وتقاطعات واضحة لهم مع المستويات الحكومية والسياسية والأكاديمية، وشمولية خدمتهم العسكرية جميعًا-بعضهم خدم في حرب لبنان 1982-، وارتباطاتهم بمنظمات دولية غربية، مثل التحالف الصهيوني الأخضر- إيتزيم.
وهي منظمة يهودية بيئية، لها مراكز في كلٍ من بودابست وميريلاند وكاليفورنيا والكيان المحتل، وتعمل بالتعاون مع أفراد وحاخامات بالتوازي مع الصندوق القومي اليهودي، لتنظيم السيطرة على الأراضي والبيئة في المناطق المحتلة، وفق مبررات “الحدائق العامة المجتمعية” وشراء “المناطق الساخنة” للتنوع البيولوجي كمحميات للحفاظ عليها، كما تشارك مع الحركات الجماهيرية لضمان وصولية أكبر مثل “حياة السود مهمة” و “يوم الأرض العالمي” و “أولادنا أمانة” وغيرها.
وهو ما يؤهل لاعتبار الخبرة والتفاعل “الإسرائيلي” في EcoPeace، جزءًا من إدارة المعرفة الاستعمارية حول الموارد، وأداة لإعادة تشكيل الصراع من منظور تقني وبيئي، خاصة وأن هذه الخبرة ليست حيادية ولا منفصلة عن سياسات الدولة وأحزابها ومنظماتها الصهيونية.
أما من الجانب الفلسطيني، فتشير عملية البحث عن EcoPeace في فلسطين، لتأسيس المكتب في منطقة بيت لحم-بيت ساحور أولًا، على يد المهندس نادر الخطيب الذي عمل مستشارً لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لإنشاء سلطة المياه الفلسطينية من 1994-1997، وله مشاريع مشتركة مع USAIDوالـ UNESCO
وخلال هذه الفترة كان قد انضم الخطيب إلى المنظمة، إلى جانب منقذ مهيار وجيدون برومبرغ، قبل أن تنفصل المنظمة عن شبكة FoEME، ليحصل الثلاثة عام 2008، على تكريم من مجلة التايم بصفتهم “أبطال البيئة”، وهو التكريم الثاني لنادر ، إضافة لحصوله على جائزة سكول لريادة الأعمال الاجتماعية عام ٢٠٠٩، وجائزة أرسطو أوناسيس لحماية البيئة عام ٢٠١٠.
ورغم أنه أشرف خلال عمله على مشاريع مرتبطة بأمن المياه ومعالجة العوادم وحماية نهر الأردن وتطوير التعاون المائي الإقليمي، إلا أنه خرج من منصبه عام 2017، لتحل مكانه ندى المجدلاني، ابنة وزير التنمية الاجتماعية الفلسطيني أحمد المجدلاني، وتحمل ندى شهادة ماجستير في تقييم وإدارة البيئة من جامعة أكسفورد بروكس في بريطانيا، كما شغلت مناصب قيادية في العديد من الوكالات الدولية، وهي عضو في مجموعة من الجمعيات الفلسطينية الإسرائيلية، بما في ذلك حركة الصوت الواحد ومنتدى رواد الأعمال الشباب الفلسطينيين الإسرائيليين.

وإلى جانبها يعمل عدد من منسقي البرامج والمشاريع، أو “الفريق المرافق” وفق ما يتم الإشارة له في أخبار وأنشطة المكتب، دون الإشارة إلى أي اسم أو نشاط محدد أو ظهور لأيٍ منهم، باستثناء المجداني.
وعلى الجانب الأردني، فهناك منقذ مهيار، وهو حاصل على شهادة في التخطيط الإقليمي والهندسة المعمارية من جامعة لويزيانا بالولايات المتحدة الأمريكية عام ١٩٨١، كما شغل منصب مهندس التخطيط لجنوب عمّان، إلى جانب منصبه كمدير لمنظمة السلام البيئي الأردنية في الشرق الأوسط، ونائب رئيس الجمعية الأردنية للتنمية المستدامة، كما أنه عضو في مجلس إدارة كل من الاتحاد الأردني للرياضة لذوي الاحتياجات الخاصة والجمعية الأردنية الملكية للغوص البيئي.
ما بين 2018 و2021 تراجع دور مهيار في المنظمة لصالح عضو المنظمة ليانا أبو طالب، المتخصصة في القانون البيئي والسياسات العامة، التي شغلت منصب نائبة المدير ومديرة المشاريع الإقليمية في المنظمة قبل تنصيبها، كما أدارت برنامجًا يهدف إلى تحديث النظام التعليمي في المملكة العربية السعودية، والذي نفذه المجلس الثقافي البريطاني. وقد حصلت على شهادتها الجامعية من الجامعة الأردنية عام ١٩٩٦.
أما ما يمكن ملاحظته عبر الموقع الرسمي للمنظمة، فهو اختفاء أي أسماء لفاعلين أو مشاركين آخرين، حيث لا يظهر سوى الأسماء الثلاثة لقادة المكاتب الإقليمية، رغم أن عناوين الاتصال تشير إلى مكتبٍ رابع في الولايات المتحدة، بينما يغيب أي تفصيل عن عنوان مكتب العاصمة الأردنية عمان.
وفيما يُشير أكثر من مصدر إلى أن عدد موظفي المنظمة يتراوح ما بين 40-50 شخصًا، إضافة إلى آلاف المتطوعين، لا تُظهر منشورات المشاريع والخطط، ولا الأخبار المدرجة حول أنشطة المركز، سوى أسماء الخبراء والمختصين “الإسرائيليين “فقط، الذين يتم الإشارة لهم ولمراكزهم ومهامهم بوضوحٍ شديد.
وحتى في منشورات الإنتاج البحثي للمنظمة، تظهر السيطرة الكبيرة للأسماء “الإسرائيلية” عليه، خاصة خلال السنوات السبع الأخيرة، وتكاد تغيب الأسماء العربية باستثناء اسمي ندى المجدلاني وليانا أبو طالب، كما يظهران اسمان آخران، أحدهما طالب في جامعة تل أبيب، والآخر هو علي شعث، الفلسطيني الوحيد الذي يظهر اسمه علنًا إلى جانب ندى المجدلاني.
وذلك في بحثٍ حمل عنوان “دراسة الجدوى الأولية: الممر الإنساني والتجاري الأردن-الضفة الغربية-إسرائيل- غزة”، الذي خلُص إلى أن الممر مبادرة استراتيجية لتسهيل تدفق المساعدات والتجارة إلى غزة، لإعادة إعمارها وتعافيها، مع وضع توصيات تقوم على تطوير المرحلة الثانية منه.
اللافت في هذا البحث المنشور على موقع المنظمة، نقطتان؛ أولهما أن علي شعث وهو مهندس فلسطيني من مدينة خانيونس، يشغل منصب رئيس لجنة تكنوقراط غزة المكلفة بمهمة إدارة قطاع غزة وفقًا لمجلس السلام واتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر 2025، بالتوافق دوليًا وعربيًا واسرائيليًا على رئاسته.
ثانيًا أن البحث يطرح الحاجة لتفعيل الممر التجاري، الذي أنقذ “إسرائيل” من الحصار الحوثي، بوصفه سبيلًا لتعافي غزة، مع أن معبر رفح قائم وأكثر فعالية من الممر، الذي اعتُبر مهادنة عربية (الإمارات والسعودية والأردن) لإنقاذ إسرائيل من أزمتها، وتصدرت الدعوة لإغلاقه الحراك الشعبي الأردني المناصر لغزة.
ناهيك عن أن تسليط الضوء على ممرٍ تجاري، لا يتقاطع مع الأجندة البيئية للمنظمة، ولا مع تخصص علي شعث في الإدارة والسياسات العامة!
مشاريع وبرامج طموحة
على صعيد الشركاء، تتنوع شراكات المنظمة ما بين بلديات محلية، ومنظمات مجتمعٍ مدني، ومؤسسات دولية ومراكز بحثية غربية، حيث يُدمج الفاعلون المحليون والدوليون ضمن هذا النمط، لتأسيس شبكة حوكمة متعددة المستويات، يمكن من خلالها تطبيق المشاريع والترويج لها.
أما برامجها، فتنطلق من المياه أولًا، أبرزها مشروع “جيران المياه الصالحون”، الذي يقوم على توظيف الدبلوماسية البيئية من الأسفل إلى الأعلى، عبر جمع المجتمعات المحلية في فلسطين والأردن والكيان المحتل حول إدارة الموارد المائية المشتركة، لخلق مساحات سلام وظيفي، وتعاونٍ يومي ملموس يتجلى في تقاسم مصادر المياه نفسها.
بدأ المشروع مطلع الألفية الحالية، بربط ما بين 25-30 مجتمعًا محليًا، على أساس قربها من الحدود واشتراكها في الموارد المائية، أولًا بإشراك البلديات وتدريب مسؤوليها على التخطيط البيئي والصرف الصحي وإدارة المياه، ومن ثم تشجيعها على الانخراط في مشاريع مشتركة، تحولها لفاعل دبلوماسي محلي، يضغط على الحكومات لتحسين شبكات المياه ومعالجة التلوث، عبر فرض السلام.
وللشباب والنساء مساحة ثابتة في المشروع، فأما الشباب فيتم إدماجهم في برامج تدريبية وزيارات متبادلة عبر الحدود وحملات توعية ومشاريع بيئية حملت عنوان “مرشدي المياه الشباب” Youth Water Trustees، بهدف خلق جيل يرى الآخر كشريكٍ بيئي لا كعدو.
وأما النساء، اللواتي بلغت نسبة مشاركتهن في برامج المنظمة 60% خلال الأعوام 2022-2024، فقد خٌصصت لهم برامج تنموية من قبيل برنامج “تسلم إيديك” الذي كُشف النقاب عنه عام 2021، إثر مقاطع مصورة لسيدات أردنيات من منطقة وادي عربة في الغور الصافي، يجري بينهن وبين إسرائيليات تعاون في برنامج تنموي إسرائيلي تحت اسم “تسلم إيديك”، بهدف تمكين المرأة في المنطقة المشتركة بين الضفتين وتشغيل النساء الأردنيات “الفقيرات” بالاستفادة من “خبرة وفن الإسرائيليات”.
وهو ما تمثل في مشاريع تنظيف الأنهار والجداول في مناطق الأغوار، وإنشاء سلاسل بشرية لحماية البحر الميت، وبناء شبكات حماية بيئية عبر المدارس والبلديات والشباب، اللافت أن هذه الشبكات استمرت حتى في فترات الاضطراب السياسي، ما يُترجم لاحقًا عبر إعادة تشكيل الحقل المحلي وفق منطق التعاون البيئي، وبمزاج وأجندة المانحين والمنظمات الدولية.
بلغة الأرقام، ضم المشروع ما بين 2022-2024، 28 مجتمعًا محليًا، 11 منهم مجتمع فلسطيني، و8 أردني، و9 إسرائيلي، مقارنة ب 11 مجتمعًا في المرحلة الأولى عام 2001، ضمن هذه المجتمعات شارك عدة آلاف من الشباب والنشطاء، وكان من مخرجاته وجود منسق في كل مجتمع وفريق محلي يعمل بالتوافق معه.
يُطلق على المنسق وفريقه اسم “مجموعة شبابية”، يتم تدريبهم مرتين إلى أربع مرات في زيارات تبادلية على طوال العام، وغالبًا ما يتم استهداف مدرسة واحدة على الأقل في كل مجتمع، لتطبيق نموذج الاستدامة البيئية على طلبتها، ومن ثم دعمها بحديقة بيئية تخدم المجتمع المحيط. يُصبح ذلك أكثر سلاسة عبر مذكرات التفاهم الموقعة مع رؤساء البلديات، ودمج موظفيهم بورش عمل إقليمية ومحلية، والطلبة والمعلمين ببرامج تعليمية مدرسية، والأمهات والنساء ببرامج تمكين بيئي ونسوي.
يُذكر أن الجولة الأخيرة من المشروع، حصدت تمويلًا من وكالة التنمية الأمريكية والاتحاد الأوروبي وكندا، بمبلغ وصل من كندا وحدها لقرابة 486,528 دولار كندي.
يتقاطع ذلك مع مشروع برامج الدبلوماسية البيئية، التي تعتمد على نموذج هرمي يبدأ باستهداف قاعدة تعليمية واسعة من الطلبة، تصل إلى أكثر من 3 آلاف طالب سنويًا، من الفئة العمرية 10-14 عامًا، ضمن 80 مدرسة موزعين على الأقاليم الثلاث.
المرحلة الثانية هي برنامج “حماة المياه” الذي يستهدف طلبةً أيضًا، ولكن من فئة عمرية 16-18 عامًا، يُنتقى منهم قرابة 30-36 طالبًا، وصولًا إلى تحقيق شبكة نخبوية تضم 50-75 مشاركًا، ضمن الفئة العمرية 21-35 من كل جانب، في الدورة التدريبية الإقليمية، التي يُشارك بها خبراء وعلماء وقادة رأي من الأقاليم الثلاث، وصولًا لتحويل مواقف الشباب، بإعادة تشكيل الوعي السياسي والبيئي لديهم وإنتاج نخب مؤمنة بالتعاون العابر للحدود.
في الأردن هناك مثالٌ بارز على الدبلوماسية البيئة للمنظمة، يعبر عنها متنزه الأردن البيئي، الذي كان يُعرف بمتنزه الصحابي شرحبيل بن حسنة، قبل أن تقوم منظمة EcoPeace Middle East، بتحويله لأحد مشاريع البيئة المحلية الإقليمية لها.
يقع المتنزه شمال الأردن، على مقربة من نهر الزرقاء، ويمتد على مساحة تُقدَّر بحوالي 80–100 هكتار، وقد أُعيد تأهيله بيئيًا على يد المنظمة ومموليها، بعد أن كان منطقة متدهورة، ليضم اليوم أنظمة بيئية رطبة (wetlands)، مسارات طبيعية، ومرافق للتعليم البيئي والسياحة المستدامة.
من حيث الوظيفة المحلية، يستقبل المنتزه ما بين 10–20 ألف زائرٍ سنويًا، ويستضيف برامج تعليمية وبيئية تستهدف مئات الطلاب، إلى جانب مرافق إقامة بيئية تُستخدم في الأنشطة التدريبية، لكن أهميته تتجاوز هذا البعد المحلي؛ إذ استخدمته EcoPeace كمنصة ميدانية ضمن برامجها الإقليمية مثل Good Water Neighbors “جيران المياه الصالحون” حيث نُظمت فيه مخيمات ولقاءات شبابية عابرة للحدود تضم مشاركين من الأردن وفلسطين وإسرائيل، ضمن مجموعات صغيرة جمعت 30-50 مشاركًا في كل نشاط إقليمي.
يظهر هُنا البعد السياسي غير المباشر، فالمتنزه لم يقع تحت الوصاية “الإسرائيلية” لكنه تحول وظيفيًا إلى مساحة وسيطة للتفاعل البيئي الإقليمي تُفسح مجالًا للمحتل على غير أرضه، وتقوم بإدماجها ضمن أنشطة مختلفة، ما يعكس آلية انتقال المشاريع من مرحلة إعادة التأهيل والتنمية المحلية السياحية البيئية، إلى منصة إقليمية لإنتاج التعاون البيئي، ليغدو أداة من أدوات الدبلوماسية الناعمة.
أما على صعيد أوسع، فهناك المبادرات الاستراتيجية، أو ما يُعرف بـ Green Blue Deal، وهو التحديث الأخير للمنظمة، وفيه سقطت الحاجة للفلسطينيين لتطبيق السلام البيئي في مقابل تعاظم مكانة الإمارات العربية، فتم تقديم المبادرة ضمن إطار إقليمي يشمل الأردن والكيان والإمارات وربما الفلسطينيين، يستهدف ربط المياه بالطاقة.
حيث تقوم المبادرة على الاستفادة من المساحات الواسعة في الأردن لإنتاج الطاقة الشمسية، وتصديرها للكيان الذي ينتج مياه محلاة، يعيدها للأردن، وقد تمتد للفلسطينيين، وفق مخطط المبادرة فستمتد الألواح الشمسية على مساحة 12-15 كم في المرحلة الأولى لإنتاج 600 ميغاواط من الطاقة الشمسية في الأردن.
في مقابل 200 مليون متر مكعب من المياه المحلاة سنويًا، وبنتائج جانبية إيجابية من قبيل خفض انبعاثات الكربون والمساهمة في إنقاذ البحر الميت من الانحسار، أما الدور الإماراتي فهو “الوسيط الضامن والممول”، وذلك عبر شركة الطاقة المتجددة الإماراتية (مصدر)، وتقديمها استثمارات بقيمة تتراوح ما بين 500-1000 مليون دولار، نتيجة قيادتها للمشروع، وتمويلها للبنية التحتية لمشروع الطاقة الأردني.
وفقًا للمنظمة، فإن التموقع الإماراتي في المشروع، الذي لا يمت من قريب ولا بعيد للإمارات، يكمن نتيجة خبرتها العابرة للحدود في مجال الطاقم المتجددة وامتلاكها رأس المال، ناهيك عن موقعها السياسي بعد اتفاقيات أبراهام حين أصبحت قناة ربط بين “إسرائيل” والعالم العربي، قادرة من خلالها على رعاية المشاريع الحساسة سياسيًا وماليًا.
هنا، لا تتدخل الإمارات كدولة، بل كشراكة وشركة، وصناديق استثمارية، ومؤسس لبنية تحتية إقليمية ضخمة، تحول البيئة عبر السياسة لاستثمار، وتضمن فرض سلام مستدام، عبر خلق اعتماد استراتيجي طويل الأمد بين الأطراف.
تجليات هذا المشروع ظهرت عام 2022، حين عقد مؤتمر بعنوان: “من الأراضي الجافة إلى شريان الحياة” في جامعة بن غوريون ضم أكثر من 800 شخص، من بينهم 90 متحدثًا دوليًا، وممثلين ومسؤولين من الأمم المتحدة، ومنظمات غير حكومية وهيئات دولية غربية، بالإضافة إلى أربع محاضرين من المغرب وآخر من الإمارات العربية.
المؤتمر الذي تعاون في تنظيمه، منذ عام 2010، عدد من المنظمات “الإسرائيلية” من بينها؛ الصندوق القومي اليهودي، و منظمة البحوث الزراعية، و مركز علوم البحر الميت وعربة، ومعهد وايزمان للعلوم، و منظمة EcoPeace الشرق الأوسط، خرج بتوصية مفادها أهمية توسيع مشروع “الازدهار” الموقع بين إسرائيل والأردن والإمارات العربية ليواكب التطلعات الجيوسياسية، ويوسع التكامل الإقليمي، ويزيد من جذب استثمارات الخليج إلى البلاد.
جاء هذا الطرح من شارون بينجي، نائبة مدير منظمة EcoPeace الشرق الأوسط، ونداف تال المستشار في المنظمة، ليمثل المشروع الأخير للمنظمة، منضويًا تحت المشروع الإقليمي الخاص بالممر الاقتصادي بين الهند وأوروبا، أما إضافة المنظمة فتتمثل في جزئية “مثلثات السلام“.
وهي رؤية سياسية اقتصادية أمنية تقوم على إعادة تشكيل الاستقرار الإقليمي عبر مثلثات السلام، التي تمثل مناطق عازلة تمتد من مصر إلى سوريا، تطبق ترتيبات سياسية وأمنية خاصة، تتيح إطلاق مشاريع مشتركة في مجال الهيدروجين الأخضر، وتصدير الطاقة المتجددة، وخلق اعتماد اقتصادي وأمني وبيئي متبادل يجعل مصلحة جميع الأطراف، بما فيها المستثمرون، مرتبطة باستمرار الاستقرار
ولتحقيق ذلك وضعت المنظمة ثلاثة مشاريع محفّزة: تصدير الطاقة المتجددة من منطقة نيوم وجنوب الأردن وسيناء إلى أوروبا، وربط سككي كهربائي يمر من الخليج إلى موانئ “إسرائيل”، ومشروع تبادل الماء والطاقة الذي يشمل محطة تحلية كبيرة في غزة مقابل تزويدها بالطاقة المتجددة من الأردن.
أما التمويل المتوقع فهو من حسابات واستثمارات الخليج، سواء عبر القطاع الخاص أو من خلال رؤوس الأموال السيادية، حيث تشير المنظمة إلى دور السعودية والإمارات وشركات مثل ACWA Power، الذين “يفترض أن يمولوا المشاريع العابرة للحدود” في تحويل الاستقرار إلى مصلحة اقتصادية مشتركة لجميع الأطراف.
حقائق وأجندات
- قبل عشرين عامًا، طلبت منظمة أصدقاء الأرض-وفق التسجيل الأردني- أو “EcoPeace Middle East” من سلطة وادي الأردن التابعة لوزارة المياه والري، أرضاً من أجل إنشاء متنزه بيئي، فأعطتها السلطة 100 دونم من أراضي منطقة المشارع في الأغوار الشمالية، ثم زادوها 116 دونماً أُخرى، بما فيها أحد السدود المائية وهو سد زقلاب، أول سد أنشئ في الأردن.
- في خطاب لمديرة المكتب الفلسطيني في EcoPeace Middle East، ندى المجدلاني، خلال اجتماع في الأمم المتحدة، يناير 2022، دعت إلى معالجة التحديات البيئية في غزة من خلال التعاون الإقليمي والاستفادة من التقنيات المتقدمة في مجالات الزراعة والمياه. كما تناولت في كلمتها أثر الانقسام الداخلي على تفاقم الأزمة البيئية إلى جانب العوامل السياسية واللوجستية القائمة. في المقابل، أكدت حركة المقاطعة أن هذا الخطاب يندرج ضمن مسار يفتح المجال أمام أشكال من التطبيع، معتبرة أن المشاريع المطروحة، ومنها مبادرات التعاون في مجالي المياه والطاقة، تسهم في توسيع حضور “إسرائيل” إقليميًا وتخفيف التركيز على مسؤوليتها عن الأوضاع البيئية في غزة والأغوار.
- بالتزامن مع الحرب “الإسرائيلية” على قطاع غزة، عُقد في باريس بتاريخ 13 يوليو 2025 مؤتمر بعنوان نداء باريس من أجل حل الدولتين، السلام والأمن الإقليمي”، بهدف فتح حوار مباشر بين الفلسطينيين و”الإسرائيليين” حول مستقبل السلام والأمن في المنطقة. تضمن المؤتمر جلسات مشتركة بين شخصيات فلسطينية ومجموعة من المسؤولين “الإسرائيليين” السابقين، في إطار تعزيز التعاون والاعتراف المتبادل، ومن بين المشاركات الفلسطينية ندى المجدلاني، مديرة EcoPeace Middle East.
- تستنكر اللجنة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل (BDS) استمرار أنشطة EcoPeace Middle East، معتبرةً أن المنظمة تروّج للتطبيع الفلسطيني والأردني مع “إسرائيل” تحت غطاء مشاريع بيئية، وترى اللجنة أن هذه الأنشطة تتجاهل مسؤولية الاحتلال عن استنزاف الموارد وتدمير البيئة في فلسطين ووادي الأردن، وتندرج ضمن ما تصفه بـالغسيل البيئي الذي يهدف إلى تحسين صورة “إسرائيل” دوليًا.
- في الخامس من فبراير 2026، وخلال لقاء عُقد في مقر الوزارة بمدينة البيرة بحضور مديرة المؤسسة ندى المجدلاني، اطّلع زغلول سمحان، رئيس سلطة جودة البيئة، على أبرز برامج ومبادرات EcoPeace Middle East في فلسطين، وتناول اللقاء عرض عدد من المشاريع التوعوية والتنموية، كما شدد سمحان على أهمية التنسيق مع المؤسسات الشريكة والمجتمع المدني، مؤكدًا دعم السلطة للجهود التي تسهم في تحقيق التنمية المستدامة بما يتوافق مع السياسات والخطط البيئية الوطنية.
تكشف الحقائق السابقة، وطبيعة المشاريع التي تقوم عليها EcoPeace Middle East، ونموذج القيادة التي تحكمها الخبرة “الإسرائيلية” المرتبطة بالسياسات الحكومية، في مقابل هُلامية أردنية وفلسطينية، وتغير علاقاتها وبرامجها ما بين خطابٍ بيئي عالمي، وخطاب بيئي أمني إقليمي، وتصاعده إبان اتفاقيات أبراهام، وتجاهله للإبادة الجماعية في القطاع ونتائجها، أن المنظمة ليست أكثر من أداة لإعادة تشكيل الحاضر والمستقبل الأمني في المنطقة.
فالمشاريع التي تبدأ من ألوف الطلبة، مرورًا بالمسارات النخبوية، والاستعلائية النسوية لل”اسرائيليات” على النسوة العربيات، تؤكد أن هذه البنية تقوم على إنتاج فاعلين وحالة اجتماعية ونفسية تضمن غلبة المستعمر ونخبويته وتفوقها، يتقاطع ذلك مع هوس المنظمة بطرح المبادرات والاستفادة من انخراط الإمارات كوسيطٍ فاحش الثراء يمكن الاستثمار فيه لصالح الكيان.
لا يتعلق ذلك بالإمارات وحدها، أو حتى بالأردن، بس يمس الفلسطينيين أولًا، بتصدر ندى المجدلاني، ابنة أحمد المجدلاني، الأمين العام لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ووزير العمل سابقًا ووزير التنمية الاجتماعية حاليًا لسدة المنظمة في المجال الفلسطيني.
وبتماهي مؤسسات الحكم المحلي والسلطة مع برنامج المنظمة وسياساتها، في تجاهلٍ لمسؤولية الاحتلال وسرقته للموارد المائية والطبيعية، وخاصة المياه التي يحصل المستوطن “الإسرائيلي” منها على نحو 300 لتر من المياه يوميًا مقابل حوالي 70 لترًا للفلسطيني في الضفة الغربية (أقل من الحد الموصى به عالميًا وهو 100 لتر).
تُعيد EcoPeace تأطير الصراع، فتحوله من حق وحرية واستعمارٍ ومقاومة، إلى “طوشة” على الموارد المشتركة، بحاجة لتحكيم وإدارة، ثم تتطاول على الأرض، فتفرض نفسها عبر المشاريع الميدانية وتعيد توظيفها كمنصات تجنيد للعقول والموارد لصالح رواية الكيان وسرديته.
منتجةً نخبًا ما دون السياسة وما بعد الحاضر، بالتناغم مع مؤسسات أكاديمية رفيعة المستوى، مثل Arava Institute for Environmental Studies الذي استقبل منذ تأسيسه عام 1996، أكثر من 600 طالبٍ، فلسطيني وأردني إلى جانب “الإسرائيليين”، ضمن بيئة تعايش مكثفة (4-8 أشهر)، تُركّز على بناء مهارات التعاطف، والحلول التقنية، في مقابل تهميش الخطاب السياسي المرتبط بالتحرر والحقوق. ما يعزز إعادة تشكيل الإدراك الذاتي والآخر ضمن إطار الشراكة بدل الصراع.
لكن العزاء لا يكمن في طبقة الساسة، وإنما في شعوبٍ بدأت تصحو وتطالب باستعادة مرافقها، وتُساءل حكومتها ووزاراتها عن منظمات دخيلة، وشبكات متداخلة تُعيد تشكيل الفضاء السياسي نفسه، بنقل الصراع من مستوى السيادة والحقوق إلى مستوى الإدارة والتقنية، ما يفتح المجال أمام إدماج “إسرائيل” عنوة، احتيالًا، في الفضاء البيئي والنفسي للمواطن العربي.
لكن النتيجة، لا تكمن في حضور “إسرائيل” أو دمجها، بل في أنها ما زالت منذ ثلاثين عامًا عند نقطة الرفض نفسه، فأخبار اللقاءات والمبادرات “تتسرب وتُكشف” بدلًا من أن تصدر، والزمالات سرية ومن تحت الطاولة، وحين تحضر الكاميرا، تختفي الأصوات والأسماء، ويفضل العربي أن تلتقط صورة لظهره أو قدميه بدلًا من وجهه، خوفًا من عارٍ يلاحقه، وحين يُخاطب الجمهور عبر صفحة المنظمة العربية، يتغير اللحن عنه في الصفحة الإنجليزية وتتقلب المصطلحات.
وهذه الازدواجية الفاضحة تكشف لنا ولهم، أنه لا الغسيل البيئي ولا الغسيل الأكاديمي، ولا الثقافي ولا الرياضي، ولا الجيران الطيبون ولا المتنزهات البيئية، بإمكانها أن تحول “إسرائيل” من كيان طارئ إلى جزء عضوي في المنطقة العربية، أو لامتدادٍ لثقافة الإنسان العربي ومستقبله.

