في السنوات الأخيرة، انتقل ملف بضائع المستوطنات من خانة “وسم المنتجات” إلى الحظر والمنع، مع تحركات اتخذتها أو أقرتها دول أوروبية عدة، من بينها إسبانيا وسلوفينيا، وآخرها أيرلندا، ضد استيراد السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية.
ولا تكمن أهمية هذه الخطوات في حجم التجارة وحده، بل في السؤال الذي تطرحه: ماذا تنتج المستوطنات أصلًا؟ وكيف تتحول بضائع زُرعت أو صُنعت على أرض فلسطينية محتلة إلى منتجات تدخل الأسواق العالمية كأنها تجارة عادية؟
ما المقصود ببضائع المستوطنات؟
هي السلع التي تُزرع أو تُصنع أو تُستخرج أو تُعبأ داخل المستوطنات الإسرائيلية المقامة في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، أي الضفة الغربية بما فيها شرق القدس.
وعند الحديث عن قواعد الوسم الأوروبية الأوسع، يدخل أيضًا الجولان السوري المحتل ضمن الأراضي التي احتلتها “إسرائيل” في نفس السنة وتقام فيها مستوطنات إسرائيلية. ومن هنا فإن الفرق الأساسي ليس في جنسية الشركة، بل في منشأ المنتج الذي يخرج من مستوطنة.
لذلك لا يكفي أن يخرج المنتج من ميناء حيفا أو أسدود (الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948) كي يصبح “منتجًا إسرائيليًا” بالمعنى الجمركي والقانوني الأوروبي.
ففي عام 2015، أصدرت المفوضية الأوروبية إرشادات لوسم المنتجات القادمة من الأراضي التي تحتلها “تل أبيب” منذ 1967، حتى لا تُعرض بضائع المستوطنات تحت وسم “صنع في إسرائيل”.
وفي عام 2019، أكدت محكمة العدل الأوروبية أن المنتجات الغذائية القادمة من مستوطنة إسرائيلية يجب أن تذكر ليس فقط الإقليم الذي جاءت منه، بل أيضًا أنها من المكان الذي خرجت منه، لأن إخفاء ذلك قد يضلل المستهلك بشأن المنشأ والسياق الأخلاقي والقانوني للمنتج.
لهذا يصبح تعريف بضائع المستوطنات مسألة سياسية بقدر ما هي تجارية، فهي تحمل بداخلها أثر المكان الذي أُنتجت فيه: أرض محتلة، موارد خاضعة لسيطرة الاحتلال، وسلسلة توريد تسعى لمحو هذا المنشأ خلف عبارة عامة مثل “صنع في إسرائيل”.
ماذا تنتج المستوطنات زراعيًا وصناعيًا؟
تنتج المستوطنات ما هو أبعد من الصورة التقليدية للوحدات الاستيطانية والأسوار، فهي جزء من منظومة إنتاج تضم الزراعة والصناعة والمحاجر والتعبئة والتسويق.
زراعيًا، تظهر منتجات مثل التمور والعنب والخضراوات والأعشاب العطرية، والزهور، وبعض الفواكه والمحاصيل المخصصة للتصدير.
وتعد تمور “المجهول” من أبرز المنتجات التي ارتبطت بهذا الاقتصاد، لأنها تخرج من مزارع استيطانية ثم تدخل سلاسل تسويق أوسع قد تخفي منشأها الحقيقي.
وصناعيًا، تضم المناطق الاستيطانية مصانع أغذية وتعبئة وتغليف وبلاستيك ومعادن ومواد بناء ومنتجات كيميائية وخفيفة.
كما تدخل المحاجر ضمن هذا الاقتصاد، إذ تُستخرج الحجارة والمواد الخام من أراضي الضفة الغربية، بينما تُطرح منتجات البحر الميت مثل الطين والأملاح والمستحضرات التجميلية، ضمن الجدل نفسه عندما ترتبط باستخراج موارد من أرض محتلة أو تسويقها عبر منظومة إسرائيلية.
وقدّم تقرير لـ”هيومن رايتس ووتش” عن شركات المستوطنات صورة واضحة عن الحجم المادي لهذه المنظومة:
- نحو 20 منطقة صناعية تديرها “إسرائيل” بالضفة الغربية على مساحة تقارب 1365 هكتارًا.
- نحو 9300 هكتار من الأراضي الزراعية التي يشرف عليها المستوطنون الإسرائيليون.
وهذا يعني أن النشاط التجاري في الضفة لا يقتصر على وحدات استيطانية، بل يشمل مصانع ومزارع ومحاجر وشركات خدمات وبنى تحتية.
أين تقع مناطق الإنتاج الاستيطاني؟
تتوزع مناطق الإنتاج الاستيطاني بين كتلتين رئيسيتين: كتلة زراعية في الأغوار وشمال البحر الميت، وأخرى صناعية في مناطق متفرقة من الضفة الغربية وشرق القدس.
تمتد المناطق الزراعية من محيط أريحا شمالًا وجنوبًا باتجاه البحر الميت والحدود الأردنية، وتضم مستوطنات ومزارع تستفيد من المناخ الدافئ ومن شبكات المياه والطرق الخاضعة لسيطرة الاحتلال. وفي هذه المنطقة تظهر التمور والأعشاب والخضراوات والفواكه بوصفها منتجات تصديرية.
أما المناطق الصناعية فتنتشر في نقاط عدة، من أبرزها بركان قرب سلفيت، وأريئيل غربًا، وميشور أدوميم شرق القدس، وعطروت شمال القدس، ومعاليه أفرايم، وغوش عتصيون، ونيتساني شالوم قرب طولكرم.

هذه المناطق لا تعمل كمعامل معزولة، بل ترتبط بالطرق الالتفافية وبالسوق الإسرائيلي وبموانئ التصدير.
بركان مثلًا يضم عشرات المصانع ويرتبط بسلاسل تصدير خارجية، بينما تستفيد ميشور أدوميم من موقعها بين شرق القدس والطرق المؤدية إلى الأسواق والموانئ، وتستفيد عطروت من واقع ضم شرق القدس وسيطرة الاحتلال على بنيتها الإدارية والاقتصادية.
بهذا المعنى، فإن خريطة الإنتاج الاستيطاني ليست عشوائية، فالزراعة توضع حيث الأرض والمياه، والصناعة حيث الطرق والمعابر والقرب من السوق الإسرائيلي. وبينهما تُعزل القرى الفلسطينية وتُقيّد حركتها، بينما تتحول المستوطنة إلى عقدة في شبكة إنتاج ونقل وتصدير.
على ماذا يقوم اقتصاد المستوطنات؟
يقوم اقتصاد المستوطنات على خمسة عناصر مترابطة:
أولًا، الأرض: أقيمت المستوطنات ومناطقها الصناعية والزراعية على أراضٍ فلسطينية صودرت أو أُعلنت “أراضي دولة” أو وُضعت تحت أوامر عسكرية أو قيود تخطيطية تمنع الفلسطينيين من استخدامها، ما يعني أن المصنع أو المزرعة لا يعملان في فراغ، بل فوق بنية مصادرة متراكمة.
ثانيًا، المياه: في الأغوار ومناطق زراعية أخرى، يتمتع المستوطنون بإمدادات مياه وبنى ري تمكنهم من إنتاج زراعي تصديري، بينما تواجه التجمعات الفلسطينية المحيطة شحًا وقيودًا وارتفاعًا في كلفة الوصول إلى المياه. لذلك فإن السؤال ليس فقط “من يزرع؟”، بل “من يملك الماء والتصريح؟”.
ثالثًا، الطرق والمعابر: تنقل شاحنات المستوطنات بضائعها عبر طرق التفافية وشبكات نقل مدمجة بالسوق الإسرائيلي، بينما تقطع الحواجز والبوابات العسكرية التواصل الفلسطيني الداخلي ما يزيد الكلفة على المنتج المحلي ويؤخر وصولها.
رابعًا، الامتيازات والبنية التحتية: وثقت “هيومن رايتس ووتش” أن شركات المستوطنات تستفيد من إيجارات منخفضة وحوافز حكومية وبنية تحتية وتصاريح وتسهيلات لا يحصل الفلسطينيون على ما يماثلها.
ويظهر ذلك في المناطق الصناعية التي تقدم للمستثمرين كلفة تشغيل أقل من داخل “إسرائيل”، لكنها قائمة فوق أرض محتلة وعلى حساب اقتصاد فلسطيني محاصر.
خامسًا، العمالة الفلسطينية: تاريخيًا، اعتمدت المصانع والمزارع الاستيطانية على عمال فلسطينيين فرض عليهم واقع الإفقار والقيود أن يعملوا في المستوطنات نفسها التي صودرت لأجلها أراضيهم.
بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تغيّر سوق العمل جذريًا مع إلغاء أو تقييد معظم تصاريح العمل داخل “إسرائيل”، لكن بقيت المستوطنات منفذًا لجزء من العمالة.
فقد ذكرت منظمة “غيشا” الحقوقية الإسرائيلية عام 2025 أن نحو 48 ألف تصريح عمل في المستوطنات كانت قائمة قبل الحرب، وأن سلطات الاحتلال سمحت لنحو 32 ألف عامل بالعودة إلى أعمالهم هناك، في وقت بقي فيه أغلب عمال الضفة ممنوعين من العمل داخل “إسرائيل”.
كيف تصل بضاعة المستوطنة إلى السوق؟
تبدأ سلسلة الإمداد غالبًا من مزرعة أو مصنع أو محجر داخل مستوطنة أو منطقة صناعية استيطانية، ثم تمر عبر مركز تعبئة أو شركة توزيع أو وسيط تجاري إسرائيلي، قبل أن تصل إلى السوق الإسرائيلية أو إلى موانئ التصدير، ومنها إلى أوروبا أو أسواق أخرى.
هنا تكمن المشكلة: منشأ المنتج قد يكون مستوطنة، لكن طريقه إلى الخارج يمر غالبًا عبر شركة أو عنوان أو ميناء إسرائيلي.
وقد تُعبأ بضائع المستوطنات مع بضائع من داخل “إسرائيل”، أو تدخل في سلاسل توريد مختلطة، فيصعب على المستهلك أو حتى بعض المستوردين معرفة منشئها الحقيقي.

تاريخيًا، كشفت نقاشات أوروبية وبريطانية عن حالات خلط أو نقص في شهادات المنشأ، وعن صعوبة التحقق من كون المنتج آتيًا من داخل “إسرائيل” أم من مستوطنة.
وحاول الاتحاد الأوروبي التعامل مع هذه المشكلة عبر قواعد المنشأ والوسم، فمنتجات المستوطنات لا يفترض أن تستفيد من الامتيازات الجمركية الممنوحة لـ”إسرائيل” بموجب اتفاق الشراكة الذي لا يشمل الأراضي المحتلة.
ولهذا استخدمت الحكومات الأوروبية قوائم رموز بريدية ومناطق منشأ لاستبعاد بضائع المستوطنات من المعاملة التفضيلية، لكن الوسم وحده لا يقطع السلسلة، فقد يرى المستهلك عبارة توضّح أن المنتج من “الضفة الغربية – مستوطنة إسرائيلية”، فيعرف المنشأ ويتخذ قراره.
أما الحظر، كما تسعى إليه دول أوروبية عديدة، فينتقل من إعلام المستهلك إلى منع دخول البضاعة أصلًا، ولهذا يصبح تتبع المنشأ جوهر المعركة التجارية.
لماذا تتحرك دول لحظر هذه البضائع؟
تتحرك دول لحظر بضائع المستوطنات لثلاثة أسباب متداخلة: القانون الدولي، حماية المستهلك، ومنع تطبيع اقتصاد الاستيطان.
السبب الأول قانوني: في يوليو/تموز 2024، قالت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري إن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية غير قانوني، وإن على الدول ألا تعترف بالوضع غير القانوني أو تساعد في استمراره.
وربطت الحكومة الأيرلندية مشروع قانونها الجديد بهذا الرأي، وذكرت أن من واجبات الدول الامتناع عن الدخول في علاقات تجارية أو استثمارية تتعلق بالأرض الفلسطينية المحتلة إذا كانت تساعد في ترسيخ الوضع غير القانوني.
السبب الثاني حماية المستهلك: إرشادات الاتحاد الأوروبي عام 2015 وحكم محكمة العدل الأوروبية عام 2019 انطلقا من أن المستهلك لا ينبغي أن يُضلل.
فالمنتج القادم من مستوطنة لا يجوز أن يختبئ خلف وصف عام مثل “منتج إسرائيلي”، لأن هذا يخفي حقيقة المنشأ وسياق الاحتلال.
السبب الثالث سياسي وحقوقي: قاعدة بيانات الأمم المتحدة للشركات المرتبطة بالمستوطنات، التي حُدثت في سبتمبر/أيلول 2025، تضم 158 شركة من 11 دولة مرتبطة بأنشطة في المستوطنات، بعد إضافة 68 شركة جديدة وإزالة 7 لم تعد منخرطة في الأنشطة محل القلق.
هذا التحديث وسّع النقاش من “بضائع على الرف” إلى شبكة شركات وبناء وعقارات وسياحة ومحاجر وموارد.
وفي النهاية، لا يدور الحظر حول عبوة تمر أو مستحضر تجميل فقط، بل يتعلق بكسر الطريق الذي يجعل اقتصاد المستوطنات يبدو تجارة عادية.
فحين تُمنع هذه البضائع أو تُوسم بوضوح، يصبح منشؤها مرئيًا: أرض فلسطينية محتلة، وموارد خاضعة للسيطرة، وسلسلة إنتاج لا يمكن فصلها عن نظام الاستيطان.