تسير الهند بخطى متسارعة نحو ترسيخ حضورها على الخريطة العالمية، لا بوصفها شريكًا في منظومة المصالح العالمية فحسب، بل باعتبارها لاعبًا مؤثرًا قادرًا على إعادة ترتيب “رقعة الشطرنج” في السياسة الدولية.
وبات من الواضح أن هذا الحراك لا يمكن اختزاله في إطار تنافس إقليمي مع الجوار، الصين وباكستان تحديدًا- كما كان في السابق؛ إذ تجاوزت الطموحات الجيوسياسية لنيودلهي حدود الإقليم إلى آفاق أوسع تتصل بإعادة تشكيل مواقع النفوذ عالميًا.
ضمن هذا السياق، تأتي زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى تل أبيب، الأربعاء 25 يناير/كانون الثاني الجاري، والتي تجاوزت دلالات الطابع البروتوكولي، وهو ما كشفته مظاهر الحفاوة المبالغ فيها التي أحاطت لقاء مودي بنظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ما عكس تقاربًا واضحًا في الرؤى والمواقف، بل حتى في تفاصيل لغة الجسد التي كشفت عن درجة عالية من الانسجام ودفء العلاقة بين الطرفين.
– أعلن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي وقوف بلاده رسميًا وبقناعة كاملة إلى جانب "إسرائيل"، بينما أعرب أمام الكنيست عن إعجابه بما وصفه بعزيمة "إسرائيل" وشجاعتها وإنجازاتها.
– أكد دعمه جميع الإجراءات الرامية لتعزيز السلام والاستقرار، بما في ذلك معالجة القضية الفلسطينية، في حين… pic.twitter.com/dBZlclvYIr
— نون بوست (@NoonPost) February 25, 2026
من هنا لا يمكن النظر إلى زيارة مودي – وهي الثانية منذ توليه السلطة، بعد زيارته الأولى عام 2017- على أنها محطة دبلوماسية عابرة؛ إذ جاء الرجل محمّلًا بأجندة سياسية محددة، في إطار شبكة تحالفات هندية متشعبة تمتد من آسيا إلى الولايات المتحدة، مرورًا بالشرق الأوسط، ومن أطراف أوروبا إلى عمق القارة الأفريقية.
وفي صميم هذه التحالفات، تتموضع الدول العربية داخل معادلة توازن شديدة الحساسية، بل ومربكة في كثير من الأحيان، فالهند، رغم ما تربطها به من علاقات جيدة مع دول المنطقة، تتحرك وفق مقاربة براغماتية صارمة وطموح سياسي عابر للحدود، لا يلتفت كثيرًا إلى اعتبارات التوازنات الإقليمية أو حساسيات الأمن القومي العربي.
ومن ثمّ قد يتحول هذا التمدد – إذا لم يُقرأ بدقة ويُعد له بعناية – إلى عامل ضغط جديد يربك حسابات المنطقة، ويدفع مستقبلها نحو مزيد من التعقيد، بما يشبه وضعها على “فوهة بركان” من التوازنات والتحالفات المتداخلة، وعليه يبرز السؤال الجوهري: ما التأثيرات المحتملة للطموح الهندي المتصاعد على الدول العربية وعلى معادلات الشرق الأوسط؟
التحالف السداسي
في 22 فبراير/شباط الجاري، فتح نتنياهو الباب أمام موجة واسعة من التكهنات، حين تحدث عن مساعٍ لتشكيل تحالف “سداسي” يدور في فلك الشرق الأوسط، يضم الهند واليونان وقبرص، إلى جانب دول عربية وأفريقية وآسيوية لم يسمّها، مؤكدًا أنه سيعمل على تطوير ملامح هذا الترتيب خلال زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى تل أبيب.
وبحسب ما أورده رئيس حكومة الاحتلال، فإن الهدف المعلن لهذا التحالف يتمثل في مواجهة ما وصفه بـ”التحالف الشيعي”، في إشارة إلى إيران ومحورها الإقليمي، وكذلك مجابهة “التحالف السني” الذي قال إنه يتشكل حديثًا، في تلميح – وإن لم يصرّح به مباشرة – إلى محور تركي–سعودي–باكستاني، وربما مع امتدادات تشمل مصر وقطر.
"تتضمن رسالة إلى تركيا والسعودية والأردن ومصر".. صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، تقول إن زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لتل أبيب، تهدف بالأساس إلى تشكيل محور لمحاربة ما يسمى بـ"الإسلام الراديكالي". pic.twitter.com/a2BijCTRxu
— مجلة ميم.. مِرآتنا (@Meemmag) February 25, 2026
وعند وضع تصريحات نتنياهو إلى جانب مواقف مودي خلال الزيارة وتصريحاته الكاشفة، لا سيما تأكيد دعم بلاده لإسرائيل ولسياساتها الإقليمية، تبرز ملامح تحوّل أوسع يتجاوز التنسيق الاقتصادي أو التفاهمات السياسية التقليدية، إذ يبدو أننا أمام محاولة لإعادة هندسة محور جديد من التحالفات، يأخذ طابعًا أكثر شمولًا، ويقترب من نموذج “التكتلات الإقليمية الصلبة” القادرة على إنتاج اصطفافات طويلة المدى.
وفي هذا الإطار، تتبلور – وفق هذا المنظور – صورة اصطفاف أكثر وضوحًا، تقارب هندي–إسرائيلي، بدعم إماراتي واضح، في مقابل محور مضاد يتشكل حول السعودية وباكستان وتركيا، مع احتمالات انضمام مصر وقطر أو تقاطع مصالحها معه في بعض الملفات.
غير أن ما يزيد المشهد تعقيدًا هو احتفاظ نيودلهي بعلاقات جيدة مع بعض عواصم هذا “المحور المقابل”، وهو ما يربك الحسابات، ويفتح الباب أمام توازنات متحركة تتغير وفق طبيعة الملفات وتبدّل المصالح، بما يدخل المنطقة في روزنامة سياسية أكثر تشابكًا وحساسية.
تل أبيب- نيودلهي.. تطابق في الرؤى
منذ تسعينات القرن الماضي، شهدت العلاقات الهندية–الإسرائيلية تطورًا متسارعًا تجاوز بكثير الإيقاع المعتاد للعلاقات الثنائية بين معظم الدول، حتى غدت خلال ثلاثة عقود نموذجًا لتقارب يقترب أحيانًا من حدّ التطابق في المقاربات والرؤى.
ويستند هذا التقارب إلى براغماتية صلبة تحكمها لغة المصالح أكثر من اعتبارات المبادئ؛ إذ يقوم على تبادل مكاسب ملموسة رسّختها الشراكة المتنامية بين الطرفين، فعلى المستوى اللوجستي والاقتصادي، أتاحت تل أبيب لنيودلهي فرصة استراتيجية بالغة الأهمية مع حصول شركة “أداني” الهندية على عقد إدارة محطة في ميناء حيفا بدلًا من شركات صينية، ما منح الهند هامش مناورة متقدمًا في شرق المتوسط، وأتاح لها التقدم خطوة على منافسها الصيني في ساحة تتزايد فيها حساسيات الصراع على الممرات والموانئ.
وعلى المستوى العسكري، باتت الهند من أكبر زبائن الصناعات الدفاعية الإسرائيلية؛ إذ تستحوذ على نحو 34% من صادرات إسرائيل من الأسلحة، الأمر الذي جعلها خلال السنوات الخمس الأخيرة السوق الأهم لصادرات السلاح الإسرائيلي، وينطبق الأمر ذاته على التكنولوجيا العسكرية النوعية، حيث تعتمد الهند على إسرائيل في مجالات حساسة مثل الطائرات المسيّرة، وأنظمة المراقبة، وتطبيقات الاستطلاع والتجسس.
הנחתי זר ביד ושם, המרכז העולמי להנצחת השואה. אסיר תודה לראש הממשלה בנימין נתניהו על שליווה אותי במהלך הביקור הזה.
ביקרתי גם בהיכל השמות, חלל מעורר כבוד המשמר את זכרם של אלו שסבלו ונספו במהלך השואה.
השואה ניצבת כאחד הפרקים האפלים ביותר בתולדות האנושות. היא תזכורת נצחית לצורך… pic.twitter.com/uFCa0exO8m
— Narendra Modi (@narendramodi) February 26, 2026
كما يُحسب لإسرائيل أنها أسهمت في تعزيز الحضور العسكري الهندي ضمن بيئات عملياتية مرتبطة بالمنطقة، عبر مشاركة نيودلهي في مناورات مشتركة على الأراضي المحتلة، من بينها مناورة “العلم الأزرق” عام 2014 إلى جانب الولايات المتحدة ودول أوروبية، وقد وفّرت هذه المناورات للهند خبرات تشغيلية وتطويرًا في قدراتها الجوية، انعكس بدوره على جاهزيتها في مواجهة التحديات المرتبطة بالحدود، ولا سيما تلك المتصلة بالصين وباكستان.
ومع مرور الوقت، انتقلت هذه العلاقات إلى مستوى أكثر تقدمًا مع انخراط الهند في تكتلات إقليمية فاعلة مثل مجموعة “I2U2” التي تأسست عام 2022 وتضم إلى جانب الهند وإسرائيل كلًا من أمريكا والإمارات، وقد فتح هذا المسار أمام نيودلهي مجالًا أوسع للاستفادة من الجغرافيا الإسرائيلية كبوابة باتجاه شرق المتوسط، بما يمنح مشروع “الممر الاقتصادي الهند–الشرق الأوسط–أوروبا” دفعة حيوية، عبر تحويل الأراضي المحتلة – ولا سيما ميناء حيفا – إلى نقطة ارتكاز في الربط بين مومباي وأوروبا.
في المجمل وضعت العلاقات المتطورة بين البلدين، نيودلهي – بشكل تدريجي- في موقع اللاعب الأكثر تأثيرًا على الخريطة الجيوسياسية العالمية، ضمن معادلات التجارة والنفوذ وشبكات التحالفات الجديدة، وهو الجميل الذي يرى مودي وحكومته ضرورة رده لتل أبيب في صورة تطابق في المواقف وتناغم في الرؤى وتوحد في السياسات.
عقلية الهند الاستراتيجية
لفهم الاستراتيجية الهندية خلف هذا الحراك المتسارع، لا بد أولًا من التوقف عند منطق صنع القرار في نيودلهي، الذي يحكمه شعار “الهند أولًا” بوصفه ترجمة عملية لمبدأ تغليب المصلحة الذاتية، فالمصالح – لا الاعتبارات المعيارية – هي البوصلة التي توجه الحركة الهندية، وهو ما يجعل بعض مساراتها تبدو متناقضة ظاهريًا، لكنها منسجمة مع براغماتية حادّة ترى في التناقض أداةً للمناورة لا عيبًا في النهج.
ضمن هذا الإطار، يمكن فهم ازدواجية السلوك الهندي في علاقاتها مع القوى الكبرى، فعلى الرغم من فترات التوتر التجاري والسياسي مع الولايات المتحدة، فإن نيودلهي تواصل تثبيت شراكاتها الاستراتيجية، وفي مقدمتها التعاون الدفاعي، باعتباره رافعة تضمن توازن القوة في بيئة دولية شديدة السيولة.
وينسحب المنطق ذاته على علاقتها مع العواصم الأوروبية؛ إذ تميل الهند إلى إدارة الخلافات كتكلفة مقبولة مقابل الحفاظ على قنوات الشراكة مفتوحة، في مقاربة أقرب إلى “البراغماتية المتطرفة” التي تُقدّم العائد على الاتساق الخطابي.
ويعزو كثيرون هذا الميل البراغماتي إلى بيئة تهديدات مزمنة تحيط بالهند منذ عقود، وعلى رأسها النزاعات الحدودية مع الصين وباكستان، فتصاعد النفوذ الصيني في المحيط الهندي – سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا – دفع نيودلهي إلى إعادة تقييم تموضعها الإقليمي، وتوسيع دوائر الشراكة، بحثًا عن عمق استراتيجي يتجاوز الجغرافيا المباشرة.
ومن هنا، شرعت الهند في تدشين مقاربة دفاعية–أمنية مسنودة بأدوات اقتصادية وسياسية، هدفها ترسيخ صورتها كفاعل أمني في المحيط الهندي وما يتصل به من مسارح حساسة، وهو ما انعكس عمليًا في توسيع الانتشار البحري وتكثيف الحضور في الممرات الحيوية، وفي بناء شبكات تعاون دفاعي مع عدد من الدول الأفريقية المطلة على المحيط الهندي، فضلًا عن تعزيز الانخراط في ملفات الأمن البحري ومكافحة القرصنة، بما في ذلك نشاط متزايد في نطاق خليج عدن.
وتأتي المؤشرات المالية لتعضيد هذا الاتجاه بصورة لافتة؛ إذ خصصت الموازنة الهندية للسنة المالية 2026–2027 مخصصات دفاع عند مستوى قياسي يقارب 86.7 مليار دولار، مع زيادة تُقدَّر بنحو 15.19% مقارنة بتقديرات موازنة 2025–2026 وفق البيانات الرسمية، بما يعكس مركزية ملف الأمن والتحديث العسكري في أجندة الدولة.
“السداسي” ليس الأول.. شبكة محاور ممتدة
لم يكن الحديث عن “تحالف سداسي” إقليمي سوى حلقة ضمن شبكة أوسع من الترتيبات والشراكات التي نسجتها نيودلهي خلال السنوات الأخيرة، في مسار يتقاطع – بدرجات متفاوتة – مع المصالح العربية ويعيد تموضع الهند كلاعب محوري على الخريطة الدولية.
في هذا السياق، برزت اليونان كإحدى الركائز التي اعتمدت عليها الهند لتعزيز حضورها في شرق المتوسط، وقد اكتسب هذا المسار زخمًا إضافيًا عقب زيارة مودي إلى أثينا عام 2023، وهي الأولى لرئيس وزراء هندي منذ أربعة عقود، بما حملته من رسائل تتجاوز الطابع الثنائي إلى بناء امتداد استراتيجي للهند نحو الفضاء الأوروبي–المتوسطي، في مواجهة تعقيدات الطاقة والممرات البحرية والتنافس الدولي.
ويتكامل هذا التوجه مع مشروع “الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا” (IMEC)، الذي يمر عبر ميناء حيفا في الأراضي المحتلة، ويستهدف ربط الهند مباشرة بالأسواق الأوروبية عبر مسار بري–بحري متعدد الأطراف.
هذا المشروع لا يقتصر على كونه مبادرة لوجستية، بل يمثل إطارًا لإعادة تشكيل شبكات التجارة والتحالفات، ويعزز في الوقت ذاته العلاقات الهندية–الأوروبية، وهو ما انسجم مع تطور الشراكات الأمنية والدفاعية بين نيودلهي والاتحاد الأوروبي بعد مسار تفاوضي طويل امتد لسنوات.
أما المحور الأفريقي، فيُعد من أكثر المسارات حساسية في الحسابات الاستراتيجية الهندية، إذ تنظر نيودلهي إلى منطقة القرن الأفريقي، وعلى وجه الخصوص أرض الصومال، باعتبارها نقطة ارتكاز محتملة لتعزيز حضورها البحري وموازنة التمدد الصيني في واحدة من أكثر المناطق حيوية للملاحة الدولية.
فالموقع الجيوسياسي لميناء بربرة، المطل على خليج عدن والمدخل الجنوبي للبحر الأحمر، يمنح أي قوة منخرطة هناك قدرة أكبر على التأثير في حركة التجارة العالمية وتأمين خطوط الإمداد، وعليه فإن اهتمام الهند بالمنطقة لا ينفصل عن سعيها إلى بناء ترتيبات لوجستية وأمنية تدعم حضورها البحري، وتحمي مصالحها التجارية، وتوفر لها أدوات توازن في مواجهة النفوذ الصيني المتنامي.
أي تداعيات محتملة على الشرق الأوسط
قد يبدو، في الظاهر، أن تنامي الحضور الهندي في الشرق الأوسط لا يشكّل تهديدًا مباشرًا للمنطقة العربية؛ بل إن بعض القراءات ترى فيه فرصة اقتصادية واعدة، بالنظر إلى كون الهند من أسرع الاقتصادات نموًا عالميًا، فضلًا عن امتلاكها سوقًا استهلاكية ضخمة تتجاوز 1.4 مليار نسمة.
غير أن قراءة مغايرة تطرح تساؤلات حول التداعيات الاستراتيجية بعيدة المدى لهذا الصعود، وما قد يحمله من انعكاسات معقّدة على التوازنات العربية، فالتقارب المتزايد بين الهند وإسرائيل، وما يصاحبه أحيانًا من تقاطع في الرؤى تجاه قضايا إقليمية حساسة، يثير لدى بعض المراقبين مخاوف من أن يتحول النفوذ الهندي المتصاعد إلى عامل ضغط إضافي على المواقف العربية، خاصة في الملفات التي تتباين فيها المقاربات السياسية.
اقتصاديًا، يرى البعض أن اتساع شبكة الشراكات الهندية عالميًا قد يقلّص تدريجيًا اعتماد نيودلهي على مصادر الطاقة التقليدية في الخليج، مع توجهها لتنويع الموردين وتطوير بدائل الطاقة، وهو ما قد يؤثر سلبًا على اقتصاد تلك الدول القائم أساسًا على عوائد النفط.
كما تُطرح تساؤلات حول تأثير مشاريع كبرى مثل “الممر الاقتصادي الهند–الشرق الأوسط–أوروبا” على توازنات التجارة الإقليمية، بما في ذلك احتمالات إعادة توزيع مسارات النقل البحري والبري، وهو ما قد ينعكس – بدرجات متفاوتة – على ممرات استراتيجية قائمة مثل قناة السويس، في مقابل تعاظم أدوار موانئ أخرى في شرق المتوسط.
أما أمنيًا، فإن توسّع شبكة التحالفات الهندية في المنطقة، وتنامي قدراتها العسكرية والتكنولوجية، يضيف عنصرًا جديدًا إلى معادلات الأمن الإقليمي المعقدة أصلًا، وتزداد حساسية هذا البعد مع تنامي الاهتمام الهندي بالقرن الأفريقي والساحل الشرقي للقارة، وهي مناطق ترتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر وخطوط الملاحة الحيوية للاقتصادات العربية، ما يجعل أي حضور دولي متزايد هناك محل متابعة دقيقة من العواصم المعنية.
سياسيًا، قد يساهم تصاعد الدور الهندي في إعادة تشكيل بعض ملامح الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط، سواء عبر شبكة التحالفات الجديدة أو من خلال التنافس الدولي المتصاعد، خصوصًا بين الهند والصين، وقد يضع ذلك بعض الدول العربية أمام معادلات توازن دقيقة، تحاول فيها الحفاظ على علاقات متوازنة مع أطراف متعددة دون الانزلاق إلى استقطابات حادة قد تفرض كلفة سياسية أو اقتصادية.
ويفرض تصاعد النفوذ الهندي إقليميًا معادلة عربية مركّبة تجمع بين الفرصة والتحدي في آن واحد؛ فمن جهة، يفتح هذا الصعود آفاقًا للتعاون مع قوة اقتصادية كبرى تمتلك سوقًا واعدة وإمكانات استثمارية واسعة، ومن جهة أخرى يثير هواجس مرتبطة بتشابك التحالفات الدولية وحدّة التنافس الجيوسياسي، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات غير مباشرة، خصوصًا في ظل تنامي العلاقات الهندية–الإسرائيلية.
وبناءً عليه، يبقى التحدي الأساسي أمام الدول العربية متمثلًا في إدارة هذا التحول بقدر عالٍ من البراغماتية الاستراتيجية، بما يحقق تعظيم المكاسب الاقتصادية والسياسية الممكنة، ويحدّ في الوقت ذاته من المخاطر المحتملة، ضمن بيئة إقليمية ودولية تتسم بتسارع التحولات وتشابك المصالح.