ترجمة وتحرير: نون بوست
اعتادت إسرائيل في الماضي مبادلة الأرض مقابل السلام. أما الآن، فقد انقلبت الآية وباتت تضحي بالسلام من أجل التهام المزيد من الأراضي.
لسنوات طويلة، فضّلت إسرائيل خوض حروب باردة (أو فاترة على أقصى تقدير)، مع جيرانها غير الودودين: معتمدة على سياسات الاحتواء، والتخريب عبر شبكات الجواسيس، وتنفيذ عمليات اغتيال بين الحين والآخر، أو توجيه ضربات جوية خاطفة تستهدف منشآت لتصنيع الأسلحة أو معسكرات للتدريب.
غير أن هذا النهج ولّى دون رجعة. فمنذ الهجوم الذي شنته حركة حماس في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أصبحت العدوانية والنزعة التوسعية سمتين بارزتين تحددان ملامح السياسة الخارجية الإسرائيلية.
اجتاحت القوات الإسرائيلية مساحات شاسعة من جنوب لبنان، مما أسفر عن تهجير أكثر من مليون لبناني وتدمير قرى تضرب جذورها في عمق التاريخ. وفي حين يطلق المسؤولون الإسرائيليون على هذه الأراضي اسم المنطقة العازلة، بدعوى حماية سكان شمال إسرائيل من صواريخ حزب الله، تحدث بعضهم صراحة عن تسوية هذه المناطق بالأرض، وضمها بشكل كامل وتوطين الإسرائيليين.
أما في الشأن الإيراني، فقد سعت إسرائيل جاهدة إلى إسقاط النظام، غير عابئة على الإطلاق بخطر خلق حالة فراغ في بلد يمتلك 11 طناً من اليورانيوم المخصب.
على الساحة السورية، تفاخر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن حكومته ساهمت في إسقاط الرئيس السابق بشار الأسد. ومع انهيار الحكومة في دمشق، سارعت إسرائيل إلى التوغل واحتلال منطقة في جنوب غرب سوريا، وهي منطقة متاخمة للأراضي التي استولت عليها لاحقاً في لبنان.
وفي قطاع غزة، صرح نتنياهو بأن الجيش الإسرائيلي سيوسع نطاق سيطرته لتشمل 70 بالمئة من مساحة القطاع، مشيراً إلى أن هذا التوسع من المرجح أن يستمر ويتمدد.
وفي سياق متصل، اقترح وزير الدفاع يسرائيل كاتس فكرة جمع سكان القطاع في “مدينة إنسانية” بائسة على أنقاض مدينة رفح. بموجب هذا المخطط، لن يُسمح لأي شخص بمغادرة تلك المنطقة المعزولة إلا بقصد الهجرة إلى الخارج، وهو الأمر الذي وصفه كاتس بالهدف المعلن للحكومة الإسرائيلية. وفي غضون ذلك، تستمر حملة التطهير العرقي في الضفة الغربية، والتي تهدف إلى طرد الفلسطينيين من أراضيهم لتوسيع رقعة المستوطنات اليهودية.
كثيراً ما يتحدث المستوطنون وغيرهم من الإسرائيليين المتدينين، الذين تنامى نفوذهم في ظل الائتلاف اليميني المتطرف الذي يتزعمه نتنياهو، عن حلم إسرائيل الكبرى. يطمح هؤلاء إلى توسيع حدودهم لابتلاع كل الأراضي التي يزعمون أن الرب قد وعدهم بها في سفر التكوين، والتي تشمل الأردن ولبنان، إلى جانب أجزاء من مصر وسوريا والعراق والمملكة العربية السعودية.
ولكن بالنسبة لنتنياهو الذي بدأ يصف إسرائيل بأنها قوة عظمى، فإن الهدف يبدو استراتيجيا أكثر منه دينيا. فهو يسعى في المقام الأول إلى قضم المزيد من الأراضي، وإضعاف أو تفتيت الجيران الذين يُنظر إليهم كأعداء.
وبعد أن اكتسبت إسرائيل جرأة غير مسبوقة بفضل الدعم الأمريكي السخي واللامحدود خلال حملة تدمير قطاع غزة، والهجوم المشترك على إيران، باتت تتحرك الآن بسرعة مذهلة ومربكة على جبهات متعددة.
ويعزو نتنياهو عدوانية بلاده إلى الدروس الدموية المستخلصة من أحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، والتي يصر على أنها لم تكن مجرد هجوم من حركة حماس، بل من المحور الإيراني في محاولة لإبادة إسرائيل.
وفي مقابلة أجراها الشهر الماضي مع برنامج “60 دقيقة” على شبكة “سي بي إس” الأمريكية، أكد نتنياهو أنه يريد تغيير الشرق الأوسط، قائلا: “سنغير هذا الوضع الذي يتآمرون فيه ضدنا، معتقدين أنهم سيقضون على الدولة اليهودية الوحيدة”.

يحمل هذا الموقف العدائي في طياته شيئا من الوهم. قد تبدو الدول المجاورة الممزقة والمتناحرة أقل إثارة للخوف من تلك الأنظمة الاستبدادية التي كانت تطوّق إسرائيل في الماضي، إبان حكم صدام حسين ومعمر القذافي وعائلة الأسد. غير أن الدول الفاشلة هي البيئة التي تحتضن الإرهابيين وتزرع بذور العنف. كما أن التهام المزيد من الأراضي يعمّق مشاعر الكراهية.
والأهم من ذلك كله، هو أن افتراض الإفلات بشكل دائم من العقاب، والاستعداد الدائم لاستخدام العنف كأداة سياسية، يحولان إسرائيل بشكل سريع إلى دولة منبوذة. ففي ظل التدفق السخي للمساعدات الأمريكية، يتجاهل نتنياهو مذكرة الاعتقال الدولية التي تتهمه بارتكاب جرائم حرب في غزة، ويلقي بها عرض الحائط. لكن هذا العدوان الإسرائيلي المستمر يهدد بتمزيق شريان الحياة المالي والدبلوماسي الذي يربط هذه الدولة الصغيرة بالولايات المتحدة.
وما بين المجازر في غزة، والاعتقاد السائد (الذي لا يخلو من وجاهة) بأن الرئيس ترامب شنّ – بتحريض من نتنياهو – حربًا على إيران لا تحظى بأي شعبية، انقلب الرأي العام الأمريكي على إسرائيل جذريا، وربما بشكل لا رجعة فيه. 60 بالمئة من البالغين الأمريكيين ينظرون الآن إلى إسرائيل نظرة سلبية، ويعتقد نصف الناخبين الأمريكيين أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة.
يقول تشاك فريليش، نائب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق: “هذا تهديد جسيم للأمن القومي الإسرائيلي. إسرائيل بحاجة إلى الولايات المتحدة في كل شيء”.
يزعم نتنياهو بأن إسرائيل التي تصدرت لسنوات طويلة قائمة أكثر الدول استفادة من المساعدات الخارجية الأمريكية، أصبحت الآن غنية بما يكفي لتستغني عن تلك المساعدات.
ربما يكون نتنياهو محقاً في ذلك، لكن الجانب المالي لا يمثل سوى عنصر واحد من عناصر الدعم الأمريكي الحيوي لإسرائيل. فالولايات المتحدة تمنح إسرائيل حق الوصول إلى ترسانة متطورة من الأسلحة التي لا يمكن شراؤها من أي مكان آخر، مثل طائرة إف-35، متجاهلة القوانين الأمريكية التي تحظر بيع الأسلحة للقوات الأجنبية المتورطة في ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
علاوة على ذلك، تعتمد إسرائيل بشكل كبير على الولايات المتحدة في مجال الاستخبارات، ناهيك عن حق النقض الأمريكي في مجلس الأمن الدولي، والذي لطالما أنقذ إسرائيل من الإدانة والعقوبات. يقول فريليش في هذا السياق: “لولا هذا الفيتو، لكانت إسرائيل قد خضعت لعقوبات شاملة منذ عقود”.
ربما يتحرك نتنياهو بسرعة لأنه يدرك جيداً المخاطر المترتبة على تضاؤل الدعم الأمريكي. غير أن استعداده لخلق هذه الحالة من الفوضى يجعل العديد من جيران إسرائيل يراقبون تحركاتها بحذر وتوجس.
وحول هذه النقطة، يوضح محمد المصري، أستاذ الدراسات الإعلامية في معهد الدوحة للدراسات العليا، أن “إحداث هذا النوع من الفوضى قد يؤدي إلى فراغ سياسي، وانقسامات، وإرهاب، وعمليات تمرد”. ويضيف: “لكنني أعتقد أن إسرائيل مستعدة للتعامل مع ذلك، خاصة إذا تمكنت من توسيع حدودها فيما تحاول الدول إعادة البناء”.
في الشأن اللبناني، توعد الوزير كاتس بأن إسرائيل ستطبق النموذج ذاته الذي نفذته في مدينة رفح وبيت حانون في قطاع غزة. هذه المقارنة تثير الرعب، حيث تعرضت المنطقتان لقصف وحشي وتدمير كامل خلال الهجوم الإسرائيلي على غزة. و
يقول رمزي قيس، الباحث في الشؤون اللبنانية في منظمة هيومن رايتس ووتش، متحدثا عن الوضع في جنوب لبنان: “”تقود سيارتك عبر إحدى البلدات فلا تجد منزلا واحدا قائما، لأن كل شيء تم تدميره”.
احتلت إسرائيل جنوب لبنان حوالي عقدين من الزمن، بدءا من اجتياح بيروت عام 1982 لملاحقة عناصر المقاومة الفلسطينية. كان ذلك الاحتلال الشرارة التي أدت إلى تأسيس حزب الله، الميليشيا المدعومة من إيران، والتي أجبرت إسرائيل على الانسحاب من لبنان عام 2000. واليوم، يبدو أن التاريخ يعيد نفسه، ضمن حلقة مفرغة من الاحتلال وعمليات التمرد.
ولكن ماذا بعد؟ أصدرت إسرائيل أوامر بإخلاء نحو خُمس مساحة لبنان، وهي منطقة تفوق مساحتها بكثير ما تم الحديث عنه في البداية، وتمتد إلى ما هو أبعد من أي منطقة عازلة.
في غضون ذلك، يتحدث اليمين الإسرائيلي علنًا عن استيطان جنوب لبنان، ويحذر مسؤولون إسرائيليون النازحين اللبنانيين من أنهم لن يعودوا إلى منازلهم في وقت قريب. بالتوازي مع ذلك، تمارس إسرائيل والولايات المتحدة ضغوطاً مكثفة على الحكومة اللبنانية لتجريد حزب الله من سلاحه، وهو مطلب يبدو بعيد المنال بالنظر إلى قدرات الجيش اللبناني والتداعيات الطائفية التي قد تفجرها مثل هذه الخطوة.

قد تنظر إسرائيل إلى جنوب لبنان باعتباره ورقة مساومة في المفاوضات، أو غنيمة يمكن الحصول عليها، أو وسيلة لتسليط ضغوط هائلة على الدولة اللبنانية. وأيًّا كانت اللعبة التي تحاول إسرائيل ممارستها، فإن الدفع بمطلب نزع السلاح وفرضه على حكومة مركزية ضعيفة يحمل في طياته خطر إشعال فتيل حرب أهلية بين الطوائف اللبنانية التي تتعايش فيما بينها وفق توازن هش.
وفي هذا السياق، يقول بول سالم، الباحث البارز في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: “يبدو أنهم غير مهتمين بالمساعدة في بناء دولة مستقرة على حدودهم الشمالية”.
تبدو سوريا أكثر هشاشة وانقساما. تسيطر جماعات مسلحة متنوعة على أجزاء من البلاد، في ظل وجود قوات تركية في الشمال، وسيطرة إسرائيلية على الجنوب. وفي خضم مساعي توحيد البلاد، مازال الرئيس السوري أحمد الشرع يواجه صعوبات كبيرة جراء حملة القصف الإسرائيلية المدمرة التي قضت على معظم القدرات العسكرية السورية بعد انهيار النظام السابق.
في شهر أبريل/ نيسان الماضي، وافقت الحكومة الإسرائيلية على إنفاق 334 مليون دولار لنقل آلاف المدنيين الإسرائيليين إلى مرتفعات الجولان، وهي الهضبة السورية التي احتلتها إسرائيل عام 1967 وضمّتها لاحقاً، رغم أن القانون الدولي يحظر نقل المدنيين إلى الأراضي المحتلة.
تُجسد هذه الخطوة بوضوح كيف يمكن أن تتحول الاحتياجات الأمنية المؤقتة إلى توسع دائم. حتى وقت قريب، كانت مرتفعات الجولان بمثابة المنطقة العازلة مع سوريا، لكن إسرائيل توغلت بشكل أعمق داخل الأراضي السورية، وتتجه بخطى متسارعة لتوطين المنطقة العازلة السابقة بسكان يحظون بحماية توفرها المنطقة العازلة الجديدة.
لا شك أن إسرائيل تجد اليوم فرصا جديدة في الدول الضعيفة. مع بدء الاستعدادات لقصف إيران في الشتاء الماضي، أنشأت إسرائيل قاعدتين عسكريتين سرّيتين في عمق الصحراء العراقية، ويبدو أن ذلك تم دون علم الحكومة في بغداد.
وعندما اقتربت القوات العراقية من إحدى القاعدتين للتحقيق في تقارير بوجود نشاط عسكري مشبوه، تصدت لها إسرائيل عبر غارات جوية، مما أسفر عن مقتل جندي عراقي وإصابة اثنين آخرين.
كما تفيد تقارير بأن إسرائيل تخطط لإنشاء قاعدة عسكرية في إقليم أرض الصومال (وهي دولة انفصالية تنفرد إسرائيل بالاعتراف بها من بين جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة)، وذلك بهدف محاربة الحوثيين، ومراقبة مضيق باب المندب الذي يكتسي أهمية استراتيجية بالغة، ويربط بين اليمن والقرن الأفريقي.
ومن المفارقات أن هذه الموجة المتصاعدة من المغامرات التوسعية تتزامن مع مساعٍ إسرائيلية حثيثة لتطبيع العلاقات الدبلوماسية مع الدول العربية. تحرص الحكومتان الإسرائيلية والأمريكية على توسيع نطاق ما يُعرف بـ”اتفاقيات أبراهام”، وهي الاتفاقيات التي توسط فيها ترامب وأدت إلى تطبيع العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب والسودان.
وفي حين ينظر نتنياهو وترامب إلى هذه الاتفاقيات باعتبارها نجاحا مدويا، فقد مثلت بالنسبة للفلسطينيين دليلا قاطعا على عبثية المسار السياسي، بعد أن شعروا بأن جيرانهم العرب تجاهلوا محنتهم من أجل إبرام صفقات مع إسرائيل.
يجدر التذكير بأن حماس شنت هجوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول حين كانت المملكة العربية السعودية، الدولة المحورية في العالم العربي، على وشك تطبيع علاقاتها مع إسرائيل.
أمام هذا المشهد، لا يسعنا إلا أن يتساءل عما إذا كانت الرسالة الضمنية هي: تخلّوا عن الفلسطينيين ووقّعوا على اتفاقيات التطبيع، وإلا ستصبحون الهدف التالي.

لا يتحدث صناع القرار في المنطقة عن الفلسطينيين كثيرًا هذه الأيام. تواصل إسرائيل فرض قيود خانقة على المساعدات، وتستمر بعملياتها العسكرية في القطاع المنكوب، بينما يعيش الفلسطينيون في الضفة الغربية معاناة يومية على أيدي المستوطنين وقوات الجيش الإسرائيلي.
لكن لا شك أن مطلب إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة، والذي يتم تجاهله على نطاق واسع في الفترة الحالية، مازال محركا جوهريا للاضطرابات في المنطقة.
مع ذلك، لا يبدو أن نتنياهو وحكومته على استعداد لتخفيف وطأة القمع عن الفلسطينيين، كما لا تبدي إدارة ترامب – رغم تزايد استياء الرأي العام الأمريكي – اهتمامًا يُذكر بالضغط على نتنياهو في هذا الشأن.
من خلال الدعم المالي والحماية والجهود الدبلوماسية، ساهمت الولايات المتحدة في خلق النسخة العدوانية من إسرائيل التي نراها اليوم. فماذا سنفعل الآن؟ أحيانًا أتذكر تلك النقاشات – قبل أن يُغير السابع من أكتوبر/ تشرين الأول كل شيء – حين كان خبراء السياسة الخارجية الأمريكية يتحدثون عن الانسحاب من الشرق الأوسط. كانوا يقولون إن على الولايات المتحدة أن تركز على مواجهة الصين. ومع ذلك، ها نحن عالقون في حرب كبرى لم نكن نرغب بخوضها، ويبدو أننا عاجزون عن إيجاد مخرج منها.
في غضون ذلك، يناقش الكونغرس حاليا مشاريع قوانين من شأنها دمج تكنولوجيا الدفاع الأمريكية والإسرائيلية بشكل شبه كامل – من الأبحاث إلى التصنيع، ومن الطائرات المسيرة إلى الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية – وذلك بهدف تعزيز ما يُطلق عليه “التكامل طويل المدى للقدرات المشتركة”.
ربما نتجه نحو وضع جديد تُهمين فيه إسرائيل – بعد اندماجها بشكل أكبر في صلب المجمع الصناعي العسكري الأمريكي – على منطقة الشرق الأوسط بدعم من الولايات المتحدة، في ظل تفويض كامل ودون أي تحفظات.
وهكذا نكتفي بالمشاهدة والدعم والتبرير، بينما ينزلق أقرب حلفائنا في المنطقة نحو فوضى عارمة سوف تطالنا تداعياتها في نهاية المطاف.
المصدر: نيويورك تايمز