نون بوست نون بوست

نون بوست

  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
EN
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
بين الوعود والواقع.. دير الزور عالقة في مرحلة ما بعد الحرب
رئيس دولة الاحتلال إسحاق هرتسوغ يرفض إصدار قرار فوري في طلب العفو
من المحاكمة إلى الصفقة.. 5 سيناريوهات لملف فساد نتنياهو
نون بوست
نهاية محور أبراهام بين إسرائيل ودول الخليج
نون بوست
كيف تبني إسرائيل بنك أهدافها في لبنان باستخدام الذكاء الاصطناعي؟
نون بوست
استهداف مركب: الإمارات كورقة ضغط في الاستراتيجية الإيرانية
لم يعد السؤال فقط في اليمن كم يساوي الدولار بل هل يوجد نقد أصلًا؟
بلد واحد ودورتان ماليتان.. كيف قسّمت حرب العملة اقتصاد اليمن؟
سبائك ذهبية صودرت من طائرة هبطت في مطار الخرطوم في إطار تحقيق بعملية تهريب محتملة عام 2019 (رويترز)
من مناجم دارفور إلى عقارات دبي.. مسار الذهب السوداني المنهوب
نون بوست
ليست حربهم لكنهم يدفعون الثمن.. العمالة الوافدة في الخليج تحت ضغط التصعيد
نون بوست
كيف يتغلغل الاستيطان في قلب القدس؟.. حوار في السيطرة والهندسة السكانية
نون بوست
خروج الإمارات من أوبك.. أبرز الرابحين والخاسرين
ناقلة غاز طبيعي مسال شوهدت في مضيق ملقا في 15 أبريل/نيسان
بعد شلل هرمز.. هل ينقذ مضيق ملقا الإمدادات أم يخنقها؟
نون بوست
بعد انتصار الثورة.. ما أبرز ملفات اللوبي السوري في أمريكا؟
نون بوست نون بوست
EN
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
بين الوعود والواقع.. دير الزور عالقة في مرحلة ما بعد الحرب
رئيس دولة الاحتلال إسحاق هرتسوغ يرفض إصدار قرار فوري في طلب العفو
من المحاكمة إلى الصفقة.. 5 سيناريوهات لملف فساد نتنياهو
نون بوست
نهاية محور أبراهام بين إسرائيل ودول الخليج
نون بوست
كيف تبني إسرائيل بنك أهدافها في لبنان باستخدام الذكاء الاصطناعي؟
نون بوست
استهداف مركب: الإمارات كورقة ضغط في الاستراتيجية الإيرانية
لم يعد السؤال فقط في اليمن كم يساوي الدولار بل هل يوجد نقد أصلًا؟
بلد واحد ودورتان ماليتان.. كيف قسّمت حرب العملة اقتصاد اليمن؟
سبائك ذهبية صودرت من طائرة هبطت في مطار الخرطوم في إطار تحقيق بعملية تهريب محتملة عام 2019 (رويترز)
من مناجم دارفور إلى عقارات دبي.. مسار الذهب السوداني المنهوب
نون بوست
ليست حربهم لكنهم يدفعون الثمن.. العمالة الوافدة في الخليج تحت ضغط التصعيد
نون بوست
كيف يتغلغل الاستيطان في قلب القدس؟.. حوار في السيطرة والهندسة السكانية
نون بوست
خروج الإمارات من أوبك.. أبرز الرابحين والخاسرين
ناقلة غاز طبيعي مسال شوهدت في مضيق ملقا في 15 أبريل/نيسان
بعد شلل هرمز.. هل ينقذ مضيق ملقا الإمدادات أم يخنقها؟
نون بوست
بعد انتصار الثورة.. ما أبرز ملفات اللوبي السوري في أمريكا؟
  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
تابعنا

تهدئة مع لبنان وحرب مع حزب الله: كيف يُعاد تشكيل معادلة الدولة والسلاح؟

أحمد الطناني
أحمد الطناني نشر في ٥ مايو ,٢٠٢٦
مشاركة
نون بوست

منذ مارس/آذار 2026 المنصرم 2026، يدخل لبنان مسارًا يُعد من الأكثر تعقيدًا في تاريخه المعاصر، خصوصًا في المرحلة التي تلت انتهاء الحرب الأهلية، حيث تشكّلت المعادلات الحساسة والتسويات المؤقتة التي قام عليها نظام سياسي شديد التأثر بالإقليم، تحوّل على الدوام إلى ساحة لتقاطع مصالح اللاعبين الإقليميين والدوليين.

يحمل الاختبار السياسي والميداني الراهن مستوى مرتفعًا من التعقيد، مع تعرض المعادلات التي حكمت لبنان لعقود لضغط غير مسبوق. يتقاطع ذلك مع سعي الطرف الرسمي إلى المضي في مسار سياسي قد يفضي إلى ترتيبات جديدة، في وقت يعارضه طرف لبناني رئيسي يتمثل في حزب الله، الذي يتعامل مع هذه التحولات بوصفها مساسًا بموقعه ودوره.

في المقابل، يتحرك الحزب لإعادة صياغة قواعد الاشتباك مع إسرائيل، بالتوازي مع إعادة ترتيب حضوره السياسي، في محاولة لاستعادة التوازنات التي سبقت السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ضمن بيئة إقليمية متسارعة التحول تنعكس آثارها على مجمل توازنات الشرق الأوسط.

في ظل هذا التشابك، تبقى الذاكرة اللبنانية مثقلة بمحطات صعبة، تقدّم أمثلة واضحة على مآلات الخلافات السياسية حين تتجاوز حدود التوافق الداخلي أو تُدار عبر مسارات منفردة. وفي هذا السياق، تعمل إسرائيل على استثمار التباينات الداخلية، ضمن مقاربة مدعومة بضغط أمريكي وتأثيرات إقليمية متصاعدة، تُعقّد مسارات الحوار وتدفع نحو مستويات أعلى من التوتر في بيئة يصعب التنبؤ بمآلاتها.

التوازن المركّب: كيف أُدير ملف السلاح في لبنان؟

تُشكّل مسألة السلاح في لبنان أحد المفاتيح الأساسية لفهم بنية النظام السياسي في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية، التي انتهت بتوقيع وثيقة الوفاق الوطني في الثاني والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 1989، بعد مفاوضات جرت في مدينة الطائف السعودية بوساطة سورية سعودية، منهيةً حربًا امتدت خمسة عشر عامًا.

حمل الاتفاق في نصه الصريح بندًا واضحًا: “الإعلان عن حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة اللبنانية خلال ستة أشهر”، غير أن التطبيق العملي أفرز استثناءً مؤسسًا لما تلاه، إذ وجدت الدولة نفسها أمام واقع ميداني يتمثل في استمرار الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، في وقت كان حزب الله يخوض مواجهة مسلحة على تلك الجبهة، وضمن هذا السياق تبلور التمييز الذي حكم المشهد اللبناني لعقود بالإبقاء على سلاح حزب الله بصفته “قوة مقاومة” لا ميليشيا، ودوره محصور في مواجهة الاحتلال في الجنوب.

استند حزب الله إلى النص الحرفي للاتفاق لتبرير هذا الاستثناء، إذ ورد في الوثيقة التي صادق عليها مجلس النواب في الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني 1989: “اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي وبسط سيادة الدولة على جميع أراضيها”، ومع بدء التنفيذ، جرى التعامل مع سلاح الحزب ضمن هذا الإطار، استنادًا إلى استمرار الاحتلال، ما رسّخ التمييز بين سلاح الأحزاب وسلاح المقاومة.

نون بوست
اتفاق الطائف في الثاني والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 1989، في مدينة الطائف السعودية بوساطة سورية سعودية.

لخّص قانونيون لبنانيون هذه الإشكالية بقولهم: “الطائف نصّ على حل جميع الميليشيات إلا أنه أبقى على مفهوم المقاومة لتحرير الأراضي اللبنانية، لذلك يفسره حزب الله على النحو الذي يريده، بحيث يبقي على سلاحه تحت هذا الشعار، من هنا لا يمكن اعتبار ذلك عبارة ضامنة إنما تحتمل الكثير من الالتباس والتأويل”.

في الخامس والعشرين من مايو/ أيار 2000، أتمّ الجيش الإسرائيلي انسحابه من جنوب لبنان، منهياً احتلالًا دام اثنين وعشرين عامًا، وقد فتحت هذه اللحظة الباب أمام انتقال مسألة السلاح إلى مستوى جديد، حيث أصبح النقاش داخليًا حول مبرر بقاء السلاح، ولمن يعود قرار استخدامه، وتعامل النظام السياسي مع هذا التحول عبر إنتاج صيغة توافقية حملت عنوان “الجيش والشعب والمقاومة”، التي حضرت في البيانات الوزارية المتعاقبة. 

وصف المحلل السياسي مايكل يونغ هذه الصيغة بأنها تعبير عن تسوية وسطية بين من يدعمون احتكار الدولة لاستخدام القوة، وبين الفريق الذي يؤيد منح سلاح حزب الله غطاءً شرعيًا، وقد عكست هذه الصيغة واقعًا قائمًا أكثر مما قدّمت تصورًا حاسمًا، إذ تركت مسألة قرار الحرب والسلم مفتوحة، وأبقت العلاقة بين الجيش والقوة المسلحة خارج إطاره ضمن مساحة ملتبسة، ما أتاح استمرار التعايش دون حسم.

في الخامس من مايو/أيار 2008، أصدرت حكومة فؤاد السنيورة قرارين حملا طابعًا إداريًا في ظاهرهما: الأول قضى باعتبار شبكة الاتصالات التابعة لحزب الله “غير شرعية وغير قانونية وتشكل اعتداء على سيادة الدولة والمال العام”، والثاني قضى بإقالة قائد جهاز أمن مطار بيروت الدولي العميد وفيق شقير من منصبه وإعادته إلى ملاك الجيش. 

جاء الرد سريعًا؛ إذ اعتبر أمين عام حزب الله حسن نصر الله أن تفكيك شبكة الاتصالات يمثل “إعلان حرب” على الحزب والمقاومة “لمصلحة أمريكا وإسرائيل”، فيما وصف رئيس مجلس النواب نبيه بري قرار الإقالة بأنه خطوة “تعني ملامسة المحرمات، وليس فقط الخطوط الحمر”.

في السابع من مايو/ أيار، تحركت قوات حزب الله وحركة أمل نحو بيروت الغربية، وسيطرت على مراكز تيار المستقبل وأحرقتها، وأغلقت طريق المطار، وتوقفت حركة الطيران، في ظل انسحاب قوات الأمن والجيش، وأسفرت المواجهات عن مقتل 71 شخصًا.

نون بوست
مؤتمر الحوار الوطني اللبناني 2008.

في الحادي والعشرين من مايو/أيار 2008، وبرعاية قطرية، وُقّع اتفاق الدوحة الذي نصّ على سحب المقاتلين من الشوارع، وفتح طريق مطار بيروت، وانتخاب العماد ميشال سليمان رئيسًا للجمهورية، وتشكيل حكومة وحدة تُمنح فيها المعارضة ثلث المقاعد الوزارية. 

وشكّل هذا الثلث المعطّل تحولًا في موقع حزب الله داخل النظام، إذ بات يمتلك أداة مباشرة للتأثير في القرار الحكومي. وقد أقرّ النائب وليد جنبلاط، الذي لعب دورًا في الدفع نحو القرارين، بمسؤوليته عن التصعيد، قائلاً: “أنا أخطأت كثيراً و7 أيار أحد أخطائي… أنا افتعلت 7 أيار وأخطأت بالحسابات وهناك من حمّسني على ذلك”.

تكشف أحداث أيار 2008 عن أكثر من مجرد أزمة سياسية، إذ مثّلت اختبارًا مباشرًا لمعادلة القوة داخل النظام، وبالرغم من امتلاك الحكومة في حينه للشرعية الدستورية، بقيت أدوات التنفيذ الفعلي خارج نطاقها في بلد تحكمها التوازنات الدقيقة كأساس، إذ تعامل حزب الله تعامل مع الحكومة بوصفها فاقدة للتوازن، وخاضعة لضغوط خارجية، ما دفعه إلى اعتبار قراراتها استهدافًا مباشرًا لسلاحه. 

وأفضت هذه الأحداث إلى نتيجة ذات أثر طويل الأمد ترسّخ وفقها موقع الحزب داخل الحياة السياسية، وتعززت قدرته على التأثير في القرارات الكبرى، في ظل حكومات باتت تأخذ في الحسبان توازن القوة الذي فرضته تلك المواجهة.

لحظة الانكسار الإقليمي

شكّلت الضربات الإسرائيلية المتتالية على حزب الله بين سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول 2024 نقطة تحول نوعية أعادت رسم موقع الحزب داخل المعادلة اللبنانية والإقليمية؛ في السابع عشر من سبتمبر/أيلول 2024، نفّذت الاستخبارات الإسرائيلية عملية غير مسبوقة، فجّرت خلالها آلاف أجهزة النداء “البيجر” التي كان يحملها مقاتلو حزب الله في لبنان وسوريا، وتبعتها في اليوم التالي بتفجير أجهزة اللاسلكي، ما أسفر عن مقتل وإصابة أكثر من أربعة آلاف عنصر. وكشف رئيس الموساد دادي برنياع لاحقًا أن التخطيط للعملية بدأ منذ نهاية عام 2022، واصفًا إياها بأنها “أقوى ضربة في تاريخ صراع حزب الله مع إسرائيل، وحطّمت روحه المعنوية”.

تسارعت الأحداث بعد ذلك بوتيرة عالية، وفي السابع والعشرين من سبتمبر/أيلول 2024، اغتالت إسرائيل الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في غارة جوية استهدفت غرفة عمليات للحزب في الضاحية الجنوبية لبيروت، مستخدمة عشرات الأطنان من المتفجرات.

نون بوست
مكان استهداف حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله، في الضاحية الجنوبية بلبنان. (أ.ف.ب)

ومع تولي نعيم قاسم قيادة الحزب في أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2024، برزت مؤشرات واضحة على حجم الخسائر التي تكبّدها، إذ أُعلن عن سقوط نحو 17 ألف ضحية خلال المعارك، بينهم خمسة آلاف فقدوا حياتهم، وحديث إسرائيلي عن تدمير ما يقارب 80 في المئة من ترسانة حزب الله الصاروخية.

تزامن هذا المسار مع تحوّل إقليمي واسع النطاق، ففي الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، سقط نظام بشار الأسد وفرّ إلى موسكو، منهياً حكمًا امتد أكثر من خمسة عقود، في تحول أنهى أحد أبرز أعمدة الدعم التي اعتمد عليها حزب الله، سواء من حيث طرق الإمداد أو القواعد الخلفية أو الغطاء السياسي. 

كما فرضت السلطات السورية الجديدة قيودًا مشددة على تدفق السلاح إلى لبنان. وفي هذا السياق، صرّح رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بأن “مقتل نصر الله صدّع محور الشر وتسبّب في سقوط الأسد”.

انعكست هذه التطورات على قراءة العديد من المتابعين لموقع الحزب، إذ اعتبروا ما جرى بأنه يمثل “نهاية حقبة” في تاريخ حزب الله، الذي دخل مرحلة جديدة تتعلق بمستقبل ترسانته العسكرية ودوره السياسي. كما أشار تقرير المعهد المصري للدراسات إلى أن الحزب وجد نفسه بعد اغتيال نصر الله في وضع يفتقر إلى قيادة موحدة وغطاء إقليمي فاعل، مع تراجع قدرته على التأثير في القرار اللبناني مقارنة بالمراحل السابقة.

في ضوء هذا الواقع، تبلور إدراك لدى أطراف متعددة داخل لبنان بأن لحظة مفصلية قد تشكّلت، ضمن قراءة استندت إلى فكرة أن تراجع قدرات الحزب يفتح المجال لإعادة طرح موقعه داخل النظام اللبناني، بدءًا من ملف السلاح، وفق محدد أن إضعاف الحزب عسكريًا أوجد هامشًا يمكن من خلاله إعادة توازن القوى لصالح الدولة.

نون بوست
لقاء سابق بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس البرلمان نبيه برّي.

انعكس هذا التوجه في خطوات سياسية اتخذتها السلطة التنفيذية الجديدة التي تشكّلت مطلع عام 2025، عقب انتخاب جوزاف عون رئيسًا للجمهورية وتكليف نواف سلام بتشكيل الحكومة، وكان من أبرز هذه الخطوات حذف بند “المقاومة” من البيان الوزاري، في سابقة كسرت عرفًا استمر منذ عام 2000، وهو ما حمل دلالات سياسية تتجاوز الصياغة إلى إعادة تعريف موقع الدولة في إدارة ملف القوة.

في المقابل، تعامل حزب الله مع هذه المرحلة ضمن إطار يرتبط بموقعه الوجودي، حيث رأى في التحولات مسارًا يمسّ أساس حضوره السياسي والعسكري وإرثه التاريخي، مع إدراك عميق بتأثير خسارة البيئة الإقليمية الداعمة، خصوصًا مع تراجع الدور السوري، وما يرتبط بذلك من تحديات تمس استمرارية منظومته العسكرية، وقد انعكس ذلك في تمسك الحزب بخياراته الأساسية، وربطه أي نقاش داخلي بسياقات أوسع تتعلق بالأمن الإقليمي وموازين القوة.

في ضوء ذلك، تبلورت ملامح مرحلة جديدة يمكن قراءتها كعملية إعادة تشكيل للمعادلة اللبنانية، تنتقل من إدارة التوازن بين الدولة والحزب إلى محاولة إعادة توزيع مصادر القوة بينهما، وتقدم هذا التحول بوتيرة متسارعة تتجاوز قدرة النظام اللبناني على إنتاج تسويات تدريجية، حيث تحرك المسار الرسمي نحو حصر قرار القوة داخل مؤسسات الدولة، في حين حافظ الحزب على موقعه كفاعل مستقل ضمن المسار الميداني والسياسي.

الذاكرة اللبنانية وتجارب تفجّر الخلاف السياسي

أثبت لبنان بتاريخه المعاصر، أن الفرز السياسي الحاد يُشكل جزءًا من الممارسة السياسية على مدار الحقب الأكثر حساسية في الذاكرة اللبنانية، مما يجعل استحضارها يتجاوز كونها خلفية سردية، وأن الملفات التي تمس توزيع القوة بين مكوناته الأساسية تحمل دائماً قابلية الانتقال من طاولة الحوار إلى الشارع.

في السابع عشر من مايو/ أيار 1983، وقّع لبنان وإسرائيل اتفاقاً برعاية أمريكية مباشرة، حمل في نصه الصريح التزامات متبادلة، إذ نصّ الاتفاق على انسحاب إسرائيلي تدريجي من لبنان خلال فترة تتراوح بين ثمانية واثني عشر أسبوعاً، بإشراف لجنة مشتركة من البلدين برعاية الولايات المتحدة، وإنشاء مكاتب اتصال تمهيداً لاتفاقيات تجارية، وإلغاء حالة الحرب بين البلدين. 

نون بوست
بدأت المفاوضات الرسمية في فندق “ليبانون بيتش” في بلدة خلدة الساحلية جنوب بيروت، في 28 ديسمبر/كانون أول 1982.

وافق المجلس النيابي اللبناني على الاتفاق في جلسة عقدها يومي الثالث عشر والرابع عشر من يونيو/حزيران 1983، أيّده خمسة وستون نائباً وعارضه نائبان فقط، مع امتناع أربعة وغياب تسعة عشر، غير أن هذا التصويت النيابي، على رمزيته الدستورية، لم يعكس التوازن الفعلي للقوى داخل لبنان والمحيط الإقليمي.

أدلى رئيس النظام السوري حافظ الأسد بالموقف الإقليمي الأكثر حسماً، فبعد أربع ساعات من شرح الموفد الأمريكي ريتشارد مورفي تفاصيل الاتفاق له في دمشق، قال الأسد بصراحة: “إن هذا الاتفاق لن يمر”. وعلى الصعيد اللبناني الداخلي، أعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري من أمام قصر بعبدا مباشرة بعد التوقيع أن هذا الاتفاق “ولد ميتاً”.

تصاعد الرفض الشعبي سريعاً، وشهد لبنان في مايو/أيار 1983 اندلاع حرب الجبل، تلتها انتفاضة السادس من فبراير/ شباط 1984 في بيروت حين سيطرت القوى الرافضة للاتفاق على القسم الغربي من العاصمة. وفي الخامس من مارس 1984، أعلن الرئيس أمين الجميل إلغاء الاتفاق وقطع العلاقات مع إسرائيل والتقرب من سوريا، لم تمضِ عليه أكثر من عشرة أشهر.

نون بوست

تكشف تجربة 17 مايو/أيار، في ضوء ما آلت إليه، قانوناً ثابتاً في السياسة اللبنانية يقضي باعتبار أي مسار تفاوضي يتقدم دون توافق وطني حقيقي وغطاء إقليمي كافٍ، محكوم عليه بالإسقاط. وهذا القانون لا يُلغيه تغيّر الأسماء والوجوه والظروف بين 1983 و2026، وقد لفت النائب نجاح واكيم، أحد النائبين اللذين صوّتا ضد الاتفاق آنذاك، إلى أن “المفاوضات لم تجرِ بين لبنان وإسرائيل، بل بين الوفد الإسرائيلي والوفد الأمريكي”، وهي ملاحظة تحمل صدىً لافتاً حين تُقرأ في سياق مفاوضات واشنطن الراهنة.

بعد خمسة وعشرين عاماً، جاءت أحداث أيار 2008 بنموذج مختلف في الشكل لكنه متصل في الجوهر، وما جمع بين تجربة 1983 وتجربة 2008 رغم فوارق التفاصيل، كان التشابه في البنية، إذ شهدت كلتا المرتين محاولة لإعادة تعريف موازين القوة دون توافق داخلي كافٍ، وكلتاهما أفضت إلى نتيجة تختلف جوهرياً عمّا أراده أصحاب القرار، إذ أُسقط الاتفاق في 1983. وفي 2008 انتقل الخلاف إلى الشارع وانتهى بتعزيز موقع الحزب. وفي كلتا الحالتين، أظهرت موازين القوة الفعلية، لا النصوص الرسمية، من يملك القرار في نهاية المطاف.

تكتسب هذه القراءة أهميتها المضاعفة في ضوء المرحلة الراهنة التي تشهد محاولة أعمق وأكثر جذرية لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والحزب، فما يجري اليوم يتجاوز قرارات حكومية موضعية كما حدث في 2008، ويتجاوز اتفاقاً تفاوضياً كما حدث في 1983، ليمس بنية التوازن الراسخة منذ الطائف. 

في الوقت ذاته، تشير التحولات الراهنة إلى عناصر اختلاف لا يصح تجاهلها، حيث سقط النظام السوري الذي حمى رفض التسويات إقليمياً، وتراجعت الحاضنة الإيرانية بعد الضربات التي تعرضت لها، وظهر داخل لبنان إرهاق متزايد من كلفة المواجهات يتجلى في خطاب اجتماعي وسياسي لم يكن بهذه الحدة في مراحل سابقة.

غير أن هذه العناصر لا تلغي الثقل الذي تحمله الذاكرة اللبنانية، حيث ترتبط مسألة السلاح والتمثيل السياسي بحساسيات طائفية وسياسية لم تنضج بعد للحسم، فمع تصاعد الخطاب المتقابل حول شرعية السلاح وشرعية القرار الرسمي، تتشكل بيئة قابلة لإعادة إنتاج الانقسام، خاصة إذا تقدمت الخطوات السياسية بوتيرة تتجاوز قدرة النظام اللبناني على استيعابها؛ وهي وتيرة تبدو اليوم في ضوء الضغط الخارجي المتسارع ومتطلبات مفاوضات واشنطن، أسرع مما تحتمله التسويات الداخلية الهشة.

الجنوب كساحة اختبار

خلال خمسة عشر شهراً فصلت بين هدنة نوفمبر/تشرين الثاني 2024 وعودة الاشتباك في مارس/آذار 2026، لم يكن الجنوب اللبناني يعيش هدوءاً، إذ كان يتشكّل فيه واقع جديد بصمت، فعلى الرغم من التزام حزب الله ضمنياً بالهدنة، واصلت إسرائيل غاراتها الجوية بوتيرة شبه يومية مستهدفةً كوادر الحزب وبيئته الحاضنة، وأبقت على وجودها العسكري في خمس نقاط استراتيجية رفضت الانسحاب منها، وواصلت عمليات التمشيط والتحرك البري في قرى الجنوب خلافاً لشروط اتفاق وقف إطلاق النار، ما أنتج واقع يشبه الاستنزاف المفتوح من طرف واحد، إذ ينزف حزب الله يومياً دون أن يردّ، والدولة اللبنانية تُدير مسارها الدبلوماسي عبر القنوات الدولية دون أن تمتلك أدوات ضغط ميدانية مقابلة.

مع مرور الوقت، تبلور داخل حزب الله إدراك بأن استمرار هذا الوضع يعيد تشكيل قواعد الاشتباك لصالح إسرائيل، وأن التهدئة التي فُرضت بعد انكساره العسكري باتت تُقيّده دون أن تُقيّد خصمه، في حين احتاج أن يمنح الوقت اللازم للمسار الرسمي المتمثل في الدولة اللبنانية لاستنفاذ كل المساحة المتاحة لكشف حدود القدرة الدبلوماسية المستندة إلى الرعاية الأمريكية المتبينة بشكل كامل للخطاب والأهداف الإسرائيلية، وقد كان هذا واضحًا في خطابات الأمين العام للحزب نعيم قاسم، الذي عمد فيها إلى تحميل الدولة مسؤولية حماية الجنوب ووقف الاعتداءات الإسرائيلية.

نون بوست
الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام وأعضاء مجلس الوزراء يقفون أثناء حضورهم جلسة لمجلس الوزراء لمناقشة خطة الجيش لنزع سلاح حزب الله، في القصر الرئاسي في بعبدا، لبنان، 5 سبتمبر/أيلول 2025. تصوير: محمد عزاقير، رويترز.

وحين جاءت اللحظة الإقليمية المناسبة باغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي وانفجار الحرب بين واشنطن وطهران في الثامن والعشرين من فبراير/تشرين الثاني 2026، أطلق حزب الله صواريخه في الثاني من مارس/آذار، وبقدر ما تبدو هذه العودة للاشتباك قراراً إقليمياً بحتاً، إلا أن الواقع يؤشر إلى تلاقي الحاجة الموضوعية للحزب لإعادة فرض قواعد اشتباك جديدة مع اللحظة الإيرانية واستثمارها، وكما لاحظ تقرير الجزيرة للدراسات، فإن الحزب دخل هذه الجولة مدركاً أن لا وجود ولا مستقبل له إن هو خسر الحاضنة الإيرانية بعد خسارته الشريان السوري.

ردّت إسرائيل بعملية واسعة تجاوزت الرد العسكري المتناسب نحو منطق إعادة تشكيل الجغرافيا الميدانية برمّتها، وسارعت إلى السيطرة على مناطق استراتيجية في الجنوب، وأصدرت أوامر إخلاء لأكثر من ثمانين قرية، ونفّذت عمليات تدمير ممنهجة طالت قرى بأكملها. 

في الوقت ذاته، فتحت واشنطن مساراً دبلوماسياً موازياً انسجم مع تحرك دبلوماسي لوقف الحرب أيضًا على إيران، ففي التاسع من أبريل/ نيسان أُعلن عن جدول أول جولة مفاوضات مباشرة بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية منذ عام 1993، وفي الرابع عشر منه جلس الممثلون إلى طاولة واحدة في وزارة الخارجية الأمريكية. 

وقد وضع نتنياهو لهذه المحادثات شرطين صريحين: “نريد تفكيك سلاح حزب الله، ونريد اتفاق سلام حقيقي يدوم لأجيال”، وأكد مسؤول أمريكي بارز في تصريحات صحفية أن مفاوضات وقف إطلاق النار في لبنان منفصلة عن المحادثات التي استضافتها إسلام آباد بين واشنطن وطهران.

في هذه المعادلة، تجلى بوضوح وجود مسارين؛ مسار واشنطن يهدف إلى التفاوض مع الدولة اللبنانية بوصفها الممثل الرسمي الوحيد، فاصلاً إياها عن حزب الله، ومُحاولاً تحقيق اتفاق يندرج ضمن سياق أوسع يرتبط بإعادة تشكيل الاصطفافات الإقليمية. 

وقد أبدى رئيس المجلس السياسي لحزب الله محمد رعد موقفه صراحةً، حين دعا السلطة اللبنانية إلى الانسحاب من المفاوضات معتبراً أن “أي تواصل رسمي أو لقاء يجمع بين طرف لبناني وإسرائيلي في حال الحرب القائمة لن يحظى بتوافق وطني لبناني على الإطلاق”.

في المقابل، يجري في إسلام آباد مسار مختلف كلياً، إذ طرحت باكستان في الخامس من أبريل/ نيسان 2026، مسودة للوصول لوقف مؤقت لإطلاق النار الإيراني-الأمريكي بهدف التفاوض للوصول لاتفاق كامل، وهو ما وافق عليه الطرفان في السابع من أبريل/ نيسان، وأعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن الاتفاق يشمل جميع الجبهات بما فيها لبنان.

نون بوست
رجل يقف إلى جانب مبانٍ متضررة جراء غارات إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت، 27 مارس/آذار 2026. تصوير: رويترز / سترينغر.

غير أن إسرائيل والولايات المتحدة نفتا ذلك صراحةً، رغم أن إيران قد أدرجت ملف لبنان ضمن مطالبها العشر للمفاوضات، وعلّقت مشاركتها في إسلام آباد حين واصلت إسرائيل عملياتها في الجنوب، مؤكدةً عبر رئيس برلمانها محمد باقر قاليباف أن وقف إطلاق النار في لبنان شرط يجب تنفيذه قبل بدء المفاوضات.

بين هذين المسارين، تتشكل رهانات الداخل اللبناني، إذ يراهن حزب الله على أن نجاح مسار إسلام آباد قد يُفضي إلى تهدئة شاملة تدفع إسرائيل نحو الانسحاب وتُعيد تثبيت قواعد اشتباك تلزمها بوقف اعتداءاتها، بما ينعكس على إعادة ترميم موقعه الداخلي وتعزيز معادلته بوصفه قوة مقاومة. 

في المقابل، تراهن الحكومة اللبنانية على أن مسار واشنطن يمكن أن يحقق استقراراً طويل الأمد يؤسس لمرحلة تُعاد فيها صياغة دور الدولة وتُكرّس سردية حصرية السلاح واحتكار القرار السيادي.

هكذا يتشكّل في الجنوب ثلاث مسارات متوازية لا يُنتج أيٌّ منها تسوية حقيقية، بحيث تتفاوض الدولة اللبنانية في واشنطن وتطالب بالانسحاب وعودة النازحين، وإسرائيل تواصل عملياتها في الجنوب وتشترط نزع سلاح الحزب قبل أي انسحاب، وحزب الله يواصل اشتباكه رافضاً المحادثات مطالباً بانسحاب كامل.

النظام السياسي تحت ضغط التحول

حين انعقدت في الرابع عشر من أبريل/ نيسان 2026 أولى جلسات التفاوض المباشر بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل في واشنطن، وهي الأولى من نوعها منذ عام 1993، شكل الحدث اختباراً لما يتحمله النظام السياسي اللبناني من ضغط وما يحتمله من انقسام. وقد أشعل هذا اليوم وحده جدلاً داخلياً بلغت فيه الاتهامات حد الخيانة والعار، كاشفاً أن الانقسام يتجاوز أسلوب التفاوض، وصولًا لهوية الدولة نفسها.

تحولت منصة إكس إلى مواجهة افتراضية مفتوحة بين الآراء المتباينة؛ فبينما تبنّى مؤيدو المفاوضات خطاب “الدولة أولاً” واعتبروها خطوة ضرورية للخروج من دوامة التصعيد، وصفها معارضون بأنها “تطبيع مقنّع” يفرّغ التضحيات من معناها، إذ رأى بعض المستخدمين أن الذهاب إلى مفاوضات مباشرة يشكّل لحظة مفصلية لفك الارتباط مع المحاور الإقليمية. وقد وصف معارضو المفاوضات الرابع عشر من أبريل بـ”ثلاثاء العار“، في مقابل من رأوا فيه لحظة استرداد لسيادة الدولة.

أما الموقف الرسمي لحزب الله فكان قاطعاً، إذ صرّح وفيق صفا، العضو البارز في المجلس السياسي لحزب الله، بأن الحزب لن يلتزم بأي اتفاقات قد تنتج عن المحادثات، قائلاً: “بالنسبة لنتائج هذه المفاوضات بين لبنان والعدو الإسرائيلي، فنحن غير مهتمين بها ولا تعنينا على الإطلاق”. 

وأكد أن حزب الله لا يتواصل حالياً بشكل مباشر مع الرئيس عون أو رئيس الوزراء سلام، وأن جميع اتصالاتهم تمر عبر رئيس البرلمان نبيه بري. وذهب نائب رئيس المجلس السياسي محمود قماطي إلى أبعد من ذلك، محذراً من أن موقف الحكومة المناهض للحزب قد يؤدي إلى انقسام داخلي ويدفع لبنان نحو الفوضى.

في مواجهة هذا الرفض، ردّ الرئيس عون بعبارة حادة في السابع والعشرين من أبريل/ نيسان، قائلاً: “من جرّنا إلى الحرب يحاسبنا اليوم لأننا اخترنا التفاوض”، في إشارة مباشرة إلى حزب الله. وأعلن أن هذا التوجه “سيواجه انتقادات وهجمات سياسية، لكنه ضرورة تاريخية قد تفتح الباب أمام ما يشبه استقلالاً ثانياً يعيد للبنان استقراره ودوره كدولة كاملة السيادة”.

لكن التشقق لم يقتصر على الخط الفاصل بين الحكومة والحزب، فحتى داخل قوى المعارضة التقليدية لحزب الله ظهرت تباينات، فوليد جنبلاط، يفضل السعي نحو تحديث إطار اتفاقية الهدنة لعام 1949 بدل الذهاب إلى خيارات أكثر حساسية على المستوى الداخلي، بعيداً عن أي مسار تطبيعي أو اتفاق سلام شامل. وقد اعتبر نبيه بري أن تصريحات عون حول مسار التفاوض “غير دقيقة”، ما يكشف عن هوة داخل مختلف المعسكرات.

وما يضاعف تعقيد المشهد أن الانقسام يجري في ظل تصعيد إقليمي يضخّ في عروقه، فالتصعيد المرتبط بالحرب على إيران أوجد بيئة إقليمية أكثر حدة، دفعت أطرافاً خليجية وإقليمية لتبني مواقف أكثر مباشرة في التعامل مع نفوذ إيران وحلفائها في لبنان.

وقد أشار تقرير لمعهد السياسة والمجتمع إلى معضلة بنيوية أعمق تتمثل في كون الدولة اللبنانية تعاني من ازدواجية في تعريف دورها، ولم تعد واضحة في موقفها تجاه مواجهة العدوان، وأن لبنان عند دخوله أي مفاوضات دولية لا يمتلك أوراق قوة كافية تدعم موقفه في ظل هذه الانقسامات، فالدولة تفاوض دون أن تملك أداة الضغط الميداني، والحزب يمتلك هذه الأداة دون أن يملك الشرعية التفاوضية الرسمية، والنتيجة أن لبنان يدخل مفاوضات وجودية دون موقف وطني موحد يمنحها زخماً حقيقياً.

في هذه اللحظة بالذات يتجلى ما يمكن تسميته اختبار النظام الأعمق: هل يستطيع النظام السياسي القائم على التوافق الهش أن يُنتج قرارات مصيرية في لحظة ضغط كهذه؟ وهل يمكن للمعادلة التي قامت على استيعاب التناقض بدل حسمه أن تحتمل ما يُطلب منها الآن؟ تاريخ لبنان يُجيب بتحفظ بالغ. فكل مرة طُرح فيها هذا السؤال بهذه الحدة، لم يُحسم بالسياسة وحدها.

هل تصل التوازنات الهشة إلى مفترق طرق؟

نجح لبنان تاريخيًا في العبور من مفترقات الأزمات الكبرى، عبر إنتاج صيغ تسوية خاصة به، لا تشبه أي نموذج سياسي آخر، وقابلة للاستمرار داخله فقط، غير أن هذه الصيغ راكمت توازنات هشة، لم تُفضِ إلى بناء دولة مستقرة أو مؤسسات فاعلة، بقدر ما أعادت إنتاج نظام يقوم على التعطيل المتبادل و”ميثاقية” الطوائف.

اليوم، تتعرض هذه المعادلات لاختبار غير مسبوق، في ظل تحولات إقليمية متسارعة، وبيئة دولية أكثر اندفاعًا، تقودها إدارة شعبوية في واشنطن، وحكومة يمين متطرف في تل أبيب، تسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة. هذه التحولات تضع لبنان في قلب عاصفة تعيد طرح أسئلته المؤجلة حول السيادة، والسلاح، وطبيعة النظام.

يحمل المسار القائم الذي تدفع فيه إسرائيل إلى معادلة التهدئة مع الدولة اللبنانية، واستمرار الحرب مع حزب الله، مخاطر عميقة تتمثل في محاولة متواصلة نحو فصل المسارين السياسي والعسكري، وفتح الباب أمام اتفاقات قد تتبلور ضمن مسار التفاوض المباشر في واشنطن، دون توافق لبناني جامع.

في المقابل، يراهن حزب الله على استعادة زمام المبادرة عبر الاشتباك في الجنوب، وعلى إعادة تثبيت قواعد الردع، مستندًا إلى مسار إقليمي أوسع يرتبط بالتفاهمات الجارية مع إيران، ويستهدف في ذات الوقت ترميم سرديته كمقاومة، وتعزيز موقعه الداخلي، والحفاظ على شرعية سلاحه ضمن معادلة القوة القائمة.

في ذات الإطار، تبقى السلطة السياسية في لبنان تواجه معضلة بنيوية، ترتبط بطبيعة النظام القائم على التوافق، فالحكومة الحالية، رغم تجاوزها معادلة الثلث المعطل، تبقى محكومة بتوازنات دقيقة وشرعية في مهب الريح، تجعل قدرتها على فرض مسار سياسي أحادي محدودة، خاصة في حال تمكن حزب الله من إعادة تثبيت حضوره الميداني والسياسي.

في ظل هذا المشهد، يبقى لبنان مفتوحًا على مسارات متباينة ما بين إعادة إنتاج التوازنات بصيغة جديدة، أو استمرار الشلل السياسي، أو الانزلاق نحو مستويات أعلى من الاحتكاك الداخلي. كما تبرز احتمالات أكثر حدة، تشمل العودة إلى الخطاب الفيدرالي، أو تدخلات إقليمية مباشرة تسعى إلى فرض توازنات جديدة.

في المحصلة، يتجاوز الصراع شكل التهدئة ومستقبل سلاح حزب الله، ليمتد إلى هوية الدولة، وكيف تُدار القوة داخلها، وأي صيغة يمكن أن تضمن بقاءها. وبين هذه الأسئلة، يقف لبنان مرة أخرى عند مفترق طرق، يتداخل فيه ما هو داخلي مع ما يجري في محيطه، على نحو يجعل الفصل بينهما مسألة شديدة التعقيد.

الوسوم: الاحتلال الإسرائيلي ، الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الشأن اللبناني ، الصراع الإسرائيلي مع حزب الله
الوسوم: الاحتلال الإسرائيلي ، الشأن اللبناني ، حزب الله ، معمقة
تحميل هذا المقال بصيغة PDF
شارك هذا المقال
فيسبوك تويتر واتساب واتساب التليجرام البريد الإلكتروني نسخ الرابط
أحمد الطناني
بواسطة أحمد الطناني كاتب وباحث في الشأن السياسي
متابعة:
كاتب وباحث في الشأن السياسي
المقال السابق نون بوست بين الوعود والواقع.. دير الزور عالقة في مرحلة ما بعد الحرب

اقرأ المزيد

  • كيف تبني إسرائيل بنك أهدافها في لبنان باستخدام الذكاء الاصطناعي؟ كيف تبني إسرائيل بنك أهدافها في لبنان باستخدام الذكاء الاصطناعي؟
  • وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل.. الحكومة اللبنانية بلا نفوذ يُذكر
  • خطف واستدراج.. كيف اعتقلت "إسرائيل" 24 لبنانيا منذ بدء العدوان؟
  • اجتماع باريس.. نزع سلاح "حزب الله" يتحول إلى خطة تنفيذية
  • عقود من الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلية: كيف أُنهكت قوة حزب الله؟
part of the design
نشرة نون بوست الأسبوعية

قد يعجبك ايضا

كيف تبني إسرائيل بنك أهدافها في لبنان باستخدام الذكاء الاصطناعي؟

كيف تبني إسرائيل بنك أهدافها في لبنان باستخدام الذكاء الاصطناعي؟

نبيه بولس نبيه بولس ٥ مايو ,٢٠٢٦
كيف يتغلغل الاستيطان في قلب القدس؟.. حوار في السيطرة والهندسة السكانية

كيف يتغلغل الاستيطان في قلب القدس؟.. حوار في السيطرة والهندسة السكانية

سندس بعيرات سندس بعيرات ٤ مايو ,٢٠٢٦
“اقتادوه إلى جهة مجهولة”.. عائلات سورية تفتش عن أبنائها في سجون الاحتلال

“اقتادوه إلى جهة مجهولة”.. عائلات سورية تفتش عن أبنائها في سجون الاحتلال

حسن إبراهيم حسن إبراهيم ١ مايو ,٢٠٢٦
dark

منصة إعلامية مستقلة، تأسست عام 2013، تنتمي لمدرسة الصحافة المتأنية، تنتج تقارير وتحليلات معمقة ومحتوى متعدد الوسائط لتقديم رؤية أعمق للأخبار، ويقوم عليها فريق شبابي متنوّع المشارب والخلفيات من دول عربية عدة.

  • سياسة
  • مجتمع
  • حقوق وحريات
  • آراء
  • تاريخ
  • رياضة
  • تعليم
  • تكنولوجيا
  • اقتصاد
  • صحافة
  • أدب وفن
  • ريادة أعمال
  • سياحة وسفر
  • سينما ودراما
  • طعام
  • صحة
  • ثقافة
  • أحدث التقارير
  • ملفات
  • مطولات
  • حوارات
  • بودكاست
  • تفاعلي
  • الموسوعة
  • بالصور
  • من نحن
  • كتّابنا
  • اكتب معنا
  • السياسة التحريرية
  • بحث متقدم
بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

تمت الإزالة من المفضلة

تراجع
Go to mobile version