نون بوست نون بوست

نون بوست

  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
EN
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
“إيران القادمة”؟.. تركيا تسرّع وتيرة بناء حاملة طائرات وسط التوترات مع إسرائيل
نون بوست
“الطابور الخامس” المزعوم: كيف تُصنع شيطنة المسلمين في بريطانيا؟
نون بوست
كيف حصل إبستين على كسوة الكعبة لتزيين “مسجده” بجزيرته؟ 
نون بوست
عقيدة قالن.. البنية الجديدة للاستخبارات التركية
نون بوست
من الكاريكاتير إلى المعارض: كيف يواجه الفن السوري القمع والنسيان؟
نون بوست
من بوابة “حماية الأقليات”.. كيانات سورية تتلمّس طريقها في واشنطن
نون بوست
بيت هيجسيث: وزير حرب صليبي يُكرّس “المسيحية القتالية” داخل البنتاغون
نون بوست
ليس بسبب الحرب وحدها.. لماذا غادرت الإمارات منظمة “أوبك”؟
نون بوست
حروب إسرائيل اللامتناهية: كيف يغذي مأزق الصهيونية سياسة الصراع الدائم؟
نون بوست
تسريبات صيدنايا: فوضى تُربك مسار العدالة
نون بوست
كيف ألقت قوات الأمن السورية القبض “جزار التضامن”؟
نون بوست
انسحاب الإمارات من أوبك في توقيت ملتهب.. رسالة لمن ولماذا؟
نون بوست نون بوست
EN
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
“إيران القادمة”؟.. تركيا تسرّع وتيرة بناء حاملة طائرات وسط التوترات مع إسرائيل
نون بوست
“الطابور الخامس” المزعوم: كيف تُصنع شيطنة المسلمين في بريطانيا؟
نون بوست
كيف حصل إبستين على كسوة الكعبة لتزيين “مسجده” بجزيرته؟ 
نون بوست
عقيدة قالن.. البنية الجديدة للاستخبارات التركية
نون بوست
من الكاريكاتير إلى المعارض: كيف يواجه الفن السوري القمع والنسيان؟
نون بوست
من بوابة “حماية الأقليات”.. كيانات سورية تتلمّس طريقها في واشنطن
نون بوست
بيت هيجسيث: وزير حرب صليبي يُكرّس “المسيحية القتالية” داخل البنتاغون
نون بوست
ليس بسبب الحرب وحدها.. لماذا غادرت الإمارات منظمة “أوبك”؟
نون بوست
حروب إسرائيل اللامتناهية: كيف يغذي مأزق الصهيونية سياسة الصراع الدائم؟
نون بوست
تسريبات صيدنايا: فوضى تُربك مسار العدالة
نون بوست
كيف ألقت قوات الأمن السورية القبض “جزار التضامن”؟
نون بوست
انسحاب الإمارات من أوبك في توقيت ملتهب.. رسالة لمن ولماذا؟
  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
تابعنا

“أخلاقية الجيش”.. لماذا يتمسك نتنياهو بسردية لم يعد يصدقها أحد؟

مصطفى الخضري
مصطفى الخضري نشر في ١ مايو ,٢٠٢٦
مشاركة
نون بوست

من الصعب الوصول إلى الجذر الذي يعود إليه هذا المصطلح الذي يُثار عن جيش الاحتلال الإسرائيلي، “الأكثر أخلاقية في العالم”، إلا أن البعض يرمي إلى أن أصوله قد تكون جزءًا من عقيدة الهاغاناه، التي ادّعت أنها لا تحمل السلاح إلا عند الضرورة، لكن في مقالته “الجيش الأكثر أخلاقية في العالم: الشرعة الأخلاقية الجديدة للجيش الإسرائيلي والحرب على غزة”، يشير محمد علي الخالدي إلى أن الوثائق لا تُظهر وجودًا لذلك المصطلح قبل عام 1996.

المهم أنه مع تصاعد حملة واشنطن للحرب على الإرهاب، بدأ جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 2005 الترويج لهذا المصطلح بكثافة، في إطار سعيه الحثيث لدمج حربه ضد المقاومة الفلسطينية كجزء من الحرب على الإرهاب العالمي. وبالتوازي، كانت إسرائيل عمومًا في ذروة حملتها “براند إسرائيل” لتسويق نفسها كواحة من الديمقراطية في صحراء الاستبداد الشرقي، وعاصمة حاضنة للفن والثقافة، وكذلك الترويج لتل أبيب كعاصمة للمثليين في العالم.

أرادت إسرائيل أن تروّج لنفسها على اعتبار بأنها النقيض الثقافي والسياسي لجيرانها من العرب، بقِيَمهم المشرقية الإسلامية، وقد نجح ذلك بالفعل لبعض الوقت. وصولًا إلى السابع من أكتوبر 2023، بدأت إسرائيل مرحلةً جديدةً من تاريخها، إذ إن الصورة التي بنتها عبر سنوات من صرف ملايين الدولارات لتسويق نفسها قد هُدمت تمامًا، مرةً بعد أخرى، بفعل حملاتها المتكررة على غزة، التي وصلت إلى مأساة الإبادة عام 2023.

منذ ذلك التاريخ، بدت إسرائيل أكثر عرضة للانتقاد، بشكل لاذع ومن دون مواربة، في أماكن كانت تُعدّ قلاعًا حصينة، كالعواصم الحضارية الأوروبية، والجامعات في الولايات المتحدة الأمريكية.

كان على الكثير من الممارسات الإسرائيلية، الدبلوماسية والعسكرية والأمنية، أن تستجيب للتغيرات التي فرضها الحدث، لكن مبدأ “الجيش الأكثر أخلاقية في العالم” واستثنائية إسرائيل ظلّا حاضرين في الخطاب الرسمي، خاصةً لدى بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء. ونرى ذلك في آخر تعقيب له على فضيحة ارتكبها جيشه بتحطيم تمثال للسيد المسيح في جنوب لبنان. فبعد أن قدّم اعتذاره عن الحادث، لم يفته أن يقول: “المسيحيون يزدهرون في إسرائيل، على عكس بقية الشرق الأوسط، حيث يُذبحون في سوريا ولبنان على يد المسلمين. إسرائيل هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي يتزايد فيها عدد السكان المسيحيين ومستوى معيشتهم، وهي المكان الوحيد الذي يلتزم بحرية العبادة للجميع”.

في العموم، لم يعد كثيرون يصدقون ادعاءات نتنياهو في الغرب على المستوى الشعبي، وقد أوضحنا ذلك سابقًا في تقارير نشرها نون بوست، بخصوص ظاهرة تاكر كارلسن والمظاهرات في العواصم. لكن لماذا يواصل نتنياهو ترديد مثل هذه الادعاءات؟

هذا سؤال يطرح نفسه، وتتطلب الإجابة عنه بحثًا في كواليس محلية تتعلق بسيمياء الخطاب الإسرائيلي حول “أخلاقية الجيش”، وكيف يُعاد تشكيل هذا المبدأ وتقديمه بصيغ جديدة، تحافظ على حضوره وتجعله قابلًا للتداول، رغم التناقضات الصارخة التي تحيط به.

نتنيّاهو ووزير دفاعه.. وتناقض في فهم أخلاقيّات جيشهما

نتيجةً لتدمير تمثال المسيح في جنوب لبنان، عقد وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي إيال زامير مؤتمرًا مع قادة أركانه وكبار ضباطه لمناقشة الحادثة. وقد يبدو، عند استعراض مخرجات ذلك المؤتمر، أن هناك الكثير مما يثير السخرية حين تصدر هذه الكلمات عن الإسرائيليين.

لكن على مستوى آخر، تعد قراءة هذا المؤتمر، بالنسبة للمهتمين بسردية “الجيش الأكثر أخلاقية في العالم”، مدخلًا لاستخلاص ملامح جديدة تتعلق بهذه السردية. فقد بدا أن الإسرائيليين، بعيدًا عمّا يروجونه باللغة العربية بشأن الحادثة، يلاحظون فيما بينهم أمرًا مختلفًا.

أخبر زامير ضباطه أن الجيش شهد تراجعًا في الانضباط خلال الحرب الإسرائيلية متعددة الجبهات في السنوات الأخيرة، مستعرضًا عددًا من الحوادث التي تصرّف فيها الجنود بطريقة وصفها بالتمرد على قيم الجيش. كما عرض أمامهم تقارير عن عمليات نهب، وتدمير تمثال المسيح، وكتابة شعارات غير مصرح بها تحمل رسائل دينية ومسيحية سياسية تحريضية. وعقّب بنبرة متأثرة: “إن الحوادث غير الأخلاقية التي شهدناها هي نتاج فترة طويلة ومعقدة، لكن ذلك لا يبررها. يجب ألا نتنازل عن قيمنا، فتآكل المعايير لا يقل خطورة عن التهديدات العملياتية”.

ومن أجل زيادة التأثير في ضباطه، عرض زامير صورة جندي يرتدي قبعة كُتب عليها جملة ساخرة: “أوقفوا الكراهية. لقد حان وقت العنف”. وتساءل: “هل هذا هو الجيش الذي تريدونه؟ إذا كان هناك شخص واحد فقط يعتقد أن هذا يعكس قيم جيش الدفاع الإسرائيلي، فليقف الآن”. وكانت أبرز عبارة قالها ختامًا: “أنا لا أريد أن نتحول إلى جيش من اللصوص!”.

لا يبدو بنيامين نتنياهو موافقًا لوزير جيشه على الاعتراف بأزمة بنيوية تهدد الكود الأخلاقي المفترض للجيش، ففي عام 2024، واجه نتنياهو انتقادات واسعة تتعلق بالأزمة الأخلاقية لجيشه، فاختار اتهام العالم بأسره بالتآمر ضد إسرائيل، معتبرًا أن العالم نسي الهجوم “الإرهابي” الذي وقع في 7 أكتوبر. هكذا دافع نتنياهو قائلًا: “لا يوجد جيش في العالم فعل، ولا يزال يفعل، ما فعله الجيش الإسرائيلي لتقليل عدد الضحايا وتحقيق إنجازات لم يسبق لأي جيش آخر تحقيقها”.

وتساءل نتنياهو أيضًا: كيف يمكن لأحد أن يتهم إسرائيل، الدولة التي تأسست بعد المحرقة، بارتكاب إبادة جماعية، مستحضرًا معارك والده ضد معاداة السامية. وفي العام نفسه، علّق نتنياهو على واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ جيش الاحتلال الإسرائيلي، إذ أدان الضابطة تومر-يروشالمي في بيان، متهمًا إياها بالتسبب في ضرر بالغ لصورة “جيش الدفاع الإسرائيلي”، وواصفًا عملها بأنه “هجوم إرهابي ضد الجيش”. أما “العمل الإرهابي” الذي قصده، فكان إذنها بتسريب لقطات من كاميرات المراقبة تُظهر جزءًا من الاعتداء على أحد أعضاء حماس المحتجزين في معسكرات الاعتقال الإسرائيلية الصحراوية.

من حيث المبدأ، لا يبدو نتنياهو مستعدًا للاعتراف بوجود خطأ ضمن إطار الكود الأخلاقي لجيشه، ولو على المستوى الفردي، وهو ما يمكن أن يقبله أي قائد أو جيش كجزء من الطبيعة البشرية، لكن الأمر مع نتنياهو يختلف؛ فهو، في الواقع، أسير سيمياءه الخطابية التي يروّجها باستمرار عن الذات والآخر.

في ورقتها البحثية “قوة الخطابات السياسية والاستراتيجيات اللغوية: تحليل نقدي نوعي لخطاب بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 2024″، تقدّم الباحثة أنيسة سكني تحليلًا لسيمياء الخطاب لدى رئيس الوزراء، في تعريفه لنفسه وجيشه والآخر، وتبيّن أن المفارقة لا تكمن فقط في استمرار السردية رغم تآكلها، بل في أمر أعمق من ذلك.

لماذا يحتاج نتنيّاهو إلى سرديّته؟

وفقًا لسُكني، لا يقتصر الخطاب السياسي لنتنياهو على وصف الواقع، بل يُنتج نظمًا تفسيرية تسبق الإدراك، وهذا هو الأهم في خطابه، فمن خلال الاستمرار في تصوير إسرائيل كدولة ديمقراطية، ودولة قانون، ورمز للحضارة الغربية في الشرق، والتمادي في إلصاق صفات الإرهاب والفوضى واللاإنسانية بحماس وما يُسمّى بالإرهاب الإسلامي، يجري، سيميائيًا، تحديد الشرعية الأخلاقية للعنف مسبقًا، لا تبريره لاحقًا، فالعنف، من هذا المنظور، يُقدَّم بوصفه فعلًا لحماية الأخلاقيات والقيم الحضارية، لا باعتباره نتيجة عرضية للدفاع عنها.

إلى جانب ذلك، يواصل نتنياهو ترديد ما تسميه الباحثة “أفعالًا لغوية غالبة”، تُقدَّم فيها الادعاءات بوصفها حقائق، مثل التأكيد على أن الجيش يبذل كل ما بوسعه لتجنّب المدنيين، أو اتهام حماس باستخدامهم دروعًا بشرية. هذه العبارات لا تعمل بوصفها إخبارًا فحسب، بل تُعد، بحسب تسمية سُكني، “آليات لتثبيت السردية”.

وفي هذا السياق، يستخدم نتنياهو استراتيجيات لغوية متعددة، مثل توظيف الضمائر الجماعية كـ”نحن” و”أنتم” في مقابل “هم”، بما يتيح مخاطبة مباشرة ذات أثر عاطفي، ويُسهم في تأطير صورة إيجابية للجماعة الداخلية في مواجهة صورة سلبية للجماعة الخارجية.

كما يستدعي، في خطابه، إحالات تاريخية ذات طابع عاطفي، تُسهم في تأطير السردية بما يخدم المصالح الإسرائيلية، من خلال الإشارة إلى أحداث مثل المحرقة النازية وما تحمله من أبعاد دينية ورمزية. وهي حجج تقوم بدرجة كبيرة على استثارة العاطفة، نظرًا لما يرتبط بها في الوعي الغربي من شعور بالذنب التاريخي والعار.

يستهدف نتنياهو مستويين من التلقي في خطاباته؛ فهو لا يزال يراهن على الفجوة بين الرأي العام العالمي وبطء التحول المؤسسي في الغرب في الموقف من إسرائيل، وهنا تتجلى أهمية ما يمكن وصفه بتطبيع الكذب في العلاقات الدولية، إذ إن الدول، في نهاية المطاف، لا تعقد علاقات مع دولة تعرّف نفسها بوصفها متعطشة للدماء.

أما المستوى الآخر فمحلي، حيث ترى قاعدة واسعة من مؤيدي اليمين أن ما يقوم به جيشهم يُعد عملًا أخلاقيًا كبيرًا، بل إن هذا التصور يمتد حتى إلى بعض معارضي نتنياهو.

في تقرير نُشر في صحيفة هآرتس عام 2024 بعنوان “إسرائيل: الجيش الأكثر أخلاقية؟ في الوقت الحالي، مقارنةً بالجيش الأمريكي، تروي ساحة القتل في غزة قصة أخرى”، تتكشف حاجة المجتمع الإسرائيلي إلى الإيمان بأخلاقية جيشه، إذ ينتقد الكاتب الفكرة المهيمنة داخل المجتمع اليهودي، التي تفترض أن الجيش ما يزال مقيّدًا في ساحات القتال بكوده الأخلاقي، بل ويبذل ما يفوق طاقته لحماية المدنيين في غزة، وهي فكرة لم تعد مجدية.

ويتساءل الكاتب كيف يتسع هامش الضحايا المدنيين يومًا بعد يوم، في ظل استمرار الاعتقاد بوجود كود أخلاقي يحكم هذا الجيش، الذي يتصرف أحيانًا بدوافع انتقامية تتجاوز حتى أهدافه العملياتية.

يقول الكاتب في تذييل عرضه لأرقام الضحايا: “لولا الشرعية الدولية – ما يُشير إليه نتنياهو بـ”الإجماع الدولي” – لما استطاعت إسرائيل شنّ حرب بهذه الشراسة في غزة. حتى في سياق ما صُوِّر على أنه حرب بقاء، لم يكن الاعتماد على استعداد المجتمع الإسرائيلي لتحمّل عدد كبير من الخسائر في صفوف الجنود أمرًا مجديًا. ونتيجة لذلك، استلزمت الاستراتيجية إلحاق خسائر فادحة بسكان غزة. حتى المعسكر الليبرالي، الذي تبنّى هدف الحرب المتمثل في تفكيك القدرات العسكرية والحكومية لحماس، يمتنع عن التساؤل عن التكلفة الأخلاقية، لأن البديل يعني تعريض أبنائهم وبناتهم الذين يقاتلون في غزة لمخاطر أكبر. على النقيض من ذلك، فإن خطاب الانتقام، وتشبيه سكان غزة بعماليق – العدو اللدود لليهود، الذي تُعد إبادته أمرًا دينيًا – قد جعل فكرة تعريض الجنود للخطر لحماية المدنيين في غزة غير مشروعة. ويتضح ذلك من خلال مزاعم اليمين بأن الجيش لا يزال مقيّدًا بشكل مفرط. وهنا، إذن، تفسير آخر لكيفية استقبال إسرائيل لمقتل نحو 24 ألف امرأة وطفل ومسن بلامبالاة تامة: فالموت محاط بتحالف متضامن من اليمين واليسار”.

مقارنةً بما سبق، يبدو خطاب نتنياهو مقيّدًا بلباقة المنصب الذي لا يزال يشغله، فأقصى حدود السردية التي يسعى إلى إنتاجها حول “أخلاقية الجيش الإسرائيلي” تذهب إلى حد إضفاء طابع أخلاقي على فعل الإبادة ذاته. ومن اللافت أن هذا التصور يجد تجسيده الكامل، أحيانًا، لدى خصومه السياسيين والعسكريين أيضًا.

الإبادة كتعريف لأخلاقية الجيش الإسرائيلي!

أُقيل يوآف غالانت من قيادة جيش الاحتلال الإسرائيلي في الخامس من نوفمبر 2024، ولم يكن خروجه هادئًا، بل تبعته موجة من الجدل وصلت إلى المظاهرات في الشوارع والاحتجاجات داخل الكنيست.

في مقالة أعقبت خروجه من القيادة، بدا أن لدى غالانت خصومًا يسعى للرد عليهم أكثر من بنيامين نتنياهو نفسه. ففي صحيفة التايمز، نشر غالانت، بالشراكة مع جون سبنسر، مقالة بعنوان: “القادة الغربيون يدينون إسرائيل – وما زال عسكريوهم يطلبون نصيحتها”.
عكست مقالة غالانت أزمة إدراك متزايدة لدى الجيش الإسرائيلي في وعيه بذاته؛ إذ لم يلجأ إلى الدفاع أو التبرير، بل اختار الانتقال إلى الهجوم بوضوح، متهمًا حلفاء إسرائيل بالنفاق.

يبدأ غالانت هجومه على الغرب قائلًا: “يلقي العديد من نظرائنا الغربيين تصريحات مُعدة مسبقًا تؤكد على ضبط النفس والتناسب وحماية المدنيين، وغالبًا ما تكون هذه التصريحات بعيدة عن السياق العملياتي أو الحقائق الميدانية التي تم اطلاعهم عليها للتو. هذا ليس مجرد تناقض سياسي، بل هو تنافر استراتيجي أيضًا. فالحرب لا تخلو من التحديات، فما بالك بالحرب في الحواضر، ضد عدو هجين متغلغل في المناطق المدنية. فهذا من أعقد التحديات التي ستواجهها الديمقراطيات الحديثة. ومع ذلك، غالبًا ما يهيمن على النقاش العام توقّعُ الدقة والكمال، وهي أمور لا يمكن لأي قوة عسكرية ضمانها”.

يعبّر غالانت عن مرارة واضحة تجاه الإدانة الغربية، إذ يرى أن القادة الغربيين يأتون للتعلّم من “العمل القذر” الذي تقوم به إسرائيل بالنيابة عنهم، ومع ذلك يواصلون انتقادها. وهو لا يدين جيشه، حتى في إطار تصرفات فردية، بل يُلقي بالمسؤولية الأخلاقية على الأوروبيين، متهمًا إياهم بالتقصير في الضغط على دول أخرى للقيام بدور إنساني.

إذ يقول: “بينما تتعالى الأصوات المطالبة بالاهتمام الإنساني، يندر أن يضغط القادة السياسيون من أجل حلول من شأنها أن تقلل فعليًا من الأضرار التي تلحق بالمدنيين. تواصل مصر إبقاء حدودها مع غزة مغلقة، رغم كونها الدولة المجاورة الوحيدة غير المتورطة في النزاع والقادرة على تقديم إغاثة فورية للمدنيين الباحثين عن الأمان. يُعد توفير ملاذ مؤقت للمدنيين ممكنًا سياسيًا، ولكنه يُتجاهل دبلوماسيًا. فلم تمارس أي حكومة أوروبية رئيسية أو هيئة تابعة للأمم المتحدة ضغطًا مستمرًا على القاهرة لفتح معبر رفح أو إنشاء منطقة إنسانية للنزوح داخل سيناء، بينما يُركز النقد في الوقت ذاته باستمرار على إسرائيل، بوصفها الفاعل الوحيد الذي يُجري عمليات قتالية وإنسانية في آن واحد”.

وتتصاعد نبرة اتهام غالانت، لتصل إلى حدّ معايرة حلفاء إسرائيل بتاريخهم، حين يقول: “الأرقام جديرة بالتذكر. فقد لقي مليونا مدني حتفهم في الحرب الكورية، بمعدل يزيد عن 50 ألفًا شهريًا. وقُتل أكثر من 10 آلاف في تحرير مدينة الموصل وحدها. ولقى مئات الآلاف حتفهم خلال العمليات العسكرية في العراق وأفغانستان، وسُوّيت مدن بالأرض في الحملة ضد داعش. هذه ليست مجرد هوامش تاريخية، بل تذكير بما تنطوي عليه الحروب دائمًا. واليوم، يُتوقع من جيش واحد فقط – جيش الدفاع الإسرائيلي – تحقيق النصر في ساحة المعركة دون خطأ، ودون إلحاق الأذى بالمدنيين، ودون انتقادات، حتى في مواجهة أعداء يسعون عمدًا إلى جعل ذلك مستحيلًا”.

وتنتهي مقالة غالانت إلى ما يشبه عرضًا موجّهًا للدول الغربية: القبول بحقيقة جيش الاحتلال الإسرائيلي كما هي، دون الانشغال بالمصطلحات البلاغية. ويذكّرهم بأنهم ما كانوا ليستفيدوا من التقنيات العسكرية الإسرائيلية لولا اختبارها في ميادين قتال حقيقية، وهو ما يصفه الباحث أنتوني لونشتاين بـ”المختبر الفلسطيني”.

ويقول: “مع ذلك، لا تزال الجيوش في جميع أنحاء العالم تسعى إلى الاستفادة من الخبرات الإسرائيلية. تُبادر الحكومات إلى اتفاقيات تعاون رسمية، وتُدرّب ضباطها في منشآت إسرائيلية، وتركّز برامج التوريد على تقنيات الدفاع الإسرائيلية المطوّرة من خلال الخبرة في ظروف القتال الحقيقية. يجب على الديمقراطيات استعادة وضوح الرؤية الاستراتيجية، إذ لا يمكنها التعامل مع الحرب وكأنها مسرحية أخلاقية. يجب أن توضح لشعوبها أن الحرب، عند الضرورة، ليست قانونية فحسب، بل واجبة أخلاقيًا. يجب عليها إدراك أن التوقعات الموضوعة على الحلفاء اليوم قد تتحول إلى أعباء يتحملونها غدًا. وإذا استمر القادة الديمقراطيون في الفصل بين ما يعرفونه سرًا وما يقولونه علنًا، فلن تكون النتيجة مزيدًا من الأخلاق، بل مزيدًا من المعاناة والفشل. الصمت لن يردع الأعداء، والوهم لن يحمي المدنيين، والإدانة دون سياق أو اتساق لن تحقق السلام. يجب مواجهة الدروس القاسية للحرب، لا تجنبها. يُدرك العسكريون ذلك، وحان الوقت للساسة أن يحذوا حذوهم”.

تأتي مقالة غالانت لتضع الخطاب في صورته الأكثر صراحة؛ إذ تعبّر عن أقصى درجات “الضرورة” في إعادة تعريف معنى “الجيش الأكثر أخلاقية” وتقديمه للغرب، فبالنسبة لغالانت، تكمن أخلاقية الجيش الإسرائيلي اليوم في كونه يخوض حربًا قاسية، بل حتمية بالنيابة عن العالم، حفاظًا على القيم الغربية والحضارية، من دون مواربة. وهذا الفعل، كما يراه، بل وكما يوحي به خطاب نتنياهو أيضًا، يُقدَّم كذروة الشرف.

الوسوم: الاحتلال الإسرائيلي ، الانتهاكات الإسرائيلية ، البروباجندا الإسرائيلية ، السياسات الإسرائيلية ، بنيامين نتنياهو
الوسوم: الاحتلال الإسرائيلي ، البروباجندا الإسرائيلية ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الحرب على غزة
تحميل هذا المقال بصيغة PDF
شارك هذا المقال
فيسبوك تويتر واتساب واتساب التليجرام البريد الإلكتروني نسخ الرابط
مصطفى الخضري
بواسطة مصطفى الخضري كاتب مصري
كاتب مصري
المقال السابق نون بوست “إيران القادمة”؟.. تركيا تسرّع وتيرة بناء حاملة طائرات وسط التوترات مع إسرائيل

اقرأ المزيد

  • حروب إسرائيل اللامتناهية: كيف يغذي مأزق الصهيونية سياسة الصراع الدائم؟ حروب إسرائيل اللامتناهية: كيف يغذي مأزق الصهيونية سياسة الصراع الدائم؟
  • كيف يقتلع الاحتلال الفلسطيني من بيته؟.. حوار في السياسة والأثر النفسي
  • لماذا تخوض إسرائيل حروبًا بلا نهاية؟
  • باحث إسرائيلي: تهمة معاداة السامية أصبحت جوفاء
  • بالصور: كيف تتغلغل النزعة العسكرية المفرطة في حياة الإسرائيليين؟
part of the design
نشرة نون بوست الأسبوعية

قد يعجبك ايضا

“الطابور الخامس” المزعوم: كيف تُصنع شيطنة المسلمين في بريطانيا؟

“الطابور الخامس” المزعوم: كيف تُصنع شيطنة المسلمين في بريطانيا؟

ميدل إيست آي ميدل إيست آي ١ مايو ,٢٠٢٦
بيت هيجسيث: وزير حرب صليبي يُكرّس “المسيحية القتالية” داخل البنتاغون

بيت هيجسيث: وزير حرب صليبي يُكرّس “المسيحية القتالية” داخل البنتاغون

هبة بعيرات هبة بعيرات ٣٠ أبريل ,٢٠٢٦
حروب إسرائيل اللامتناهية: كيف يغذي مأزق الصهيونية سياسة الصراع الدائم؟

حروب إسرائيل اللامتناهية: كيف يغذي مأزق الصهيونية سياسة الصراع الدائم؟

أندرو هاموند أندرو هاموند ٢٩ أبريل ,٢٠٢٦
dark

منصة إعلامية مستقلة، تأسست عام 2013، تنتمي لمدرسة الصحافة المتأنية، تنتج تقارير وتحليلات معمقة ومحتوى متعدد الوسائط لتقديم رؤية أعمق للأخبار، ويقوم عليها فريق شبابي متنوّع المشارب والخلفيات من دول عربية عدة.

  • سياسة
  • مجتمع
  • حقوق وحريات
  • آراء
  • تاريخ
  • رياضة
  • تعليم
  • تكنولوجيا
  • اقتصاد
  • صحافة
  • أدب وفن
  • ريادة أعمال
  • سياحة وسفر
  • سينما ودراما
  • طعام
  • صحة
  • ثقافة
  • أحدث التقارير
  • ملفات
  • مطولات
  • حوارات
  • بودكاست
  • تفاعلي
  • الموسوعة
  • بالصور
  • من نحن
  • كتّابنا
  • اكتب معنا
  • السياسة التحريرية
  • بحث متقدم
بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

تمت الإزالة من المفضلة

تراجع
Go to mobile version