ترجمة وتحرير: نون بوست
بالنسبة للكثيرين في الغرب، من المستهجن مجرد التفكير في أن تركيا والرئيس رجب طيب أردوغان يمكن أن يكونا المنقذ لأهم تحالف عسكري غربي، حلف شمال الأطلسي (الناتو). فقد صُوّرت تركيا على مدى أكثر من عشر سنوات في عهد أردوغان كمصدر لكثير من الشرور، من سوريا إلى العراق وفلسطين وإسرائيل، ومن القوقاز إلى شرق البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، خصوصًا من قبل المهاجمين الكارهين لتركيا في مراكز الأبحاث وعلى وسائل التواصل الاجتماعي.
لكن باعتبارها الدولة المضيفة لقمة الناتو المقبلة في العاصمة التركية أنقرة يومي 7 و8 يوليو/ أيار، لا يستطيع أردوغان السماح بعرقلة أجندة حلفائه بسبب أخطاء الأمس أو هجمات اليوم. وتشمل بنود هذه الأجندة إنهاء الحرب في أوكرانيا، وإدارة أزمة إيران وتدفقات الطاقة من الشرق الأوسط، ورسم مستقبل الحلف.
حتى تنجح قمة أنقرة، ستوظّف تركيا نقاط قوتها الفريدة لتقود الحلف عبر ظروف مضطربة، ويشمل ذلك استخدام أردوغان صداقته الشخصية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتخفيف استيائه من حلفائه الأوروبيين، مع ضخ جرعة من الواقعية في أذهان الشركاء الأوروبيين بشأن وضع التحالف، وفي الوقت نفسه إدارة قضايا أنقرة الخاصة مع واشنطن وأوروبا.
إقناع ترامب بالبقاء في الناتو
يظل الناتو، رغم عيوبه الكثيرة، أهم تحالف دفاعي غربي وعنصرًا حاسمًا في القوة الجيوسياسية لتركيا. وعلى الرغم من أن قلة من الحلفاء وقفوا إلى جانب أنقرة في لحظات حاجتها الحرجة – خصوصًا في منتصف العقد الماضي – فإن الانتماء إلى نظام “اتفاقية التوحيد القياسي” (STANAG) يساعد الشركات التركية على تقديم منتجات وخدمات وفق أعلى المعايير العالمية في مجالات الطيران والدفاع والإلكترونيات والأمن والاتصالات.
يستفيد حتى أقوى الحلفاء من الناتو، الذي سيبلغ عامه الثمانين في 2029. بالنسبة لمؤسسه الأبرز، الولايات المتحدة، فإن الحلف يمنحها انتشارًا جيوسياسيًا واسعًا في أوراسيا وإفريقيا، ويخفض التكاليف السياسية والاقتصادية لوجودها المتقدم. أما بالنسبة لأوروبا، فوجود واشنطن – التي لا تزال أهم عاصمة في العالم – إلى جانبها يظل مكسبًا ضخمًا.
يبني الناتو علاقات وثيقة مع قوى إقليمية خارج مناطق شمال الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، مثل أستراليا وكولومبيا واليابان وباكستان وكوريا الجنوبية، إضافة إلى مكتب ارتباط في الأردن ومركز إقليمي في مدينة الكويت يعزز العلاقات مع الدولة المضيفة وكذلك البحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة.
وتعمل أنقرة على دعوة الدول الخليجية الأربع لحضور قمة يوليو/ أيار القادمة من أجل بناء هذه الجسور وتعزيزها، كما أفاد ليفنت كمال في صحيفة “تركيا توداي” مطلع الشهر الجاري. وفي هذا السياق، ربما يكون الإنجاز الأكبر الذي قد تحققه تركيا أردوغان هو إقناع ترامب بأن مزايا التحالف لا تزال تفوق أكبر عيوبه، أي افتقار بعض الحلفاء إلى الرؤية الاستراتيجية.
فالضغط الأمريكي المستمر (مصحوبًا أحيانًا بمهارة دبلوماسية) قد يحوّل عيوب الحلفاء الأوروبيين والكنديين – المتمثلة في ضعف الإنفاق الدفاعي والاستعداد العام – إلى بناء قدرات أكبر وروابط أوثق فيما بينهم. ويعود الفضل في ذلك بدرجة كبيرة إلى احتجاجات الرئيس الأمريكي المتقلب بأن أوروبا “مدينة بمبالغ ضخمة” للولايات المتحدة، ما دفع مزيدًا من الحلفاء الأوروبيين إلى أخذ وضعهم الدفاعي على محمل الجد.
ويمكن لتركيا أن تقود الناتو للخروج من هذه المآزق. في قمة لاهاي الصيف الماضي، اتفق الحلفاء على زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5 بالمائة من الدخل القومي، أو بشكل أدق 3.5 بالمائة على الدفاع و1.5 بالمائة على البنية التحتية الحيوية. وينبغي أن يُترجم هذا القرار في قمة أنقرة وما بعدها إلى شراكات أوثق بين شركات الدفاع والطيران والهندسة المدنية الأمريكية والأوروبية ونظيراتها التركية لتحقيق فوائد ملموسة لحلف الناتو ككل.
أما فيما يتعلق تحديدًا بمسألة مضيق هرمز (ونقاط الاختناق البحرية المشابهة)، فلا يوجد ما يمنع شركات بناء السفن التركية من تقديم حلول سريعة وموثوقة لتعويض النقص الذي يعاني منه الحلفاء الأمريكيون والأوروبيون في مجالات مثل كاسحات الألغام والسفن الساحلية والطائرات المسيّرة البحرية والجوية لحماية الملاحة التجارية بشكل أكثر فعالية.
قيادة الناتو الأوروبي
تتمثّل القضية الأخرى الحاسمة لتركيا وأردوغان في تجاوز الجمود في العلاقات بين أنقرة والاتحاد الأوروبي، وهنا يمكن للناتو أن يساعد تركيا أيضًا. ففي وقت يسعى فيه الاتحاد الأوروبي إلى زيادة إنفاقه الدفاعي – دون أن يرافق ذلك بالضرورة تعزيز قدراته الردعية أو وعيه الجيوسياسي – تبني كثير من الدول الأوروبية، باستثناء اليونان وإدارة قبرص اليونانية الجنوبية، شراكات جديدة مع شركات الدفاع التركية.
فقد اشترت بولندا العديد من طائرات “بيرقدار تي بي 2″، وستقتني إسبانيا طائرة التدريب والقتال الخفيف “هورجيت”، وتبدي اهتمامًا بمقاتلة الجيل الخامس الوطنية “كان”. أما بلغاريا فقد أبرمت اتفاقًا مع شركة “أركا ديفنس” في أنقرة لشراء ذخائر بقيمة 2.2 مليار دولار في معرض “ساها 2026” مطلع الشهر. كما وقّعت “أركا” في نفس المعرض اتفاقيات لتزويد الولايات المتحدة بذخائر بقيمة 1.2 مليار دولار وبناء مصنع ذخائر في إستونيا بقيمة 300 مليون دولار.
لكن أن تكون تركيا مجرد “ترسانة للناتو” لن يقود إلى شراكة دفاعية وأمنية طويلة الأمد يحتاجها الطرفان، فأوروبا قد تخشى أن تؤدي مشتريات إضافية من شركات السلاح التركية إلى ضخ سيولة إضافية تمنح تركيا استقلالية استراتيجية كاملة عن الغرب. في المقابل، تخشى أنقرة أن تستخدم أوروبا قاعدة الصناعات الدفاعية التركية كـ”حل مؤقت” حتى تعيد الدول الأوروبية بناء منظومتها الدفاعية إلى مستوى كافٍ بحلول أربعينيات القرن الحالي.
القضايا الشائكة: اليونان وقبرص اليونانية
يتمثل التحدي الإضافي في التعامل مع “أبناء العم” اليونانيين في البر الرئيسي وقبرص اليونانية حيث سيكون من الضروري التوصّل إلى تسويات صعبة للغاية مع اليونان بشأن المناطق الاقتصادية المتنازع عليها في بحر إيجة وشرق البحر الأبيض المتوسط. فلا مزاعم أثينا المتطرفة بشأن المناطق الاقتصادية الخالصة – لا سيما بشأن جزيرة ميس (كاستيلوريزو) الصغيرة للمطالبة بـ 10 بالمائة من شرق البحر الأبيض المتوسط – ولا إنكار أنقرة لوجود أي منطقة اقتصادية خالصة حقيقية للجزيرتين اليونانيتين رودس وكريت، هي مزاعم يمكن الدفاع عنها أو اعتبارها منطقية. كما أن مشتريات اليونان وقبرص اليونانية من الأسلحة الإسرائيلية في وقت لم تعد فيه عناصر داخل الدولة اليهودية تخفي حقيقة أنها تتوق إلى خوض معركة مع تركيا، واصفة إياها بـ “إيران القادمة”، ليست خطوة مقبولة أو معقولة.
على الرغم من أن الرأي العام في اليونان وقبرص اليونانية يبدو متقبلاً بشكل مفرط لإثارة سياسييه لمخاوف قديمة ضد “الأتراك”، فإن أنقرة يجب عليها تجنب الرد على مثل هذه الاستفزازات. بل إن الحفاظ على مكانتها التي اكتسبتها بشق الأنفس باعتبارها “الطرف العاقل” سيمنحها نفوذًا أكبر في أوساط حلف الناتو.
أما على المستوى الاستراتيجي الأوسع، سيتضمن أحد الأبعاد الحاسمة لقيادة تركيا داخل الناتو الأوروبي التعامل مع روسيا وتحقيق هدفين متناقضين ظاهريًا لكنهما متكاملان في جوهرهما: إذ يمكن لأنقرة أن تستخدم علاقتها متعددة الأبعاد مع موسكو لضمان إنهاء الصراع في أوكرانيا أو على الأقل منع خروجه عن السيطرة، وفي الوقت نفسه مساعدة حلفاء الناتو الأوروبيين على بناء قوة لردع موسكو في وقت يتراجع فيه الوجود العسكري الأمريكي في القارة، بغض النظر عمّن يجلس في البيت الأبيض بعد ترامب.

كسر عقدة الـ”إف-35″
تضغط تركيا بجانب ما سبق لرفع العقوبات المفروضة عليها، ولا سيما قانون “مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات” الصادر عن الكونغرس الأمريكي. وقد فُرِضت هذه العقوبات على أنقرة في أعقاب شرائها نظام الدفاع الجوي إس-400 من روسيا في عام 2019 (الذي جاء جزئيًا كثمن لتطبيع العلاقات مع موسكو عقب إسقاط طائرة روسية في سوريا عام 2015، عندما لم يقف العديد من حلفاء الناتو إلى جانب أنقرة)، وقد أعاق قانون “مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات” والبنود اللاحقة في قانون تفويض الدفاع الوطني الأمريكي حصول تركيا على مقاتلة إف-35 الشبحية.
يواصل أردوغان الإعراب عن اهتمامه بالحصول على مقاتلات إف-35، بما في ذلك الوحدات الستّ التي تم إنتاجها بالفعل للقوات الجوية التركية والموجودة حاليًا في حظائر الطائرات الأمريكية. مع ذلك، تمنع العقوبات التي فرضها الكونغرس أنقرة وواشنطن من المضي قدمًا ليس فقط في قضية طائرات إف-35، ولكن أيضًا في ملفات حاسمة أخرى مثل حصول تركيا على 40 وحدة من طراز “بلوك 70” المتطور من مقاتلات “إف-16 فايتينغ فالكون”، التي تشكّل العمود الفقري للقوات الجوية التركية.
كذلك يبقى من غير المؤكد ما إذا كانت أنقرة ستتمكّن من الحصول على 80 محركًا من طراز “جنرال إلكتريك F110-GE-129” دون إلغاء قانون “مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات”، ويفترض أن تُشغّل تلك المحركات أول 40 وحدة من طائرة “كان” حتى وصول المحرك التركي التصميم “TEI TF-35000” في منتصف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.
في هذا الصدد، لا تكمن مشكلة أردوغان في ترامب بقدر ما تكمن في الكونغرس الأمريكي. على الرغم من أن شعبية إسرائيل تضررت بشدة لدى الرأي العام الأمريكي بسبب الإبادة الجماعية في غزة و”الحروب الأبدية” في إيران ولبنان، إلا أن تل أبيب ووكلاءها السياسيين لا يزالون يتمتعون بنفوذ كبير في السياسة والإعلام الأمريكيين. وخير دليل على ذلك خسارة النائب الجمهوري توماس ماسي من كنتاكي في الانتخابات التمهيدية أمام مرشح مدعوم من منظمة “آيباك” في أغلى معركة انتخابية تمهيدية في السياسة الأمريكية.
تضغط حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إلى جانب اليونان، على الكونغرس الأمريكي لمنع جميع مبيعات الأسلحة إلى تركيا. وعلى عكس الحرب الباردة، لم تعد كل من وزارة الخارجية والبنتاغون يعملان كجماعات ضغط مؤيدة لأنقرة في واشنطن. فماذا ستكون خطوة تركيا إذا تُرِكت يدها الممدودة إلى الولايات المتحدة معلقة؟ هذا الجزء غير واضح، وقد لا توفّر قمة الناتو في أنقرة أي توضيح، على الرغم من التصريحات الأخيرة للسفير الأمريكي في أنقرة، توم باراك، بأن “عودة تركيا إلى برنامج إف-35 ستعزز قوة الناتو”.
وسيكون من المناسب أن يُنظر إلى تركيا وأردوغان كـ”بطل يرثى له” إذا نجحا في احتواء الانقسامات الجارية بين حلفاء الناتو، لكن دون القدرة على معالجة الشروخ العميقة في العلاقات التركية الأمريكية. سنعرف ذلك خلال أسابيع قليلة.
المصدر: تركيا توداي