بين واقعٍ تقني يعاني من تحديات في البنية التحتية للاتصالات، ومحاولات متزايدة من الشركات للعمل والابتكار بموارد محدودة، اختُتمت في الأول من أيار الحالي فعاليات معرض HiTech لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في نسخته الثانية عشرة، والذي أُقيم على أرض مدينة المعارض في دمشق على مدار أربعة أيام.
يُقدَّم المعرض بوصفه إحدى أبرز المنصات التقنية في سوريا في مجال التحول الرقمي، حيث يعرض أحدث الحلول في تكنولوجيا المعلومات والإنترنت عالي السرعة والأجهزة الذكية، غير أن هذا المشهد التقني المتقدم يصطدم بواقع مختلف يعيشه المستخدمون، والبنية التحتية غير المؤهلة والتحديات الاقتصادية التي تراكمت خلال سنوات الحرب على مدار نحو عقد ونصف من الزمن.
شاركت في المعرض 150 شركة متخصصة تمثل 345 علامة تجارية محلية ودولية من 45 دولة، وعلى الرغم من إجماع العديد من المشاركين على أن ضعف الإنترنت ومحدودية الكهرباء لا تزال من أبرز العقبات أمام قطاع التكنولوجيا، بدت الشركات المشاركة متفائلة بإمكانية تحسن الواقع، في ظل حديث حكومي عن مشاريع حالية وخطط مستقبلية واعدة.
إلّا أن هذا التباين بين الطموح الرقمي المُعلن والواقع القائم في بلد لازال يعاني من تبعات الحرب يطرح تساؤلات أوسع حول حجم الفجوة بين ما تعرضه الشركات والجهات الرسمية داخل المعرض من حلول تقنية وما يُطبق فعليًا على الأرض.
يرصد هذا التقرير استنادًا إلى جولة ميدانية داخل المعرض في دمشق ومقابلات مع مشاركين وجهات رسمية وخاصة، هذه الفجوة بين الخطاب التقني والواقع العملي للبنية التحتية وخدمات الإنترنت.
“ما يُقدم في المعرض يناسب الواقع”
في مقابل هذه المعطيات، تبرز التصريحات الرسمية لتقدّم الرؤية الحكومية للفجوة الرقمية القائمة وخطط التعامل معها، إذ يرى وزير الاتصالات وتقانة المعلومات، عبد السلام هيكل، في تصريحات لـ”نون بوست” على هامش المعرض، أن الفجوة الرقمية كبيرة بين الواقع وطموحات الناس وإمكانياتهم.
وقال هيكل إن “الفجوة الرقمية كبيرة بما نواجهه من تأخر في الاستثمار في هذا القطاع على مدى سنوات، والدمار الذي حصل في البنية التحتية أيضًا، والخطط هي لردم هذه الفجوة ليس لهدف تطوير قطاع الاتصالات فقط، وإنما للنهوض بالقطاع الرقمي بشكل كامل”.
وزير الاتصالات وتقانة المعلومات عبد السلام هيكل عبر حسابه على منصة X:
📌 أعلنا عن إطلاق منافسة عالمية لرخصة خليوي جديدة تحل محل رخصة MTN سوريا
📌 جاءت هذه الخطوة بعد أشهر من المفاوضات مع شركة MTN العالمية حول خروجها من السوق السورية بشكل ودي ومنظم
📌 نتوقع إنجاز إجراءات… pic.twitter.com/afebtYmMAz
— نون سوريا (@NoonPostSY) March 4, 2026
وأضاف الوزير أن “الاتصالات اليوم هي عصب الحياة، وهي مرافق للإنسان في كل تفاصيل حياته، وبالتالي ما نعمل عليه هو أن ننجز في قضية البنية التحتية نحسن في قطاع الخدمات الثابتة والخدمات الخلوية وأيضًا أن نجهز كل ما سيأتي بناء على ذلك من تطبيقات من شركات ناشئة، من تحول رقمي، رياضات إلكترونية وغيرها”، معتبرًا أن ما يُعرض في المعرض يناسب الواقع ويجهز للمستقبل.
وحول الحلول الوزارية للتحديات التي تواجه الواقع الرقمي في سوريا والبنى التحتية تحدث هيكل عن مشاريع “سيلك لينك” و”برق” والانتقال في القطاع الخلوي، بالإضافة إلى البدء بخطط التحول الرقمي التي أصبحت جميعها متاحة، بحسب وصفه.
ومن جهتها، امتنعت الشركة السورية للاتصالات عن التعليق على أسئلة تتعلق بخطط تحسين سرعة الإنترنت أو شكاوى المستخدمين، مشيرة إلى أن الامتناع يأتي بتعليمات وزارية.
“شام كاش” مثال عملي؟
وفي سياق التحول الرقمي الذي تحاول الحكومة الدفع به تدريجيًا رغم التحديات القائمة في البنية التحتية، برز تطبيق “شام كاش” كأحد النماذج العملية لمحاولة رقمنة الخدمات المالية وتسهيل المعاملات للمستخدمين.
انطلق التطبيق في البداية من الشمال السوري خلال فترة سيطرة المعارضة، قبل أن يتوسع لاحقًا بعد التحرير وإسقاط النظام البائد ووصول الحكومة الحالية إلى دمشق، ليُعمَّم على مختلف المدن السورية ويصبح تطبيقًا حكوميًا يشمل عددًا من الخدمات والمعاملات المالية.
غير أن التطبيق لم يغب عن الجدل الذي رافق بعض الخدمات الرقمية خلال الفترة الماضية، بين توقفات فنية وتفسيرات ربطها مستخدمون بعوامل تتعلق بالعقوبات أو البنية التحتية، ما جعله جزءًا من النقاش الأوسع حول الفجوة الرقمية في سوريا.
وفي هذا السياق، أوضح مسؤول الإعلام في التطبيق عبد الرحمن الداحوري، في تصريحات لـ”نون بوست”، أن واقع الإنترنت والبنية التحتية في سوريا يواجه تحديات ممتدة منذ سنوات طويلة، ازدادت حدتها في السنوات الأخيرة للنظام البائد، إلا أن المرحلة الحالية تشهد تحسنًا تدريجيًا.
ما رأي الشارع السوري بتطبيق “شام كاش”؟ وما مدى ثقة المستخدمين به؟.. إليكم التفاصيل مع مراسل نون سوريا من دمشق. pic.twitter.com/9aduf7boED
— نون سوريا (@NoonPostSY) March 9, 2026
وقال داحوري إن جميع الجهات المعنية بقطاع الإنترنت تعمل ضمن إمكاناتها على تحسين الواقع القائم، معربًا عن أمله في مزيد من التحسن مستقبلًا، مشيرًا إلى أن الوضع الحالي يُعد مناسبًا لعمل “شام كاش” وتطوير خدماتها.
وفيما يتعلق بالتحديات التقنية، أوضح الداحوري أن الفريق التقني في الشركة يتمتع بكفاءات عالية، ولا تواجه الشركة مشكلات تقنية مباشرة، بل يتمثل التحدي الأساسي في القيود السابقة المرتبطة بالعقوبات المفروضة على سوريا، والتي رغم رفع بعضها، لا تزال آثارها قائمة على عدة مستويات، بحسب تعبيره، مضيفًا أن الشركة تعمل تدريجيًا على تجاوز هذه التحديات لتقديم خدماتها بأفضل صورة ممكنة.
وفيما يخص الفجوة الرقمية، أشار إلى أن المجتمع السوري مرّ خلال السنوات الماضية بفجوة زمنية تقنية امتدت لنحو 15 عامًا مقارنة بدول أخرى، ما أدى إلى تفاوت في مستوى التطور الرقمي، لكنه لفت إلى وجود تجاوب جيد من المستخدمين، وسرعة في التعلّم والتكيّف مع الخدمات الرقمية، خصوصًا في مجال التحول من التعاملات التقليدية إلى الخدمات المالية الرقمية مثل دفع الفواتير والمشتريات والأنشطة التجارية.
واعتبر أن البنية التحتية تمثل تحديًا عامًا، إلا أنها تشهد تحسنًا تدريجيًا، مرجحًا أن يكون التطور مسألة وقت، وهو ما يتماشى مع توجهات الشركة والقطاع بشكل عام.
أما على صعيد الحلول التقنية، فأوضح أن التطبيق صُمم ليكون مرنًا ويعمل على مختلف الأجهزة والأنظمة، بما فيها الأجهزة القديمة والحديثة، كما أشار إلى وجود حلول تقنية لمعالجة مسألة استخدام التطبيق على أجهزة “آيفون”، عبر ربطه بأجهزة أندرويد وإنشاء رابط عبر الموقع الإلكتروني، لافتًا إلى أن هذه الإجراءات لا تزال في طور التطوير التدريجي.
التحديات من زاوية القطاع الخاص
وبينما تعكس تجربة “شام كاش” جانبًا من محاولات التحول الرقمي على المستوى الحكومي، يواجه رواد الأعمال في قطاع الشركات الخاصة والناشئة تحديدًا، عقبات مختلفة في محاولتهم تطوير حلول تكنولوجية ضمن واقع بنية تحتية معقد.
تتمثل أبرز هذه التحديات في انقطاع الإنترنت والكهرباء، ما يضطر العديد من الشركات إلى اللجوء إلى حلول بديلة غالبًا ما تكون أعلى تكلفة وأكثر تعقيدًا، ورغم ذلك، يواصل العاملون في هذا القطاع محاولاتهم في الابتكار وتطوير خدماتهم، مع ترقب لتحسن البنية التحتية بما يتيح لهم توسيع أعمالهم بشكل أكبر.
ضمن هذا السياق، يقدم مشروع “مينيوفا” المنطلق من داريا في ريف دمشق نموذجًا لحلول رقمية موجهة لقطاع المطاعم، يعتمد على منصة ويب ونظام إداري يهدف إلى الاستغناء عن القوائم الورقية واستبدالها بقوائم إلكترونية، بحيث يحصل كل مطعم على رمز يمسحه الزبون عبر هاتفه لفتح قائمة الطعام مباشرة.
وقال رئيس قسم التكنولوجيا في المشروع عُمير دلعين، وهو المدير المسؤول عن البرمجة في نظام “مينيوفا”، لـ”نون بوست” إن هذا النظام يسهّل على المطاعم تعديل البيانات مثل الأسعار أو الصور أو الأصناف، إذ يمكن إجراء جميع التعديلات بسهولة، مشيرًا إلى أن أبرز التحديات التي تواجه المشروع تتعلق بالبنية التحتية والاتصال بالإنترنت، إذ يعتمد النظام بطبيعته على الإنترنت، وبالتالي، قد لا يتمكن الزبون من فتح القائمة في حال عدم توفر اتصال بالشبكة.

وللتعامل مع هذا التحدي، أوضح دلعين أنهم طوروا تطبيقًا خاصًا بالنادل يحتوي على تطبيق مخصص على الهاتف أو الجهاز اللوحي داخل المطعم، ويتيح له تخزين القائمة مسبقًا (كاش)، وبذلك، في حال عدم توفر الإنترنت، يستطيع النادل عرض القائمة للزبائن رقميًا بدلًا من القائمة الورقية، مع الحفاظ على نفس تجربة الاستخدام.
أما فيما يتعلق بالصعوبات الأخرى، فأوضح دلعين أن النظام لا يزال غير قادر على تقديم خدمة دفع إلكتروني متكاملة عبر البطاقات البنكية (فيزا وماستر كارد)، بحيث يتم الطلب من المنزل مباشرة، ما يعني أن عملية الطلب تتطلب وجود النادل لمسح الكود ونقل الطلب من طاولة الزبون إلى النظام الداخلي، وصولًا إلى الكاشير، مع إمكانية استمرار العمل حتى في وضع عدم الاتصال.
وأضاف أنه في حال توفر نظام الدفع الإلكتروني مستقبلًا في سوريا، فإن النظام سيتطور ليتيح للزبون الطلب مسبقًا من المنزل، والوصول إلى المطعم ليجد طلبه جاهزًا، وهي تجربة مطبقة في العديد من الدول خارج سوريا.
ولفت دلعين إلى أن من أهم مطالب شركات التكنولوجيا هو توفر تغطية إنترنت مستقرة وشاملة في كل الأماكن، لأن ذلك يشكل الأساس لأي نظام رقمي. فبوجود إنترنت جيد وشامل، تقل الحاجة إلى أنظمة العمل دون اتصال، ويصبح الدفع الإلكتروني والتطبيقات الذكية جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية.
حلول مكلفة
من جانبه، قال مدير المبيعات في شركة “Baytelab”، حمزة الباشا، وهي وكالة إبداعية تجمع بين التسويق والتكنولوجيا، وتعمل على تغيير مفهوم التسويق التقليدي في سوريا، وإدخال مفهوم التسويق الحديث.
وأضاف الباشا في حديث لـ”نون بوست” إن الشركة تستهدف بشكل أساسي الشركات الناشئة، والمشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تعاني من مشكلات في التسويق أو ضعف في المبيعات، أو التي لا تعرف كيفية استهداف العميل المناسب، إلا أن أن قطاع الوكالات الإبداعية والتكنولوجيا يعاني بشكل كبير من مشكلتي الإنترنت والكهرباء.
وأوضح أن ضعف شبكة الاتصالات يدفع بعض الشركات إلى اللجوء إلى خدمات غير نظامية مثل الإنترنت الفضائي، أو الاعتماد على حلول بديلة خارج الخدمات الحكومية، أو محاولة الاتصال عبر شبكات محلية مثل سيريتل وMTN.
لكن التكلفة في هذه الحالة ترتفع بشكل كبير، فقد تصل تكلفة الإنترنت الفضائي أو البدائل الأخرى إلى أضعاف الإنترنت الحكومي، وهذا يشكل تحديًا أساسيًا، لأن هذا النوع من الشركات يحتاج إلى إنترنت دائم، عالي الجودة، ومستقر دون انقطاع.
أما المشكلة الثانية فهي الكهرباء، التي تُعد أحد الركائز الأساسية لعمل شركات التكنولوجيا، نظرًا لاعتمادها على مختلف الأدوات داخل الشركة، ولهذا السبب، تضطر العديد من الشركات إلى الاعتماد على حلول بديلة مثل الطاقة الشمسية وبطاريات الليثيوم، مشيرًا إلى أنه في حال توفر كهرباء مستقرة كبنية تحتية في سوريا، فإن ذلك سيوفر الكثير من الجهد والتكاليف.
وأكد على ضرورة تطوير البنية التحتية والخدمات بشكل يواكب احتياجات الشركات، ويمنح مرونة أكبر في السوق السورية، بما يتيح تواصلًا أفضل مع العملاء. وأشار إلى أن هذا التطور يحدث بشكل تدريجي حاليًا.
واختتم بالإشارة إلى أن من أبرز نقاط قوة المشاركة في المعرض هو وجود جمهور مهتم بالتكنولوجيا، ما يتيح الوصول المباشر إلى الفئة المستهدفة من العملاء، معربًا عن أمله بأن يتطور المعرض عامًا بعد عام، ليضم شركات عالمية ودولًا أكثر.
وبين هذا الواقع والطموح، يبرز الأمل المشترك لدى المشاركين بالوعود الحكومية بالتحسينات التي تسهم في تطوير بيئة العمل الرقمية، وتمكين هذه الشركات من مواكبة التطور العالمي، وتقليص الفجوة الرقمية تدريجيًا.
