“أيٌّ من هاتين الخريطتين اللتين عرضتهما عليكم سيشكّل مستقبلنا؟ هل ستكون نعمة السلام والازدهار لإسرائيل، وشركائنا العرب، وبقية العالم؟ أم ستكون اللعنة التي تنشر فيها إيران ووكلاؤها الفوضى والدمار في كل مكان؟” — بنيامين نتنياهو، 2024.
بطبيعة الحال، يبدو الحديث عن الخريطة والصراع عليها، أو حول تفسيرها وتأويلها، أمرًا بديهيًا في سياق الحروب والصراعات العسكرية وتاريخ الاستعمار، لكن هذا الخطاب ظلّ، في العادة، محصورًا ضمن دوائر نخبوية من الساسة والمؤرخين، حيث دارت معظم نقاشاته في كواليس الأحداث أكثر مما ظهرت على سطحها.
ومع وصول بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الوزراء في إسرائيل، اكتسب توظيف الخريطة في مفهمة الصراع العربي الإسرائيلي وتسويقه، من المنظور الإسرائيلي، طابعًا مختلفًا وأكثر حضورًا. فنتنياهو يُعدّ، ربما، واحدًا من أكثر القادة السياسيين استخدامًا للخرائط كأداة خطابية وبصرية؛ سواء في خطابات الأمم المتحدة، أو داخل الكنيست، أو حتى أمام الكونغرس الأمريكي. وغالبًا ما اقترنت تلك الخرائط بإيماءات واثقة وأصابع إشارة تحمل دلالات الهيمنة والسيطرة، بما يجعل الخريطة جزءًا من الأداء السياسي ذاته، لا مجرد وسيلة إيضاح.
ومع نتنياهو، أصبحنا مدعوّين إلى الاندماج أكثر في قراءة الخطاب الخرائطي ومحاولة تفكيكه وفهم بنيته الرمزية؛ إذ إن كل خريطة عرضها حملت سيمياء سياسية خاصة، عبّرت عن الشرق الأوسط من منظور إسرائيلي، بل وسعت أحيانًا إلى إعادة تشكيله رمزيًا وسياسيًا.
تبدو خرائط نتنياهو، للوهلة الأولى، شديدة التبسيط؛ إذ تقسّم العالم بصورة نمطية عبر الألوان أو التصنيفات اللفظية، لكنها تحمل، في عمقها، رؤية أكثر تعقيدًا يُراد لها أن تُخفى خلف هذا التبسيط المقصود، فخريطة نتنياهو تعمل كشفرة ذات مستويين من الدلالة، رسالة شعبوية مبسطة تستهدف كسب تعاطف الجمهور وتوجيه إدراكه، ورسالة أكثر تركيبًا تخدم أهدافه الحزبية والأيديولوجية داخليًا، وتوجّه إشارات استراتيجية إلى الحلفاء والخصوم خارجيًا.
وعمومًا، احتلت الخريطة موقعًا محوريًا داخل المشروع الصهيوني، وانبنت عليها محطات عديدة من تاريخ الصراع. وفي بعض الأحيان، تعامل قادة إسرائيليون مع خرائطهم بدرجة من القداسة جعلتها حكرًا عليهم، على النقيض من نتنياهو الذي دأب على استعراض خرائطه والتباهي بها علنًا.
وقبل التعرّض للخطاب الخرائطي لدى بنيامين نتنياهو وسيميائه السياسية، تبدو الحاجة قائمة أولًا لفهم مركزية الخريطة في المشروع الصهيوني، ومعنى الخطاب الخرائطي نظريًا. وانطلاقًا من ذلك، تحاول هذه الورقة النفاذ إلى كرونولوجيا مبسطة لخرائط نتنياهو المعاصرة، قبل أن تختتم بمحاولة تفكيك الأثر النفسي ورسائل علم النفس السياسي التي تحملها تلك الخرائط إلى الجمهور المستهدف، سواء المُراد استمالته أو الخصم الذي يُراد استدعاؤه واستثارته.
خرائط مُستترة.. وخرائط مُصادرة
“حطام أحلام السلام.. الطريق إلى أوسلو” كان عنوان الفيلم الذي أنتجته شبكة “بي بي إس” الأمريكية عام 2002 ضمن سلسلة “فرونتلاين”، المعروفة بقدرتها على الوصول إلى صناع القرار وشهود اللحظات المفصلية، وتوثيق رواياتهم عمّا عاشوه أو شاركوا في صناعته. قد يبدو الفيلم، للوهلة الأولى، مجرد وثيقة تاريخية عن مرحلة من المفاوضات بين الكيان الصهيوني ومنظمة التحرير الفلسطينية بوساطة أمريكية، لكن تفاصيله تكشف أيضًا عناصر أعمق ساهمت في تشكيل هذا الصراع وإعادة إنتاجه باستمرار، وفي مقدمتها الخريطة.
“لقد كنت مخولًا بإظهار مخطط للفلسطينيين. لم تكن خريطة، بل مجرد مخطط عام”. بهذه الكلمات وصف المفاوض الإسرائيلي عوديد عيران طبيعة ما سُمح له بعرضه خلال المفاوضات، بينما روى المبعوث الأمريكي دينيس روس المشهد من زاوية أخرى قائلًا: “كان الفلسطينيون يقولون باستمرار: أرونا خريطة، نحتاج إلى رؤية خريطة. لكن عوديد لم يكن مخولًا من قبل باراك بأن يريهم واحدة، فقط مجرد مخطط”.
لم يكن هذا الإرباك المتعمد حكرًا على رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، ففي أحدث الأعمال الوثائقية التي تناولت الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهو فيلم “إسرائيل والفلسطينيون.. الطريق إلى السابع من أكتوبر” الذي أنتجته الوثائقية البريطانية المخضرمة نورما بيرسي لصالح “بي بي سي”، تظهر رواية مشابهة يقدّمها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت بفخر واضح، وهو يتحدث عن “عرضه التاريخي” الذي كان، بحسب روايته، قادرًا على إنهاء القضية الفلسطينية.
يقول أولمرت إنه أبلغ كونداليزا رايس بأن إسرائيل ستنسحب من 95% من الضفة الغربية، وأن الجزء العربي من القدس سيكون عاصمة للدولة الفلسطينية، فيما تُدار المنطقة المقدسة عبر وصاية مشتركة تضم السعودية والأردن وفلسطين وإسرائيل والولايات المتحدة تحت رعاية مجلس الأمن الدولي.
كان العرض، نظريًا، قادرًا على فتح مسار مختلف للمفاوضات، لكن المعضلة ظهرت مجددًا عند الخريطة نفسها، ففي البرنامج ذاته، عرض أولمرت للمرة الأولى خريطة مشروعه بعد أكثر من خمسة عشر عامًا على خروجه من السلطة، بينما كان قد رفض سابقًا تسليمها إلى نظيره الفلسطيني محمود عباس قبل التوقيع عليها.
احتاج عباس إلى عرض الخريطة على خبير الخرائط الخاص به لدراستها، لكن أولمرت رفض ذلك، واقترح بدلًا من ذلك اجتماعًا مغلقًا بين خبراء الخرائط لدى الطرفين، وهو اجتماع لم يُعقد أبدًا. ويستعيد أولمرت تلك اللحظة اليوم بسخرية قائلًا: “بعد خمسة عشر عامًا، ما زلت أنتظر مكالمة من الرئيس عباس”.
من الناحية الأخرى، يروي رفيق الحسيني، مدير مكتب الرئيس محمود عباس، تفاصيل تلك الصفقة قائلًا: “أولمرت قدم للرئيس عباس تلك الخريطة، لكنه أخبره أنه لا يمكنه أخذ نسخة منها. كيف يمكنك أن توقع على خريطة تمثل الاتفاق الأهم بالنسبة للشعب الفلسطيني، وأنت لا تعرف بالضبط كيف تبدو الخريطة وما هي الشروط المحيطة بها؟ هذا ليس اتفاقًا جيدًا. علينا أن ننتظر رئيس وزراء جديد”.
تكشف هذه الواقعة كيف احتفظ الجانب الإسرائيلي، لغويًا وتفسيريًا، بمفاتيح الخريطة ومعانيها وحدودها، إذ لم تكن الخريطة مجرد ورقة تفاوض، بل أداة احتكار للمعرفة والسيادة معًا. وتبدو هذه الحالة، كما توحي قصة أولمرت وعرضه “التاريخي”، قاسمًا مشتركًا في تاريخ المشروع الصهيوني، شارك فيه عدد من مؤسسيه وقادته عبر مراحل مختلفة.
تظهر دلالة مشابهة في حادثة أخرى يرويها مراد غالب، وزير الخارجية المصري الأسبق، في مذكراته “مع عبد الناصر والسادات.. سنوات الانتصار وأيام المحن”. يشير غالب إلى أن الرئيس الروماني نيكولاي تشاوشيسكو زار مصر في فبراير 1972، وعرض على أنور السادات التوسط بينه وبين غولدا مائير، رئيسة وزراء إسرائيل آنذاك، وهو ما وافق عليه السادات.
لكن التطور الأهم جاء عام 1977، عندما التقى تشاوشيسكو برئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد مناحيم بيغن، الذي عرض عليه خارطة طريق للسلام، مرفقة بخرائط كُتبت عليها أسماء المدن والمساحات كلها بالعبرية، قبل أن يدعو السادات للاطلاع عليها.
اتفق السادات ومراد غالب على أن عرض بيغن لم يكن مخلصًا، وأن ما قصده فعليًا من “عبرنة” الخريطة هو نفي إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة، تحت أي ظرف. فالعبرنة هنا لم تكن مجرد مسألة لغوية، بل محاولة لإعادة تعريف المكان نفسه، ومحو روايته العربية وإحلال رواية أخرى مكانها. وتحتاج عبرنة الخرائط، بالضرورة، إلى مصادرة نظيرها العربي إن أمكن، وقد تحول ذلك أحيانًا إلى هدف عملي للجيش الإسرائيلي نفسه.
في كتابه “مختبر فلسطين”، يروي الباحث أنتوني لونشتاين جانبًا من هذه القصة. يقول إنه أثناء اجتياح بيروت عام 1982، كان من بين الأهداف التي أولى جيش أرييل شارون اهتمامًا خاصًا بها مركز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية. لم يكن في المركز أسلحة أو ذخائر أو مقاتلون، بل شيء اعتبره الإسرائيليون أكثر خطورة، كتب عن فلسطين، وسجلات قديمة، ووثائق ملكية أراضٍ تعود لعائلات فلسطينية، وصور عن الحياة العربية في فلسطين، وسجلات تاريخية توثق وجود الفلسطينيين، والأهم خرائط لفلسطين قبل عام 1948 تظهر القرى العربية التي مُحي كثير منها بعد قيام إسرائيل.
كان مركز الأبحاث، وفق وصف لونشتاين، أشبه بسفينة تحمل الذاكرة الفلسطينية وشهادات وجودها التاريخي. ومن هذه الزاوية، يصبح مفهومًا لماذا سعى شارون إلى السيطرة عليه. ويمكن تلمس هذه الذهنية حتى في العبارات التي تركها جنود إسرائيليون على جدران المركز بعد اقتحامه، ومنها عبارة: “فلسطينيون؟ ما هذا؟”.
جمعية استكشاف إسرائيل
كانت الحركة الصهيونية من أوائل الحركات التي استخدمت الخريطة أداةً دعائية ورمزًا وطنيًا في آن واحد، فمنذ بدايات الانتداب البريطاني خلال عشرينيات القرن الماضي، ظهرت خريطة فلسطين، أو “إيرتس يسرائيل” بالعبرية، على الملصقات والطوابع والرموز الصهيونية المختلفة. وأُحيطت بهالة شبه دينية، وتحولت في بعض الطقوس الصهيونية إلى ما يشبه الأشياء المقدسة.
ولعل أشهر الأمثلة على ذلك الخريطة المرسومة على صندوق التبرعات الصهيوني المعروف باسم “الصندوق الأزرق”، وهو الصندوق الذي لعب دورًا محوريًا في استملاك الأراضي الفلسطينية، ثم توسع دوره لاحقًا ليشمل مشاريع التشجير وتوسيع النطاق الأخضر داخل إسرائيل عبر إنشاء الغابات في أنحاء البلاد.
وكان المسؤول الأبرز عن هذا المشروع، بتكليف من دافيد بن غوريون، المهندس جوزيف فايتس، الذي ارتبط اسمه بمشاريع تهجير الفلاحين الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم. وقد تناولت حفيدته سيرته ومشروعه الاستيطاني في فيلم وثائقي سبق أن عرض له كاتب هذه السطور في مناسبة سابقة.
وفي التصور الصهيوني، تبدو مصادرة الخرائط الأصلية أو إعادة تشكيلها جزءًا أساسيًا من الصراع على المكان والذاكرة. وتتجلى قوة رسم الخرائط، خطابيًا وعمليًا، عبر ممارسات الإظهار والإخفاء والإبراز والتهميش، خاصة فيما يتعلق بأسماء الأماكن ودلالاتها.
وتشير الباحثة في الدراسات اليهودية بجامعة برن، ميلن يوجلارد، في ورقتها البحثية “استمرار المناظر الطبيعية الجغرافية الصامتة في الأراضي المتنازع عليها.. حالة اللغة العربية في غرب القدس”، إلى أن إبراز أسماء أماكن جماعة معينة مع إقصاء أسماء الجماعات الأخرى من الخريطة، يمثل أداة فعالة لإقناع السكان بأحقيتهم “الطبيعية” في الأرض، وفي المقابل نزع الشرعية عن رواية الطرف الآخر وادعائه السيادة على المكان نفسه.
وسنحتاج هنا إلى التوقف مطولًا عند ورقة يوجلارد، لما تتضمنه من إضاءة مهمة على دور تشكيل الخريطة، والأسماء المكتوبة عليها، والطباعة المستخدمة فيها، في صناعة الهوية الإسرائيلية عبر محو حضور الآخر وإعادة تعريف المجال بصريًا ولغويًا، إذ تتساءل ميلن: “كيف يمكن لشيء لا يظهر على الخريطة أن يوجد فعلًا؟”. ومن هذا السؤال تنطلق لفهم الكيفية التي تحولت فيها الخرائط إلى أداة لإقصاء الفلسطينيين رمزيًا، عبر طمس حضورهم المكاني واللغوي. وترى أن الحاجة إلى محو الآخر تجلت بوضوح في سياسات تسمية الأماكن داخل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، خاصة مع الاستخدام المكثف للخرائط والخرائط المضادة.
وقد تعاملت الصهيونية مع هذه الفكرة باعتبارها إحدى الركائز الأساسية في بناء الهوية القومية الإسرائيلية، فبعد عام 1948، لم يكن إحياء الأسماء التوراتية وكتابة أسماء الأماكن بالعبرية مجرد خطوة لتأكيد السيطرة على المكان، بل تحول أيضًا إلى وسيلة لتعريف السكان اليهود، ومعظمهم مهاجرون جدد، بالجغرافيا التي جرى تقديمها لهم باعتبارها “وطنًا تاريخيًا”. كانت العملية، في جانب منها، محاولة لإنتاج علاقة متبادلة بين الأرض وسكانها الجدد، عبر إعادة تشكيل المجال بصريًا ولغويًا ورمزيًا.
ومن هنا، يصبح استدعاء الماضي التوراتي وإعادة تثبيته داخل المشهد الطبيعي جزءًا من استراتيجية ترمي إلى ترسيخ الاستيطان ومنحه شرعية تاريخية ورمزية.
ولتحقيق هذا الهدف، تأسست “جمعية استكشاف إسرائيل” عام 1949 بهدف إثبات وجود صلة يهودية سابقة ومتواصلة بالأرض منذ العصور التوراتية. وسعت الجمعية إلى ربط إنتاج الخريطة العبرية بمشروع أوسع يقوم على دراسة الأرض وتاريخها وما قبل تاريخها، مع التركيز على الاستيطان والعلاقة الاجتماعية والتاريخية بين “شعب إسرائيل” و”أرض إسرائيل”.
وفي السياق نفسه، كرست لجان تسمية الأماكن، على المستويين الوطني والمحلي، جهودها لإعادة تشكيل المجال الجغرافي عبر تغيير أسماء المواقع العربية. واستمرت عملية العبرنة حتى اليوم، سواء عبر إحياء أسماء يهودية قديمة أو اختراع أسماء جديدة بالكامل.
وقد حمل فرض الأسماء العبرية على المكان دلالة تتجاوز الجانب الإداري أو اللغوي، إذ قُدم باعتباره تعبيرًا عن “عودة اليهود” الناجحة إلى أرض إسرائيل، ودعوة لامتلاك الأرض ماديًا ورمزيًا في الوقت نفسه. وفي المقابل، تضمنت هذه العملية محو رواية الفلسطينيين وثقافتهم وذاكرتهم المكانية، ضمن سياسة أقرتها أعلى مستويات الدولة الإسرائيلية.
ويختصر دافيد بن غوريون هذه الرؤية بقوله: “نحن ملزمون بإزالة الأسماء العربية لأسباب تتعلق بالدولة. فكما أننا لا نعترف بالملكية السياسية للعرب للأرض، فإننا كذلك لا نعترف بملكيتهم الروحية وأسمائهم”. وعند هذه النقطة، يمكن أن نختتم الاقتباس المطول من ورقة ميلن يوجلارد، قبل الانتقال إلى زاوية أخرى من الخطاب الخرائطي الإسرائيلي.
الخريطة كعلم موضوعي!
يقول الصحافي المصري محمد حسنين هيكل، في إحدى حلقات برنامجه “تجربة حياة” على قناة الجزيرة، مقولة ينسبها إلى الرئيس الفرنسي شارل ديغول: “لا يمكنك قراءة التاريخ قراءة صحيحة دون أن تفتح الخريطة”. وعندما يستدعي هيكل هذه العبارة، فإنه ينحاز، بصورة أو بأخرى، إلى المدرسة الكلاسيكية التي تعاملت مع الخرائط باعتبارها أدوات موضوعية لقراءة الواقع والتاريخ معًا.
وفي أوساط الجغرافيين وعامة الناس، حظيت التمثيلات الخرائطية طويلًا بمكانة معرفية خاصة باعتبارها مصادر دقيقة ومحايدة للحقيقة، كما يشير الباحثان كريستين ليونبيرجر وإسحق شنيل في ورقتهما البحثية “سياسات الخرائط.. بناء الأراضي الوطنية في إسرائيل”. فالعالم الطبيعي، في هذا التصور، يمكن ملاحظته وإعادة تمثيله بصريًا بصورة مباشرة. وعلى خلاف علوم مثل التحليل النفسي، التي تتعامل مع ظواهر داخلية يصعب الوصول إليها بالملاحظة المباشرة، بدا علم الخرائط أقرب إلى العلوم القابلة للتطبيق وفق المنهج العلمي التقليدي، حيث تُقدَّم الخريطة باعتبارها انعكاسًا للواقع أكثر من كونها تفسيرًا له.
لكن هذا التصور للخرائط، لم يصمد أمام مدارس نقدية أخرى رأت أن الخريطة ليست انعكاسًا بريئًا للعالم، بل خطابًا بصريًا يحمل داخله رؤى سياسية وأيديولوجية وقرارات انتقائية تحدد ما الذي ينبغي إظهاره أو إخفاؤه.
ومن هنا، يصبح تصميم الخريطة نفسه فعلًا سياسيًا قادرًا على كشف الكثير عن صانعها والسلطة التي تقف خلفها. وهذا ما يؤكده الجغرافي مارك دينيل في ورقته المنشورة عام 2003 بعنوان “تصميم الخريطة.. البلاغة والإقناع”، حين يقول إن “الخرائط مصممة لحمل المعاني، من أجل إقناع شخص ما بمعلومة أو إيصالها إليه”.
ويرى دينيل أن هذه المعاني تُبنى عبر آليات متعددة للإقناع، من بينها التعقيد الرسومي للخريطة، والعلاقة بين الشكل البصري وكثافة المعلومات المعروضة على سطحها، إضافة إلى الطريقة التي تُرتب بها البيانات هرميًا، وكيف تتفاعل مجموعات المعلومات المختلفة وتتزاحم أو تنفصل داخل الصفحة الواحدة. كما أن ما يُعرض على الخريطة لا يُختار بصورة عفوية، بل تحدده أنظمة الرموز والتعميمات المستخدمة في التصميم.
ويمتد الأمر أيضًا إلى “تايبوجرافيا” الخريطة، أي النصوص والأسماء المكتوبة عليها، التي يمكن أن تصنع معنى الخريطة أو تقوضه بالكامل. ويصف دينيل هذا الجانب بأنه واحد من أكثر العناصر الرسومية تعقيدًا، رغم أنه يبدو بسيطًا للوهلة الأولى، فالكلمة المكتوبة على الخريطة قد تحمل أكثر من معنى في الوقت نفسه، وقد تتحول إلى أداة توجيه وإقناع لا تقل أهمية عن الخطوط والرموز نفسها.
ولشرح هذه الفكرة، يطرح دينيل سؤالًا يبدو تقنيًا في ظاهره، لكنه يحمل دلالة أعمق: “هل يمكن، وفقًا للخريطة، القيادة من شارع برونزويك إلى شارع ووتر السفلي عبر شارع جورج؟”، ثم يضيف أن السؤال الحقيقي هنا ليس متعلقًا بالطريق فحسب، بل بنوع الحقيقة التي تقدمها الخريطة أصلًا، وما إذا كانت هذه الحقيقة قابلة للقياس بصورة مطلقة أم أنها نتيجة لاختيارات صانع الخريطة وطريقته في تمثيل الواقع.
يعتمد تحليل الخطاب الخرائطي، في جوهره، على تفكيك ما يبدو حقيقة ثابتة، وإعادته إلى الوقائع والمعاني التي أنتجته وشكلته، فالحقيقة، بالنسبة لمارك دينيل مثلًا، لا تقتصر على أن تخبرني الخريطة بإمكانية الانتقال من النقطة “أ” إلى النقطة “ب”. هناك سؤال أعمق يتعلق بطبيعة هذه الحقيقة نفسها، وبالطريقة التي قد تدفع بها الخريطة الناظر إلى تبني فهم معين للعالم، أو تجاهل عناصر أخرى فيه. ومن هنا، يظهر دور “الجيوسياسة النقدية” باعتبارها محاولة لفهم ما تخفيه الخرائط بقدر ما تُظهره.
ويحتل هذا الجانب موقعًا محوريًا في أعمال المؤرخ والجغرافي جيرارد توال، الذي يشدد على ضرورة الانتباه إلى الغموض والتعقيد اللذين تنتجهما الخطابات الجيوسياسية والممارسات المرتبطة بها، فالتبسيط المفرط للمعاني الجيوسياسية، من وجهة نظره، يقود غالبًا إلى فهم سطحي للصراعات وللجغرافيا السياسية، ويُنتج في الوقت نفسه تجاهلًا للضحايا الذين يعيشون آثار هذا الخطاب ويتحملون عنفه على الأرض.
وإذا أردنا إسقاط هذه الفكرة على السياق الفلسطيني، فيمكن التوقف عند كتاب الباحثين نيف غوردون ونيكولا بيروجيني “الدروع البشرية.. تاريخ بشر على خط النار”، ففي تناولهما للطريقة التي يدافع بها جيش الاحتلال الإسرائيلي عن عملياته العسكرية ضد المدنيين في غزة أمام المجتمع الدولي، يلفت الباحثان الانتباه إلى الدور المركزي الذي تلعبه الخرائط والصور التوضيحية في بناء السردية الإسرائيلية.
فخلال العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2014، نشر الجيش عددًا كبيرًا من الخرائط والرسومات التي تُظهر منازل مدنية ومناطق سكنية على أنها مواقع تستخدمها حركة حماس للاختباء أو إعادة التسلح. ومن خلال هذا التمثيل البصري، جرى تقديم المجال المدني نفسه باعتباره فضاءً عسكريًا محتملًا.
ومن هنا، برز مفهوم “الاستخدام المزدوج”، الذي يوظفه الجيش لتبرير استهداف منشآت وأماكن مدنية، عبر الادعاء بأنها تخدم في الوقت نفسه أغراضًا عسكرية. ورغم أن استهداف المدنيين يبقى مخالفًا للقانون الدولي، إلا أن إسرائيل تعتمد على تأويلات قانونية مرتبطة بمبدأ “الضرورة العسكرية” والتناسب، بما يسمح باستخدام قوة مميتة تحت ذريعة أن المكاسب العسكرية المتوقعة تفوق الأضرار الواقعة على المدنيين.
هذا ما ينتقده الباحثان حين يقولان: “في مثل هذه الظروف، لا يمكن أن يكون المنزل ملاذًا، حتى عندما يكون غالبية السكان في المنطقة المستهدفة، في الواقع، لاجئين، كما هو الحال في غزة. إن إعادة توصيف الفضاء من فضاء حياة إلى فضاء موت أمر بالغ الأهمية، لأنه يجيز للجيش الإسرائيلي تشويه المعنى المنسوب إلى الناس القاطنين داخل هذا الفضاء، وإلى العنف الذي ينشره. وبعبارة أخرى، فإن طرائق رسم الخرائط الأخلاقية الإسرائيلية، باستعارة تعبير الجغرافي السياسي ديريك غريغوري، الذي يصف كيف يرتبط العنف المقبول أخلاقيًا بالفضاء، حادة الوضوح هنا. فطريقة تعريف المكان يمكن أن تيسر قتل المدنيين دون أن يشكل ذلك جريمة”.
ومن أجل هذا، تفقد الخريطة ادعاءها بالحياد والموضوعية، وتبرز أهمية الجيوسياسة النقدية عند جيرارد توال. ففي هذا السياق، تقدم الجيوسياسة النقدية مقاربة مختلفة تقوم على مساءلة المعارف والتصورات الجغرافية بدل التعامل معها باعتبارها حقائق ثابتة. وهي لا تكتفي بتحليل الخطابات الرسمية، بل تقارن بين مستويات إنتاج المعرفة المختلفة، سواء تلك الصادرة من الأعلى، مثل الدولة والنخب السياسية والعسكرية والدبلوماسية، أو تلك التي تنتجها الفئات الواقعة تحت الهيمنة، مثل اللاجئين والمعارضين وعديمي الجنسية والسكان الخاضعين للعنف.
وفي قراءاته للاستشراق والخطاب الجيوسياسي، يوضح توال كيف ساهمت التصورات المختلفة عن “الشرق”، ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا، في إنتاج معانٍ سياسية متغيرة عبر الاستعارات المكانية والخرائط والخطابات المرتبطة بها. ولذلك، يرى أن من الضروري على الجغرافيين السياسيين التشكيك في “الحقائق المتعالية” التي يصوغها السياسيون وصناع القرار والمفكرون عند إنتاج معرفة جغرافية تمنح الشرعية لهيمنة سلطة ما على المجال.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، يصبح من الضروري فهم ما تعرضه خرائط بنيامين نتنياهو، باعتبارها خطابًا سياسيًا كاملًا يحاول إعادة تعريف المنطقة، ثم التعامل معها بوصفها مادة تستحق التفكيك والتشكيك، لا مجرد خرائط ينبغي قراءتها والتسليم بها.
“سيرة عاشق مولع بالخرائط”
للوهلة الأولى، وعند النظر في السيرة السياسية لبنيامين نتنياهو، نعتقد أننا أمام “سيرة عاشق مولع بالخرائط”. ففي عالم ملأته الخرائط والملصقات التي تنادي بـ “إسرائيل الكبرى”، نشأ الابن الأصغر لبنتسيون نتنياهو، أحد أبرز ناشطي حركة زئيف جابوتنسكي والمقربين منه، والتي عُرفت باسم “الصهيونية التحريفية”.
وكان جابوتنسكي قد ألّف أغنية “الضفة الشرقية لنهر الأردن”، التي تحولت لاحقًا إلى شعار تعبوي لحركة “بيتار”، وينتهي كل مقطع فيها بالجملة الشهيرة: “للنهر ضفتان.. هذه لنا، والأخرى لنا”. وفي كل مرة ظهر فيها نتنياهو حاملًا خريطة، بدا حريصًا على أن تعكس أحلام إسرائيل الكبرى، وأن يُلغى فيها الوجود الفلسطيني أو يُختزل داخل تصورات أمنية إسرائيلية.
وبأسلوب إعلامي جريء، واستخدام مكثف للوسائل البصرية في تسويق رؤيته الجيوسياسية، نجح نتنياهو في إثارة الجدل باستمرار حول ما يعرضه من رسوم بيانية وكاريكاتيرية، وبالطبع الخرائط. ولم يكد يخلو عرض خرائطي له من استفزاز سياسي أو رمزي، ففي بعض الخرائط تظهر “إسرائيل الكبرى” بينما تختفي فلسطين تمامًا، وفي أخرى تظهر المغرب من دون الصحراء الغربية، ما اضطره لاحقًا إلى الاعتذار. كما عرض خرائط لمواقع نووية سرية، وشبكات “إرهابية” مفترضة، وخرائط وقع عليها دونالد ترامب.
وفي تتبع هذه العلاقة كرونولوجيًا، بدا للصحافي أوسكار راكيت، في مقالته “بنيامين نتنياهو والخرائط.. تاريخ موجز لعلاقة حب مستمرة”، أن علاقة نتنياهو بالخرائط بدأت منذ شبابه السياسي المبكر. ففي عام 1990، حين كان يشغل منصب نائب المبعوث الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة، ظهر حاملًا خريطة رسم عليها إطارًا أحمر يحدد مواقع تمركز “الحركات الإرهابية” الفلسطينية التي قال إنها تهدد أمن إسرائيل.
لا يتوقف هذا الولع الخرائطي عند استخدام الخرائط في العروض والخطابات فقط، بل يصل أحيانًا إلى رسمها بنفسه. وظهر جانب من هذه الهواية خلال الخلاف الذي اندلع عام 2024 بشأن محور فيلادلفيا، حين دخل نتنياهو في جدال حاد مع وزير الحرب يوآف غالانت على خلفية عرقلة اتفاق وقف إطلاق النار.
وخلال النقاشات، قدّم نتنياهو للمجلس خرائط تحدد شكل الوجود الإسرائيلي في ممر فيلادلفيا خلال المرحلة الأولى من الاتفاق، وطالب المجلس بالتصويت للموافقة عليها، لكن غالانت اتهمه بأن تلك الخرائط صُممت أصلًا بهدف عرقلة الاتفاق، بل وصل الأمر، بحسب غالانت، إلى أن نتنياهو رسم خرائط مختلفة عن تلك التي اعتمدها مفاوضو وقف إطلاق النار الإسرائيليون لتحقيق هذا الهدف.
يحب نتنياهو التعامل مع العالم عبر الخرائط، فهناك تبدو الجغرافيا أكثر طواعية لرغباته مقارنة بالوقائع السياسية على الأرض، التي لا تسير دائمًا وفق إرادته وتخطيطه. ويبدو، بالنسبة لكثيرين، كأن لديه خريطة لكل شيء، تعكس تصوره لمكان إسرائيل في العالم، وهو هوس قديم إلى درجة أن كتابه الأول حمل عنوان “مكان بين الأمم.. إسرائيل والعالم”.
وفي عام 2016، وأثناء لقائه رئيس باراغواي هوراسيو كارتيس في القدس، قال نتنياهو للصحافيين: “أود أن أكشف لأعضاء الصحافة أن هناك خريطة كبيرة في مكتبي، وقد جرى تكبيرها. كانت في السابق تمثل الشرق الأوسط، أما الآن فهي تشمل جزءًا كبيرًا من نصف الكرة الشرقي”.
وكانت الخريطة التي عرضها نتنياهو في جلسة استماع بالكنيست عام 2016 مقسمة إلى أربعة ألوان، يحمل كل منها دلالة سياسية محددة، وكان اللون الأحمر يرمز إلى الدول التي حسنت علاقاتها مؤخرًا مع إسرائيل، بينما أشار الأزرق إلى الدول التي ترتبط بالفعل بعلاقات جيدة معها. أما الدول التي يصنفها نتنياهو باعتبارها “معادية” فقد ظهرت باللون الأسود، مثل إيران والعراق وسوريا وكوريا الشمالية وأفغانستان، في حين بدا بقية العالم باللون الأخضر، رمزًا لغياب العلاقات الخاصة مع إسرائيل.

كان اللونان الأحمر والأزرق طاغيين على الخريطة. أراد نتنياهو، المعروف على نطاق واسع بنظرته المتشائمة تجاه المجتمع الدولي وموثوقية التحالفات السياسية، أن يقدم صورة مغايرة تمامًا عن إسرائيل في عهده. وكانت الرسالة الأساسية التي تحملها الخريطة أن العلاقات الدولية لإسرائيل تزدهر وتتوسع، وأن العالم بات أكثر تقبلًا لها وأكثر استعدادًا لبناء الشراكات معها.
وقد بدت هذه الرسالة واضحة في تلوين دول بحجم الصين والهند وروسيا والأرجنتين وإثيوبيا باللون الأحمر، باعتبارها دولًا حسّنت علاقاتها مع إسرائيل مؤخرًا. وفي المقابل، لم تظهر دول مثل لبنان واليمن والسعودية وتركيا ضمن المعسكر الأسود الذي خصصه نتنياهو لـ “الأعداء”.
وكانت الحصيلة النهائية التي أرادت خريطة 2016 إيصالها بسيطة ومتفائلة إلى حد بعيد، بأن لإسرائيل عشرات الأصدقاء القدامى، وعشرات الأصدقاء الجدد، وعدد هائل من الأصدقاء المحتملين مستقبلًا، مقابل عدد محدود جدًا من الخصوم.
لكن هذا التباين بين عالم الخرائط وعالم الوقائع السياسية، الذي يتجاهله نتنياهو كثيرًا، بدا أكثر وضوحًا في عام 2025، حين انسحب وفد يمثل 77 دولة من قاعة الأمم المتحدة وسط صافرات استهجان خلال خطابه في سبتمبر من ذلك العام. ولم تكن أي من خرائط نتنياهو، سواء قبل السابع من أكتوبر أو بعده، تُظهر أن هذا العدد الكبير من الدول يمكن أن يتحول إلى خصم سياسي أو دبلوماسي لإسرائيل.
بل إن بعض تلك الدول كانت ما تزال تظهر في خرائطه باعتبارها جزءًا من “النعمة” التي تحيط بإسرائيل، أو ضمن دائرة الأصدقاء الحاليين أو المحتملين، مثل مصر والسعودية والسودان وعُمان والأردن وتركيا وإسبانيا وإيرلندا.
وقد بدأ هذا التقسيم اللوني للعالم، والخطاب الخرائطي الذي يرافقه، يستقطب اهتمامًا أوسع منذ خريطة سبتمبر 2023 التي عرضها نتنياهو أمام الأمم المتحدة، قبل شهر واحد فقط من السابع من أكتوبر، حين قدم تصوره لـ “شرق أوسط جديد” مزدهر تقوده الاتفاقيات الإبراهيمية وتنهار فيه “جدران العداء”.
مثلت تلك الخريطة، في ذلك الوقت، ذروة الحماسة الإسرائيلية تجاه مسار التطبيع، خاصة العلاقة الوليدة مع الإمارات. وظهرت إسرائيل فيها وقد ضمت قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية بالكامل، بينما امتدت خلفها مساحة خضراء واسعة شملت الأردن وشبه جزيرة سيناء ودول الخليج، بما فيها السعودية.
وكان التصميم البصري للخريطة يسعى إلى تصوير إسرائيل باعتبارها مركزًا اقتصاديًا وجغرافيًا جديدًا للمنطقة، إذ ظهر سهم أحمر ضخم يشير إلى ممرات تجارية “آمنة” برًا وبحرًا وجوًا، إضافة إلى كابل رقمي يمتد من الهند إلى الاتحاد الأوروبي، فيما وصفه نتنياهو آنذاك بأنه “جسر بين القارات”.
تلك هي الثيمة المفضلة لدى نتنياهو، شرق أوسط آمن يخدم المصالح الإسرائيلية، التي تُقدَّم دائمًا باعتبارها امتدادًا للمصالح الغربية أيضًا. فمن خلال هذا التصور الخرائطي، يعيد نتنياهو إنتاج الفكرة التي قامت عليها عملية حشد الدعم الغربي للمشروع الصهيوني منذ بداياته، عبر الوعد بتأمين طرق التجارة والمواصلات بين آسيا وأوروبا، وربط الهند والصين بالغرب عبر فضاء مستقر تقوده إسرائيل.
وكان هذا، في جوهره، وعد تيودور هرتزل نفسه خلال رحلاته ومحاولاته لإقناع القوى الأوروبية بدعم المشروع الصهيوني، كما يروي محمد حسنين هيكل في كتابه “المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل.. الأسطورة والإمبراطورية والدولة اليهودية”.
وقد منح هذا الوعد إسرائيل، عمليًا، شيكًا مفتوحًا ربط المصالح الغربية بالمشروع الصهيوني لأكثر من قرن. ولم تقتصر تلك العلاقة على مسألة السيطرة على الطاقة أو الموارد في الشرق الأوسط، بل تجلت أيضًا في الدور الذي لعبته إسرائيل في خدمة مصالح استعمارية وما بعد استعمارية، وهو ما ظهر بوضوح مبكر خلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وأزمة السويس.
وفي العام التالي لاندلاع حرب الإبادة على غزة، عاد نتنياهو إلى الأمم المتحدة بعرض خرائطي جديد حمل عنوان “النعمة والنقمة”. وفي تلك الخريطة، ظهرت الدول التي تمثل “النقمة” على الشرق الأوسط باللون الأسود، وهي لبنان وإيران والعراق وسوريا واليمن. وكان لافتًا أن اليمن ولبنان حلا محل كوريا الشمالية وأفغانستان اللتين ظهرتا في خريطة عام 2016، وهو تبدل يعكس أولويات الحرب الإسرائيلية آنذاك، حيث كان نتنياهو يخوض مواجهة مفتوحة مع حزب الله وأنصار الله. وبعد أيام قليلة فقط من ذلك العرض، اغتيل الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله.
أما الدول التي مثّلت “النعمة” في الخريطة، فقد شملت السعودية ومصر والسودان ودول الخليج، ضمن تصور يربط الاستقرار الإقليمي بمسار التطبيع والتحالفات الجديدة التي تقودها إسرائيل.
وفي أحدث عروضه الخرائطية، خرج نتنياهو في منتصف أبريل 2026 بخريطة جديدة للشرق الأوسط، تعكس النسخة الأحدث من الرؤية الإسرائيلية المتحركة للمنطقة. وفيها، ظهرت سوريا واليمن وإيران والعراق باللون الأحمر، باعتبارها دولًا تقع داخل نطاق المعسكر الذي تقوده إيران، والذي بدأت إسرائيل، بحسب تصور نتنياهو، بالانتقال من سياسة احتوائه إلى سياسة مهاجمته بصورة مباشرة.
واختلفت هذه الخريطة عن خريطة “النعمة والنقمة” في خروج لبنان منها. فبعد اغتيال حسن نصر الله، بدا وكأن السبب الذي جعل لبنان يُصنف سابقًا ضمن “النقمة” قد تراجع أو تبدل في الحسابات الإسرائيلية، لكن المفارقة الأوضح كانت في استمرار تصنيف سوريا ضمن المعسكر المعادي، رغم سقوط نظام بشار الأسد في نهاية عام 2024، وهو النظام الذي كان يمثل أحد الامتدادات الأساسية للمحور الإيراني. ومع ذلك، لم تتغير نظرة نتنياهو إلى سوريا، التي بقيت حاضرة في خرائطه باللون الأحمر تارة والأسود تارة أخرى.
وربما حمل هذا الإصرار رسالة سياسية أبعد من إيران نفسها، إذ يمكن قراءة سوريا، في تصور نتنياهو، باعتبارها ساحة محتملة للصدام القادم مع تركيا، بعد الانتهاء من المواجهة مع إيران، إذا ما سنحت الظروف بذلك.
ما تكشفه المقارنة بين خريطة نتنياهو عن “الشرق الأوسط الجديد” عام 2023، وخريطته الأخيرة عام 2026، هو أن التركيز كان منصبًا على الاندماج الإقليمي، والتطبيع، وشبكات التجارة والممرات الاقتصادية التي تقودها إسرائيل. أما في خريطة 2026، فقد تراجع هذا الخطاب لصالح تصور أكثر أمنية وعسكرية، باتت فيه إيران تُقدَّم باعتبارها العائق المركزي أمام قيام شرق أوسط “مستقر” وآمن.
ومن خلال هذا التبسيط البصري للواقع في شكل خرائط وألوان ومحاور متقابلة، يحاول نتنياهو إعادة تسويق إيران، مرة أخرى، باعتبارها التهديد الأكبر الذي يواجه الغرب والمنطقة معًا. وهي الفكرة التي عبّر عنها المستشار الإسرائيلي ميرتس العام الماضي حين قال إن “إسرائيل تقوم بالعمل القذر نيابة عن الغرب عبر هجومها على إيران”.
لكن الوقائع الجيوسياسية التي تلت ذلك بدت أكثر تعقيدًا مما توحي به الخرائط الإسرائيلية، فحين اندلعت الحرب التي هددت المصالح الأوروبية بصورة مباشرة بعد عام، لم تجد إسرائيل سندًا حقيقيًا سوى الولايات المتحدة، بينما واجه الطرفان موجة واسعة من الانتقادات، ليس فقط من الصين وروسيا، بل أيضًا من عواصم غربية عديدة كانت تُفترض، وفق الرؤية الإسرائيلية، مستفيدة من مشروع “الشرق الأوسط الجديد”.
وبدا، في تلك اللحظة، أن الحماسة الأوروبية للمشاريع الإسرائيلية الكبرى في المنطقة أصبحت أضعف كثيرًا مما مضى. وحتى الولايات المتحدة نفسها لم تعد تبدو شريكًا مضمونًا على المدى البعيد، خاصة في مرحلة ما بعد دونالد ترامب، ومع تصاعد تيارات أكثر تشككًا في العلاقة مع إسرائيل داخل اليمين الأمريكي نفسه، الذي طالما عُدّ الحاضنة السياسية الأكثر صلابة للمشروع الإسرائيلي في واشنطن.
ألوان وألفاظ.. بلاغة الخطاب الخرائطي عند نتنيّاهو
لا ينتهي الأمر عند نتنياهو عارضًا خريطة وقائع أو مستقبل للشرق الأوسط وفقًا لمنظوره، فلو كان الأمر كذلك، لما حظي خطابه الخرائطي باهتمام كبير، فعند النظر إلى سيميائية الخطاب الخرائطي لنتنياهو، سنجده يمتلك الكثير من التأثير في جماهير محلية وعالمية. ففي خريطة عام 2023 الشهيرة، لم يعرض نتنياهو خريطة الشرق الأوسط الجديد قبل أن يعرض أولًا خريطة صماء لإسرائيل الصغيرة عام 1948، المحاطة بمحيط عدائي يريد زوالها. ورغم تضعضع سردية داود في مواجهة جالوت منذ حرب عام 1967، التي روجت إسرائيل صورتها بها دومًا، حرص نتنياهو في ذلك الخطاب الخرائطي على بعثها مرة أخرى، ليُري العالم معجزة داود التي صمدت في محيط من العماليق، بل وحولت العماليق أنفسهم إلى نطاق من الأصدقاء والحلفاء.
وفي تلك الخريطة أيضًا، أُلغي الوجود الفلسطيني بالكامل، ما أثار الكثير من اللغط. وكان نتنياهو يؤكد، في تبريراته الصحفية التي أعقبت ذلك الحدث، قوة فكرة الليكود في ثوبه الجديد مع صعود إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش. وحين سُئل عن سبب حذفه كامل الضفة الغربية من خريطته، أجاب هازئًا: “لم أُدرج البحر الميت كذلك، ولم أُدرج نهر الأردن، ولم أُدرج بحيرة طبريا”.
ولا يبدو أن نتنياهو يرى للفلسطينيين، أو للمواقع الفلسطينية المعترف بها دوليًا، أي وجود طوبوغرافي أو جغرافي حقيقي. ومن الواضح أنه حذف الضفة الغربية عمدًا، مثلما حذفها من قاموسه اللغوي، حيث يشير باستمرار إلى “يهودا والسامرة”، لا إلى الضفة الغربية.


