شهدت الساعات الماضية تصاعدًا لافتًا في حدة التوتر بين السودان وإثيوبيا، على خلفية اتهام الثانية– إلى جانب الإمارات- بالضلوع في الهجمات التي استهدفت مطار الخرطوم عبر طائرات مسيّرة، الثلاثاء 5 مايو/أيار الجاري، إضافة إلى استهداف مواقع أخرى في العاصمة الخرطوم ومدينة أم درمان وعدد من المناطق المجاورة.
وصعدت الخرطوم من لهجتها الدبلوماسية في أعقاب تلك الاتهامات باستدعاء سفيرها لدى أديس أبابا، الزين إبراهيم، للتشاور، بالتزامن مع تصاعد السجال السياسي والإعلامي بين الجانبين، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على مستوى التوتر الحدودي بين البلدين والتي شهدت حالة من الترقب الحذر.
وبلغ التصعيد ذروته مع تلويح السودان باستخدام “القوة العسكرية القاسية” ردًا على ما وصفه بالانتهاكات الإثيوبية، ما أثار مخاوف متزايدة من احتمالات الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة قد تمتد تداعياتها إلى كامل منطقة القرن الإفريقي، في ظل هشاشة الأوضاع الأمنية والسياسية التي تشهدها المنطقة.. فإلى أين تتجه الأزمة بين الجارتين؟
الخرطوم في مرمى الاستهداف
بعد أشهر من الهدوء النسبي الذي سمح بعودة مئات الآلاف من السكان إلى منازلهم، عادت العاصمة السودانية الخرطوم مجددًا إلى دائرة الاستهداف عبر هجمات بالطائرات المسيّرة شنتها ميلشيا الدعم السريع، في تطور يثير مخاوف متزايدة من احتمالات انزلاق المدينة مرة أخرى إلى أجواء المواجهات العنيفة.
وشملت الهجمات استهداف قاعدة وادي سيدنا في مدينة أم درمان بطائرات مسيّرة، وفق ما أفاد به مصدر عسكري سوداني، فيما سقط أحد المقذوفات في منطقة سكنية مجاورة للمطار، في وقت أعلن فيه الجيش السوداني نجاحه في التصدي لهجمات أخرى استهدفت مواقع متفرقة داخل العاصمة دون تسجيل خسائر بشرية أو مادية كبيرة.
الجيش السوداني يعلن إسقاط طائرة مسيرة "إثيوبية" عقب اختراقها أجواء البلاد في منطقة شمال الأبيض. pic.twitter.com/c7fhjMxNQK
— نون بوست (@NoonPost) May 6, 2026
وخلال الأيام الماضية، أظهرت ميليشيا الدعم نشاطًا متجددًا في استهداف عدد من المواقع والمنشآت اللوجستية، في محاولة لإعادة ترميم نفوذها الميداني الذي تراجع بصورة ملحوظة جراء الضربات والخسائر التي تلقتها مؤخرًا على يد الجيش السوداني.
هذا التصعيد أعاد إلى الواجهة المخاوف السودانية بشأن الأجندات الخارجية العابثة في المشهد والداعمة لميليشيا الدعم، سواء عبر الإسناد اللوجستي أو التقني أو العسكري، بهدف تعويض خسائرها الميدانية وتعزيز قدرتها على استعادة زمام المبادرة في بعض جبهات القتال، وهو ما ينذر بإطالة أمد الصراع وتعقيد المشهد الأمني والسياسي في السودان.
اتهام الإمارات وأثيوبيا
لم تمضِ سوى ساعات قليلة على الهجمات التي استهدفت العاصمة السودانية حتى أعلن الجيش السوداني امتلاكه أدلة موثقة تثبت تورط كل من إثيوبيا والإمارات في تنفيذ الهجمات بالطائرات المسيّرة، حيث أوضح الناطق الرسمي باسم الجيش السوداني، العميد الركن عاصم عوض عبد الوهاب، أن المسيّرات التي استهدفت مواقع عسكرية ومدنية داخل السودان انطلقت من مطار بحر دار الإثيوبي، ونفذت طلعات وصفها بـ”العدائية” داخل الأجواء السودانية، مستهدفة مواقع عدة من بينها مطار الخرطوم الدولي.
وأضاف المتحدث أن الدفاعات الجوية السودانية تمكنت في السابع عشر من مارس/آذار الماضي من إسقاط إحدى المسيّرات، مشيرًا إلى أن تحليل بياناتها الفنية أظهر أنها من طراز S88 وأنها مملوكة لدولة الإمارات وتم تشغيلها انطلاقًا من الأراضي الإثيوبية.
وتأتي هذه الاتهامات امتدادًا لسلسلة من الاتهامات السابقة التي وجهتها الحكومة السودانية إلى أبوظبي بشأن دعم قوات الدعم السريع وتأجيج الصراع الداخلي، وهي الاتهامات التي نفتها الإمارات، رغم تأكيد الخرطوم امتلاكها للأدلة والقرائن الداعمة لموقفها.
وتعززت تلك الرواية السودانية مع ما أورده تقرير صادر في أبريل/نيسان الماضي عن وحدة أبحاث تابعة لـ جامعة يال الأمريكية، والذي تحدث عن وجود مؤشرات على تقديم قاعدة عسكرية إثيوبية تقع قرب الحدود السودانية دعمًا لقوات الدعم السريع، استنادًا إلى تحليل صور التقطتها الأقمار الاصطناعية خلال الفترة الممتدة بين ديسمبر/كانون الأول 2025 ومارس/آذار 2026.
وفي السياق ذاته، أثار التقارب المتنامي بين إثيوبيا والإمارات خلال الفترة الأخيرة مخاوف متزايدة داخل الأوساط السودانية بشأن احتمالات تشكل محور إقليمي يُنظر إليه في الخرطوم باعتباره مهددًا لأمن البلاد واستقرارها، عبر دعم ميليشيا الدعم وتمكينها ميدانيًا في مواجهة الجيش السوداني، وهي المخاوف التي دفعت الحكومة السودانية إلى تصعيد تحركاتها الدبلوماسية وتقديم شكاوى عاجلة إلى عدد من المنظمات والهيئات الدولية.
السودان يلوح بالخيار العسكري
لم يقتصر الرد السوداني على الهجمات التي استهدفت الخرطوم على حدود الإدانة السياسية أو الإجراءات الدبلوماسية المتمثلة في استدعاء السفير السوداني لدى أديس أبابا، بل تجاوز ذلك إلى التلويح بخيار التصعيد العسكري، في مؤشر واضح على خطورة المرحلة التي تمر بها العلاقات بين البلدين.
وفي هذا السياق، صعّد وزير الخارجية السوداني، محيي الدين سالم، من حدة الخطاب الرسمي، ملوّحًا بإمكانية الدخول في مواجهة مفتوحة مع إثيوبيا إذا استمرت العمليات العدائية ضد السودان، مؤكدًا خلال مؤتمر صحفي أن “السودان، بجيشه وشعبه، مستعد لكل الخيارات دفاعًا عن كرامته وسيادته الوطنية”
ويُنظر إلى هذا التصعيد باعتباره الأعنف بين الجانبين خلال الفترة الأخيرة، كما يعكس تحولًا لافتًا في طبيعة الأزمة، التي لم تعد تقتصر على الخلافات السياسية أو التوترات الحدودية التقليدية، بل باتت ترتبط بصورة مباشرة بملف السيادة والأمن القومي.
في المقابل، تجاهلت أديس أبابا الاتهامات السودانية، واعتبرتها جزءًا من محاولات مدفوعة من أطراف أخرى لتنفيذ ما وصفته بـ”أجندات خبيثة”، فيما ركزت في بياناتها الرسمية على اتهام الخرطوم بدعم جبهة التيغراي، الأمر الذي دفع الأزمة نحو مزيد من التصعيد السياسي والإعلامي، وسط تبادل الاتهامات وتحميل كل طرف للطرف الآخر مسؤولية تأجيج المشهد الداخلي وزعزعة الاستقرار الإقليمي.
المعادلة الجيوسياسية
لا يمكن قراءة التصعيد المتسارع بين الخرطوم وأديس أبابا بمعزل عن التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة، في ظل حالة السيولة السياسية وإعادة التشكل الجيوسياسي التي فرضتها الحرب في غزة، وصولًا إلى التصعيد الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران، وهي التطورات التي دفعت باتجاه إعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات الإقليمية وفق معادلات مختلفة تمامًا عما كانت عليه قبل سنوات قليلة.
وفي هذا السياق، يصعب فصل ما يجري عن التحركات الإماراتية المتصاعدة خلال المرحلة الأخيرة، وما يصفه بعض المراقبين بمحاولة أبو ظبي انتهاج سياسة إقليمية مغايرة نسبيًا للمزاج العربي العام، خاصة بعد الانتكاسات التي واجهتها في ملفات عدة، من بينها اليمن وليبيا، إلى جانب التباينات الخليجية الواضحة في التعاطي مع التصعيد ضد إيران، وما تبع ذلك من مؤشرات على إعادة تموضع إماراتي في عدد من ساحات النفوذ الإقليمي.
وفي ضوء ذلك، يرى مراقبون أن أبوظبي تسعى إلى استعادة جزء من نفوذها الإقليمي عبر إعادة تفعيل أدواتها وتحالفاتها في بعض الملفات الساخنة، بدءًا من الساحة اليمنية عبر إعادة تنشيط دور المجلس الانتقالي الجنوبي، وصولًا إلى المشهد السوداني من خلال دعم ميليشيا الدعم السريع في مواجهة الجيش السوداني، بما يهدف إلى إعادة خلط الأوراق وفرض معادلات ميدانية جديدة.
ومن زاوية أوسع، لا يمكن فصل التوتر السوداني الإثيوبي عن السياق الأشمل المتعلق بإعادة تشكيل موازين القوى داخل منطقة القرن الإفريقي، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر الساحات الجيوسياسية حساسية وتنافسًا بين القوى الإقليمية والدولية، نظرًا لما تتمتع به من موقع استراتيجي بالغ الأهمية يربط بين البحر الأحمر وشرق إفريقيا والمحيط الهندي.
وقد تضاعفت أهمية هذه المنطقة الاستراتيجية بصورة أكبر مع تصاعد التوترات المرتبطة بأمن الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز، الأمر الذي جعل القرن الإفريقي ساحة مفتوحة لإعادة ترتيب النفوذ الدولي والإقليمي، في ظل سباق متزايد للسيطرة على الممرات البحرية والمواقع اللوجستية الحيوية.
التصعيد إلى أين؟
ليست هذه هي المرة الأولى التي تصل فيها العلاقات بين السودان وإثيوبيا إلى هذا المستوى من التوتر، غير أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي فرضها التصعيد الإقليمي المرتبط بالحرب ضد إيران قد تمنح الأزمة الحالية زخمًا أكبر، وتدفعها نحو مسارات أكثر تعقيدًا مقارنة بجولات التصعيد السابقة، في ظل تغير موازين القوى وتشابك المصالح والأجندات الإقليمية والدولية داخل المنطقة.
وفي خضم هذه الأجواء المشحونة، ومع تصاعد صراع النفوذ وتداخل الحسابات الإقليمية، تبرز عدة سيناريوهات محتملة قد تحدد مستقبل العلاقة بين الجانبين، ويظل السيناريو الأكثر ترجيحًا هو احتواء الأزمة سياسيًا ودبلوماسيًا عبر وساطات إفريقية وتحركات دولية تهدف إلى تهدئة الأوضاع، واحتواء الخطاب التصعيدي المتبادل، خاصة أن كلا الطرفين يدرك حجم الكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية لأي مواجهة مفتوحة، في وقت يواجه فيه البلدان تحديات داخلية معقدة تحدّ من قدرتهما على تحمل تبعات التصعيد.
بينما كان يفترض أن يركز #آبي_أحمد جهوده في ميدان المعركة في مواجهة #التيغراي ، إذ به يفتح جبهة جديدة للنزاع الحدودي مع #السودان… ما الدوافع؟
تقرير لـ @Emad_Anan https://t.co/JCYzq3Klgj
— نون بوست (@NoonPost) November 28, 2021
وفي المقابل، فإن استمرار حالة الحشد والحشد المضاد، إلى جانب تواصل المناوشات والتصعيد الميداني، قد يدفع الأزمة نحو مستوى أعلى من التوتر يتمثل في مواجهات حدودية محدودة، أو تصعيد إعلامي وسياسي متبادل، وربما تحركات عسكرية استعراضية دون الوصول إلى خيار الحرب الشاملة، الذي لا يزال – حتى الآن – مستبعدًا نسبيًا، رغم خطورته البالغة على مستقبل المنطقة.
أما السيناريو الأكثر حساسية، والمتمثل في الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة، فرغم محدودية احتمالاته في الوقت الراهن، فإنه يبقى قائمًا في حال فشل جهود الاحتواء واستمرار التصعيد المتبادل، وهو سيناريو قد يفضي إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخل منطقة القرن الإفريقي بأكملها، بالنظر إلى الطبيعة الاستراتيجية للصراع وتشابك الأطراف المنخرطة فيه.
وفي المحصلة، تبدو فرص المواجهة العسكرية الشاملة محدودة نسبيًا في ظل الضغوط الإقليمية والدولية الساعية لمنع انفجار الأوضاع، فضلًا عن التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه البلدين، غير أن استمرار الهجمات، وتصاعد الخطاب السياسي والإعلامي، وغياب قنوات التفاهم والتهدئة، قد يرفع تدريجيًا من مستوى المخاطر ويدفع المنطقة نحو حالة من الانزلاق البطيء إلى مواجهة يصعب احتواء تداعياتها، خصوصًا في ظل هشاشة الوضع الأمني والسياسي الذي تعيشه منطقة القرن الإفريقي.