تشكل استقالة جاك لانغ، المدير السابق لمعهد العالم العربي بباريس، من منصبه، في السابع من شباط/ فبراير سنة 2026، بسبب ارتباطه بقضية إبستين، حلقة لافتة من تاريخ معهد العالم العربي بباريس، لما تجسده من منعطف تاريخي للمعهد منذ تدشينه في الثمانينات.
يُعرّف المعهد نفسه بأنه “فضاءٌ متعدد التخصصات، صُمِّم لإرساء روابط متينة ودائمة بين الثقافات، وتنمية حوار حقيقي وعميق بين العالم العربي وفرنسا وأوروبا”، لكن الجدل يطارد وجوده بسبب اتهامات فرنسية للدول العربية بالتملص من المساهمة في تمويله، بين تطاله أيضًا انتقادات بالنخبوية وخدمة المصالح السياسية والثقافية لفرنسا دون تجسير حقيقي بين فرنسا والحضارة العربية.
وحسب المصادر الرسمية، تم تخصيص منحة 12,3 مليون يورو لمعهد العالم العربي في عام 2026 ضمن ميزانية وزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية، وهو الدعم المالي الأساسي والأكبر للمعهد، مما يفسر، جزئيًا، العاصفة السياسية التي خلفها ارتباط مديره المستقيل جاك لانغ بقضية إبستين.
الولادة من رحم الثقافة والسياسة
يصعب فهم نشأة معهد العالم العربي بمعزل عن تجربة “المسجد الكبير” في باريس، الذي تقرر تشييده عام 1916 وفاءً بوعد قطعته فرنسا لجنودها المسلمين الذين سقطوا في الحرب العالمية الأولى دفاعاً عن ترابها.
شكّل هذا المسجد النموذجَ الأول لفكرة الجسر المؤسسي بين فرنسا والعالم الإسلامي والعربي، إذ أرادت الدولة الفرنسية احتضان مشروع ثقافي وديني ذي طابع عربي داخل عاصمتها.
وفي أواخر سبعينيات القرن الماضي، باتت الحكومة الفرنسية أكثر وعياً من أي وقت مضى بغياب أي تمثيل للعالم العربي على أراضيها، في حين تجمعها بمعظم الدول المكوِّنة لهذا العالم روابط تاريخية ضاربة في القِدَم
يرى آدم المقراني، محامٍ ومتخصص في الشأن الفرنسي، في حديثه ل”نون بوست”، أن معهد العالم العربي تأسّس بمبادرة سياسية وثقافية متداخلة في آن واحد، إذ بدأت الفكرة في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات، في ظل توتر دبلوماسي عقب حظر النفط العربي عام 1973 والسعي الفرنسي لتحسين العلاقات مع الدول العربية، فقد رآه الرئيس الفرنسي آنذاك فاليري جيسكار ديستان ;وسيلة لتخفيف التوترات بين فرنسا والعرب، وفتح آفاق الحوار بين بلده والعالم العربي.

واستطرد المقراني: “رغم هذه الخلفية السياسية جزئياً، فقد تبنّت المؤسسة منذ نشأتها أهدافاً ثقافية وحضارية صرفة، وهي نشر الثقافة العربية، وتعزيز المعرفة بالعالم العربي، وتشجيع التفاهم المتبادل بين الشعوب، وذلك من خلال المتحف، والمكتبة، والندوات، والتعليم، والفعاليات الثقافية المختلفة”.
من جهتها، ترى مليسة تدافي، باحثة في التاريخ المعاصر والعلاقات العربية الفرنسية -تنجز بحث دكتوراه حول معهد العالم العربي- أن السياق السياسي لازم تاريخ المعهد، إذ أثار غزو الكويت من قبل العراق مثلا احتجاجات ونقاشات حادة خلال “المعرض الأورو-عربي” للكتاب الذي نظمّه المعهد، أو أيضا خلال اجتماعات مجلس الإدارة.
واستدركت الباحثة: “رغم هذه الخلافات، سعى المسؤولون الفرنسيون للمعهد دائمًا إلى التأكيد على استقلالية معينة للمؤسسة أمام الرأي العام، رغم اعتمادهم الفعلي على الأطراف العربية. ومع ذلك، يمكن اعتبار المعهد فضاءً للحفاظ على العلاقات الدبلوماسية أو تعزيزها بين الدول العربية وفرنسا، حتى لو قُطعت أو جُمّدت في الأطر الرسمية”.
مسيرة المعهد.. هل شكل جسراً حقيقياً بين العرب وفرنسا؟
على مدى أربعة عقود، قدّم معهد العالم العربي معارض لامعة وأمسيات ثقافية رفيعة، ونجح في تعريف الجمهور الفرنسي بجوانب من الحضارة العربية.
غير أن الجسر الحقيقي يحتاج إلى ضفتين متكافئتين: فبعض الدول العربية المؤسِّسة تخلّت عن التزاماتها المالية، وظل الحضور العربي في هياكل القرار خافتاً، فيما بقي جمهور المعهد في معظمه نخبوياً و بعيداً عن عموم الجاليات العربية في فرنسا، فكان المعهد حسب المنتقدين لوجوده أقرب إلى واجهة ثقافية مبهرة منه إلى فضاء تبادل حيّ وحقيقي بين العرب وفرنسا.
ويرى الباحث المقراني أن المعهد، بصفته مؤسسة ثقافية قائمة على اتفاق بين فرنسا و22 دولة عربية، واجه عبر تاريخه توتّرات مرتبطة بتقلبات السياسة الدولية وتفاوت الاهتمام العربي به مما أثّر على استقلاليته في التمويل، ودفع إدارة المعهد إلى الاعتماد أكثر على التمويل الفرنسي، وهو ما يؤثر تلقائياً على القدرة على وضع برامج ثقافية مستقلة عن الضغوط السياسية.
واستطرد الخبير في الشأن الفرنسي: “كما أن ضعف مشاركة بعض الدول العربية في التمويل قد يحد من ثقلها المؤسسي في قرارات المعهد، لكن على مستوى البرامج، تظل الإدارة الفنية والعلمية مخوّلة بابتكار محتوى ثقافي بمعزل نسبياً عن السياسة المباشرة، كما يتم ذلك عبر فعاليات ومشاريع مشتركة مع مؤسسات عربية وأوروبية”.
وعن الاتهامات بالنخبوية، أقرت الباحثة تدافي أنه على الرغم من الجهود المبذولة، فإن المسؤولين والمديرين الفرنسيين والعرب في معهد العالم العربي ينتمون إلى نخبة فكرية وسياسية واجتماعية معينة، مما قد يؤثر على الخيارات المتخذة في البرامج. “غير أن جهوداً قد بُذلت في هذا الاتجاه في السنوات الأخيرة، مما أفسح المجال بشكل أكبر للثقافات الشعبية”، حسب الباحثة.
قضية إبستين والمعهد.. ماذا بعد الإطاحة بجاك لانغ؟
في أواخر يناير/كانون الثاني سنة 2026، فجّرت ملفات إبستين الجديدة قنبلةً سياسية في قلب باريس، إذ كشفت عن روابط موثّقة بين جاك لانغ، المدير السابق للمعهد، والأمريكي جيفري إبستين، إذ لم تقتصر على الصداقة بل امتدت إلى مصالح مالية مشتركة طالت ابنة لانغ كارولين أيضاً.
وفي 16 فبراير/شباط 2026، استُمع إلى ثلاثة مرشحين للخلافة، في مشهد يعكس مدى الإحراج الذي وضعت فيه هذه القضية الدولةَ الفرنسية برمّتها.
وتعقيباً على النتائج المترتبة عن استقالة جاك لانغ، يرى آدم المقراني أن المؤسسات الفرنسية، باعتبارها تجسيد لدولة قانون، تمتلك آليات حوكمة مؤسسية رسمية عبر “مجلس الإدارة” و”هيئة الرقابة”، تضمن استمرارية عمل المعهد وفق أطر مؤسسية حتى في الظروف الصعبة. كما أن تعيين رئيس جديد يبيّن استمرار الالتزام الفرنسي بإدارة المعهد بشكل مؤسسي مستقل عن الشخصيات الفردية.

وعقب استقالة جاك لانغ، تم تعيين آن-كلير لوجاندر بعد انعقاد المجلس الإداري الاستثنائي لمعهد العالم العربي في 17 شباط/فبراير الماضي.
ترى الباحثة تدافي أن هذا التعيين السريع عكس قدرة الحكومة على استعادة زمام الأمور في شؤون المعهد، والحرص الذي إظهار الأهمية الكبيرة التي توليها الحكومة الفرنسية لهذه المؤسسة، لأن الرئيسة الجديدة حظيت بهذا المنصب بفضل معرفتها الجيدة بالعالم العربي، وإتقانها للغة العربية، و تجاربها المتعددة في البلدان العربية، مما “يمكن أن يسهم في إعادة ترسيخ علاقات قوية وثقة متبادلة مع الشركاء العرب داخل المعهد” حسب تيدافي.
وفي الداخل الفرنسي، أفرزت استقالة جاك لانغ من رئاسة معهد العالم العربي، اهتماماً أكبر بهذا المعهد وتمويله، وأعادت، ولو لفترة وجيزة، النقاش عن حجم التمويلين العربي والفرنسي لميزانيته.
ورغم العلاقات الوثيقة بين بعض البلدان العربية وجاك لانغ، والتي ساهمت أيضا في بقاءه على رأس المعهد منذ سنة 2013 قبل استقالته، يرى آدم المقراني أن الإسهام العربي لا يرتبط بشكل مباشر بشخص جاك لانغ، بل يرتكز على التزامات البلدان الشريكة في مؤسسية المعهد.
واستطرد الخبير في الشأن الفرنسي: “يمكن أن تؤثر الاضطرابات الإعلامية مؤقتاً على ثقة بعض الشركاء، لكن استمرار المشاركة العربية يعتمد بشكل أساسي على الأجندات الثقافية والسياسية للدول العربية نفسها وليس على رئاسة شخص معين داخل المعهد”.