ترجمة وتحرير: نون بوست
بنظرة إلى الوراء، لم يكن ترتيب مقابلة مع فرانشيسكا ألبانيزي في مقهى الفكرة الأمثل. قبل أن نبدأ الحوار، طلبت النادلة التقاط صورة مع المحامية الإيطالية المتخصصة في حقوق الإنسان، وكذلك فعل أمين الصندوق. ثم خرج الطباخ بمئزره الأبيض لالتقاط صورة جماعية، وتبعه بعض الزبائن الذين أرادوا بدورهم أخذ صور تذكارية. كانت ألبانيزي لطيفة مع الجميع، وتحدثت بثلاث لغات، مما جعل العملية تستغرق بعض الوقت.
أصبحت ألبانيزي، البالغة من العمر 49 عاماً، تحظى في الفترة الأخيرة باستقبال حافل حيثما ذهبت، وهو أمر غير معتاد بالنسبة للخبراء القانونيين المتطوعين مع الأمم المتحدة. في أوقات أخرى، كانت وظيفتها – المقررة الأممية الخاصة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 – بمثابة وصفة للبقاء في الظل. هي واحدة من بين أكثر من 40 مقرراً أمميًا خاصاً، وهم خبراء في حقوق الإنسان تم تعيينهم لإجراء تحقيقات وتقارير مجانية في ملفات شائكة على الصعيد الدولي.
لكننا لسنا في أوقات عادية. أظهرت جراح الصراع الإسرائيلي الفلسطيني التي لم تُعالج حتى اليوم، قدرتها على إثارة غضب العالم جيلاً بعد جيل. بعد هجوم حماس في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، والذي أسفر عن مقتل حوالي 1200 شخص، جاء الرد الإسرائيلي العنيف الذي أسفر عن مقتل أكثر من 75 ألف فلسطيني في غزة، وتشريد أكثر من 90 بالمئة من سكان القطاع، وتحويل الجزء الأكبر منه إلى أنقاض.
لم تكن ألبانيزي أول من وصف الحملة العسكرية الإسرائيلية بأنها إبادة جماعية، لكنها كانت أول مسؤول أممي يجرؤ على ذلك. استخدمت منبرها باستمرار على مدار العامين الماضيين، ليس لإدانة الحكومة الإسرائيلية وجيشها فحسب، لكن أيضاً لإدانة عدد من الدول والشركات الغربية المتواطئة. والرسالة التي بثتها بلغة واضحة على الصعيد الشخصي ومن خلال تقارير الأمم المتحدة، هي أننا نعيش في ظل نظام متشابك أظهر قدرته على ارتكاب القتل الجماعي.

بسبب موقفها العلني، تعرضت حياة ألبانيزي للتهديد، وأصبحت عائلتها في خطر. واجهت احتمال الاعتقال في ألمانيا بسبب استخدام بعض المفردات، وقد صنفتها إدارة دونالد ترامب ضمن قائمة “المواطنين المصنفين بشكل خاص“، وهي قائمة تضم الإرهابيين ومهربي المخدرات، وأحيانا الدكتاتوريين القتلة. وهي أول مسؤول في الأمم المتحدة يُصنّف ضمن هذه القائمة.
تقول ألبانيز: “لقد كان الأمر سيئاً، فهذا التصنيف يضعك في خانة واحدة مع مرتكبي القتل الجماعي وتجار المخدرات على المستوى الدولي. كانت مفارقة أن أواجه أحد أقسى أشكال العقوبات دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة، لأنني لم أُمنح حتى فرصة الدفاع عن نفسي. تمت معاقبتي دون محاكمة”.
يحظر الأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب أي شخص أو كيان أمريكي من تزويدها بـ “أموال أو سلع أو خدمات” – وهو وصف فضفاض للغاية لدرجة أنه شُبّه بـ “الموت المدني”. كما تمت مصادرة شقتها في واشنطن، والتي اشترتها عندما كانت تعيش مع عائلتها في العاصمة الأمريكية. ولم يعد بإمكانها استخدام بطاقة ائتمان في أي مكان في العالم، لأن جميع هذه المعاملات تقريباً تتم معالجتها عبر خدمات مقرها الولايات المتحدة. وتقول: “أحمل معي نقدا، أو أضطر للاقتراض من الأصدقاء أو أفراد العائلة”.
وتتهم ألبانيزي نشطاء مؤيدين لإسرائيل في جنيف بملاحقة زوجها، ماسيمليانو كالي، وهو خبير اقتصادي رفيع المستوى في البنك الدولي، ضمن حملة أدت إلى استبعاده من منصبه القيادي في إدارة الملف السوري. وتقول ألبانيز: “لقد كان موقف البنك الدولي جباناً تماماً، رغم أن سجلا مهنيا مميزا في جميع المناصب التي شغلها”.
ويقوم كالي وابنتهما البالغة من العمر 13 عاماً، وهي مواطنة أمريكية، بمقاضاة ترامب وكبار مسؤولي إدارته أمام المحكمة الفيدرالية في واشنطن، بتهمة انتهاك حقوقهم الدستورية بموجب التعديل الأول والرابع والخامس، ومصادرة ممتلكاتهم دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة. بموجب سياسة الأمم المتحدة، لا تستطيع ألبانيزي رفع القضية بنفسها، لذلك قدمت مجموعة من أساتذة القانون الأمريكيين مذكرة قانونية للمحكمة نيابة عن العائلة، محذرين من “الأثر السلبي” للعقوبات الشخصية على حرية التعبير.
لكن محاولات إدارة ترامب شيطنة ألبانيزي عززت مكانتها كبطلة لدى البعض، فهي تمثل جزءا من نهضة يسارية صغيرة لكنها لافتة، أخذت زخما من الغضب الغربي تجاه أحداث غزة، وتشمل فوز زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك، وصعود زاك بولانسكي وحزب الخضر في المملكة المتحدة.
تقول ألبانيز: “عمليات الإبادة الجماعية في رواندا والبوسنة لم تُحدث رد فعل جماهيري بهذا الحجم، وهذا يعني أن حقوق الإنسان أصبحت تُفهم بشكل أفضل الآن. إن ما يحدث هو اختبار لعالمية الحقوق وللإنسانية”.
وتُرجع ألبانيزي هذا الفرق في ردود الفعل الشعبية جزئياً إلى التواطؤ الغربي. فقد نُفذت المذابح في رواندا بالمناجل، وعمليات الإعدام الجماعي في سربرنيتسا بالرشاشات والبنادق، لكن كثيرا من الفلسطينيين في غزة قُتلوا بقنابل دقيقة من الولايات المتحدة، موجهة بخوارزميات الذكاء الاصطناعي لاختيار الأهداف. إنها إبادة جماعية بأسلوب القرن الحادي والعشرين.
وإلى جانب دفاعها عن حقوق الإنسان، أصدرت ألبانيزي كتاباً بعنوان “حين ينام العالم: قصص وكلمات وجراح فلسطينية مفتوحة”، وهو مزيج من السيرة الذاتية، ورثاء للفلسطينيين بسبب ما رأته من تشبثهم بالكرامة في ظل القمع و”الغضب بلا كراهية”. يتناول الكتاب قصص 10 شخصيات، تبدأ بهند رجب، ابنة الخمس سنوات التي قُتلت في يناير/ كانون الثاني 2024 في غزة، وهي جالسة في المقعد الخلفي لسيارة عائلتها إلى جوار أربعة من أقاربها، بعد ساعات من طلب المساعدة عبر مكالمة هاتفية مع الهلال الأحمر الفلسطيني.

ومن بين الشخصيات التي يتناولها الكتاب ألون كونفينو، وهو أستاذ جامعي إيطالي إسرائيلي توفي عام 2024، وكان قد دافع عن ألبانيزي عندما اتُّهمت لأول مرة بمعاداة السامية. وكان كونفينو من بين مئات اليهود التقدميين الذين خاضت معهم ألبانيزي حملات ضد تعريفات معاداة السامية التي تخلط بينها وبين انتقاد دولة إسرائيل، وهو خلطٌ يعتقدون أنه يشكل خطرًا على اليهود بقدر خطورته على الفلسطينيين.
ويتتبع كتاب “عندما ينام العالم” جذور ما تسميه ألبانيزي “عدم تسامحها مع الظلم”، إذ يتحدث عن نشأتها في بلدة صغيرة بجنوب إيطاليا، في عالم تسيطر عليه الجريمة المنظمة والمحسوبية، ولا ينجح فيه المواطن إلا من خلال علاقاته السياسية. وتقول ألبانيزي: “لقد شعرت بالصدمة في صغري من هذه العقلية التي تجعلك لا تثق في نفسك مهما بلغت كفاءته، فتضطر دائمًا لتطلب أصحاب النفوذ: هل يمكنك مساعدتي؟”.
وقد استلهمت ألبانيزي ازدراءها لهذا الفساد المتفشي في المدينة من والديها اللذين رفضا الاستسلام له. كانت قدوتها شهداء العدالة في إيطاليا: باولو بورسيلينو، القاضي المناهض للمافيا الذي اغتيل بسيارة مفخخة عام 1992، وزميله جيوفاني فالكوني، الذي قُتل في العام نفسه مع زوجته وثلاثة من حراسه الشخصيين في تفجير على الطريق السريع. وتقول ألبانيزي: “لقد عشتُ ألم البلاد بأكملها على فقدان هذين الرمزين الكبيرين للعدالة، وقد زرع ذلك بداخلي بذرةً مهمة”.
وقد تذكرتهم ألبانيزي بالأخص عندما بدأت تتلقى تهديدات بالقتل بعد أن قدمت تقريرها في مارس/ آذار 2024 حول الحرب في غزة، والذي أطلقت عليه عنوان “تشريح الإبادة الجماعية“؛ حيث قال متصل مجهول إن ابنتها ستُغتصب، وذكر اسم المدرسة التي كانت تدرس فيها بتونس العاصمة حيث تقيم العائلة، ولجأت ألبانيزي إلى الشرطة طلبًا للحماية، ورغم أنها لا تعطي تفاصيل عن الترتيبات، إلا أنها تقول: “لدي ما أحتاجه”.
وتصف ألبانيزي الفترة التي أعقبت صدور تقرير”تشريح إبادة جماعية” بأنها “قاسية”؛ حيث قالت: “عندها بدأتُ أتساءل: هل يستحق الأمر كل هذا العناء؟ لدي طفلان. ماذا لو آذوهما؟ لا أستطيع تحمل هذه المسؤولية”. وتصف ألبانيزي تلك المعضلة بأنها “سؤال غير محسوم”، رغم أن ما تقوله لاحقًا يوحي بأنها حسمته مؤقتًا: “هناك الكثير مما أخاطر به، لكنني لا أملك أي بديل في الوقت نفسه. ما زلت بحاجة إلى الاستمرار في إطفاء النار، ولدي الآن دلو أكبر.. وذراعان قويتان”.

وذلك “الدلو الكبير” هو التفويض الأممي الذي تملكه هي وفريقها للتحقيق والتقرير على أعلى مستوى دولي، وتنوي ألبانيزي مواصلة بذل جهودها خلال العامين المتبقيين من ولايتها الثانية الممتدة لثلاث سنوات. وهي ترى أنها لا تواجه حكومتي ترامب وبنيامين نتنياهو فحسب، بل أيضًا “النخب المفترسة” حول العالم المستعدة للدفاع عن تراكم ثروات غير مسبوقة باستخدام العنف. وتقول إن حرب إسرائيل ضد المقاومة الفلسطينية ليست سوى أحد ميادين هذه المعركة.
وفي العام الماضي؛ حاولت ألمانيا منعها من الدخول وأرسلت شرطة مكافحة الشغب إلى مكان كان من المقرر أن تتحدث فيه، بل وهددتها الشرطة بالاعتقال لأنها أشارت إلى جريمتي إبادة جماعية نفذتها ألمانيا في النصف الأول من القرن العشرين ضد شعبي الهيريرو والناما في ناميبيا، ثم المحرقة. وقيل لها إنها بوضعهما في نفس الفئة قد قللت من شأن المحرقة، وهو ما قد يُعتبر جريمة جنائية. كما أنها أشارت إلى المنطقة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية بأنها “من النهر إلى البحر”، وهي عبارة محظورة في ألمانيا بسبب استخدامها من قبل حماس.
وتصف ألبانيزي المملكة المتحدة بأنها أكثر تهذيبًا من الناحية الظاهرية، لكنها تضيف: “ربما يكرهني ستارمر بقدر ما تكرهني ميلوني وماكرون”. وتصف قمع الحكومة البريطانية لحركة “فلسطين أكشن” بأنه “وحشي”، كما أنه تعتبر رئيس الوزراء “وحشًا” لقوله إن إسرائيل لها “الحق” في قطع الكهرباء والغاز عن غزة في عام 2023: “أنت لست شخصًا معنيًا بحقوق الإنسان على الإطلاق إذا قلت شيئًا بهذه الفظاعة. ويجب على الجامعة التي منحتك شهادة القانون أن تسحبها منك”.
وفي يونيو/ حزيرن 2025، نشرت ألبانيزي تقريرًا بعنوان “من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة الجماعية“، أظهر أن العديد من الشركات العالمية، بما في ذلك أسماء شهيرة معروفة، لديها استثمارات مرتبطة باحتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية.
وعندما استطلعت آراء آخرين في مجال حقوق الإنسان الدولي حول ألبانيزي قبل مقابلتي معها، وجدتُ إعجابًا كبيرًا بالتزامها وتأثيرها، مع بعض التحفظات على أنها خلطت لغة المحامية المحايدة مع خطاب حماسي لناشطة سياسية. ورأى المشككون أن هذا يجعلها هدفًا أسهل لأولئك للمدافعين عن جرائم الحرب.
وكانت ألبانيزي مبتهجة وودودة طوال محادثتنا، لكن ذكري لهذه الانتقادات أثار في وجهها ومضة من الغضب؛ حيث قالت: “إذن لا تسألني أسئلة سياسية. هذا نهج أبوي للغاية. يأتي دائمًا من الرجال”.
وعندما أوضحتُ، بخجل لكن بصدق، أن التعليقات جاءت من نساء، لم تتأثر وقالت: “هناك أشخاص ذوو شخصية أبوية بين النساء أيضًا. عذرًا، لماذا لا يمكنني التعبير عن رأي سياسي؟ كل ما يحدث سياسي. الطريقة التي لا تُحترم بها حقوق الإنسان هي سياسية. لكننا اعتدنا التفكير في قوالب منفصلة، فهل يُفترض أن أبقى محصورة في قالب واحد؟”
في تلك اللحظة المتوترة، اقتربت زبونة شابة أخرى في المقهى، وقالت لألبانيزي: “هل يمكنني مقاطعتكم لأقول إنني معجبة بك. شكرًا لكِ. أنت تقومين بعمل رائع”. وكانت المعجبة يونانية، فأبدت ألبانيزي سرورها، وأخبرتها أنها ستقدم قريبًا الترجمة اليونانية لكتابها في أثينا وأن عليهما أن يلتقيا مجددًا هناك.
كان ذلك تذكيرًا آخر بمدى حضور المقررة الخاصة وتأثيرها. وبعد أن غادرت المرأة، تحدثت ألبانيزي، التي بدت أكثر هدوءًا، عن احتمال وجود مستقبل سياسي لها. قالت: “في إيطاليا، بعض الناس خائفون وبعضهم يأمل أن أنضم إلى حزب سياسي. وبصراحة، إذا كان هناك حزب يبدو وكأنه بيت كبير بما يكفي لأظل على طبيعتي، لفعلتُ ذلك”، قبل أن تضيف سريعًا: “لكن لا يوجد”.
وتقول ألبانيزي إنها تنتمي أكثر إلى القرن الماضي، بكل ما يحمله ذلك العصر من تحيزات، وترى أن دورها هو “إفساح المجال” لجيل أصغر “يملك الحكمة والتواضع الكافي لدخول السياسة ورعاية ما تبقى من عالمنا”.
في ذلك المساء، اصطف طلاب من أنحاء العالم، كثير منهم يرتدون الكوفية الفلسطينية، في طابور طويل أمام جامعة جنيف لسماع كلمة ألبانيزي. وكانت تلك ثاني فعالية تُدعى إليها في الحرم الجامعي، وكانت القاعة مكتظة بما يتجاوز سعتها البالغة 400 مقعد.
وتحدثت ألبانيزي إلى الجمهور بالطريقة نفسها التي تتحدث بها في الجلسات الخاصة: بلهجة ودية ومرحة وشاملة ومليئة بالقصص. وقدمت سردية باعثة للأمل بأن العالم يمر بمرحلة تحول. وقالت للحضور: “ستزهر العدالة لكم ولأطفالكم. لدينا القدرة على إصلاح هذا الوضع، وسنغيره. نحن نؤدي بشكل أفضل جماعيًا. هذه أول إبادة جماعية تُحدث اضطرابًا. لقد أصبحت فلسطين جرحًا، لكنها أصبحت جرحنا”.
وصفق الطلاب تقريبًا بعد كل جملة، وبقي معظمهم لطرح الأسئلة؛ حيث وقفت شابة جورجية لتقول إن ألبانيزي ألهمت كل من في محيطها. وسألت أخرى عن كيفية إيجاد الشجاعة السياسية، ملمحة إلى أنها فقدت وظيفتها بسبب حديثها علنًا عن غزة. وكانت نصيحة ألبانيزي ألا تستسلم أبدًا: “لقد أصبحت حياتي كالقطار الأفعواني”، مشيرة إلى التهديدات بالقتل والعقوبات التي تعرضت لها. وأضافت: “لم أتخيل يومًا أن أعيش بلا بطاقة مصرفية، لكنني أفعل. الناس يساعدونني. حريتي أقوى من خوفي. أنت تُهزم في اللحظة التي تتوقف فيها عن القتال”.
ويصدر كتابها “عندما ينام العالم: قصص وكلمات وجراح فلسطين المفتوحة” في أستراليا والولايات المتحدة في 28 أبريل/ نيسان، والمملكة المتحدة في 30 أبريل/ نيسان (هاردي غرانت، 16.99 جنيه إسترليني).
المصدر: الغارديان